Indexed OCR Text

Pages 21-40

فقالت: أشهدُ أَن لا إله إلا الله، وأَنَّ محمداً عبده ورسوله.
قال: فرجعتُ إلى رسول الله، أبكي من الفرح كما بكيتُ من الحزن، فأخبرتُه،
وقلت: ادعُ اللهِ أَن يُحبّني وأمي إلى عباده المؤمنين. فقال: ((اللّهُمَّ، حَيُّب عُبِيدَكَ
هذا وأُمَّه إلى عبادك المؤمنين، وحتّهم إليهما))(١) .
إسناده حسن.
الجُريري، عن أبي نَضرة، عن الطُّفاوي، قال: نزلتُ على أبي هريرة بالمدينة
ستةَ أشهر، فلم أرَ من أصحابِ رسول الله ﴿ رجلاً أشدَّ تشميراً ولا أقومَ على
ضيف، من أبي هريرة.
فدخلتُ عليه ذاتَ يومٍ، وهو على سريره، ومعه كيس فيه نَوىّ - أو حصىّ -
أسفل منه سوداء، فَيُسَبِّحُ، ويُلقي إليها، فإذا فَرَغَ منها، ألقى إليها الكيس، فأوعَتهُ
فيه، ثم ناوَلَتْه فَيُعيدُ ذلك(٢) .
وقيل: إنَّ النبيّ ◌َ﴿ أَمَّر العلاء بن الحضرمي، وبعث معه أبا هريرة مؤَذِّناً(٣).
وكان حفظُ أبي هريرة الخارق مِن مُعجزات النّبوة.
قال محمد بن المثنى الزَّمن: حدثنا أبو بكر الحنفي: حدثنا عبدُ الله بن أبي
يحيى: سمعتُ سعيدَ بن أبي هندٍ، عن أبي هريرة: أنَّ رسول اللهِصَلِم قال: «أَلا
تَسأَلني مِن هذه الغَنَائم التي يَسألُني أصحابُك))؟ قلتُ: أسألك أَن تُعَلِّمَني. مما
عَلَّمَكَ الله. فنزع نَمِرةً كانت على ظهري، فَبَسَطَها بيني وبينه، حتى كأني أنظر إلى
النمل يدبُّ عليها، فحذَّثني، حتى إذا استوعبتُ حديثه، قال: ((اجمَعها فصُرهَا
إليك)). فأصبحتُ لا أُسقِطُ حرفاً مما حدَّثني(٤)
(١) أخرجه أحمد (٢١٩/٢، ٢٢٠)، ومسلم (٢٤٩١) في فضائل الصحابة. وهو في تاريخ
دمشق (٢/١١٢/١٩).
(٢) أخرجه أحمد (٥٤٠/٢، ٥٤١)، وأبو داود (٢١٧٤) في النكاح: باب ما يكره من ذكر
الرجل ما يكون من إصابته من أهله. وأخرجه ابن عساكر (١/١١٣/١٩). وإسناده ضعيف
لجهالة الطفاوي فإنه لا يعرف
(٣) ابن عساكر (٢/١١٣/١٩).
(٤) رجاله ثقات، وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٨١/١)، وهو في تاريخ ابن عساكر
(٢/١١٣/١٩) وفي صحيح البخاري كما سيأتي.
٢١

ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة: أنَّ أبا هريرة قال: إنكم تقولون: إنَّ أبا
هريرة يُكثِرُ الحديثَ عن رسولِ اللهِ وَله وتقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا
يُحدِّثُون مثله. وإنَّ إخواني المهاجرين كان يشغلهم الصَّفُ بالأسواق، وكان إخواني
من الأنصار يَشغَلُهم عملُ أموالهم، وكنتُ امرأً مسكيناً من مساكين الصُّفَّة، ألزمُ
رسول الله ﴿ على ملء بطني، فأحضر حِينَ يَغِيُون، وأعي حين يَنْسَون، وقد قال
رسول اللّه ◌َ﴿ في حديث يُحدِّثُ يوماً: ((إنَّه لن يَسُطَ أحدٌ ثَوبَه حتى أَقضيَ جَمِيعَ
مَقَالتي، ثُمَّ يَجمَعُ إليه ثَوبَهُ، إِلَّ وَعَى مَا أَقُولُ)).
فبسطتُ نَمِرةً عليّ، حتى إذا قَضَى مقالته، جمعتُها إلى صدري. فما نسيتُ من
مقالة رسول الله {4# تلك من شيء(١) .
الزّهري - أيضاً - عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: تَزعمون أني أُكثِرُ الروايةَ
عن رسول الله وَل﴾ . - والله الموعِدُ - إني كنتُ امرأً مِسكيناً، أَصحّبُ رسول الله ولو
على ملء بطني، وإنَّهِ حدَّثْنَا يوماً، وقال: ((من يبسط ثَوبَه حتى أَقْضِي مَقَالَتِي، ثم
قَبَضَه إليه، لم يَنسَ شيئاً سَمِعَ مني أبداً» ففعلتُ. فوالذي بعثه بالحق، ما نسيتُ
شيئاً سمعتُه منه(٢) .
والحديثان صحيحان محفوظان(٣).
قرأتُ على ابن عساكر، عن أبي رَوح: أخبرنا محمدُ بنُ إسماعيل: أخبرنا أبُو
مُضَر محلم بن إسماعيل: أخبرنا الخليلُ بنُ أحمد: حدثنا السَّراج: حدَّثنا قتيبة:
(١) أخرجه البخاري (٢٤٧/٤) في البيوع: باب ما جاء في قول الله عز وجل: ﴿فإذا قضيت
الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن
أبي هريرة، وأخرجه مسلم (٢٤٩٢) في فضائل الصحابة: باب من فضائل أبي هريرة من
طريق الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وهو في ((طبقات ابن سعد))
(٢٣٠/٤)، وابن عساكر (١١٤/١٩).
والصفق في البيع: صوت وقع يد البائع على يد المشتري عند عقد التبايع.
(٢) أخرجه البخاري (١٩٠/١ و٢١/٥ و٢٧١/١٣)، ومسلم (٢٢٩٤) من طريق الزهري، عن
الأعرج، عن أبي هريرة.
(٣) وقال الحافظ في ((الفتح)) (١٠٤/١) بعد أن ذكر الإسنادين: والإسنادان جميعاً محفوظان
صححهما الشيخان ..
٢٢

حدّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد، عن عَمرو بنِ أبي عمرو، عن المَقِبُري، عن أبي
هريرة، قلتُ: يا رسول الله، مَن أَسعَدُ النَّاسَ بشفاعتك؟ قال: ((لَقَد ظَنْتُ يا أَبَا
هريرة لا يسأَلْنِي عن هذا الحديث أَحَدُ أََلَ منك، لما رأيتُ مِن حِرصِك على
الحديث: إنَّ أَسعَدَ النَّاسِ بِشَفَاعَتي يومَ القيامةِ مَن قال: لا إله إلَّ الله خَالِصاً مِن
نَفْسِهِ))(١) .
أبو الأحوص، عن زيد العَمِّ، عن أبي الصديق، عن أبي سعيد الخدري: قال
رسولُ الله ◌َّهِ: ((أبو هُريرَة وعاً من العلم))(٢).
ابن أبي ذئب، عن المَقْبُري، عن أبي هُريرة، قال: حفظتُ من رسول الله وَ﴾
وعاءين: فَأَمَّا أَحَدُهما، فَتُه في الناس، وأما الآخر، فلو بَته، لَقُطِعَ هذا
البلعوم(٣) .
(١) إسناده صحيح، وأخرجه أحمد (٣٧٣/٢)، والبخاري (١٧٣/١) في العلم: باب الحرص
على الحديث و(٣٨٥/١١) في الرقاق من طريق عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن
سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وهو في ((طبقات ابن سعد)) (٣٣٠/٤)، و((تاريخ دمشق)
لابن عساكر (٢/١١٥/١٩) وقوله ((خالصاً) قال الحافظ: احتراز من المنافق، ومعنى
(أفعل)) في قوله: ((أسعد)) الفعل لا أنها أفعل التفضيل، أي: سعيد الناس، كقوله تعالى:
﴿وأحسن قيلا﴾. ويحتمل أن يكون أفعل التفضيل على بابها وأن كل أحد يحصل له سعد
بشفاعته، لكن المؤمن المخلص أكثر سعادة بها، فإنه والر يشفع في الخلق لإراحتهم من
هول الموقف، ويشفع في بعض الكفار بتخفيف العذاب كما صح في حق أبي طالب،
ويشفع في بعض المؤمنين بالخروج من النار بعد أن دخلوها، وفي بعضهم بعدم دخولها
بعد أن استوجبوا دخولها، وفي بعضهم بدخول الجنة بغير حساب، وفي بعضهم برفع
الدرجات فيها، فظن الاشتراك في السعادة بالشفاعة، وأن أسعدهم بها المؤمن المخلص.
(٢) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) وزيد العمِّي ضعيف.
(٣) أخرجه البخاري (١٩٢/١، ١٩٣) في العلم: باب حفظ العلم من طريق إسماعيل بن أبي
أويس، عن أبي بكر عبد الحميد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة،
وهو في «تاريخ دمشق! (١/١٦/١٩). وقد حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على
الأحاديث التي فيها تبيين أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم. وقد كان أبو هريرة يكني عن
بعضه، ولا يصرح به خوفاً على نفسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة
الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية، لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب
الله دعاء أبي هريرة، فمات قبلها بسنة، وقال ابن المنير: جعل بعضهم هذا الحديث =
٢٣

الأعمش، عن أبي صالح، قال: كان أبو هريرة من أحفظ الصحابة(١)
محمد بن راشد، عن مكحول، قال: كان أبو هريرة يقول: رُبَّ كِيسٍ عند أبي
هريرة لم يفتحه يعني: من العلم (٢).
قلت: هذا دالٌّ على جواز كتمان بعضٍ الأحاديث التي تُحرك فتنةً في
الأصول، أو الفروع، أو المدح والذم، أما حديثٌ يتعلق بحلِّ أو حرام، فلا يحل
كتمانُه بوجه، فإنه من البيّنات والهدى. وفي ((صحيح البخاري)): قول الإمام علي
رضي الله عنه: حَدِّثوا الناس بما يَعرفون، ودعوا ما يُنكرون، أَتْحِقُونَ أن يُكذبَ الله
ورسوله(٣)، وكذا لو بتَّ أبو هريرة ذلك الوعاء، لأَوذي، بل لقُتِلَ. ولكن العالم
قد يُؤديه اجتهادُه إلى أن يَنشَّرَ الحديث الفلاني إحياءً للسنة، فله ما نوى وله أجر
- وإن غلط ـ في اجتهاده.
روی عوفُ الأعرابي، عن سعيد بن أبي الحسن، قال: لم يكن أَحَدٌ من أصحاب
رسول الله* أكثرَ حديثاً من أبي هريرة عن النبيّ وَ﴾، وإنَّ مروانَ - زمنَ هو على
المدینة ۔ أراد أن یکثُب حديثه گُلُّه، فأبى، وقال: أُروِ كما روينا.
فلما أبى عليه، تَغَفَّله مروانُ، وأقعدَ له كاتباً ثَقِفاً، ودعاه، فجعلَ أبو هريرة
يُحدِّثُه، ويكتبُ ذاك الكاتب، حتى استفرغ حديثَه أجمع.
:
ثم قال مروان: تَعلمُ أنا قَد كتبنا حديثَك أجمع؟ قال: وقد فعلتَ! قال: نعم.
= ذريعة إلى تصحيح باطلهم حيث اعتقدوا أن الشريعة ظاهراً وباطناً، وذكل الباطل، وإنما
حاصله الانحلال من الدين، وإنما أراد أبو هريرة بقوله: قطع، أي: قطع أهل الجور رأسه
إذا سمعوا عيبه لفعلهم، وتضليله لسعيهم، ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتومة لو كانت من
الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها.
(١) تاريخ دمشق (٢/١١٦/١٩).
(٢) تاريخ دمشق (٢/١١٦/١٩).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٩/١) في العلم: باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألا
يفهموا، دون قوله: (ودعوا ما ینکرون) وهي عند آدم بن أبي إياس في كتاب العلم له. قال
الحافظ في ((الفتح)»: وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، ومثله قول
ابن مسعود: ما أنت محدثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. رواه مسلم
في مقدمة صحيحه (١١/١).
٢٤

قال: فاقرؤُوه عليَّ، فقرؤوه. فقال أبو هريرة: أَمَا إِنَّكم قد حَفِظْتُم، وإن تُطعني،
-مخُه. قال: فمحاہ(١).
سمعه هَوذة بنُ خلیفة منه.
حمّاد بن زيد: حدثني عَمرو بنُ عبيد الأنصاري: حدثني أبو الزعيزعة - كاتبُ
مروان -: أنَّ مروانَ أرسلَ إلى أبي هريرة، فجعل يسألُه، وأجلسني خلفَ السرير،
وأنا أكتبُ، حتى إذا كان رأسُ الحَول، دعا به، فَأَفْعَدَه من وراء الحجاب، فجعل
يسألُه عن ذلك الكتاب، فما زادَ ولا نَقَص، ولا قدَّم ولا أخَّر(٢).
قلت: هكذا فليكن الحفظ.
قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في قهره(٣).
الوليد: حدثنا سعيدُ بنُ عبدالعزيز، عن مكحول، قال: تواعدَ النَّاسُ ليلةً إلى قُتّة
من قباب معاوية، فاجتمعوا فيها، فقامَ فيهم أبو هريرة يُحلِّثُهم عن رسول اله ◌َِّر،
حتى أصبح (٤) .
كَهمَس بن الحسن، عن عبد الله بن شقيق، قال: قال أبو هريرة: لا أعرفُ أَحَداً
من أصحاب رسول الله ﴿﴿ أَحفَظ لحديثه مني(٥) .
سُفيان بن عُسَنَة، عن عمرو، عن وهب بن مَُه، عن أخيه هَمَّامٍ: سمعتُ أبا
هريرة يقولُ: ما أحدٌ من أصحابٍ رسول الله ﴾ أكثر حديثاً مني عنه، إلَّ ما كانَ
من عبد الله بن عمرو، فإنَّه كان يكتبُ، وكنتُ لا أكتب(٦) .
(١) رجاله ثقات، وأخرجه الحاكم في (المستدرك)) (٥٠٩/٣، ٥١٠)، وابن عساكر
(٢/١١٦/١٩).
(٢) أبو الزعيزعة لا يعرف، ومع ذلك فقد صححه الحاكم (٥١٠/٣)، وأقره الذهبي، وهو في
تاريخ دمشق (٢/١١٦/١٩).
(٣) تاريخ دمشق (١/١١٧/١٩).
(٤) تاريخ دمشق (١/١١٧/١٩).
(٥) تاريخ دمشق (١/١١٧/١٩).
(٦) أخرجه البخاري (١٨٤/١) في العلم: باب كتابة العلم. وعمرو: هو ابن دينار المكي.
وهو في تاريخ ابن عساكر (١/١١٧/١٩). وهذا الحديث يدل على أن أبا هريرة كان يجزم
بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثاً عن النبيّ منه إلا عبد الله، مع أن الموجود =
٢٥

الطيالسي: حدَّثنا عِمرانُ القَطَّان، عن بكر بن عبد الله، عن أبي رافع، عن أبي
هريرة: أنه لقي كعباً، فجعل يُحَدَّثُه، ويسألّه، فقال كعبُ: ما رأيتُ أحداً لم يقرأ
التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة (١) .
حمَّاد بن شُعيب، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن قيس بن مَخرمَة: أن
رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت، فسأله عن شيء، فقالَ: عليكَ بَأبي هريرة، فإنَّه بينا أنا
وهو وفلانٌ في المسجد ندعو، خرج علينا رسول الله وَ﴿ فجلس، وقال: ((عُودوا
إلى ما كُنتُم)). قال زيدٌ: فدعوتُ أنا وصاحبي، ورسولُ اللهِوَ﴿ يُؤْمِّنُ. ثُمَّ دَهَا أبو
هريرة، فقال: اللّهُمَّ، إني أسألك مثلَ ما سألاك، وأسألكَ عِلماً لا يُنسى. فقال
رسولُ اللهِ ﴾: ((آمين».
فقلنا: ونحن نسألُ الله علماً لا يُنسى. فقال: ((سَبَقَكُما بها الدَّوسي)).
أخرجه الحاكم في (مستدركه»(٢) لكن حَمَّاد ضعيف.
المروي عن عبد الله بن عمرو أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة.
وقد قال العلماء: إن السبب فيه من جهات، أحدها: أن عبد الله كان مشتغلاً بالعبادة أكثر
من اشتغاله بالتعلیم، فقلت الرواية عنه.
ثانيها: أنه كان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف، ولم تكن الرحلة إليهما
ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصدياً فيها للفتوى والتحديث إلى
أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حمل عن أبي هريرة، فقد ذكر البخاري أنه روى عنه
ثمان مئة نفس من التابعين.
ثالثها: ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبيّ وَّا له بأن لا ينسى ما يحدثه به.
رابعها: أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر
فيها ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين.
(١) إسناده ضعيف، وعمران القطان: هو ابن داود العمي البصري، ضعفه يحيى بن معين وأبو
داود والنسائي، ولم يرو عنه يحيى بن سعيد القطان، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب
حديثه (يعني للمتابعة) وهو في ((تاريخ دمشق)) (٢/١١٧/١٩).
(٢) (٥٠٨/٣) وصححه، وتعقبه المؤلف في ((مختصره)) فقال: جماد ضعيف، وفي ((ميزان))
المؤلف: حماد بن شعيب الحماني الكوفي عن أبي الزبير وغيره: ضعفه ابن معين وغيره،
وقال يحيى مرة: لا يكتب حديثه، وقال البخاري: فيه نظر، وقال النسائي: ضعيف، أوقال
ابن عدي: أكثر حديثه مما لا يتابع عليه، وهو في ((تاريخ ابن عساكر)) (٢/١١٥/١٩) من
طريق الفضل بن العلاء، عن إسماعيل بن أبي أمية. وسيأتي ص (٣٧) و(٤٧) ..
٢٦

سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن السائب بن يزيد: سمع
عُمَرَ يقول لأبي هريرة: لَتَتَرَكَنَّ الحديثَ عن رسولِ اللهِ ﴾، أو لأَلَحِقنَّكَ بأرض
دوس وقال لكعب: لتركنَّ الحديثَ» أو لأُلحِقنَّكَ بِأَرضِ القِرِدة(١).
يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان: أن أبا هريرة كان يقول: إني لأَحدِّثُ أحاديث،
لو تکلمتُ بها في زمن عمر، لشَّ رأسي(٢) .
مغيرة، عن الشعبي، قال: حدَّث أبو هريرة، فردّ عليه سعدٌ حديثاً، فوقعَ بينهما
كلامٌ، حتى أُرتجت الأبوابُ بينهما(٣).
هُشَيم، عنِ يَعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، أنه قال:
يا أبا هريرة، كُنْتَ ألزَمَنَا لرسول اللهِ وَّةِ، وأعلَمَنَا بحديثه (٤) .
(١) أخرجه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (١٤٧٥) من طريق محمد بن زرعة الرعيني، حدثنا
مروان بن محمد، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن السائب بن
يزيد، سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله ◌َ ار أو
لألحقنك بأرض دوس، وقال لكعب: لتتركن الأحاديث أو لألحقنك بأرض القردة، وهذا
إسناد صحيح، محمد بن زرعة قال أبو زرعة في ((تاريخه)) (٢٨٦/١): ثقة حافظ من
أصحاب الوليد بن مسلم مات سنة ست عشرة ومئتين، ومروان بن محمد هو الطاطري:
ثقة كما في ((التقريب)) وباقي السند من رجال الصحيح. وذكره ابن كثير في (البداية))
(١٠٦/٨) من طريق أبي زرعة، وقد تصحف فيه إسماعيل بن عبيد الله إلى عبد الله، وهو
في تاريخ ((ابن عساكر)) (٢/١١٧/١٩). قال ابن كثير بعد أن أورد الخبر: وهذا محمول من
عمر على أنه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلمون
على ما فيها من أحاديث الرخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه
بعض الغلط أو الخطأ، فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك.
(٢) أورده ابن كثير في ((البداية)) عن ابن وهب عن يحيى بن أيوب، ورجاله ثقات، إلا أنه
منقطع، لأن ابن عجلان لم يسمع من أبي هريرة. وفي ((المصنف)) (٢٠٤٩٦) أخبرنا عبد
الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: قال أبو هريرة لما ولي عمر، قال: أقلوا الرواية عن
رسول الله 385 إلا فيما يعلم به، قال: ثم يقول أبو هريرة: أفإن كنت محدثكم بهذه
الأحاديث وعمر حيٍّ؟ أما والله إذا لألقيت المخفقة ستباشر ظهري.
: (٣) ((تاريخ دمشق) لابن عساكر (١/١١٨/١٩).
(٤) رجاله ثقات وإسناده صحيح، وأخرجه الترمذي (٣٨٣٦) في المناقب، وحسنة، وهو في
((تاريخ ابن عساكرا (٢/١١٨/١٩)، وذكره الحافظ في ((الإصابة)) ونسبه للبغوي، وجوّد
إسناده، وأخرجه أحمد في المسند» (٣/٢) مطولاً، وفيه أن ابن عمر قد اعترض على =
٢٧

وعن نافع: كنتُ مع ابن عُمر في جنازة أبي هريرة، فبقي يُكثِرُ التّرحّم عليه،
ويقولُ: كان ممن يحفظ حديث رسول الله وَّد على المسلمين.
في إسنادها الواقدي(١).
محمد بن كُنَاسة الأسدي، عن إسحاق بن سعيد، عن أبيه، قال دخل أبو هريرة
على عائشة، فقالت له: أَكْثَرتَ يا أبا هريرةَ عن رسول الله! قال إي والله يا أَمَّاه، ما
كانَت تَشْغَلُني عنه المرآةُ، ولا المُكحُلَةُ، ولا الدهن قالت: لَعلَّه(٢).
ورواه بشرُ بنُ الوليد، عن إسحاق، ولكني أرى ذلك شَغَلكِ عمّا استكثرت من
حديثي. قالت: لعَلَّه(٣).
ولما أرادوا أن يدفنوا الحسن في الحُجرة النبوية، وقع خصام.
قال محمدُ بنُ سعد: أخبرنا محمد بن عمر: حدثنا کثیر بن زيد، عن الوليد بن
رياح: سمعتُ أبا هريرة يقول لمروان: والله ما أنت والٍ، وإن الوالي لَغيرُك، فدعهُ
- يعني: حين أرادوا دفن الحسن مع رسول الله وَل﴾ - ولكنَّك تدخُلُ فيما لايعنيك،
إنما تُريدُ بها إرضاء مَن هو غائبٌ عنك - يعني: مُعاوية.
= هريرة حين حدث عن رسول الله وَ* بقوله: ((من تبع جنازة، فصلى عليها، فله قيراط،
فإن شهد دفنها، فله قيراطان، القيراط أعظم من أحد، فلما استوثق ابن عمر منه بتصديق
عائشة رضي الله عنها له، وتأييدها لروايته، اطمأن لروايته، وأيقن بصدقه، وقال له: ((أنت
يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله 38، وأعلمنا بحديثه)).
(١) وقد اتفقوا فيما بعد على ضعفه وعدم الاعتداد بروايته، في غير السيرة.
(٢) رجاله ثقات، وذكره الحافظ في ((الإصابة))، ونسبه لابن سعد وجوّد إسناده، وهو في
(تاريخ ابن عساكر) (١/١٢٠/١٩)، وذكره ابن كثير في ((البداية)) (١٠٨/٨) من طريق أبي
القاسم البغوي عن بشر بن الوليد الكندي، عن إسحاق بن سعيد، عن سعيد ... ورواه
الحاكم في (المستدرك)) (٥٠٩/٣) من طريق خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص،
عن أبيه، عن عائشة أنها دعت أبا هريرة، فقالت له: يا أبا هريرة، ما هذه الأحاديث التي
تبلغنا أنك تحدث بها عن النبيّ وَ﴾، هل سمعت إلا ما سمعنا؟ وهل رأيت إلا ما رأينا؟
قال: يا أماه، إنه كان يشغلك عن رسول الله صل المرآة والمكحلة والتصنّع لرسول الله كل}،
وإني والله ما كان يشغلني عنه شيء. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي
المؤلف.
(٣) أخرجه ابن عساكر (١/١٢٠/١٩).
٢٨

فأقبل عليه مروان مُغضباً، وقال: يا أبا هريرة، إِنَّ الناس قد قالوا: أکثر الحديث عن
رسول الله؟ وإِنما قدم قبل وفاته بیسیر.
فقال: قدمتُ - والله - ورسولُ الله ◌َ﴾ بخيير، وأنا يومئذ قد زدتُ على الثلاثين
سنةً سنواتٍ، وأقمتُ معه حتى توفي، أدورُ معه في بيوت بسائِهِ، وأخذُمُه، وأغزو
وأحبُ معه، وأُصلي خلفه، فكنتُ - والله - أعلم النَّاس بحديثه(١) ..
ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي أنس مالك بن أبي عامر، قال:
جاء رجلٌ إلى طلحة بن عبيد الله، فقال: يا أبا محمد، أرأيت هذا اليماني - يعني:
أبا هريرة - أهُوَ أعلمُ بحديث رسول اللهِ ﴾ منكُم؟ نَسمع منه أشياء لا نسمعُها
منكم، أَم هُو يقولُ على رسول الله ما لم يَقُل؟
قال: أَمَّا أن يكونَ سمع ما لم نسمع، فلا أَشُكُ، سَأُحدَّتُك عن ذلك: إنا كنا
أهلَ بيوتات وغَنّمِ وعَمَلٍ، كُنَّا نأتي رسول اللهِ وَاهِ طرفي النَّهار، وكان مسكيناً،
ضَيفاً على باب رَسُول اللّهِ﴿، يَدَهُ مَعَ يَدِهِ، فلا نَشُكّ أنه سَمع مَا لَم نَسمَع، ولا
تَجدُ أحداً فيه يقولُ على رسول الله مَا لَم يَقُل(٢).
شعبة، عن أشعث بن سليم، عن أبيه، قال: أتيتُ المدينةَ، فإذا أبو أيوب يُحدِّث
عن أبي هريرة، عن النبيُّ وَ له. فقلتُ: وأنت صاحبُ رسول الله ◌ِ ﴿ قال: إنه قد
سمع، وأن أُحدِّثَ عنه، عن رسول الله وَّةِ، أَحَبُّ إليَّ من أن أُحَدِّثَ عن النبيّ
(٣).
بكير بن الأشجِّ، عن بُسرِ بن سعيدٍ، قال: اتقوا الله، وتَحَفَّظوا من الحديث،
(١) محمد بن عمر هو الواقدي، متفق على ضعفه، والخير في (الطبقات))، ونقله عنه ابن كثير
في ((البداية)) (١٠٨/٨).
(٢) رجاله ثقات، ومالك بن أبي عامر هو جد مالك بن أنس الفقيه، وأخرجه الترمذي (٣٨٣٧)
من طريق ابن إسحاق به، وحسنه هو، والحافظ في ((الفتح)) وصححه الحاكم (٥١١/٣،
(٥١٢/٣)، ووافقه الذهبي، وهو في ((تاريخ ابن عساكرا (١/١٢١/١٩)، وأورده ابن كثير
في ((البداية)) (١٠٩/٨)، من طريق علي بن المديني، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن
محمد بن إسحاق.
(٣) (تاريخ ابن عساكر)) (١/١٢١/١٩)، و((المستدرك)) (٥١٢/٣).
٢٩

فوالله لقد رأيتنا نُجَالِسُ أبا هريرة، فيُحَدِّثُ عن رسول الله وَهِ، ويُحَدِّثنا عن كعب،
ثم يقومُ، فأسمعُ بعضَ من كان معنا يجعلُ حديث رسول الله ◌ِصَلّر عن كعب،
ويجعل حديثَ كعبٍ عن رسول الله آل﴾(١)
ابن سعد: حدثنا محمدُ بنُ عمر: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن
زياد بن مِينا، قال: كان ابنُ عِّاس، وابنُ عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وجابرُ،
مع أشباه لهم، يُفتون بالمدينة، ويُحدِّثُونَ عن رسول اللهِنَّهِ مِن لَدُنْ تُوفي عثمانُ
إلى أن تُؤُُّوا(٢) .
قال: وهؤلاء الخمسة، إليهم صارت الفتوى.
الشافعي: أخبرنا مالكُ، عن يحيى بن سعيد، عن بكير بن الأَشَجّ، عن مُعاويةً
ابن أبي عياش الأنصاري: أنه كان جالساً مع ابن الزّبير، فجاء محمدُ بنُ إياس بن
البُكَير، فَسأل عن رجل طَلَّق ثلاثاً قبل الدخول. فبعثَه إلى أبي هريرة، وابن عيَّاس -
وكانا عند عائشة - فذهّبٌ، فسألهما.
فقال ابنُ عباس لأبي هريرة: أَفْتِهِ يا أبا هريرة فقد جاءتكَ مُعضِلةٌ. فقال:
الواحدة تُبينها، والثلاثُ تُحَرِّمُها. وقال ابنُ عباس مثلَه(٣) .
وقد كان أبو هريرة يجلسُ إلى حُجرة عائشة، فيُحَدِّثُ، ثم يقولُ: يا صاحبةَ
الحُجرةِ، أتُنكرينَ مما أقولُ شيئاً؟
فلما قضت صلاتَها، لم تُنكر ما رواه، لكن قالت: لم يكن رسول الله وَل* يَسِرُدُ
الحديثَ سَردكم(٤).
(١) أورده ابن كثير في (البداية" ١٠٩/٨ من طريق مسلم بن الحجاج، عن عبد الله بن عبد
الرحمن الدارمي، عن مروان بن محمد بن حسان الدمشقي، عن الليث بن سعد، عن بكير
بن الأشج ... وهذا سند صحيح. وهو في ((تاريخ ابن عساكر) ٢/١٢١/١٩.
(٢) طبقات ابن سعد ٢/ ٣٧٢.
(٣) إسناده صحيح، وهو في ((مسند الشافعي)) (٣٧٥/٢)، و((الموطأ)) (١١٩٨).
(٤) أخرجه مسلم (٢٤٩٣) في فضائل الصحابة من طريق ابن ضهاب أن عروة بن الزبير حدثه
أن عائشة قالت: ألا يعجبك أبو هريرة جاء فجلس إلى جنب حجرتي يحدث عن النبي (115
يُسمعني ذلك، وكنت أسبح (أصلي نافلة) فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت
عليه، إن رسول الله (858* لم يكن يسرد الحديث كسردكم. وأخرجه أبو داود (٣٦٥٥)، =
٣٠

وكذلك قيل لابن عمر: هل تُنكر مما يحدِّثُ به أبو هريرة شيئاً؟ فقال: لا،
ولكنه اجترأ، وجَبْدًّا(١).
فقال أبو هريرة: فما ذنبي، إن كنتُ حفظتُ ونَشُوا.
قال يزيدُ بنُ هارون: سمعتُ شُعبةً يقول: كان أبو هريرة يُدلِّس(٢).
قلتُ: تدليسُ الصحابة كثيرٌ، ولا عيبَ فيه، فإنَّ تدليسهم عن صاحبٍ أكبر
منهم، والصحابةُ كُلُّهُم عُدول(٣) .
شريك، عن مُغيرة، عن إبراهيم قال: كان أصحابنا يَدَعُون من حديث أبي
هريرة . .
وروى حسين بن عياش، عن الأعمش، عن إبراهيم نحوه (٤) .
= وأختصره الترمذي (٢٦٤٣)، وفي البخاري (٤٢٢/٦) في المناقب: وقال الليث: حدثني
يونس، عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة أنها قال: ألا يعجبك
أبا فلان جاء فجلس إلى جانب حجري ... وقول عائشة: ولو أدركته لرددت عليه، أي:
لأنكرت عليه، وبينت له أن الترتيل في الحديث أولى من السرد. قال الحافظ: والمنذر عن
أبي هريرة بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة
التحديث، كما قال بعض البلغاء: أريد أن أقتصر، فتزدحم القوافي على فيَّ. وانظر ((تاريخ
ابن عساكرا (٢/١١٩/١٩).
(١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٥١٠/٣) وذكره الحافظ في ((الإصابة)) (٧٦/١٢) عن فوائد
المزكي تخريج الدارقطني، من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح
عن أبي هريرة، وذكر قول أبي هريرة: فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا.
(٢) ذكره ابن عساكر (١/١٢٢/١٩)، قال الحافظ ابن كثير في ((البداية)) (١٠٩/٨): وكأن شعبة
يشير بهذا إلى حديثه: ((من أصبح جنُباً فلا صيام له)) فإنه لما حوفق عليه، قال: أخبرنيه
مخبر، ولم أسمعه من رسول الله رَّهِ.
(٣) قال ابن حبان في مقدمة ((صحيحه)) ١٢٢/١: وإنما قبلنا أخبار أصحاب رسول الله (وَله ما
رووها عن النبيّ وَل﴿ وإن لم يبينوا السماع في كل ما روواه، وبيقين نعلم أن أحدهم ربما
سمع الخبر عن صحابي آخر، ورواه عن النبيّ 143 من غير ذكر ذلك الذي سمعه منه،
لأنهم رضي الله عنه أجمعين - وقد فعل - كلهم أئمة سادة قادة عدول، نزه الله عز وجل
أقدار أصحاب رسول الله* عن أن يلزق بهم الوهن.
(٤) (تاريخ ابن عساكرا (٢/١٢٢/١٩)، و((أصول السرخسي)) (٣٤١/١)، وفي كتاب ((العلل))
ص (١٤٠) لأحمد: حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، قال: كان إبراهيم صيرفياً في الحديث
أجبؤه بالحديث، قال: فكتب مما أخذته عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: كانوا =
٣١

:
الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، قال: ما كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة
إلا ما كان حديث جَنَّة أو نار(١)
قلت: هذا لا شيء، بل احتجَّ المسلمون قديماً وحديثاً بحديثه، لحفظه وجَلَالَتِهِ
وإتقانه وفقهه، وناهيكَ أنَّ مثلَ ابنَ عباس يتأدَّبُ معه، ويقولُ: أنتِ يا أبا هريرة.
وأصبحُ الأحاديث ما جاءَّ عن الزُّهري، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة.
وما جاء عن أبي الزَّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
وأين مثلُ أبي هريرة في حفصه وسعة عمله.
حمَّاد بن زيد، عن عيَّاسِ الجُرَيري: سمعتُ أبا عثمان النَّهدي، قال: تضيفتُ أبـ
هريرة سبعاً، فكان هو وامرأته وخادمه يعتقُبون الليل أثلاثاً: يُصلّي هذا، ثم يُوقظ
هذا، ويُصلي هذا، ثم يُوقظ هذا.
قلتُ: يا أبا هريرة ، كيف تَصومُ؟ قال: أصومُ من أول الشهر ثلاثاً(٢)
ابن سعد: حدثنا يحيى بنُ عباد: حدثنا حَمَّاد بنُ سلمة، عن هشام بن سعيد بن
زيد الأنصاري، عن شرحبيل: أن أبا هريرة كان يصومُ الأثنين والخميس (٣).
عبد العزيز بن المختار، عن خالد، عن عكرمة: أن أبا هريرة كان يُسبّحُ كلَّ يومٍ
اثني عشر ألف تسبيحة، يقولُ: أُسَبِّحُ بقدر ديتي (٤).
ورواه عبد الوراث، عن خالد.
أخبرنا أحمدُ بنُ هبة الله: عن المؤيد الطوسي: أخبرنا هبةُ الله السندي: أخبرنا
= يتركون أشياء من أحاديث أبي هريرة. وقد انتصر الحافظ ابن عساكر لأبي هريرة، ورد
هذا الذي قاله إبراهيم النخعي، وصرح الحافظ ابن كثير بأن صنيع الكوفين مردود،
والجمهور على خلافهم. وسيأتي الكلام عليه ص (٣٩ - ٤٠).
(١) ((تاريخ ابن عساكر» (١/١٢٢/١٩).
(٢) رجاله ثقات. عباس الجريري: هو عباس بن فروخ: ثقة، روي له الجماعة. وأبو عثمان
التهدي: اسمه عبد الرحمن بن مل: ثقة ثبت عابد، وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)
(٣٨٢/١)، وابن عساكر في (تاريخه)) (٢/١٢٢/١٩)، وذكره الحافظ في ((الإصابة))
(٧٧/١٢)، ونسبه لأحمد في (الزهد»، - وهو في المسند - وصحح إسناده، ويعتقبون:
يتناوبون .
(٣) ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (٢/١٢٢/١٩).
(٤) (تاريخ دمشق)) لابن عساكر (٢/١٢٢/١٩)، وقد تصحف في المطبوع ((ديتي)) إلى ((ذنبي)).
٣٢

سعيدُ بنُ محمد: أخبرنا زاهرُ بنُ أحمد: أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي: أخبرنا أبو
مصعب الزهري: حدَّثنا مالك، عن محمد ابن عمرو بن حلحلة، عن حُميد بن
مالك بن خُثيم، قال: كنتُ جالساً عند أبي هريرة في أرضِهِ بالعَقِيق، فأتاه قومٌ،
فنزلُوا عنده. قال حُميد: فقال: اذهب إلى أُمَّي، فقل: إن ابنك يُقْرتُك السلامَ،
ويقولُ: أطعمينا شيئاً. قال: فوضعَت ثلاثة أقراصٍ فى الصحفة، وشيئاً من زيت
وملح ووضعتها على رأسي؛ فحملتُها إليهم.
فلما وضعتُه بين أيديهم؛ كيَّر أبو هريرة، وقال: الحمدُ لله الذي أشبعنا من
الخبز، بَعدَ أن لم يكن طعامنا إلا الأسودين: التمر والماء.
فلم يُصِبِ القومُ من الطعام شيئاً. فلما انصرفوا، قال: يا ابن أخي، أحسن إلى
غَنَمك، وامسح عنها الرُّعَام، وأطب مُراحها، وصلِّ في ناحيتها؛ فإنها من دوابٌ
الجنة. والذي نفسي بيده، يُوشكُ أن يأتي على النَّاسِ، زمانٌ تكون الثُّلةُ من الغَنَم
أحبَّ إلى صاحبها من دار مروان(١) .
أخرجه البخاري في كتاب ((الأدب)) عن ابن أبي أُويس، عن مالك. ووثَّق
النسائي حُمَّیداً.
هُشيم، عن يعلى بن عطاء، عن ميمون بن ميسرة، قال: كانت لأبي هريرة
صيحتانِ في كل يوم: أولّ النهار وآخره. يقول: ذهبَ الليلُ، وجاءَ النَّهارُ، وعُرِض
آل فرعونَ على النار. فلا يسمعه أحد إلا استعاذ بالله من النَّار(٢).
جعفر بن بُرقان: حدثنا الوليد بن زوران: حدثني عبد الوهَّاب المدني، قال:
بلغني أن رجلاً دخل على مُعاوية، فقال: مررتُ بالمدينة، فإذا أبو هريرة جالسُ في
المسجد، حوله حلقةٌ يحدَّثُهم، فقال: حدثني خليلي أبو القاسم ◌َ﴾. ثم استعبر،
فیکی. ثم عاد، فقال: حدثني خليلي ګ# نبي الله أبو القاسم. ثم استعبر، فبكى،
(١) هو في ((الموطأ) رقم (١٨٠٢) ٣١٣/٤، ١٣٤ بشرح الزرقاني، وإسناده صحيح، وأخرجه
البخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٧٢) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك.
والرّعام: مخاط رقيق يجري من أنوف الغنم. وأطِب مراحها: نظَفه. والثُلَّة: جماعة الغنم،
قليلة كانت أو كثيرة، وقيل: الثلة: الكثير منها.
(٢) أخرجه ابن عساكر (٢/١٢٢/١٩).
٣٣

ثم قام(١) .
ابن لَهيعة، عن أبي يونُس، عن أبي هريرة: أنه صلَّى بالناس يوماً، فلما سلّم،
رفع صوته، فقال: الحمدُ لله الذي جَعَلَ الدين قواماً، وجعل أبا هريرة إماماً، بعد
أن كان أجيراً لابنة غَزوان على شبع بطنه، وحَمُولة رِجله(٢) .
ابن عُلية، عن الجُرَيري، عن مُضَارب بن حَزن، قال: بينا أنا أسيرُ تحتَ اللَّيل،
إذا رجلٌ يُكَيُر، فألحقته بعيري. فقلتُ: من هذا؟ قال : أبو هريرة. قلتُ: ما هذا
التكبيرُ؟ قال: شُكرُ. قلتُ: على مه؟ قال: كنتُ أجيراً لبُسرةَ بنتِ غَزوان بَعُقبة
رجلي، وطعام بطني، وكانوا إذا ركبوا، سقتُ بهم، وإذا نزلوا، خدمتهم، فَزَوَجَنيها
اله! فهي امرأتي(٣) . :
مَعمَر، عن أيوب، عن محمد: أن عمر استعمل أبا هريرةً على البحرين، فقدمَ
بعشرة آلاف. فقال له عمر: استأثرتَ بهذه الأموال يا عدوّ الله، وعدوّ کتابه؟
فقال أبو هريرة: فقلتُ: لستُ بعدو الله وعدو كتابه، ولكني عدؤُ من عاداهما.
قال: فمن أينَ هي لك؟ قلتُ: خيلٌ نُتِجِت، وغَلَّةُ رقيقٍ لي، وأُعطِيةُ تابعت.
فنظروا، فوجدوه كما قال.
فلما كان بعد ذلك، دعاهُ عُمرُ ليولِّيه، فأبى. فقال: تكره العملَ وقد طلبَ
العَمَلِ مَن كان خَيراً منك: يوسفُ عليه السلام، فقال: يوسفُ نبيّ ابنُ نبيّ ابن نبيّ
وأنا أبو هريرة بنُ أُمَيمة. وأخشى ثلاثاً واثنتين. قال: فهلا قُلتَ: خمساً؟ قال:
أخشى أن أقولَ بغير علم، وأقضي بغير حلم، وأن يُضربَ ظهري، وينتزع مالي،
ويُشْتَم عرضي (٤).
(١) ((تاريخ دمشق) لابن عساكر (١/١٢٣/١٩).
(٢) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية» (٣٧٩/١)، وابن عساكر (١/١٢٣/١٩).
(٣) رجاله ثقات، وأخرجه أبو نعيم (١/ ٣٨٠)، وابن عساكر (١/١٢٣/١٩).
عقبة رجلي: أي: نوبة ركوبة.
(٤) رجاله ثقات. وذكره ابن كثير في (البداية)) (١١٣/٨) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن
أيوب، عن ابن سيرين أن .. ، وأخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (٣٣٥/٤) من طريق هوذة
ابن خليفة، وعبد الوهاب بن عطاء، ويحيى بن خليف بن عقبة، وبكار بن محمد، قالوا:
حدثنا عبد الله بن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وأخرجه أيضاً من طريق
عمرو بن الهيثم، قال: حدثنا أبو هلال، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. وأبو =
٣٤

رواه سعد بن الصلت، عن يحيى بن العلاء، عن أيوب، متصلاً بأبي هريرة.
أخبرني إبراهيم بن يوسف: أخبرنا ابنُ رواحة: أخبرنا السَّلَفي: أخبرنا ابن
البُسري(١): أخبرنا عبد الله بن يحيى: أخبرنا إسماعيلُ الصفّار: حدثنا الرمادي:
حدثنا عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن محمد بن زياد، قال: كان معاويةُ يَبعثُ أبا
هريرة على المدينة، فإذا غَضِبَ عليه، بعثَ مَروان، وَعَزَّلَهُ قال: فلم يلبثِ أن نَزَعَ
مروان، وبعثَ أبا هريرة، فقال لغلام أسود: قِف على الباب، فلا تمنع إلاَّ مروان،
ففعلَ الغلامُ، ودخلَ النَّاسُ، ومُنعَ مَروان. ثم جاء نوبةٌ، فدخل، وقال: حُجبنا
عنك، فقال: إنَّ أحقَّ مَن لا أنكَر (٢) هذا لأنت(٣).
رواه الحافظ أبو القاسم في ((تاريخه)) عن السّلَفي إجازة.
قُلتُ: كان أبو هريرة طيِّب الأخلاق. ربما نابَ في المدينة عن مروان أيضاً (٤) .
حَمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، قال: كان مروانُ رُبَّما استخلفَ أبا
هريرة على المدينة، فيركبُ حماراً ببرذعة، وفي رأسه خُلبَةً من ليف، فيسير، فيلقى
= هلال الراسبي: صدوق فيه لين، وبقية رجاله ثقات، فهو صحيح بما قبله. وأخرجه
البلاذري في ((فتوح البلدان)) ص (٩٣) من طريق شيبان بن فروخ، عن أبي هلال الرأسبي،
عن محمد ابن سيرين، عن أبي هريرة، وأخرجه أيضاً من طريق القاسم بن سلام، وروح
ابن عبد المؤمن، عن يعقوب بن إسحاق الحضرمي، عن يزيد بن إبراهيم التستري، عن ابن
سیرین، عن أبي هريرة، وإسناده صحيح. وانظر ابن عساكر (٢/١٢٤/١٩). وأخرجه أبو
نعيم في ((الحلية)) (٣٨٠/١، ٣٨١)، من طريق أيوب السختياني، عن ابن سيرين، عن أبي
هريرة .
(١) البسري بالباء: منسوب إلى بيع البسر، وقد تحرف في المطبوع إلى (السري) واسمه:
الحسين بن علي بن أحمد بن محمد بن البندار البغدادي، توفي سنة ٤٩٧ هـ ((العبر)
(٣٤٦/٣، ٣٤٧).
(٢) في ((تاريخ الإسلام)) ٣٣٨/٢: من لا ينكر.
(٣) رجاله ثقات، وهو في ((تاريخ ابن عساكرا ١/١٢٥/١٩.
(٤) أخرج مسلم في ((صحيحه)) (٨٧٧)، من طريق عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان
ابن بلال، عن جعفر، عن أبيه، عن ابن أبي رافع، قال: استخلف مروان أبا هريرة على
المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى لنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ بعد سورة الجمعة في الركعة
الآخرة: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ قال: فأدركت أبا هريرة حين أنصرف، فقلت له: إنك
قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الكوفة، فقال أبو هريرة: إني سمعت
رسول الله وهو يقرأ بهما يوم الجمعة.
١
٣٥

الرجل، فيقولُ: الطريقَ! قد جاءَ الأميرُ.
وربما أتى الصبيانُ، وهم يلعبون بالليل لعبة الأعراب. فلا يشعرُونَ، حتى يُلقيَ
نفسه بينهم، ویَضرِب برجلیه، فیفزعُ الصبيانُ، فیفرون. وربما دعاني إلى عشائه،
فيقول: دعِ العُراق للأمير. فأنظر، فإذا هو ثريدةٌ بِزَيت (١) .
عمرو بن الحارث، عن يزيد بن زياد القُرظي: حدثني ثعلبةُ بن أبي مالك
القرظي، قال: أقبل أبو هريرة في السوق يَحمِلُ حُزمةً حظبٍ، وهو يومئذٍ خليفةٌ
لمروان، فقال: أوسع الطريقَ للأمير (٢).
يحيى بن سعيد، عن ابن المسيّب، قال: كان أبو هريرة إذا أعطاه مُعاويةٌ،
سكتَ، فإذا أمسكَ عنه، تَكَلَّم(٣) .
هشام بن عروة، عن رجل، عن أبي هريرة، قال: دِرِهَمْ یکون من هذا - وكأنه
يَمسحُ العرق عن جَبينه - أتصدَّقُ به، أُحبُّ إلى من مئة ألف، ومئة ألف، من مال
فلان (٤)
وقال حزم القُطَّعي: سمعتُ الحسن يقولُ: كان أبو هريرة إذا مرَّت به جنازة،
قال: اغدوا فإنَّا رائحون، ورُوحوا فإِنَّا غادون(٥).
يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة : - فذكر حديثَ بسط
:
(١) رجاله ثقات، وأبو رافع أسمه نفيع الصائغ المدني نزيل البصرة، ثقة ثبت، أخرج حديثه
الجماعة، وهو في ((تاريخ دمشق)) (١/١٢٥/١٩). والخلبة: واحد الخلب: الحبل الرقيق
الصلب من الليف والقطن وغيرهما. وفي ((تاريخ الإسلام»: وخطامه ليف. والعُراق:
العظم الذي أخذ عنه معظم اللحم، أو الغدرة من اللحم.
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلبة)) (٣٨٤/١) من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث ...
ورجاله ثقات. وهو في (تاريخ ابن عساكر) (١/١٢٥/١٩).
(٣) ذكره ابن كثير في ((البداية)) (١١٤/٨) عن الإمام أحمد، قال: حدثنا عبد الأعلى بن عبد
الجبار، حدثنا حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، وهو في «تاريخ
دمشق» (٢/١٢٥/١٩).
(٤) ((تاريخ دمشق» (٢/١٢٥/١٩).
(٥) (تاريخ دمشق)) (٢/١٢٦/١٩)، وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٨٣/١)، من طريق عبد
الرزاق، عن معمر، قال: بلغني عن أبي هريرة أنه كان إذا مر بجنازة، قال: روحي، فإنا
غادون، أو اغدي، فإنا رائحون.
٣

:
ثوبه - قال: فما نسيتُ بعد ذلك اليوم شيئاً حُدِّثتُ به(١).
أبو هلال، عن الحسن: قال أبو هريرة: لو حدثتُكم بكل ما في كيسي،
الرميتموني بالبعر، ثم قال الحسنُ: صدق، والله، لو حدَّثَهم أَنَّ بيتَ الله يُهدَمُ، أو
يُحرق، ما صَدَّقوه(٢) .
الفضل بن العلاء: حدثنا إسماعيلُ بنُ أمية: أخبرني محمد بن قيس [ابن
مخرمة]: أن رجلاً أتى زيد بن ثابت، فسأله عن شيء، فقال: عليكَ بأبي هريرة،
فإني بينما أنا وهو وفلانٌ في المسجد، خَرَجَ علينا رسول الله {﴿﴿ ونحنُ ندعو،
ونذكرُ ربَّنا. فجلسَ إلينا، فسكتنا. فقال: ((عودوا للذي كُنْتُم فيه)). فدعوتُ أنا
وصاحبي قبل أبي هريرة. فجعلَ رسول الله يُؤَمِّنُ. ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللّهمَّ
إني أسألك ما سألَكَ صاحباي هذان، وأسألُكَ عِلمَاً لا يُنسى فقال النبيِّ وَّ:
«آمین)).
فقلنا: يا رسول الله، ونحنُ نسألُ الله عِلماً لا يُنسى. قال: (سَبَقَكُما الغُلامُ
الدَّوسي)»(٣).
تفرّد به [الفضل بن] العلاء، وهو صدوق.
هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن ابن عمر: أنه مرّ
بأبي هريرة - وهو يحدِّثُ - أن رسول اللهِ وَ ﴿ قال: مَن تَبْعَ جِنَازةً، فله قِيراطٌ)).
فقال: انظر ما تُحدِّثُ عن رسول الله! فقام أبو هريرةً، فأخذ بيده إلى عائشة، فقال
لها: أَنشدُكِ بالله، هل سمعتِ رسول الله ◌َ﴾ يقول: ((مَن تَبْعَ جَنَازَة ... )) -
(١) إسناده صحيح. يونس هو ابن يزيد الأيلي، وهو في ((صحيح مسلم)) (٢٤٩٢) في فضائل
الصحابة، من طريق حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن ابن
المسيب أن أبا هريرة قال: يقولون ... وانظر ((صحيح البخاري)) (١٩٠/١، ١٩١) في
العلم: باب حفظ العلم، و(٢٤٦/٤، ٢٤٧) في أول البيوع، و(٢٧١/١٣، ٢٧٢) في
الإعتصام.
(٢) أخرجه ابن سعد في (الطبقات)) (٣٣١/٤) من طريق سليمان بن حرب، عن أبي هلال
الراسبي، عن الحسن. وقد تقدم نحوه ص (٢٣) ..
(٣) (تاريخ دمشق) (٢/١/١١٥/١٩) وتقدم في (ص ٢٦) من طريق حماد بن شعيب، عن
إسماعيل بن أمية، عن محمد بن قيس، وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٥٠٨/٣). فقد
تابعه الفضل بن العلاء، وهو صدوق كما قال المؤلف. وانظر ص (٢٦) و(٤٧).
٣٧

- الحديث - فقالت: اللّهمّ نَعَم.
فقال أبو هريرة: لم يكن يَشغلُني عن رسول اللهِ ﴿ غرسُ الوَدِي، ولا صَفقُّ في
الأسواق، وإنما كنتُ أطلبُ من رسول الله كلمةً يُعلِّمُنيها، أو أكلةً يُطعِمنيها.
فقال ابنُ عمر: كنتَ ألزمَنَا لرسول اللهِ وَّ، وأعلمنا بحديثه.
رواته ثقات(١)
ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن محمد بن عُمارة بن عمرو بن حزم: أنه قَعد في
مجلس فيه أبو هريرة، وفيهِ مَشيخةً مِن أصحابٍ رسول الله ◌ِ﴾، بضعة عشر رجلاً،
فجعلَ أبو هريرةٍ يُحدِّثُهم عن النبيّ وَ﴿ بالحديث، فلا يعرفُه بعضُهم، ثم يتراجعون
فيه، فيعرفُه بعضُهم، ثم يُحدِّثهم بالحديث، فلا يعرِفُه بعضُهم، ثم يعرِفُه، حتى
فعل ذلك مراراً.
قال: فعرفتُ يومئذ أنه أحفظُ النَّاسِ عن رسول الله ﴾
رواه البخاري في ((تاريخه))(٢).
همام بن يحيى: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أن عمر قال لأبي
هريرة: كيف وجدت الإمارة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، ونزعتني، وقد أحببتها. وأتاه
باربع مئة ألف من البحرين. فقال: ما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفا. قال:
من أين أصبتها؟ قال: كنت أتّجر. قال: انظر رأس مالك ورزقك، فخذه
(١) (تاريخ دمشق) (٢/١١٨/١٩)، وهو في ((المسند)) (٢/٢، ٣)، وصححه الحاكم
(٥١١/٣)، ووافقه الذهبي المؤلف. والودي: بفتح الوار، وكسر الدال، وتشديد الياء:
صغار النخل، الواحدة: ودية. والصفق: المرة من التصفيق، والمراد هنا: التبايع، لأن
المتبايعين يضع أحدهما بده على يده الآخر، يريد أبو هريرة: أنه لم يشغله عن حفظ سنة
رسول الله 43* زرع ولا تجارة. وانظر ص (٢٧).
(٢) (١٨٦/١، ١٨٧) في ترجمة محمد بن عمارة بن حزم الأنصاري، ولم يذكر فيه جرحاً ولا
تعديلاً، وكذلك ترجمه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٤٥/٨)، فقال: روى عن أبي
هريرة، روى عنه أبو الزناد، سمعت أبي يقول ذلك. وهو في ((تاريخ دمشق) لابن عساكر
(٢/١١٦/١٩).
٣٨

واجعل الآخرَ في بيتِ المال(١).
وكان أبو هريرة يَجهر في صلاته: بـ(بسم الله الرحمن الرحيم))(٢).
قال الحافظ أبو سعد السمعاني: سمعتُ أبا المَعمَر المُبَارك بن أحمد: سمعتُ
أبا القاسم يوسف بن علي الزنجاني الفقيه: سمعتُ الفقيه أبا إسحاق الفيروزابادي:
سمعتُ القاضي أبا الطيب يقول: كنا في مجلس النظر بجامع المنصور، فجاء شابٌّ
خُراساني، فسأل عن مسألةِ المُصَرَّاةِ(٣)، فطالب بالدليل، حتى استدلَّ، حتى
استدلَّ بحديث أبي هُريرة الوارد فيها.
فقال - وكان حنفياً - : أبو هريرة غير مقبول الحديث(٤).
(١) رجاله ثقات، لكنه منقطع: إسحاق بن عبد الله لم يدرك عمر، وقد تحرف ((همام في
المطبوع إلى ((هشام)، وهو في ((الطبقات)) (٣٣٥/٤، ٣٣٦).
(٢) لكن ثبت عنه وَّفي أنه لم يجهر بها، وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان، انظر ((فتح الباري))
(١٨٨/٢)، والترمذي (٢٤٦) ومسلم (٣٩٩)، وأحمد (٢٦٤/٣)، و((شرح معاني الآثار))
(١١٩/١)، والدارقطني ص (١١٩)، والنسائي (١٣٥/٢)، وقد جاء عنه * أنه جهر بها،
وفعله غير واحد من الصحابة، ورأى بعض الحفاظ أن اللفظ الصحيح لحديث قراءة البسملة
هو: ((كان يفتتح الصلاة بالحمد لله ... )). وليس فيه نفي الجهر بالبسملة، وإنما هو فهم
فهمه بعض الرواة من الخبر فقالوه، فأخطأوا فيه، والله أعلم.
(٣) المُصرَّاة: الناقة أو البقرة أو الشاة يُصرى اللبن في ضرعها، أي: يجمع ويحبس، ثم تباع،
فيظنها المشتري كثيرة اللبن، فيزيد في ثمنها، فإذا حلبها مرتين أو ثلاثاً، وقف على
التصرية والغرور. وحديث أبي هريرة الوارد فيها هو في ((الموطأ) (٦٨٣/٢، ٦٨٤) في
البيوع باب ما ينهى عنه من المساومة والمبايعة. وأخرجه البخاري (٣٠٩/٤) عن عبد الله
ابن يوسف، ومسلم (١٥١٥) (١١) عن يحيى، كلاهما عن مالك، عن أبي الزناد عبد الله
ابن ذكوان، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ولاز قال: ((ولا تصرُّوا الإبل والغنم،
فمن ابتاعها بعد ذلك، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها
ردها وصاعاً من تمرا، أن: يردها بعيب التصرية، ويرد معها صاعاً من تمر مكان ما حلب
من اللبن، وهو قول مالك والشافعي والليث بن سعد وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي
ثور.
(٤) في ((أصول السرخسي) (١/ ٣٤١): ما وافق القياس من رواية أبي هريرة، فهو معمول به،
وإلا فالقياس الصحيح شرعاً مقدم على روايته فيما ينسد باب الرأي فيه. وقال فخر
الإسلام: رواي الخبر إما فقيه أو غير فقيه لكن عرف بالرواية، أو غير فقيه لم يعرف إلا
بحديث أو حديثين .. فخبر الفقيه مقبول يجب العمل به وإن خالف القياس، وخبر غير
الفقيه المعروف بالرواية أيضاً مقبول يترك به القياس، إلا إذا خالف جميع الأقيسة، وانسدً
باب الرأي بالكلية، وهو مختار الإمام عيسى بن أبان، والقاضي أبي زيد، وذهب الشيخ =
٣٩

فما استتمَّ كلامه، حتى سقط عليه حيَّةٌ عظيمةٌ من سقف الجامع، فوتَبَ الناسُ
من أجلها، وهربَ الشابُّ منها، وهي تتبعُه.
فقيل له: تُب، تُب. فقال: تبتُ. فغابت الحيّةُ، فلم يُرَ لها أَثَرَّ.
اسنادها أئمة.
وأبو هريرة إليه المُنتهى في حفظ ما سمعَه من الرسولِ عليه السلام وأدائه
بحروفه. وقد أدّى حديث المُصَرَّة بألفاظه، فوجبَ علينا العملُ به، وهو أَصْلٌ
برأسه.
وقد ولي أبو هريرة البحرين لعمر، وأفتى بها في مسألة المُطلَّقة طلقةً ثم
يتزوَّج بها آخر، ثم بعد الدخول فارقها، فتزوّجها الأول. هل تبقى عنده على
طلقتين - كما هو قول عُمر وغيره من الصحابة ومالك والشافعي، وأحمد في
المشهور عنه - أو تُلغى تلك التطليقةُ، وتكونُ عنده على الثلاث، كما هو قولُ ابن
عبَّاس وابن عمر وأبي حنيفة، وروايةٌ عن عمر، بناءً على أن إصابة الزوج تهدم ما
دون الثلاثَ، كما هَدَمَت إصابتُه لها الثلاث.
= أبو الحسن الكرخي إلى أنه كالأول. وقال بعضهم وهو بصدد البحث في خبر أبي هريرة
في (المصرة)): إن أبا هريرة غير فقيه، والحديث مخالف الأقيسة بأسرها: وفي قولهم: أبو
هريرة غير فقيه)، نظر ظاهر، فإنه رضي الله عنه فقيه مجتهد لا شك في فقهه، فقد كان
يفتي في زمن النبيّ ◌َ﴿ وبعده، وكان يعارض ابن عباس وفتواه، كما جاء في الخير
الصحيح أنه خالف ابن عباس في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، حيث حكم أبن عباس
بأبعد الأجلين، وحكم هو بوضع الحمل.
وأبو حنيفة رحمه الله عمل بحديث أبي هريرة: ((من أكل ناسياً فليتم صوعه)). مع أن
القياس عنده أنه يفطر، فترك القياس لخبر أبي هريرة.
وانظر ما كتبه العلامة محمد بخيت المطيعي في حاشيته ((سلم الوصول)) (٧٦٧/٣،
٧٦٩).
قلت - أنا أبو عبد الله ـ: خبر أبي هريرة إن صح ولم یکن له ناسخ من أثر صحيح،
الدليل، وأحكام الإسلام
،
يجب العمل به، وترك آراء أصحاب البدع ومن ثلموا
بمثل هذا السقوط في الفهم، والتردي في معرفة أصل الدليل والله المستعان من جهل أكثر
المشتغلين بما يسمونه علم الأصول، وهم من معرفة الأصول أبرياء وانظر رد الذهبي
رحمه الله على هذه الدعوى الفاسدة.
٤٠