Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ المقدمة الخبث لأنه من قبيل التروك كالزنا فتارك الزنا من حيث إسقاط العقاب لا يحتاجها ومن حيث تحصيل الثواب على الترك يحتاجها وكذا إزالة النجس لا يحتاج فيه إليها من حيث التطهير ويحتاجها من حيث الثواب على امتثال أمر الشرع وأعمال الكفار خارجة عن الحكم لإرادة العبادة وهي لا تصح منهم مع خطابهم بها وعقابهم بتركها وصحة نحو عتق وصدقة ووقف بدليل خاص. وتقييد بعض شرّاح البخاري بالمكلفين هلهل بالمرة كيف وعبادة الصبي المميز كذلك فلا تصح صلاته إلّ بنية معتبرة اتفاقاً. والباء للاستعانة أو للمصاحبة أو للسببية لأنها مقوية للعمل فكأنها سبب في إيجاده ثم التقدير الأعمال بنياتها فيدل على اعتبار نية العمل من الصلاة وغيرها الفرضية والنفلية والتعيين من ظهر أو عصر مقصورة أو غير ذلك، وإنمّا لم يجب تعيين العدد لأن تعيين العبادة لا ينفك عنه وشرعت تمييزاً للعبادة عن العادة ولتمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض (وإنما لكل امرىء) أي إنسان قال في القاموس: المرء الإنسان أو الرجل وفيه لغتان أمركزبرج ومرء كفلس ولا جمع له من لفظه وهو من الغرائب لأن عين فعله تابعة للام في الحركات الثلاث دائماً. وفي مؤنثه أيضاً لغتان امرأة ومرأة، وفي الحديث استعمل اللغة الأولى منهما في كل من النوعين، إذ قال لكل امرىء امرأة، ذكره الكرماني. والمراد أن ليس من عمله الاختياري القصدي إلّ (ما) أي جزاء الذي (نوي) من خير وشر نفياً وإثباتاً فالإثبات له ما نواه والنفي لا يحصل له غير ما نواه فحظ العامل من عمله ما نواه لا صورته فهذه الجملة أيضاً مفيدة للحصر وهي تذييل. قال القاضي: وهاتان قاعدتان عظيمتان فالجملة الأولى تضمنت أن العمل الاختياري لا يحصل بغير نية بل لا بد للعامل من نية الفعل والتعبین فیما یتلبّس به، والثانية تضمنت أنه يعود عليه من نفع عمله وضرره بحسب المنوي ومنع الاستنابة في النّة إلّ في مسائل لمدرك يخصها، وقيل الثانية تدل على أن من نوى شيئاً يحصل له وإن لم يعمل لمانع شرعي كمريض تخلّف عن الجماعة وما لم ينوه لم يحصل له، أي ما لم ينوه مطلقاً لا خصوصاً ولا عموماً إذ لو لم ينو مخصوصاً وله نية عامّة كفاه أحياناً كداخل مسجد أحرم بالفرض أو غيره تحصل التحية وإن لم ينو وعدم حصول غسل الجمعة بجنابة لمدرك يخصه. ثم كشفه عمّا في تينك القاعدتين لما فيهما من نوع إجمال قد يخفى روماً للإيضاح ونصاً على صورة السبب الباعث على الحديث وهو كما في معجم الطبراني وغيره وذهل عنه ابن رجب فأنكره بإسناده. قال الحافظ العراقي في موضع جيد: وفي آخر رجاله ثقات أن رجلاً خطب امرأة تسمى أم قيس. قال ابن دحية: واسمها قيلة فأبت حتى يهاجر فهاجر لأجلها فعرض به تنفیراً من مثل قصده فقال: (فمن كانت هجرته) إلى آخر ما يأتي فتأمل ارتباط هذه الجمل الثلاث وتقرير كل جملة منها بالتي بعدها وإيقاعها كالشرح لها تجده بديعاً وتعلم وجه اختصاص المصطفى (َلي) بجوامع الكلم التي لا يهتدي إليها إلا الفحول. الهجر الترك، قال الكرماني: وهنا أراد ترك الوطن ومفارقة الأهل ويسمى الذين تركوا الوطن وتحولوا إلى المدينة بالمهاجرين لذلك والمعنى من كانت هجرته (إلى الله ورسوله) قصداً ونية وعزماً (فهجرته) ببدنه وجوارحه (إلى الله ورسوله) ثواباً وأجراً وتقديره فمن كانت نيتّه في الهجرة التقرّب إلى الله فهجرته إلى الله ورسوله أي مقبولة؛ إذ الشرط والجزاء وكذا المبتدأ والخبر إذا ٤٢ المقدمة وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا اتحدا صورة يعلم منه تعظيم كما في هذه الجملة أو تحقير كما في التي بعدها فالجزاء هنا كناية عن قبول هجرته. وقال بعضهم: الجزاء محذوف وتقديره فله ثواب الهجرة عند الله والمذكور مستلزم له دالٌ عليه أي فهجرته عظيمة شريفة أو مقبولة صحيحة. والتصريح باسم الله تعالى ورسوله للتبرك والتلذّذ؛ وبما تقرر من التقدير اتضح أنه ليس الجزاء عين الشرط حقيقة على أنه قد يقصد بجواب الشرط بيان الشهرة وعدم التنفير فيتحد بالجزاء لفظاً نحو من قصدني فقد قصدني؛ هذا محصول ما دفعوا به توهم الإتحاد الذي شهد العقل الصحيح والنقل الصريح بأنه غير صحيح. قال الصفوي: وبالحقيقة الإشكال مدفوع من أصله لأن الهجرة هي الانتقال وهو أمر يقتضي ما ينتقل إليه ويسمى مهاجراً إليه وما يبعث على الانتقال هو المهاجر له. والفقرتان لبيان أن العبرة بالباعث وذلك إنما يظهر إذا كانت ((إلى)) في جملتي الشرط بمعنى اللّم فإذا تركت في الجزاء على معناها الوضعي الحقيقي فلا اتحاد والمعنى من هاجر لله ولرسوله أي لاتباع أمرهما وابتغاء مرضاتهما فقد هاجر إليهما حقيقة وإن كان ظاهراً منتقلاً إلى الدنيا ونعيمها ومن هاجر لغيرهما فالمهاجر إليه ذلك وإن انتقل إلى النبي ظاهراً. ثم أصل الهجرة الانتقال من محل إلى محل كما تقرر لكن كثيراً ما تستعمل في الأشخاص والأعيان والمعاني وذلك في حقه تعالى إمّا على التشبيه البليغ أي كأنه هاجر إليه أو الاستعارة المكنية أو هو على حذف مضاف أي محل رضاه وثوابه وأمره ورحمته أو يقال الانتقال إلى الشيء عبارة عن الانتقال إلى محل يجده فيه ووجدان كل أحد ونيله على ما يليق به وكذا محل النيل أعم من المحال المعنوية والمراتب العلية والأمكنة الصورية ولهذا تراهم ينتقلون من مرتبة إلى مرتبة، ومن مقام إلى مقام، فالمراد الانتقال إلى محل قربه المعنوي وما يليق به؛ ألا ترى ما اشتهر على ألسنة القوم من السير إلى الله تعالى ونحو ذلك أو يقال: إن ذكر الله للتعظيم والتبرك ومثله غير عزيز؛ أرأيت ما ذكروه في ﴿أن لله خمسه وللرسول﴾ [الأنفال: ٤١] أو الإيماء إلى الاتحاد على ما قرروه في ﴿إن الذين يبايعونك إنمّا يبايعون الله﴾ [الفتح: ١٠] إن المعاملة مع حبيب الله كالمعاملة مع الله فيده يده وبيعته بيعته والهجرة إليه هجرة إليه وأمثال هذه المسامحات في كلام الشارع كثيرة: ﴿وأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥] والحاصل أنه أريد بالهجرة هنا مطلق الانتقال والتجاوز من شيء إلى شيء صورياً أو معنوياً فالحديث من جوامع الكلم التي لا يخرج عنها عمل أصلاً فإن كل عمل فيه انتقال من حال إلى حال (ومن كانت هجرته إلى دنيا) بضم أوله وحكي كسره وبقصره بلا تنوين، إذ هو غير منصرف للزوم ألف التأنيث فيه وحكي تنوينه من الدنو لسبقها الآخرة أو لدنوها إلى الزوال أو من الدناءة أي الخسّة وموصوفها محذوف، أي الحياة الدنيا وحقيقتها جميع المخلوقات الموجودة قبل الآخرة أو الأرض والجو والهواء والأول كما قاله ابن حجر أرجح لكن المراد هنا، كما قال الخلخالي: متاع من متاعها (يصيبها) أي يحصلّها شبه تحصيلها عند امتداد الأطماع نحوها بإصابة السهم الغرض بجامع سرعة الوصول وحصول المراد (أو امرأة) في رواية أو إلى امرأة (ينكحها) أي يتزوجها خصص بعد ما عمّم تنبيهاً على زيادة التحذير من النساء إيذاناً بأنهن أعظم زينة الدنيا خطراً وأشدها تبعة وضرراً، ومن ثم جعلت في التنزّيل عين الشهوات ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء﴾ [الأنعام: ١٢٢] وقول بعضهم لفظ: ((دنيا)) نكرة ٤٣ المقدمة فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)). (ق ٤) عن عمر بن الخطاب، (حل قط) في غرائب مالك عن أبي وهي لا تعم في الإثبات فلا يلزم دخول المرأة فيها منع بأنها تعم في سياق الشرط، نعم يعكر عليه قول ابن مالك في شرح العمدة إن عطف الخاص على العام يختص بالواو ولذلك ذهب بعضهم إلى أن الأجود جعل أو للتقسيم وجعلها قسماً مقابلاً للدنيا إيذاناً بشدة فتنتها (فهجرته إلى ما هاجر إليه) من الدنيا والمرأة وإن كانت صورتها صورة الهجرة لله ولرسوله، وأورد الظاهر في الجملة الأولى تبركاً والتذاذاً بذكر الحق جل وعز ورسوله عليه السلام تعظيماً لهما بالتكرار وتركه هنا حثاً على الإعراض عن الدنيا والنساء وعدم الاحتفال بشأنهما وتنبيهاً على أن العدول عن ذكرهما أبلغ في الزجر عن قصدهما. فكأنه قال إلى ما هاجر إليه وهو حقير لا يجدي لأن ذكرهما يحلو عند العامة فلو کرر ربما علق بقلب بعضهم فرضي به وظنه العيش الكامل فضرب عنهما صفحاً لذلك وذم قاصد أحدهما وإن قصد مباحاً لكونه خرج لطلب فضيلة الهجرة ظاهراً وأبطن غيره، فالمراد بقرينة السياق ذم من هاجر لطلب المرأة بصورة الهجرة الخالصة فمن طلب الدنيا أو التزوج مع الهجرة بدون ذلك التمويه أو طلبهما لا على صورة الهجرة فلا يذم بل قد يمدح إذا كان قصده نحو إعفاف، وقد نبه بالدنيا والمرأة على ذم الوقوف مع حظ النفس والعمل عليه فمعنى (هجرته إلى الله ورسوله) الارتحال من الأكوان إلى المكوّن ومعنى: (هجرته إلى ما هاجر إليه) البقاء مع الأكوان والشغل بها ففيه تلويح بأنه ينبغي للسالك كونه عالي الهمّة والنية فلا يلتفت إلى غير المكوّن كما أفصح عنه في الحكم حيث قال: العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه ويطلب ما لا بقاء له معه فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، ولا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى يسير والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل عنه ولكن ارحل من الأكوان(١) إلى المكوّن كما أفصح عنه في قوله تعالى: ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ [النجم: ٤٢]. وانظر إلى قوله: (فمن كانت هجرته) إلى آخره. وهذا الحديث أصل في الأخلاص ومن جوامع الكلم التي لا يخرج عنها عمل أصلاً ولهذا تواتر النقل عن الأعلام بعموم نفعه وعظم وقعه. قال أبو عبيد: ليس في الأحاديث أجمع ولا أغنى ولا أنفع ولا أكثر فائدة منه واتفق الشافعي وأحمد وابن المديني وابن مهدي وأبو داود والدارقطني وغيرهم على أنه ثلث العلم ومنهم من قال ربعه. ووجه البيهقي كونه ثلثه بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه فالنية أحد أقسامها وأرجحها لأنها قد تكون عبادة مستقلة وغيرها محتاج إليها ومن ثم يأتي في حديث: ((نيّة المؤمن خير من عمله)) وكلام الإمام أحمد يدل على أنه أراد بكونه ثلث العلم أنه أحد القواعد الثلاث يردّ إليها جميع الأحكام عنده فإنه قال: أصول الإسلام تدور على ثلاثة أحاديث ((الأعمال بالنيّة)). و ((من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)). و((الحلال بين والحرام بين)). وقال أبو داود: مدار السنة على أربعة أحاديث حديث: ((الأعمال بالنيّة)) وحديث ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) وحديث ((الحلال (١) قال بعض المحققين: الأكوان كلها متساوية في كونها أغيار وإن كان بعضها أنوار، وتمثيله بحمار الرحى مبالغة في تقبيح حال العاملين على رؤية الأغيار اهـ. ٤٤ المقدمة بين والحرام بين)) وحديث ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) وفي رواية عنه يكفي الإنسان لدينه أربعة أحاديث فذكرها وذكر بدل الأخير حديث: «لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضي لأخيه ما يرضي لنفسه)). وقال الشافعي: حديث ((النيّة يدخل في سبعين باباً من الفقه وما ترك لمبطل ولا مضار ولا محتال حجة إلى لقاء الله)). وحمل بعضهم قول: ((سبعين باباً) على إرادة التكثير أو نظراً للجمل لا للجزئيات. وهو كلام من لم يمارس الفقه أدنى ممارسة بل يدخل في زيادة عليها حقيقة فما يدخل فيه الوضوء والغسل ومسح الخفين في مسألة الجرموق والتيمم وإزالة النجس على رأي، وغسل الميت على وجه، وفي مسألة الضبة بقصد الزينة ودونه والصلاة بأنواعها والقصر والجمع والإمامة والاقتداء وسجود التلاوة والشكر وخطبة الجمعة على وجه والأذان على رأي، وأداء الزكاة واستعمال الحلي أو كنزه والتجارة والقنية والخلطة على قول وبيع المال الزكوي وصدقة النفل والصوم والاعتكاف والحج والطواف وتحلل المحصر والتمتع على رأي، ومجاوزة الميقات والسعي والوقوف على رأي، والفداء والهدايا والضحايا والنذر والكفارة والجهاد والعتق والتدبير والكتابة والوصية والنكاح والوقف وجميعٍ القرب، بمعنى توقف حصول الثواب على قصد التقرب بها وكذا نشر العلم تعليماً وإفتاء وتأليفاً والحكم بين الناس وإقامة الحدود وتحمل الشهادة وأداؤها وكنايات البيع والهبة والوقف والقرض والضمان والإبراء والحوالة والإقالة والوكالة وتفويض القضاء والإقرار والإجارة والطلاق والخلع والرجعة والإيلاء والظهار واللعان والأيمان والقذف والأمان. ويدخل في غير الكنايات في مسائل كقصد لفظ الصريح لمعناه ونية المعقود عليه في البيع والثمن وعوض الخلع والمنكوحة، وفي النكاح إذا نوى ما لو صرح به بطل وفي القصاص في مسائل شتى منها تمييز العمد وشبهه من الخطأ ومنها إذا قتل الوكيل في القول إن قصد قتله عن الموكل أو قتله لشهوة نفسه، وفي الردة والسرقة فيما لو أخذ آلة اللهو بقصد كسرها أو سرقتها وفيما لو أخذ الدائن مال المدين بقصد الاستيفاء أو السرقة فيقطع في الثاني دون الأول وفي أداء الدين فيما لو كان عليه دينان لرجل بأحدهما رهن، وفي اللقطة بقصد الحفظ أو التملك، وفيما لو أسلم على أكثر من أربع فقال فسخت نكاح هذه فإن نوى به الطلاق كان تعييناً لاختيار المنكوحة أو الفراق أو أطلق حمل على اختيار الفراق، وفيما لو وطىء أمة بشبهة يظنها زوجته الحرّة فإن الولد ينعقد حراً وفيما لو تعاطى فعل شيء له وهو يعتقد حرمته كوطئه من يعتقد أنها أجنبية فإذا هي حليلته أو قتل من ظنه معصوماً فبان مستحق دمه أو أتلف مالاً يظنه لغيره فبان ملكه وعكسه من وطىء أجنبية يظنها حليلته لا يترتب عليه عقوبة الزاني أعتباراً بنيّته. وتدخل النية أيضاً في عصير العنب بقصد الخلية أو الخمرية وفي الهجر فوق ثلاث فإنه حرام إن قصده وإلا فلا، ونظيره ترك التطيب والزينة فوق ثلاث لموت غير الزوج فإنه إن كان يقصد الإحداد حرم وإلّ فلا، ويدخل في نية قطع السفر وقطع القراءة في الصلاة وقراءة الجنب بقصده أو بقصد الذكر وفي الصلاة بقصد الإفهام وفي الجعالة إذا التزم جعلالمعين فشاركه غيره في العمل إن قصد إعانته فله كل الجعل وإن قصد العمل للمالك فله قسطه ولا شيء للمشارك وفي الذبائح كذا، قرر هذه الأحكام بعض أئمتنا إجمالاً وقد فصل شيخ الإسلام الولي العراقي كثيراً منها فقال في الحديث فوائد منها أن النيّة تجب في الوضوء وفي الغسل ٤٥ المقدمة وهو قول الأئمة الثلاثة خلافاً للحنفية والتيمم خلافاً للأوزاعي، وإن الكافر إذا أجنب فاغتسل ثم أسلم لا تلزمه إعادة الغسل وهو قول أبي حنيفة وخالفه الشافعي، وأنه يلزم الزوج النية إذا غسل حليلته المجنونة أو الممتنعة وهو الأصح عند الشافعية، وأن النيّة لسجود التلاوة واجبة وهو قول الجمهور وأنه لا يصح وضوء المرتد ولا غسله ولا تيممه لأنه غير أهل للنية وأن النيّة على الغاسل في غسل الميت واجبة وهو وجه عند الشافعية، وأن المتوضىء إذا لم ينو إلا عند غسل وجهه لا يحصل له ثواب ما قبله من السنن وأنه كما يشترط وجود النيّة أول العبادة يشترط استمرارها حكماً إلى آخرها، وأنه إذا نوى الجمعة فخرج وقتها لا يتمها ظهراً وهو قول أبي حنيفة وخالف الشافعي وأن المسبوق إذا أدرك الإمام في الجمعة بعد ركوع الثانية ينوي الظهر لا الجمعة والأصح عند الشافعية خلافه، وأن المتطوّع بالصوم إذا نوى نهاراً قبل الزوال لا يحسب له الصوم إلا من حين النيّة وهو وجه والأصح عند الشافعية خلافه وأنه لا يكفي نية واحدة في أول رمضان لجميع الشهر خلافاً لمالك وأنه لو أحرم بالحج في غير أشهره لا ينعقد وعليه الثلاثة وخالف الشافعي وأن الصرورة يصح حجه عن غيره وخالف الشافعي. وأنه تشترط النيّة في الكناية التي ينعقد بها البيع ويصح بها الطلاق وأن اللفظ يخصص بالنية زماناً ومكاناً وإن لم يكن في اللفظ ما يقتضيه فمن حلف لا يدخل دار فلان وأراد في يوم كذا ألا يكلمه وأراد بمصر مثلاً دون غيرها فله ما نواه وأنه لو طلق بصريح ونوى عدداً وقع ما نواه وبه قال الشافعي وأن الطلاق يقع بمجرد الكلام النفسي وإن لم يتلفظ به وبه قال بعض أصحاب مالك، وأنه لو أقر بمجمل رجع إلى نيّته وقبل تفسيره بأقل متمول وأنه لا يؤاخذ ناس ومخطىء في نحو طلاق وعتق وأن من تلفظ بمكفر وادّعى سبق لسانه دين وعليه الجمهور خلافاً لبعض المالكية، وأن الحيل باطلة كمن باع ماله قبل الحول فراراً من الزكاة وعليه مالك وخالف الجمهور وأنه لا تصح عبادة المجنون لأنه غير أهل للنيّة ولا عقوده وطلاقه ولا قود عليه ولا حد وأنه لا يجب القود في شبه العمد عند الثلاثة وأنكره مالك. وبذلك ظهر فساد قول من زعم أن مراد الشافعي بالسبعين المبالغة وإذا عدّت مسائل هذه الأبواب التي للنيّة فيها مدخل لم تقصر عن أن تكون ثلث الفقه. بل قال بعضهم: إن الحديث يجري في العربية أيضاً فأول ما اعتبروا ذلك في الكلام. فقال سيبويه: باشتراط القصد فيه فلا يسمى ما نطق به النائم والساهي وما يحكيه الحيوان المعلم كالببغاء كلاماً، ومن ذلك المنادي النكرة إذا نوى نداء واحد بعينه تعرف ووجب بناؤه على الضم وإن لم يقصد لم يتعرف وأعرب بالنصب ومن ذلك المنادي المنون للضرورة يجوز تنوينه بالنصب والضم فإن نون بالضم جاز نصب نعته وضمه أو بالنصب تعين نصبه لأنه تابغ لمنصوب لفظاً ومحلاً فإن نون مقصوراً نحو يا فتى بني النعت على ما نوى في المضاف فإن نوى فيه الضم جاز الأمران أو النصب تعين ذكره أبو حيّان ومن ذلك قالوا ما جاز بياناً جاز إعرابه بدلاً واعترض بأن البدل في نيّة سقوط الأول والبيان بخلافه فكيف تجتمع نيّة سقوطه وتركها في تركيب واحد وأجاب الرضى بأن المراد أنه مبني على قصد المتكلم فإن قصد سقوطه وإحلال التابع محله أعرب بدلاً وإن لم يقصده أعرب بياناً (فائدة) قال الطيبي: قال بعض أهل الحقيقة: العمل سعي الأركان إلى الله تعالى والنية سعي القلوب إليه والقلب ملك والأركان جنوده ولا يحارب الملك إلا بالجنود ولا ٤٦ المقدمة سعيد، ابن عساكر في أماليه عن أنس، الرشيد العطار في جزء من تخريجه عن أبي هريرة. الجنود إلّ بالملك. وقال بعضهم: النيّة جمع ليتعبّد العامل للمعمول له وأن لا يبيح بالسر ذكر غيره. وقال بعضهم: نيّة العوام في طلب الأغراض مع نسيان الفضل ونية الجهال التحصن عن سوء القضاء ونزول البلاء، ونية أهل النفاق التزين عند الله وعند الناس، ونية العلماء إقامة الطاعة لحرمة ناصبها لا لحرمتها، ونية أهل التصوف ترك الاعتماد على ما يظهر منهم من الطاعات (تتمة) قال في الإحياء: النيّة إنمّا مبدؤها من الإيمان، فالمؤمنون يبدأ لهم من إيمانهم ذكر الطاعة فتنهض قلوبهم إلى الله من مستقر النفس فإن قلوبهم مع نفوسهم، وذلك النهوض هو النية، وأهل اليقين جاوزوا هذه المنزلة وصارت قلوبهم مع الله مزايلة لنفوسهم بالكلية ففرغوا من أمر النية؛ إذ هي النهوض، فنهوض القلب من معدن الشهوات والعادات إلى الله تعالى بأن يعمل طاعة وهو بنيّة والذي صار قلبه في الحضرة الأحدية مستغرقاً محال أن يقال نهض إلى الله في كذا وهو ناهض بجملته مستغرق في جزيل عظمته قد رفض ذلك الوطن الذي كان موطنه وارتحل إلى الله، فالمخاطبون بالنيّة يحتاجون أن يخلصوا إرادتهم عن أهوائهم ويميزوا عادتهم من عاداتهم (ق ٤) البخاري في سبعة مواضع من صحيحه لكنه أسقط أحد وجهي التقسيم وهو قوله (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله) في رواية الحميدي قال ابن العربي: ولا عذر له في إسقاطها لكن أبدى له ابن حجر اعتذاراً، ومسلم والترمذي في الجهاد وأبو داود في الطلاق والنسائي في الأيمان وابن ماجه في الزهد؛ قال ابن حجر: لم يبق من أصول أصحاب الكتب المعتبرة من لم يخرجه إلا الموطأ كلهم (عن) أمير المؤمنين الحاكم العادل أبي حفص (عمر بن الخطاب) العدوي أحد العشرة المبشرة بالجنة، وزير المصطفى، ثاني الخلفاء أسلم بعد أربعين رجلاً، وكان عز الإسلام بدعوة المصطفى، ولي الخلافة بعد الصديق فأقام عشر سنين ونصفاً ثم قتل سنة ثلاث وعشرين عن ثلاث وستين سنة على الأصح، (حل قط) وكذا ابن عساكر (في) كتاب (غرائب) الإمام المشهور صدر الصدور حجة الله على خلقه (مالك) بن أنس الأصبحي ولد سنة ثلاث وتسعین وحملت به أمه ثلاث سنين ومات سنة تسع وسبعين ومائة، (عن أبي سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري من علماء الصحابة وأصحاب الشجرة مات سنة أربع وسبعين، ورواه عنه أيضاً الخطابي في المعالم (وابن عساكر) حافظ الشام أبو القاسم علي بن الحسن هبة الله الدمشقي الشافعي صاحب تاريخ دمشق ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة ورحل إلى بغداد وغيرها وسمع من نحو ألف وثلاثمائة شيخ وثمانين امرأة وروى عنه من لا يحصى وأثنى عليه الأئمة بما يطول ذكره. مات سنة إحدى وسبعين وخمسمائة (في أماليه) الحديثية من رواية يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم (عن) أبي حمزة (أنس) بن مالك الأنصاري خادم المصطفى عشر سنين دعا له بالبركة في المال والولد وطول العمر فدفن من صلبه نحو مائة وصارت نخله تحمل في العام مرتين وعاش حتى سئم الحياة مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وتسعين. ثم قال ابن عساكر: حديث غريب جداً والمحفوظ حديث عمر (الرشيد) (العطار) أي الحافظ رشيد الدين أبو الحسن يحيى بن علي الأموي المصري المالكي المنعوت بالرشيد العطار، ولد بمصر سنة أربع وثمانين وخمسمائة ومات بها سنة اثنتين وستين وستمائة ودرس بالكاملية من القاهرة (في جزء من تخريجه) ولعله معجمه فإني لم أرَ في كلام من ترجمه إلاّ أنه خرج لنفسه معجماً ولم يذكروا ٤٧ المقدمة غيره (عن أبي هريرة) الدوسي عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولاً حمل هرة في كمه فسمي به فلزمه. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: هو أحفظ من روى الحديث في الدنيا، مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين بالمدينة أو بالعقيق قال الزين العراقي: وهذه الرواية وهم انتهى. لا يقال سياق المؤلف لحديث عمر والثلاثة بعده أنه أراد به أن الكل في مرتبة واحدة فممنوع لقول الزين العراقي لم يصح إلّ من حديث عمر وقول ولده الولي هو منحصر في رواية عمر وما عداه ضعيف أو في مطلق النيّة وإن أراد استيعاب الطرق فلم يستوعب فقد رواه ثلاث وثلاثون صحابياً كما بيّنه العراقي لأنا نقول: الحديث بهذا اللفظ لم يرد إلّ من حديث هؤلاء الأربعة فقط وما عداهم فأخبارهم في مطلق النيّة. قال ابن حجر والنووي والعراقي: حديث فرد غريب باعتبار مشهور باعتبار. قال الثلاثة: وهو من أفراد الصحيح لم يصح عن النبي إلّ من حديث عمر ولا عن عمر إلّ من رواية علقمة ولا عن علقمة إلّ من رواية التيمي ولا عن التيمي إلّ من رواية يحيى بن سعيد ومداره عليه. وأما من بعد يحيى فقد رواه عنه أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة. بل ذكر ابن المديني وعبد الغني المقدسي أنه رواه عن يحيى سبعمائة رجل فمن أطلق عليه التواتر أو الشهرة فمراده في آخر السند من عند يحيى. قال النووي: وفي إسناده شيء يستحسن ويستغرب وهو أنه اجتمع فيه ثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض: يحيى بن سعيد والتيمي وعلقمة وهذا وإن كان مستظرفاً لكنه وقع في نيف وثلاثين حديثاً. قال: وهو حديث مجمع على عظمته وجلالته وهو أحد قواعد الدين وأول دعائمه وأشد أركانه وهو أعظم الأحاديث التي عليها مدار الإسلام انتهى. ٤٩ حرف الهمزة حرف الهمزة ٢ - ((آتِي بَابَ الْجَنَّةِ فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: أي هذا باب الأحاديث المبدوءة بحرف الهمزة، وابتدأه بحرف الهمزة مع الألف وجعل مطلعه حديث إتيان باب الجنة إشارة إلى أن الغاية المطلوبة من تأليفه هذا الكتاب التقرب إلى الله الموصل إلى الفوز بإتيان باب الجنّة تفاؤلاً بكون أول ما يقرع الأسماع منه ذكر الجنّة وإتيانها ولأن جميع ما يأتي بعده في أحكام العبادة ومتعلقاتها ودخول الجنّة أفضل من جميع العبادات كما أفتى به السبكي أي أشرف وأرفع. ووجهه الولي العراقي بأن ثواب الله تعالى أشرف من أفعالنا فقال (آتي) بالمد (باب الجنة) أي أجيء بعد الانصراف من الحشر للحساب إلى أعظم المنافذ التي يتوصل منها إلى دار الثواب وهو باب الرحمة أو هو باب التوبة كما في النوادر: فإن قلت هل لتعبيره بالإتيان دون المجيء من نكتة؟ قلت: نعم وهي الاشارة إلى أن مجيئه يكون بصفة من ألبس خلع الرضوان فجاء على تمهل وأمان من غير نصب في الإتيان، إذ الإتيان كما قال الراغب مجيء بسهولة. قال: والمجيء أعم ففي إيثاره عليه مزية زهية. وفي الكشاف وغيره: إن أهل الجنّة لا يذهب بهم إليها إلا راكبين فإذا كان هذا في آحاد المؤمنين فما بالك بإمام المرسلين؟ قال الراغب: والباب يقال لمدخل الشيء وأصله مداخل الأمكنة كباب الدار والمدينة ومنه يقال في العلم باب كذا وهذا العلم باب إلى كذا أي منه يتوصل إليه ومنه خبر: ((أنا مدينة العلم وعليّ بابها)) أي به يتوصل وقد يقال أبواب الجنّة وأبواب جهنم للأسباب الموصلة إليها انتهى. والجنّة في الأصل المرة من الجنّ مصدر جنّه ستره ومدار التركيب على ذلك سمي به الشجر المظلل لالتفاف أغصانه وسترها ما تحته ثم البستان لما فيه من الأشجار المتكاثفة المظللة ثم دار الثواب لما فيها من الجنان مع أن فيها ما لا يوصف من القصور لإنها مناط نعيمها ومعظم ملاذها. وقال الزمخشري: الجنّة اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنات كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاق العاملين لكل طبقة منهم جنّة منها، قال ابن القيم: ولها سبعة عشر اسماً وكثرة الأسماء آية شرف المسمى، أولها هذا اللفظ العام المتناول لتلك الدار وما اشتملت عليه من أنواع النعيم، والبهجة، والسرور، وقرة العين؛ ثم دار السلام: أي السلامة من كل بلية، ودار الله، ودار الخلد، ودار الإقامة، وجنّة المأوى، وجنّة عدن، والفردوس وهو يطلق تارة على جميع الجنان وأخرى على أعلاها، وجنّة النعيم، والمقام الأمين؛ ومقعد صدق، وقدم صدق، وغير ذلك مما ورد به القرآن، (يوم القيامة) فعالة تقحم فيها التاء للمبالغة والغلبة وهي قيام مستعظم والقيام هو الاستقلال بأعباء ثقيلة، ذكره الحراني (فأستفتح) السين للطلب وآثر التعبير بها إيماء إلى القطع بوقوع مدخولها وتحققه أي أطلب انفراجه فيض القدير ج١ م٤ ٥٠ حرف الهمزة وإزالة غلقه يعني بالقرع لا بالصوت كما يرشد إليه خبر أحمد: ((آخذ بحلقة الباب فأقرع)» وخبر البخاري عن أنس: ((أنا أول من يقرع باب الجنّة)) والفاء سببية أي يتسبب عن الإتيان الاستفتاح ويحتمل جعلها للتعقيب بل هو القريب. فإن قلت ما وجهه؟ قلت: الإشارة إلى أنه قد أذن له من ربه بغير واسطة أحد لا خازن ولا غيره، وذلك أن من ورد باب كبير فالعادة أن يقف حتى ينتهي خبره إليه ويستأمر فإن أذن في إدخاله فتح له. فالتعقيب إشارة إلى أنه قد صانه ربه عن ذل الوقوف وأذن له في الدخول قبل الوصول بحيث صار الخازن مأموره منتظراً لقدومه (فيقول الخازن) أي الحافظ وهو المؤتمن على الشيء الذي استحفظه، والخزن حفظ الشيء في الخزانة، ثم عبر به عن كل حفظ، ذكره الراغب، سمي الموكل بحفظ الجنّة خازناً لأنها خزانة الله تعالى أعدها لعباده، وأل فيه عهدية والمعهود رضوان وظاهره أن الخازن واحد وهو غير مراد بدليل خبر أبي هريرة: ((من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنّة كل خزنة باب هلم)) فهو صريح في تعدد الخزنة إلا أن رضوان أعظمهم ومقدمهم، وعظيم الرسل إنمّا يتلقاه عظيم الحفظة (من أنت) أجاب بالاستفهام وأكده بالخطاب تلذذاً بمناجاته وإلّ فأبواب الجنّة شفافة وهو العلم الذي لا يشتبه والمتميز الذي لا يلتبس وقد رآه رضوان قبل ذلك وعرفه ومن ثم اكتفى بقوله (فأقول محمد) وإن كان المسمى به كثيراً. فإن قلت ينافي كون أبواب الجنة شفافة خبر أبي يعلى عن أنس ((أقرع باب الجنة فيفتح لي باب من ذهب وحلقه من فضة)) قلت: ما في الجنّة لا يشبه ما في الدنيا إلّ في مجرد الاسم كما في خبر يأتي، فلا مانع من كون ذهب الجنّة شفافاً فتدبر. ثم إنه لم يقل أنا لإيهامه مع ما فيه من الإشعار بتعظيم المرء نفسه وهو سيد المتواضعين، وهذه الكلمة جارية على ألسنة الطغاة المتجبرين إذا ذكروا مفاخرهم وزهوا بأنفسهم، قال في المطامح: وعادة العارفين المتقين أن يذكر أحدهم اسمه بدل قوله: ((أنا)) إلّ في نحو إقرار بحق فالضمير أولى. وقال ابن الجوزي: أنا لا يخلو عن نوع تكبر كأنه يقول أنا لا أحتاج إلى ذكر اسمي ولا نسبي لسمو مقامي. وقال بعض المحققين: ذهب طائفة من العلماء وفرقة من الصوفية إلى كراهة إخبار الرجل عن نفسه بقوله أنا تمسكاً بظاهر الحديث حتى قالوا كلمة أنا لم تزل مشؤومة على أصحابها وأرادوا أن إبليس اللعين إنما / لعن بقوله وليس كما أطلقوا بل المنهي عنه ما صحبه النظر إلى نفسه بالخيرية كما تقرر، ولا ننكر إصابة الصوفية في دقائق علومهم وإشاراتهم في التبرىء من الدعاوى الوجودية لكنا نقول إن الذي أشاروا إليه بهذا راجع إلى معان تتعلق بأحوالهم دون ما فيه التعلق بالقول، كيف وقد ناقض قولهم نصوص كثيرة وهم أشد الناس فراراً عن مخالفتها كقوله تعالى حكاية عنه عليه الصلاة والسلام: ﴿إنما أنا بشر مثلكم﴾، [الكهف: ١١٠] ﴿وأنا أول المسلمين﴾، [الأنعام: ١٦٣] ﴿وما أنا من المتكلفين) [ص: ٨٦] وخبر ((أنا سيد ولد آدم)): قال بعض العارفين: والحاصل أن ذلك يتفاوت بتفاوت المقامات والأحوال فالمتردد في الأحوال المتجول في الفناء والتكوين ينافي حاله أن يقول أنا ومن رقي إلى مقام البقاء بالله وتصاعد إلى درجات التمكين فلا يضره. انتهى. وأما من ليس من هذه الطائفة فقد قال النووي: لا بأس بقوله أنا الشيخ فلان أو القاضي فلان إذا لم يحصل التمييز إلّ به وخلا عن الخيلاء والكبر والزهو، والقول عبارة عن جملة ما يتكلم به المتكلم على وجه الحكاية. ذكره جمع. وقال ٥١ حرف الهمزة بِكَ أُمِرْتُ أَنْ لاَ أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ)). (حم م) عن أنس (صح). القاضي: هو التلفظ بما يفيد ويقال للمعنى المتصور في النفس المعبر عنه باللفظ ويقال للمذهب والرأي مجازاً وأصله قول الزمخشري من المجاز هذا قول فلان أي ورأيه ومذهبه (فيقول بك) قيل الباء متعلقة بالفعل بعدها ثم هي سببية قدمت للتخصيص أي بسببك (أمرت) بالبناء للمفعول والفاعل هو الله (أن لا افتح) كذا في نسخة المؤلف بخطه وهكذا ذكره في جامعه الكبير والذي وقفت عليه في نسخ مسلم الصحيحة المقروءة ((لا أفتح)) بإسقاط أن (لأحد) من الخلائق (قبلك) لا بسبب آخر وقيل الباء صلة للفعل: و (أن لا افتح) بدل من الضمير المجرور أي أمرت بفتح الباب لك قبل غيرك من الأنبياء وفي رواية: ((ولا أقوم لأحد بعدك)) وذلك لأن قيامه إليه خاصة إظهاراً لمرتبته ومزيته ولا يقوم في خدمة أحد غيره بل خزنة الجنّة يقومون في خدمته وهو کالملك علیهم وقد أقامه الله في خدمته ێۇ حتى مشی إليه وفتح له و (أحد) يستعمل في النفي فيكون لاستغراق جنس الناطقين وتناول القليل والكثير على طريق الاجتماع والافتراق. وعلم من السياق أن طلب الفتح إنما هو من الخازن وإلّ لما كان هو المجيب. فإن قلت ورد عن الحسن وقتادة وغيرهما أن أبواب الجنة يرى ظاهرها من باطنها وعكسه وتتكلم وتعقل ما يقال لها انفتحي انغلقي كما نقله ابن القيم وغيره فلم طلب الفتح من الخازن ولم يطلبه منها بلا واسطة؟ قلت: الظاهر أنها مأمورة بعدم الاستقلال بالفتح والغلق وأنها لا تستطيع ذلك إلا بأمر عريفها المالك لأمرها بإذن ربها وإنما يطالب بما يراد من القوم عرفاؤهم. فإن قلت: ما فائدة جعل الخازن للجنات مع أن الخزن إنما يكون في المتعارف حفظاً لما يخاف ضياعه أو تلفه أو تطرق النقص إليه كله أو بعضه أو وصفه على صاحبه والجنّة لا يمكن فيها ذلك؟ قلت: إن خزن ملائكة الجنّة نعيمها إنما يكون لأهلها فكل منهم يجعل إليه مراعاة قسط معلوم من تلك النعم لمن أعد له حتى إذا وافى الجنة كان الخازن هو الممكنّ له منه فخزنه إياه قبل التسليم هو مقامه على ملاحظة ما جعل سبيله وانتظار من أهل له وإيصاله إليه فهذا هو المراد لا حفظها من أحد يخاف منه عليها ذكره الحليمي. فإن قلت: ما ذكر من أن رضوان هو متولي الفتح يعارضه خبر أبي نعيم والديلمي: ((أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة فيفتحها الله عز وجل لي)» قلت: لا معارضة فإن الله تعالى هو الفاتح الحقيقي وتولي رضوان ذلك إنما هو بإقداره وتمكينه. ثم إن ظاهر الحديث استشكل بأن الزمخشري والقاضي ذكرا أن أبواب الجنّة تفتح لأهلها قبل مجيئهم بدليل: ﴿جنات عدن مفتحة لهم الأبواب﴾ [صّ: ٥] ووجهه الإمام الرازي بأنه يوجب السرور والفرح حيث نظروا الأبواب مفتحة من بعد وبأنه يوجب الخلاص من ذل الوقوف للاستفتاح. وأجيب أولاً بخروج المصطفى ومن تبعه عن سياق الآية. وأعترض بأنه خلاف الظاهر بلا ضرورة، وثانياً بأن الجملة الحالية قيد لمجيء المجموع فيكون مقتضاها تحقق الفتح قبل مجيء الكل فلا ينافي تأخره عن مجيء إنسان واحد أو زمرة واحدة. ونوزع بأن فعل الجمع إذا قيد بزمن فالمفهوم المتبادر منه أنه زمن لصدور الفصل عنهم فإنا إذا قلنا زيد وعمرو وبكر ضربوا بعد الطلوع لم يفهم منه إلا صدور الضرب عنهم في ذلك الزمن حتى لو ضرب واحد منهم قبله رمي بالكذب وثالثاً بأن المراد بالأبواب في الآية أبواب المنازل التي في الجنّة لا أبواب الجنّة المحيطة بالكل والمراد في الحديث باب نفس الجنّة المحيطة ونوقش بأن الجنّة والنار حيث وقعا في القرآن معاً مفردين أو ٥٢ حرف الهمزة متقابلين فالمراد منهما أصلهما؛ ورابعاً بأنا لا نسلّم دلالة الآية على تقدم الفتح إذ لو فتح عند إتيانهم صح، إذ الجنان مفتحة لهم أبوابها، غايته أن المدح في الأول أبلغ وبأن اسم المفعول العامل إذا كان بمعنى الاستقبال فعدم الدلالة ظاهر، إذ المعنى ستفتح لهم وكذا إن كان هو بمعنى الحال مريداً به حال الدخول وإن أريد به حال التكلم ففيه بعد، وخامساً قال بعض المحققين وهو أحسنها إن أبوابها تفتح أولاً بعد الاستفتاح من جمع ويكون مقدماً بالنسبة إلى البعض كما يقتضيه خبر: ((إن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام)) والظاهر أنها بعد الفتح للفقراء لا تغلق، وسادساً بأن الجنّة لكونها دار الله ومحل كرامته ومعدن خواصه إذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة فيرغبون إلى مالكها أن يفتحها لهم ويستشفعون إليه بأولي العزم فكلهم يحجم حتى تقع الدلالة على أفضلهم فيأتي إلى العرش ويخر ساجداً لربه فيدعه ما شاء الله أن يدعه ثم يأذن له في الرفع وأن يسأل حاجته فيشفع في فتحها فيشفعه تعظيماً لخطرها وإظهاراً لمنزلته عنده ودفعاً لتوهم الغبي أنها كالجنان التي يدخلها من شاء، ولا يعارضه: ﴿مفتّحة لهم الأبواب﴾ لدلالة السياق على أن المعنى أنهم إذا دخلوها لم تغلق أبوابها علیهم بل تبقی مفتحة إشارة إلى تصرفھم وذهابهم وإیابهم ودخول الملائكة علیھم من کل باب بالتحف والألطاف من ربهم وإلى أنها دار أمن لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب كما كانوا في الدنيا فلا تدافع بين الآية والخبر. ثم إن الأولية في الحديث لا تشكل بإدريس حيث أدخل الجنّة بعد موته وهو فيها كما ورد لأن المراد الدخول التام يوم القيامة وإدريس يحضر الموقف للسؤال عن التبليغ ولا بأن السبعين ألفاً الداخلين بغير حساب يدخلون قبله لأن دخولهم بشفاعته فينسب إليه، واعترض بأن التعبير بسبعين ألفاً فيه قصور لثبوت الزيادة هو القصور لأن العرب تريد به المبالغة في التكثير ومثله غير عزيز، ألا ترى إلى ما ذكره المفسرون: ((في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً) ولا بخبر أحمد أن النبي وَلافر قال لبلال: ((بم سبقتني فما دخلت الجنّة إلّ سمعت خشخشتك أمامي)) لأنها رؤية منام ولا يقدح فيه أن رؤيا الأنبياء حق إذ معناه أنها ليست من الشيطان وبلال مثل له ماشياً أمامه إشارة إلى أنه استوجب .الدخول لسبقه للإسلام وتعذيبه في الله وأن ذلك صار أمراً محققاً وقد أشار إلى ذلك السمهودي فقال في حديث بلال إنه يدخل الجنّة قبل المصطفى وإنما رآه أمامه في منامه والمراد منه سريان الروح في حالة النوم في تلك الحالة تنبيهاً على فضيلة عمله، وأما الجواب بأن دخوله كالحاجب له إظهاراً لشرفه فلا يلائم السياق إذ لو كان كذلك لما قال له ((بم سبقتني)) وليت شعري ما يصنع من أجاب به بخبر أبي يعلى وغيره: ((أول من يفتح له باب الجنة أنا إلا أن امرأة تبادرني فأقول مالك أو من أنت؟ فتقول أنا امرأة قعدت على يتامى)) وخبر البيهقي ((أول من يقرع باب الجنّة عبد أدى حق الله وحق مواليه)) وأقول هذه أجوبة كلها لا ظهور لها ولا حاجة إليها، إذ ليس في هذا الخبر إلا أنه أول من يفتح له الباب وليس فيه أنه أول داخل بل يحتمل أنه يستفتح لهم ويقدم من شاء من أمته في الدخول كما هو المتعارف في الدنيا، فإن أبيت إلّ جواباً على فرض أنه أول داخل وهو ما ورد في أحاديث أخرى فدونك جواباً يثلج الفؤاد بعون الرؤوف الجواد وهو أنه قد ثبت في خبر مسدد أن دخول المصطفى يتعدد فالدخول الأول لا يتقدم ولا يشاركه فيه أحد ويتخلل بينه وبين ما بعده دخول غيره فقد روی الحافظ ابن منده بسنده عن أنس ٥٣ حرف الهمزة ٣ - ((آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ((جُهَيْنَةَ) فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: عِنْدَ جُهَيْنَةَ الْخَبَرُ الْيَقِينُ)). (خط) في رواة مالك عن ابن عمر (ض). رفعه: ((أنا أول الناس تنشق الأرض عن جمجمتي يوم القيامة ولا فخر وأعطى لواء الحمد ولا فخر وأنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر وأنا أول من يدخل الجنّة ولا فخر، أجيء باب الجنّة فآخذ بحلقتها فيقولون من؟ فأقول أنا محمد فيفتحون فأجد الجبار مستقبلي فأسجد له فيقول ارفع رأسك وقل يسمع لك واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول: أمتيّ أمتيّ فيقول اذهب إلى أمتّك فمن وجدت في قلبه مثقال حبة من شعير من الإيمان فأدخله الجنّة، فأقبل فمن وجدت في قلبه ذلك فأدخله الجنّة فإذا الجبار مستقبلي فأسجد له)) الحديث وكرر فيه الدخول أربعاً، وفي البخاري نحوه وبه تندفع الاشكالات ويستغنى عن تلك التكلفات، وفي أبي داود أن أبا بكر أول من يدخل من هذه الأمّة ولعله أول داخل من الرجال بعده وإلّ فقد جزم المؤلف وغيره بأن أول من يدخل بعد النبي وَ لفي بنته فاطمة لخبر أبي نعيم: ((أنا أول من يدخل الجنّة ولا فخر وأول من يدخل عليّ الجنّة ابنتي فاطمة)) وقد انبسط الكلام في هذا الخبر وما كان لنا باختيار لكن تضمن أسراراً جرنا حبها إلى إبداء بعضها، وبعد ففي الزوايا خبايا (حم م) في كتاب الإيمان (عن أنس) بن مالك. ٣ - (آخر من يدخل الجنّة) أي من الموحدين لأن الكفار مخلدون لا يخرجون من النار أبداً، ولم يصب من قال من أمّة محمد إذ الموحدون الذين يعذبون ثم يدخلونها لا ينحصرون في أمّة محمد. وفي عدة أخبار أن هذه الأمّة يخفف عن عصاتها ويخرجون قبل عصاة غيرها كخبر الدارقطني: ((إن الجنّة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتّي)) قال ابن القيم فهذه الأمّة أسبق الأمم خروجاً من الأرض وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف وأسبقهم إلى ظل العرش وأسبقهم إلى فصل القضاة وأسبقهم إلى الجواز على الصراط وأسبقهم إلى دخول الجنّة. ووقع في النوادر للحکیم من حديث أبي هريرة ((إن أطول أهل النار فيها مكثاً من يمكث سبعة آلاف سنة)) قال ابن حجر وسنده واه (رجل) يختص بالذّكر من الناس ويقال الرجلة للمرأة إذا كانت متشبهة به في بعض الأحوال ذكره الراغب (يقال له) أي يدعى (جهينة) بالتصغير: اسم قبيلة سمي به الرجل (فيقول أهل الجنة) أي يقول بعضهم لبعض والمراد بأهلها سكانها من البشر والملائكة والحور العين وغيرهم لكن في السياق إيماء إلى أن القائل من البشر (عند) بتثليث العين (جهينة) بجيم ثم هاء، ووقع في التذكرة الحمدونية أنه روي أيضاً حنيفة بالفاء ولم أقف على هذه الرواية (الخبر اليقين) أي الجازم الثابت المطابق للواقع من أنه هل بقي أحد في النار يعذب أو لا. وهذه الآخرية لا يعارضها حديث مسلم: ((آخر من يدخل الجنّة رجل يمشي على الصراط فهو يمشي مرة ويكبو مرة وتسفعه النار مرة فإذا جاوزها التفت إليها فقال تبارك الذي نجاني منك)) الحديث لإمكان الجمع بأن جهينة آخر من يدخل الجنّة ممن دخل النار وعذب فيها مدة ثم أخرج وهذا آخر من يدخل الجنّة ممن ينصرف فيمر على الصراط في ذهابه إلى الجنّة ولم يقض بدخوله النار أصلاً ولا ينافيه قوله وتسفعه النار مرة لأن المراد أنه يصل إليه لهبها وهو خارج عن حدودها. ثم رأيت ابن أبي جمرة جمع بنحوه فقال: هذا آخر من يخرج منها بعد أن يدخلها حقيقة وذاك ٥٤ حرف الهمزة آخر من يدخل ممن يمر على الصراط، فيكون التعبير بأنه خرج من النار بطريق المجاز لأنه أصابه من حرها وكربها ما يشاركه فيه بعض من دخلها. وما ذكر من أن اسمه جهينة هو ما وقع في هذا الخبر. قال القرطبي والسهيلي: وجاء أن اسمه هناد وجمع بأن أحد الاسمين لأحد المذكورين والآخر للآخر. ومن الأمثال عند العرب قبل الإسلام: عند جهينة الخبر اليقين. قال ابن حمدون: ولذلك خبر مشهور متداول وهو رجل كان اسمه جهينة عنده خبر من قتيل قد خفي أمره فذكروا ذلك فصار مثلاً مستعملاً بينهم، قال الراغب: وآخر يقابل الأول وآخر يقابل به الواحد والتأخر يقابل التقديم والدخول ضد الخروج ويستعمل في الزمان والمكان والأعمال والاستخبار والسؤال عن الخبر (تنبيه) ما ذكرته آنفاً من أن عذاب الكفار في جهنم دائم أبداً هو ما دلت عليه الآيات والأحاديث وأطبق عليه جمهور الأئمّة سلفاً وخلفاً، ووراء ذلك أقوال يجب تأويلها. فمنها ما ذهب إليه الشيخ محيي الدين بن العربي أنهم يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم فإن الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد والحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات فيثني عليها بصدق الوعد لا بصدق بل الوعيد بالتجاوز ﴿فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله﴾ [إبراهيم: ٤٧] لم يقل وعیده بل قال ویتجاوز عن سيئاتهم مع أنه توعد على ذلك وأثنی علی إسماعيل بأنه كان صادق الوعد وقد زال الإمكان في حق الحق لما فيه من طلب المرجح: وَمَا لِوَعِيدِ الْحَقِّ عَيْنٌ تُعَايِنُ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّ صَادِقَ الوَعْدوَحْدَهُ على لَذَّةٍ فِيها نَعِيمٌ مُبَايِنُ وَإِنْ دَخَلُوا دَارَ الشَّقَاءِ فَإِنَّهُم وَبَيْنَهُمَا عِنْدَ التَّجليِ تَبَايُنُ نَعِيمُ جِنَانِ الخُلْدِ والأمْر وَاحِدٌ وذَاكَ له كالقِشْرِ والقِشْرُ صَابِنُ يُسَمَّى عَذَاباً مِنْ عُذُوبَةِ طَعْمِهِ وقال في موضع آخر: إن أهل النار إذا دخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها فإذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا لأنها خلقت على وفق طباعهم قال ابن القيم: وهذا في طرف، والمعتزلة القائلون بأنه يجب على الله تعذيب من توعده العذاب في طرف فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلاً وهذا عنده لا يعذب بها أصلاً، والقولان مخالفان لما علم بالاضطرار أن الرسول جاء به وأخبر به عن الله انتهى. وما ذكره من أن ابن العربي يقول إنه لا يعذب بها أحد أصلاً ممنوع فإن حاصل كلامه ومتابعيه أن لأهل النار الخالدين فيها حالات ثلاث الأولى أنهم إذا دخلوها سلط العذاب على ظواهرهم وبواطنهم وملكهم الجزع والاضطراب فطلبوا أن يخفف عنهم العذاب أو أن يقضى عليهم أو أن يرجعوا إلى الدنيا فلم يجابوا، والثانية أنهم إذا لم يجابوا وظنوا أنفسهم على العذاب فعند ذلك رفع الله العذاب عن بواطنهم وخبت نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة. والثالثة أنهم بعد مضي الأحقاب ألفوا العذاب واعتادوه ولم يتعذبوا بشدته بعد طول مدته ولم يتألموا به وإن عظم إلى أن آل أمرهم إلى أن يتلذذوا به ويستعذبوه حتى لو هبت عليهم نسيم من الجنّة استكرهوه وعذبوا به كالجعل وتأذيه برائحة الورد: عافانا الله من ذلك. ومنها قول جمع إن النار تفنى فإن الله تعالى جعل لها أمداً ٥٥ حرف الهمزة تنتهي إليه ثم يزول عذابها لقوله تعالى: ﴿خالدين فيها إلا ما شاء الله﴾ [الأنعام: ١٢٨] ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ [هود: ١٠٧] ﴿لا بثين فيها أحقاباً﴾ [النبأ: ٢٣] قال هؤلاء: وليس في القرآن دلالة على بقاء النار وعدم فنائها إنمّا الذي فيه أن الكفار خالدون فيها وأنهم غير خارجين منها وأنهم لا يفتر عنهم العذاب وأنهم لا يموتون فيها وأن عذابهم فيها مقيم وأنه غرام لازم. وهذا لا نزاع فيه بين الصحابة والتابعين إنمّا النزاع في أمر آخر وهو أن النار أبدية أو تما كتب عليه الفناء وأمّا كون الكفار لا يخرجون منها ولا يدخلون الجنّة فلم يختلف فيه أحد من أهل السنة. وقد نقل ابن تيمية القول بفنائها عن ابن عمر وابن عمرو وابن مسعود وأبي سعيد وابن عباس وأنس والحسن البصري وحماد بن سلمة وغيرهم روى عبد بن حميد بإسناد رجاله ثقات عن عمر: لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه. وروى أحمد عن ابن عمرو بن العاصي: ((ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد)) وحكى البغوي وغيره عن أبي هريرة وغيره. وقد نصر هذا القول ابن القيم كشيخه ابن تيمية وهو مذهب متروك وقول مهجور لا يصار إليه ولا يعول عليه. وقد أول ذلك كله الجمهور وأجابوا عن الآيات المذكورة بنحو عشرين وجهاً وعما نقل عن أولئك الصحب بأن معناه ليس فيها أحد من عصاة المؤمنين أما مواضع الكفار فهي ممتلئة منهم لا يخرجون منها أبداً كما ذكره الله تعالى في آيات كثيرة. وقد قال الإمام الرازي: قال قوم إن عذاب الله منقطع وله نهاية واستدلوا بآية: ﴿لا بثين فيها أحقاباً﴾ وبأن معصية الظلم متناهية فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم والجواب أن قوله ﴿أحقاباً﴾ لا يقتضي أن له نهاية لأن العرب يعبرون به وبنحوه عن الدوام، ولا ظلم في ذلك لأن الکافر کان عازماً علی الکفر ما دام حياً فعوقب دائماً فهو لم يعاقب بالدائم إلا على دائم فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقاً (حط في) كتاب (رواة مالك) أي في كتاب اسماء من روى عن مالك من وجهين من حديث عبد الله بن الحكم عن مالك عن نافع (عن) عبد الله (ابن عمر) بن الخطاب ومن حديث جامع بن سوار عن زهير بن عباد عن أحمد بن الحسين اللهبي عن عبد الملك بن الحكم ورواه الدارقطني من هذين الوجهين في غرائب مالك. ثم قال: هذا حديث باطل وجامع ضعيف وكذا عبد الملك انتهى. وأقره عليه في اللسان. وقال في الفتح فيه عبد الملك وهو واه ورواه العقيلي من طريق ضعيف عن أنس. وما جرى عليه المؤلف من أن سياق الحديث هكذا هو ما وقفت عليه من خطه من نسخ هذا الكتاب، والثابت في رواية الخطيب خلافه ولفظه: آخر من يدخل الجنّة رجل من جهينة يقال له جهينة فيقول أهل الجنّة: عند جهينة الخبر اليقين، سلوه هل بقي أحد من الخلائق يعذب؟ فيقول لا. انتهى. ومثله الدارقطني وهكذا أورده عنه المصنف في جامعه الكبير. ثم قال: قال الدارقطني باطل وأقره عليه. وقد أكثر المؤلف في هذا الجامع من الأحاديث الضعيفة. قال ابن مهدي: لا ينبغي الاشتغال بكتابة أحاديث الضعفاء فإن أقل ما يفوته أن يفوته بقدر ما كتب من حديث أهل الضعف من حديث الثقات. وقال ابن المبارك: لنا في صحيح الحديث شغل عن سقيمه اهـ. على أنه على كان ينبغي له - أي المؤلف - أن يعقب كل حديث بالإشارة بحاله بلفظ صحيح أو حسن أو ضعيف في كل حديث فلو فعل ذلك كان أنفع وأصنع ولم يزد الكتاب به إلا وريقات لا يطول ٥٦ حرف الهمزة ٤ - (آخِرُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْإِسْلاَمِ خَرَاباً الْمَدِينَةُ)). (ت) عن أبي هريرة. ٥ - ((آَخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةً، يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ، يَنْعَقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا بها. وأما ما يوجد في بعض النسخ من الرمز إلى الصحيح والحسن والضعيف بصورة رأس صاد وحاء وضاد فلا ينبغي الوثوق به لغلبة تحريف النساخ على أنه وقع له ذلك في بعض دون بعض كما رأيته بخطه فكان المتعين ذكر كتابة صحيح أو حسن أو ضعيف في كل حديث؛ قال الحافظ العلائي على من ذكر حديثاً اشتمل سنده على من فيه ضعف أن يوضح حاله خروجاً عن عهدته وبراءة من ضعفه انتهى، وابن عمر هو العلم الفرد أحد العبادلة الأربعة. قال جابر: ما منّا أحد إلّ مالت به الدنيا ومال بها إلّ هو؛ وذكر الخلافة يوم موت أبيه فقال بشرط أن لا يجري فيها محجم دم، مات سنة ثلاث أو أربع وسبعين رضي الله عنه. ٤ - (آخر قرية) بفتح القاف وكسرها كما في تاريخ السمهودي من القرى وهو الجمع سميت به لاجتماع الناس فيها (من قرى الإسلام خراباً: المدينة) النبوية علم لها بالغلبة فلا يستعمل معرفاً إلا فيها والنكرة اسم لكل مدينة من مدن بالمكان أقام به أو من دان إذا أطاع إذ يطاع السلطان فيها وهي أبيات كثيرة تجاوز حد القرى ولم تبلغ حد الأمصار ونسبوا للكل مديني وللمدينة النبوية مدني للفرق كذا قرره جمع. فإن قلت: ما ذكروه من أنها تجاوز حد القرى بينه وبين هذا الحديث تعارض حيث جعلها من القرى؟ قلت: كلا فإنها كانت في صدر الإسلام قبل الهجرة لا تجاوز حد القرى وكان إذ ذاك الإسلام إنما فشي في القرى ولم ينتشر في المدن والأمصار فلما هاجر المسلمون إليها واتسع الإسلام تجاوزت حد القرى فغلب عليها حينئذ اسم المدينة، والخراب ذهاب العمارة والعمارة إحياء المحل وشغله بما وضع له، ذكره الحراني. وفي الكشاف التخريب والإخراب الإفساد بالنقض والهدم قيل وفيه أن بلاده لا تزال عامرة إلى آخر وقت وأنت تعلم أنه لا دلالة في هذا الخبر إذ لا تعرض فيه بكون ديار الكفر تخرب قبل خراب قرى الإسلام التي آخرها خراباً المدينة، نعم يؤخذ منه ذلك بضميمة الخبر الآتي بعده ومن ثم حسن تعقيبه به وبه یعلم أن ذکر الإسلام لا مفهوم له علی أن عیسی بعد نزوله يرفع الجزية ويقتل الكفرة فتصير الكل دار إسلام (ت) في أواخر جامعه (عن أبي هريرة) وقال حسن غريب لا نعرفه إلّ من حديث جنادة بن سلم وقد رمز المصنّف لضعفه وهو كما قال فإن الترمذي ذكر في العلل أنه سأل عنه البخاري فلم يعرفه وجعل يتعجب منه. وقال: كنت أرى أن جنادة هذا مقارب الحديث انتهى. وقد جزم بضعف جنادة المذكور جمع منهم المزني وغيره. قال السبكي كغيره: وإذا ضعف الرجل في السند ضعف الحديث من أجله ولم یکن فيه دلالة على بطلانه من أصله ثم قد يصح من طريق أخرى وقد يكون هذا الضعيف صادقاً ثبتاً في تلك الرواية فلا يدل مجرد تضعيفه والحمل عليه على بطلان ما جاء في نفس الأمر انتهى. قالوا: وإذا قوي الضعف لا يتجبر بوروده من وجه آخر وإن كثرت طرقه ومن ثم اتفقوا على ضعف حديث ((من حفظ على أمتي أربعين حديثاً)) مع كثرة طرقه لقوة ضعفه وقصورها عن الجبر بخلاف ما خف ضعفه ولم يقصر الجابر عن جبره فإنه ينجبر ويعتضد. ٥ - ك، عن أبي هريرة، مصحح (آخر من يحشر) بالبناء للمجهول أي يموت. قال عكرمة في ٥٧ حرف الهمزة وُحُوشاً، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا عَلَىْ وُجُوهِهِمَا)). (ك) عن أبي هريرة (صح). قوله تعالى: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ [التكوير: ٥] حشرها موتها أو المراد آخر من يساق إلى المدينة كما في لفظ رواية مسلم والحشر كما قال القاضي: السوق من جهات مختلفة إلى مكان واحد وأصله الجمع والضم المتفرق. وقال الزمخشري: الحشر سوق الناس إلى المحشر. وقال الحراني: الجمع وغيره. وقال الراغب: إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم (راعيان) تثنية راع وهو حافظ الماشية. قال الراغب: والرعي في الأصل حفظ الحيوان إما بغذائه الحافظ لحياته أو بذب العدو عنه يقال رعيته أي حفظته فسمي كل سائس لنفسه أو لغيره (راعياً من مزينة) بالتصغير قبيلة من مضر معروفة وفي رواية ((رجل من جهينة وآخر من مزينة)) وفي رواية أنهما كانا ينزلان بجبل ورقان (يريدان) أي يقصدان (المدينة) الشريفة أي المدينة الكاملة التي تستحق أن يقال لها مدينة على الإطلاق كالبيت للكعبة ولها نحو مائة اسم منها طابة وطيبة مشدّدة ومخففّة وطايب ككاتب ودار الأخيار ودار الأبرار ودار الإيمان ودار السنة ودار السلامة ودار الفتح ودار الهجرة. وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى. قال النووي: لا يعرف في البلاد أكثر أسماء منها ومن مكة (ينعقان) بفتح المثناة تحت وسكون النون وکسر العين المهملة، قال في الكشاف: النعيق التصويت يقال نعق المؤذن ونعق الراعي صوّت (بغنمهما) يزجرانها بأصواتهما ويسوقانها يطلبان الكلأ وفيه إشارة إلى طول أملهما وأن ما وقع من أشراط الساعة لم يشغلهما عن الشغل بالمعاش والاهتمام بالأمور الدنيوية ويحتمل أنهما قصداها بماشيتهما للإقامة بها مع أهل الإيمان للحماية من أهل الطغيان ولعل الغنم مشتركة فلذلك لم يثنها (فيجدانها) أي الغنم والفاء تعقيبية (وحوشاً) بضم أوله بأن ينقلب ذواتها أو بأن تتوحش فتنفر من صياحهما أو الضمير للمدينة والواو مفتوحة روايتان أي يجدان المدينة خالية ليس فيها أحد. والوحش الخلاء أو سكنها الوحش لانقراض سكانها. قال النووي: وهو الصحيح والأول غلط وتعقبه ابن حجر بأن قوله (حتى إذا بلغا) أي الراعيان (ثنية الوداع) أي انتهيا إليها يؤيد الأول لأن وقوع ذلك قبل دخول المدينة. وأقول: هذا غير دافع لترجيح النووي إذ إحاطهما بخلو المدينة من سكانها ومصيرها مسكن الوحوش لا يتوقف على دخوله بل يحصل العلم به بالقرب منها والإشراف على حريمها وهذا أمر كالمحسوس وإنكاره مكابرة والبلاغ والإبلاغ الانتهاء إلى المقصد. وثنية الوداع بمثلثة وفتح الواو: محل عقبة عند حرم المدينة سمي به لأن المودعين يمشون مع المسافر من المدينة إليها وهو اسم قديم جاهلي كذا ذكره القاضي تبعاً ليعارض وغيره. وفي تاريخ السمهودي: هي معروفة بباب المدينة خلف سوقها القديم بين مسجد الراية ومسجد النفس الزكية قرب سلع ووهم من قال هي من جهة مكة سميت به لتوديع النساء اللاتي استمتعوا بهن فيها عند رجوعهم من خيبر أو خروجهم إلى تبوك وفي رواية ((ما كان أحد يدخل المدينة إلا منها)) فإن لم يعبر منها مات قبل أن يخرج لوبائها كما زعمت اليهود فإذا وقف عليها قيل قد ودّع فسميت به وقيل لوداع النبي (َ(18) بعض المسلمين بالمدينة في بعض خرجاته وقيل ودع فيها بعض سراياه وقيل غير ذلك (خرا على وجوههما) ميتين أي أخذتهما الصعقة حين النفخة الأولى وهذا ظاهر في أن ذلك يكون لإدراكهما الساعة، ففيه رد لقول البعض أنه وقع في بعض الفتن حين خلت المدينة وبقيت ثمارها للعوافي وذلك في وقعة الحرة حين وجه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة في ٥٨ . حرف الهمزة ٦ - ((آخِرُ مَا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى ((إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَأَصْنَعْ مَا شِئْتَ)). ابن عساكر في تاريخه عن أبي مسعود البدري (ض). جيش إلى المدينة فقتل من فيها من بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين وهم ألف وسبعمائة ومن الأخلاط عشرة آلاف قال السمهودي: قال القرطبي وجالت الخيل في المسجد النبوي وبالت وراثت بين القبر والمنبر وخلت المدينة من أهلها وبقيت ثمارها للعوافي انتهى. وذكر نحوه ابن حزم والخر السقوط يقال خر سقط سقوطاً يسمع منه خرير ذكره الراغب وغيره. فإن قلت: هل الإيثاره (خر)) على سقط من فائدة؟ قلت: أجل وهي التنبيه على اجتماع أمرين السقوط وحصول الصوت منه إشارة إلى أن فراق روحيهما لبدنيهما بعنف وشدة وسرعة خطفة من أثر تلك الصعقة التي لم تأت على مخلوق إلا جعلته كالرميم ونظيره قوله تعالى: ﴿يخرون للأذقان سجداً﴾ [الإسراء: ١٠٧] والوجه مجتمع حواس الحيوان وأحسن ما في الإنسان وموقع الفتنة من الشيء الفتان وهو أول ما يحاول ابتداؤه من الأشياء ذكره الحراني. فإن قلت: المناسب لقوله ((خرا)) وما قبله تثنية الوجه فما وجه جمعه؟ قلت: لعله أراد بالوجوه مقدم الأعضاء المقدمة فكل عضو له وجه وظهر فالسقوط يكون على كل مقدم من الأعضاء والوجه كما يراد به ما هو المتبادر يطلق ويراد به أشرف ما ظهر من الإنسان أو غيره كما تقرر (ك) في الفتن (عن أبي هريرة) وقال على شرطهما وأقره الذهبي لكن رمز المؤلف لحسنه فقط وهو قطعة من حديث رواه الشيخان لفظ ورواية البخاري: ((ستكون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي وآخر من يحشر)) إلى آخر ما هنا بنصه. قال القسطلاني وغيره وقوله ((وآخر)) إلى آخره يحتمل كونه حديثاً غير الأول لا تعلق له به وكونه من بقيته انتهى. وسواء كان كلاً أو بعضاً فهو في الصحيح فاستدراك الحاكم له غير قويم كرمز المؤلف لحسنه فقط. ٦ - (آخر ما أدرك الناس) من النوس وهو التحرك أو الأنس لأن بعضهم يأنس ببعض. قال ابن الكمال: والادراك إحاطة الشيء بكماله ((والناس)) بالرفع في جميع الطرق كما في الفتح قال ويجوز نصبه أي مما بلغ الناس (من كلام النبوّة الأولى) أي مما اتفق عليه الأنبياء لأنه جاء في زمن النبوّة الأولى وهي عهد آدم واستمر إلى شرعنا إلى آخر ما وجدوا مأموراً به في زمن النبوّة الأولى إلى أن أدركناه في شرعنا ولم ينسخ في ملة من الملل بل ما من نبي إلا وقد ندب إليه وحث عليه ولم يبدل فيما بدل من شرائعهم ففائدة إضافة الكلام إلى النبوّة الأولى الإشعار بأن ذلك من نتائج الوحي ثم تطابقت عليه العقول وتلقته جميع الأمم بالقبول، ذكره جمع. وقال القاضي: معناه أن مما بقي فأدركوه من كلام الأنبياء المتقدمين أن الحياء هو المانع من اقتراف القبائح والاشتغال بمنهيات الشرع ومستهجنات العقل وذلك أمر قد علم صوابه وظهر فضله واتفقت الشرائع والعقول على حسنه وما هذه صفته لم يجر عليه النسخ والتبديل وقيل النبوّة الأولى إيذاناً بإتفاق كلمة الأنبياء على استحسانه من أولهم إلى آخرهم (إذا لم تستح) أيها الإنسان تحتية وهو بمثناة واحدة آخره (فاصنع ما شئت) أمر بمعنى الخبر أي إذا لم تخش من العار عملت ما شئت لم يردعك عن مواقعة المحرمات رادع وسيكافئك الله على فعلك ويجازيك على عدم مبالاتك بما حرمه عليك، وهذا توبيخ شديد فإن من لم يعظم ربه ليس من الإيمان في شيء أو هو للتهديد من قبيل: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤] أي اصنع ما شئت فسوف ترى غيه كأنه يقول إذا ٥٩ حرف الهمزة ٧ - ((آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ «حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)). (خط) عن أبي هريرة، وقال: غريب، والمحفوظ عن ابن عباس موقوف (صح). قد أبيت لزوم الحياء فأنت أهل لأن يقال لك افعل ما شئت وتبعث عليه ويتبين لك فساد حالك أو هو على حقيقته ومعناه إذا كنت في أمورك آمناً من الحياء في فعلها لكونها على القانون الشرعي الذي لا يستحي منه أهله فاصنع ما شئت ولا عليك من متكبر يلومك ولا من متصلف يستعيبك فإن ما أباحه الشرع لا حياء في فعله، وعلى هذا الحديث مدار الإسلام من حيث إن الفعل إما أن يستحيا منه وهو الحرام والمكروه وخلاف الأولى واجتنابها مشروع أولاً وهو الواجب والمندوب والمباح وفعلها مشروع وكيفما كان أفاد أن الحياء كان مندوباً إليه في الأولين كما أنه محثوث عليه في الآخرين وقد ثبت أنه شعبة من الإيمان أي من حيث كونه باعثاً على امتثال المأمور وتجنب المنهي لا من حيث كونه خلقاً فيه فإنه غريزة طبيعية لا يحتاج في كونها شعبة منه إلى قصد. قال الطيبي: وقد ذكر النووي أن قانون الشرع في معنى الحياء لا يحتاج إلى اكتساب ونية فينبغي حمل الحديث على هذا المعنى والقانون فيه أنك إذا أردت أمراً أو اكتساب فعل وأنت بين الاقدام والاحجام فيه فانظر إلى ما تريد أن تفعله فإن كان مما لا يستحيا منه من الله ولا من أنبيائه قديماً وحديثاً فافعله ولا تبالي من الخلق وإن استحيت منهم وإلا فدعه، فدخل الحديث إذاً في جوامع الكلم التي خص الله بها نبيه وَظاهر. وقد عده العسكري وغيره من الأمثال وقد نظم بعضهم معنى الحديث قال: ولَمْ تَسْتَحْي فَاصْنِعْ مَا تَشَاءُ إذا لَمْ تَخْشَ عاقِبَةَ اللََّالي والحياء انقباض يجده الإنسان في نفسه يحمله على عدم ملابسة ما يعاب به ويستقبح منه ونقيضه التصلف في الأمور وعدم المبالاة بما يستقبح ویعاب وكلاهما جبلي ومكتسب لکن الناس ينقسمون في القدر الحاصل منهما على أقسام فمنهم من جبل على الكثير من الحياء ومنهم من جبل على القليل ومنهم من جبل على الكثير من التصلف ومنهم من جبل على القليل ثم إن أهل الكثير من النوعين على مراتب وأهل القليل كذلك فقد يكثر أهل النوعين حتى يصير نقيضه كالمعدوم ثم هذا الجبل سبب في تحصيل المكتسب فمن أخذ نفسه بالحياء واستعمله فاز بالحظ الأوفر ومن تركه فعل ما شاء وحرم خيري الدنيا والآخرة (ابن عساكر في تاريخه) تاريخ الشام (عن ابن مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة (البدري) الأنصاري قال البخاري وإسناده ضعيف لضعف فتح المصري لكن يشهد له ما رواه البيهقي في الشعب عن أبي مسعود المذكور بلفظ إن آخر ما بقي من النبوّة الأولى والباقي سواء بل رواه البخاري عن ابن مسعود بلفظ إن مما أدرك الناس إلى آخر ما هنا. ٧ - (آخر ما تكلم به إبراهيم) أعجمي معرب أصله إبراهام على ما نقل عن سيبويه لكن في القاموس إبراهيم وإبراهام وإبراهوم مثلثة الهاء وإبرهم بفتح الهاء بلا ألف اسم أعجمي. قال ابن الكمال: وعليه لا يكون إبراهيم معرباً. وقال المحقق في شرح المختصر: إجماع أهل العربية على منع صرف إبراهيم ونحوه للعلمية والعجمة يوضح ما ذكرناه من وقوع المعرب فيه يعني القرآن (حين ألقي) بالبناء للمفعول أي ألقاه نمروذ (في النار) التي أعدها له ليحترق وكان عمره ست عشرة سنة ٦٠ حرف الهمزة ٨ - ((آخِرُ أَرْبِعَاءِ فِي الشَّهْرِ يَوْمُ نَحْسِ مُسْتَمِرٌ)). وكيع في الغرر، وابن مردويه في التفسير. (خط) عن ابن عباس (ض). على ما في الكشاف وتاريخ ابن عساكر. والإلقاء كما قال الراغب طرح الشيء حيث يلقاه، ثم صار في التعارف اسماً لكل طرح والنار جوهر لطيف مضيء حار محرق من نار ينور إذا نفر لأن فيها حركة واضطراباً والنور ضوءها وضوء كل نير والإضاءة الإنارة ذكره الزمخشري (حسبي الله) مبتدأ وخبر أي كافيني وكافلني هو الله من أحسبه الشيء كفاه (ونعم) كلمة مبالغة تجمع المدح كله ذكره الحرّاني. وقال الراغب: كلمة تستعمل في المدح بإزاء بئس (الوكيل) أي نعم الموكول إليه الله تعالى وذلك لأن الخلیل لعلوّ منصبه وسموّ مقامه وشموخ همته لم يشخص أمله لشيء سوى ربه، ولم يرض بإسعاف أحد غيره بل قصره عليه وأعرض عن الأسباب والعدد ضارباً عنها صفحاً واغتنى بمسببها كافياً وحسيباً فإنه تعالى جعل لكل شيء عدة يدفع بها، فللبغي التحرّز والتحفّظ، وللمكر الحزم والتيقّظ، وللحسد التواضع للحاسد ومداراته، وللكائد سد الأبواب التي يجد منها السبيل إليه، فرأى هذا النبي الجليل السيد الخليل أن الله أكبر من تلك العدد والأسباب فاغتنى به كافياً وحسيباً فكان له حافظاً ورقيباً فشمله بالإسعاد والإسعاف فلم يحترق منه إلا موضع الكتاف، وفيه ندب إلى اعتقاد العجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحول الله وقوّته، وأن الحازم لا يكل أمره إذا ابتلي ببلاء إلّ إلى ربه ولا يعتضد إلّ به، وفي الخبر أنه إنمّا نجي بذلك (فائدة) من كرامة هذه الأمّة على ربها أنه أوجد فيها من وقع له كما وقع للخليل من عدم تأثير النار فيه. روى ابن وهب عن ابن لهيعة أن الأسود العنسي لما ادّعى النبوّة وغلب على صنعاء أخذ ذؤيب بن كليب الخولاني - وكان أسلم في عهد المصطفى - فألقاه في النار فلم تضره النار فذكر المصطفى ذلك لأصحابه فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في أمّتنا مثل إبراهيم الخليل. ووقع عند ابن الكلبي أنه ذؤيب بن وهب. وقال في سياقه طرحه في النار فوجده حياً (خط) في ترجمة محمد بن يزداد (عن أبي هريرة) الدوسي (وقال) أي الخطيب حديث (غريب) أي تفرد به حافظ ولم يذكره غيره ورواه عنه أيضاً الديلمي هكذا (والمحفوظ) عند المحدّثين (عن) أبي العباس عبد الله (ابن عباس) ترجمان القرآن الذي قال فيه عليّ كرم الله وجهه كأنما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق وأخرج ابن عساكر أنه كان يسمى حكيم المعضلات ولم يرو عن أحد من الصحابة في الفتوى أكثر منه وعمي آخر عمره كأبيه وجدّه (موقوف) عليه غير مرفوع لكن مثله لا يقال من قبل الرأي فهو في حكمه وهذا الموقوف صحيح فقد أخرجه البخاري في صحيحه عنه بلفظ: كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار حسبنا الله ونعم الوكيل. وفي رواية له عنه أيضاً: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد طاهر حين قالوا ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ [آل عمران: ١٧٣]. ٨ - وكيع في الغرر، وابن مردويه في التفسير - خط عن ان عباس، ضعيف (آخر أربعاء) بالمد وكسر الموحدة على الأشهر. قال في المصباح: ولا نظير له في المفردات وإنمّا يأتي وزنه في الجموع وبعض بني أسد يفتح الباء والضم لغة قليلة انتهى. وبه عرف أن من تعقب النووي والرضى في قولهما أنه مثلث الباء فقد وهم. وسمي أربعاء لأن الربع واحد من أربعة وهو رابع الأيام من الأحد m