Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١ .
حديث من قتل تسعة وتسعين نفسا
وَالْأُخْرَى ظَالِلَةٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْقَرْيَةِ الظَّالَةِ يُرِيدُ (١) الْقَرْيَةَ الصَّالِحَةَ، فَأَتَاهُ
الَوْتُ حَيْثُ شَاءَ اللهُ، فَاخْتَصَمَ فِيهِ الَكُ وَالشَّيْطَانُ، فَقَلَ الشَّيْطَانُ. وَالِ مَعَصَا فِى قَطُّ
فَقَالَ آَّكُ: إِنَّهُ قَدْ خَرَجَ يُرِيدُ الثَّوْبَةَ ، فَقُضِىَ بْنَهُمَا أَنْ يُنْظَرَ إِلَى أَيِّهِمَ أَفْرَبُ،
فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِةِ بِشِبْرٍ فَغْفِرَ لَهُ. قَالَ مَعْمَرٌ: وَسَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ:
قَرَّبَ اللهُ إِلَيْهِ الْقَرْيَةَ الصَّالِةَ. رواه الطبرانى بإسناد صحيح، وهو هكذا فى نسختى
غير مرفوع .
٢٨ - وَعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْدْرِىِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ:
كَنَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ نِسْعَةً وَيَسْمِينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ
فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَنَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَبَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسَا فَهَلْ لَهُ مِنْ نَوْبَةٍ ؟ فَقَالَ:
لَا، فَقَتَلَهُ فَكَمَلَ بِهِ مِائَةٌ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ ◌َلَىْ رَجُلٍ عَالٍِ،
فَقَالَ : إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ مَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّوْبَةِ
انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَاوَ كَذَا، فَإنَّ بِهَ أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ، فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ
إِلَى أَرْضِكَ فَإنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ، فَانْطَلَقَ ◌َّى إِذَا نَصَّفَ الطَّرِبِقَ، فَأَتَاهُ مَكُ الَوْتِ
فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا
مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ تَعَلَى، وَقَالَتْ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ كَمْ يَعْمَلْ خَيْرَا قَطُّ فَأَنَاُهُمْ مَلَكٌ
فى صُورَةٍ آدَمِيٍّ فجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى
فَهْوَ لَهُ، فَقَسُوا فَوَجَدُوهُ أَدْنَي إِلَى الْأَرْضِ أَّتِى أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرَّْحَةِ(٢)
(١) أى يذهب متجها بنية صادقة .
(٢) تسلمته إلى نعيم الله وإحسانه بسبب غفران ذنوبه باهتمامه وسيره إلى بلد الصالحين المطيعين. هذا رجل
تاب الله عليه بسبب عزمه على السير إلى هذه القرية، فما بالك بمن أحب الصالحين وعاشرم وأكرمهم وودم
وزارهم وحضر مجالسهم وتبرك بدعواتهم الطيبة؟ أرى أن الله كريم وعظيم يقبله ويوفقه ويهديه إلى الخير ويغفر
ذنوبه، ومن أحب قوما حشر معهم. حسبك قوله صلى الله عليه وسلم ((أنت مع من أحببت)) نسأل الله السلامة
قال النووى: فى باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله ( ثم أفتاه العالم بأن له توبة) هذا مذهب أهل العلم
وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمداً ولم يخالف أحدمنهم إلا ابن عباس، وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف
هذا فراد قائله الزجر عن سبب التوبة، لا أنه يعتقد بطلان توبته، وهذا الحديث ظاهر فيه، وإن كان شرعالمن
قبلنا . وفى الاحتجاج به خلاف. فليس موضع الخلاف وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره،

١٠٢
حدیث من قتل مائة نفس
وفى رواية: فَكَانَ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَاَ.
وفى رواية: فَأَوْحَى اللهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِى، وَ إِلَى هذِهِ أَنْ تَقَرَّبِىِ، وَقَالَ: قِيُوا
بَيْنَهُمَ فَوَجَدُوه إِلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرِ فَغُفِرَ لَهُ .
وفى رواية: قال قتادة قال الحسن: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَا أَتَهُ مَلَكُ المَوْتِ نَأَي بِصَدْرِهِ
نَحْوَهَا. رواه البخارى ومسلم وابن ماجه بنحوه .
٢٩ - وَعَنْ أَبِى عَبْدِ رَبِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِ سُفْيَانَ كَى الْغَبَرِ يُحَدِّثْ أَنَُّ
سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَليه وَسلم يَقُولُ: إِنَّ رَجُلاً أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَقِىَ رَجُلًا
فَقَالَ: إِنَّ الْآخَرَ قَتَلَ تِسْعَةً وَنِسْعِينَ نَفْسًا كُلَّهُمْ ظُلْماً، فَهَلْ تَجِدُ لِ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: إنْ
حَدَّثْتُكَ أَنَّ اللهَ لَا يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَبَ كَذَبْتُكَ، فَهُنَ قَوْمٌ يَتَعَبَّدُونَ، فَأَتِهِمْ تَعْبُدِ (١) اللّهَ
مَعَهُمْ، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ، فَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ فَاجْتَمَعَتْ مَلائِكَةُ الرَّئَةِ، وَمَلائِكَةَ الْعَذَّابِ
فَبَعَثَ اللهُ إِلَيْهِمْ مَلَئِكَاً فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الَمَكَانَيْنِ، فَأَتُهُمْ كَانَ أَقْرَبَ فَهُوَ مِنْهُمْ،
فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إِلَى دَيْرِ الثَّوَّابِينَ بِأَ ثُمُلَّةٍ فَغْفِرَ لَهُ رواه الطبرانى بإسنادين أحدهما جيد.
ورواه أيضاً بنحوه بإسناد لا بأس به عن عبد الله بن عمرو ، فذكر الحديث إلى أن قال:
ثُمَّ أَنَى رَاهِبَا آخَرَ فَقَالَ: إِى قَتَلْتُ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ تَجِدُ لِى مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَقَدْ أَسْرَفْتَ
وَمَا أَدْرِى(٢)، وَلكِنْ هُهُنَ قَرْيَتَنِ قَرْيَةٌ ◌ُقَالُ لَمَ: نَصْرَةُ، وَالْأَخْرَى ◌ُقَالُ كَمَا:
كَفْرَةُ، فَأَمَّا أَهْلُ نَصْرَةَ فَيَعْمَلُونَ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ (٣) لَا يَذْبُتُ فِيهَاَ غَيْرُهُمْ، وَأَمَّا
فإن ورد كان شرعا لنا بلا شك، وهذا قد ورد شرعنا به، وهو قوله تعالى ( والذين لا يدعون مع الله إلها.
آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن بفعل ذلك يلق أناما ٦٨ يضاعف له العذاب
يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ٦٩ إلا من ناب ) من سورة الفرقان .
وأما قوله تعالى ( ومن يقتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ) من سورة النساء .
فالصواب فى معناها أن جزاءه جهنم ، وقد يجازى به وقد يجازی بغيره، وقد لایجازی بل يعفى عنه، فان
قتل عمداً مستحلا له بغير حق ولا تأوبل فهو كافر مرتد به فى جهنم بالإجماع ، وإن كان غير مستحل بل معتقداً
تحريمه فهو فاسق عام مرتكب كبيرة جزاؤه جهنم خالداً فيها، لكن بفضل الله تعالى ثم أخبر أنه لا يخلد من
مات موحداً فيها فلا يخلد هذا، ولكن قد يعفى عنه فلا يدخل النار أصلا، وقد لا يعفى عنه ، بل يعذب كسائر
العصاة الموحدين ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يدخل فى النار فهذا هو الصواب فى معنى الآية أهـ ص ٨٣ج ١٧.
(١) قطعه وتتقرب إليه سبحانه. (٢) لا أعلم.
(٣) أى يعملون عملا صالحا موصلا لنعيم الله سبحانه وتعالى.

١٠٣
أنا عند ظن عبدی بی
أَهْلُ كَفْرَةَ، فَيَعْمَلُونَ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ لَا يَنْبُتُ فِيهَا غَيْرُهُمْ، فَانْظَلِقْ إِلَى أَهْلِ نَصْرَةً،
فَإِنْ ثَبَتَّ فِيهَا، وَعَمِلْتَ عَمَلَ أَهْلِهَاَ، فَلَاَ شَكَّ فِى تَوْبَتِكَ(١)، فَانْطَلَقَ بَوُمُّهَا(٢) حَتَّى
إِذَا كَانَ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ أَدْرَ كَهُ الَوْتُ، فَتَأْلَتِ المَلائِكَةُ رَبِّهَ عَنْهُ، فَقَالَ: أَنْظُرُوا
إِلَي أَىِّ الْقَرْيَشَيْنِ كَانَ أَقْرَبَ،َ كْتُبُوهُ مِنْ أَهْلِهَاَ، فَوَجَدُوهُ أَفْرَبَ إِلَى نَصْرَةَ بِيدِ
أْمُلَةٍ(٢) فَكُتِبَ مِنْ أَهْلِهَاَ ..
٣٠ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ:
قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِى(٤)، وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْ كُرُفِى(٥) ، وَاللهِ
كَثُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةَ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِمُ (٦) يَجِدُ ضَلَّتَهُ(٢) بِالْفَاَةِ(٨)، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَّ
(١) أى علامة قبولك سلوكك مسلك المطيعين. (٢) يقصدها.
(٣) أى بمقدار ذرة صغيرة جدا. فانظر إلى سعة رحمة الله ولطفه وإدراكه من أناب إليه كما قال تعالى:
﴿ ويعفو عن كثير ) .
(٤) قال القاضى : قيل معناه بالغفران له إذا استغفر والقبول إذا تاب والإجابة إذا دعا والكفاية إذا
طلب الكفاية، وقيل المراد به الرجاء وتأميل العفو، وهذا أصح أم نووى ص ٢ ج ١٧.
(٥) أى معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية، وأما قوله تعالى (وهو معكم أينما كنتم) فمعناه بالعلم والإحاطة
(٦) قال العلماء : فرح الله تعالى رضاه. وقال المازرى: الفرح ينقسم إلى عدة وجوه: منها السرور
والسرور يقاربه الرضا بالمسرور به فالمراد هنا أن اللّه تعالى يرضى توبة عبده أشد مما يرضى " واجد ضالته
بالفلاة فعبر عن الرضا بالفرح تأكيداً تعنى الرضا فى نفس السامع ومبالغة فى تقريره اهـ نووى ص ٦٠ ج ١٧ :
بخ بخ أيها المسلم يحب الله لك التوبة: أى ترجع إليه نادما مقصراً على درك الحسنات وتستعد للمستقبل
فتعمل صالحا ليشملك بعزه وبرضاه ، وتأمل فى الحديث رجل فى مفازة يملك شيئا نفيا عزيزاً غاليا ثمينا
فتفقده تلم يجده وضاع منه وصار يبحث عنه بجد وكد ثم وجده. ما مقدار فرحه بالعثور على بغيته والحصول
على ماله؟ إنه لشديد الحبور. والله تعالى كثير الرضا عن التائب أكثر من الذى وجد ما يهوى.
١ - ( أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه وانله غفور رحيم) ٧٤ من سورة المائدة.
ب - ( وهو الذى يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم
ينبئكم بماكنتم تعملون ٦٠ وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت
توفته رسلنا وهم لا يفرطون ٦١ ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ٦٢
قل من ينجيك من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجاناً من هذه لنكونن من
الشاكرين ٦٣ قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون) ٦٤ من سورة الأنعام .
:
إن شاهدنا مراقبة الله تعالى لعبده أن جعل له ملائكة تحفظ أعماله ومع ذلك يعفو سبحانه فيثق العبد
بلطف سيده ويعتمد على عفوه وستره ( مولاهم) الذى يتولى أمورهم ويحكم بالحق : أى العدل ، ثم ساق
لهم بعض نعمه ( نضرعا وخفية) معلنين ومسرين (كرب ) غم ولكن تعودون إلى الشرك ولا توفون
بالعهد . فانظر إلى مدى حلم الله بعباده .
(٢) الشىء المنقود. (٨) الصحراء: أى الأرض القفر.

١٠٤
من أقبل إلى الله عزّ وجلّ ماشيا أقبل إليه مهرولا
شِبْرًا(١) تَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاءً(٢) ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَامًا، وَإِذَا أَقْبَلَ
إِلَىَّ يَمْشِي أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُهَرْوِلُ . رواه مسلمٍ، واللفظ له ، والبخارى بنحوه .
٣١ - وَعَنْ يَزِيد بْنِ نُعَيِْ قالَ، سَمِعْتُ أَبَا ذَرِّ الْغِفَرِىّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ، وَهُوَ
عَلَى الْبَرِ بِالْقُمْطَاطِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمْ يَقولُ: مَنْ تَقَرَّبَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ
شِبْرًا تَقَرَّبَ إِلَيْهِ ذِرَامًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيْهِ ذِرَاءَا تَقَرَّبَ إِلَيْهِ بَامًا، وَمَنْ أَقْبَلَ إِلَى اللهِ
عَزَّ وَجَلَّ مَاشِيًا أَقْبَلَ إِلَيْهِ مُهَرْوِلًا، وَاللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ ، وَاللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، وَاللهُ أَعْلَى
وَأَجَلُّ رواه أحمد والطبرانى، وإسنادها حسن .
٣٢ - وَعَنْ شُرَيْحٍ هُوَ ابْنُ الْحُرِثِ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَبِ الَِّيِّ صلى اللهُ
عليه وسلم يَقُولُ: قالَ الَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وَسلم: قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ قُمْ(٣)
إِلَىَّ أَمْشٍ إِلَيْكَ (٤) ، وَأَمْشٍ إِلَىَّ أُهَرْوِلْ إلَيْكَ . رواه أحمد بإسناد صحيح .
٣٣ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم:
كَثُهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ (٥) ، وَقَدْ أَضَّلَّهُ بِأَرْضٍ فَلاَةٍ.
رواه البخارى ومسلم.
٣٤ - وفى رواية لمسلم: ◌َلُهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِقَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْ مِنْ
أَحَدِكُمُ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلَةٍ، فَانْفَلَتَتْ (٦) عَنْهُ، وَعَلَيْهَ طَعَامُهُ وَشَرَابُ،
(١) أى مقدار شبر فى الطاعة والعمل الصالح .
(٢) أى أغدقت عليه الثواب مضاعفا وأجرته أكثر إنعاما وإحسانا، والله تعالى منزه عن الجوارح
والمشابهة والماثلة. قال النووى: ومعناه من تقرب إلى بطاعتى تقريت إليه برحتى والتوفيق والإعانة، وإن
زاد زدت فان أتانى يمشى وأسرع فى طاعنى أتيته هرولة: أى صبيت عليه الرحمة وسبقته بها ولم أحوجه إلى
المشى الكثير فى الوصول إلى المقصود، والمراد أن جزاءه يكون تضعيفه على حسب تقربه اه ص ٤ ج ١٧.
(٣) أخلص لى فى العبادة واعمل صالحا لى وأكثر من ذكرى والصلاة على حبيبى.
(٤) أرحمك وأحسن إليك وأكثر رزفك وأمتعك بالصحة وزيادة النضارة .
(٥) وقع عليه وصادفه من قصد اه نووى .
(٦) فرت منه ورمحت ونفرت واطلقت .

١٠٥
من أحسن فیمابقى منعمره غفر له مامضى
فَأْسَ مِنْهَا(١)، فَأَى شَجَرَةٌ، فاضْطَجَعَ(٢) فىظِلِّهَاَ قَدْ أَبِسَ(٣) مِنْ رَاحِلَِهِ، فَبَيْنَا هُوَ
كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَاَ قاِمَةٌ عِنْدَهُ، فَأَخَلَ مُخُطَمِها (٤)، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللّهُمَّ
أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأُ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ (٥).
٣٥ - وَعَنِ الْحَرِثِ نِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ
صلى اللهُ عليهِ وَسلمٍ يَقُولُ: لَهُ أَفْرَحُ بِقَوْبَةٍ عَبْدِهِ المُؤْدِنِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ فِى أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ
مُهْمِكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ(٦) فاسْتَيْقَظَ، وَقَدْ
ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، فَطَهَا حَتّى إِذَا أُشْتَدَّ عَلَيْهِ الْرُّ وَالْعَطَشْرُ، أَوْ مَا شَاءَ اللهُ تَعَلَى. قالَ:
أَرْجِعُ إِلَى مَكَافِى الَّذِىِ كُنْتُ فِيهِ ، فَأَنَمُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ
◌ِيَمْوتَ، فَاسْتَيْقَظَ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ عَيْهَا زَادُهُ وَشَرَابُهُ ، فَاللهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِقَوْبَةٍ
الْعَبْدِ المُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ. رواه البخارى ومسلم.
[ الدّوية] بفتح الدال المهلة، وتشديد الواو والياء جميعاً: هى الغلاة الفقر والمفازة(٧).
٣٦ - وَعَنْ أَبِى ذَرِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم:
مَنْ أَحْسَنَ فِيَ تَقِىَ(٨) غُفِرَ لَهُ مَا مَضَى، وَمَنْ أَسَاءَ فِيَاَ بَقِىَ(٩) أُخِذَ(١٠) بِمَ مَضَى
وَمَا بَقِىَ . رواه الطبرانى بإسناد حسن.
٣٧ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وَسلم:
(١) جرى وراءها فلم يمسكها. (٢) استراح ونام.
(٣) زال أمله وقل رجاؤه فى العثور عليها. (٤) زمامها وقبض عليه.
(٥) هذا تمثيل لنهاية السرور الصادر من العبد الذى وجد ناقته ليقرب لك رضا الله تعالى بتوبة عهده
و رجوع إليه والأخذ فى طاعته والشروع فى العمل الصالح له.
(٦) كذا فنام واستيقظ دوع ص ٢،٣١٣، ورواية مسلم. وفى ن ط: فنام نومة فاستيقظ.
(٧) قال النووى من قولهم فوز الرجل إذا هلك، وقيل على سبيل التفاؤل بفوزه ونجاته منها كما يقال
للديغ سليم اهـ ص ٦١ ج ١٧ .
(٨) في زم زيادة من عمره: أى تاب إلى الله وأخلص فى حياته الآتية المستقبلة ساعه الله وعفا عنه
ما عمله فى الأزمان السابقة تفصيلا .
(٩) أخطأ فى مستقبله .
(١٠) حاسبه الله على الأعمال الماضية والمستقبل ، نفيه الترغيب فى التوبة رجاء ستر الله لما عمله سابقا."

١٠٦
إذا اسات فاحسن
إِنَّ مَثَلَ الَّذِىِ يَعْمَلُ السَِّئَاتِ، ثُمَّ ◌َعْمَلُ الْسَنَتِ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ(١)
ضَيِّقَةٌ قَدْ خَفَقَتْهُ(٢)، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً فَانْفَكَّتْ(٣) حَلْقَةٌ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً أُخْرَى،
فانْفَكَّتْ أُخْرَى حَتَّى تَخْرُجَ إِلَى الْأرْضِ. رواه أحمد والطبرانى بإسنادين، رواةُ أحدهما
رواة الصحيح .
٣٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو رَضِىَ الله عَنْهُمَا أَنَّ مُعَذَ بْنَ جَبَلٍ أَرَادَ سَفَرًا
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْصِنِي. قَالَ: أُعْبُدِ اللهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، قَالَ: يَارَسُولَ اللهِ
زِدْنِ، قَالَ: إِذَا أَسَّأَتَ فَأَحْسِنِ (٤) وَلْيَحْسُنْ خُلُقُكَ(٥). رواه ابن حبان فى صحيحه،
والحاكم وقال : صحيح الإسناد .
٣٩ - ورواه الطبرانى بإسناد، ورواته ثقات: عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ مُعَذٍ قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ أَوْصِفِىِ، قالَ: أَعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، وَأَعْدُدْ نَفْسَكَ فِى الْمَوْنَى(٧)،
وَإِذْ كُرِ اللهَ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ (٨) ، وَعِنْدَ كُلِّ شَجَرٍ، وَإِذَا عَمِلْتَ سِّئَةً فَاعْمَلْ تَجَنِيِهاَ
(١) الزردية: أى الواقية من الحديد أو النحاس. (٢) ضيقت عليه وآلمته.
(٣) اتفرجت، والمعنى أن الحسنات تذهب السيئات وتفك لمسلم من عقال ذنوبه وتدفع عنه السوء" وتجعله
فى مجموعة فرخاء والسعادة؛ كما قال تعالى (إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) ١١٤ من
سورة هود: (٤) فاجتنب الخطأ واجد فى عملك وأكثر من الصالحات .
(٥) يزيد أدبك وتتحلى بمكارم الأخلاق وتتصف بالمحامد والمحاسن والكمال.
(٦) أى تستحضر أن الحق مطلع عليك ومراقب أفعالك فظهر دوحة الخشوع بمعرفة جلاله وعظتمه
وتزداد خشيته سبحانه أمامك فتخلص العمل وتفرغ قلبك لمناجاته جل وعلا، فدائما تستمر على التذلل له
والإحسان فى كل ما يسند إليك رجاء لإرضاء من يراك. وفى الفتح، وقد ندب أهل التحقيق إلى مجالة
السالحين ليكون ذلك مانعا من التلبس بشىء من النقائص احتراما لهم واستحياء منهم، فكيف بمن لا يزال
الله مطلما عليه فى سره وعلانيته أهـ ص ٨٩ ج ١ .
وفى مجلس العلم حضر جبريل عليه السلام فسأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الإحسان؟ قال: ((أن
تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).
(٧) أى أزهد ولا تطمع فى الدنيا بكثرة العمل واستعد للآخرة بقرب الأجل كأنك مع من ماتوا
فيألهم ربهم عن أعمالهم فكا ك تحت الطلب كما قال تعالى: ( كل نفس ذائقة الموت) فأدما عليك من الديون.
(٨) إذا رأيت آثاره البديعة فى خلقه فسبحه وأحمده واشكر له نعمه. واعلم أن كل صنعة لابد لها "
من صانع وبعدد الله لنا بعض صنائعه لنوحده كما قال تعالى:
١ - (أم من خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبقنا به حدائق ذات بهجة) من سورة النمل.
ب - ( وأرسلا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقينا كموه وما أتم له بخازنين) ٢٢ من سورة الحجر ..
ج - ( وهو الذى أُرسل الرياح بشراً بين يدى رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهوراً لنحي به بلدة ميتا
ونسقيه ما خلقنا أنعاما وأناسى كثيراً ٤٩ ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفوراً)
٥٠ من سورة الفرقان .

١٠٧
إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة
حَسَنَةٌ(١) السِّرُ بِالسِّرٌ، وَالْعَلَاَنِيَّةُ بِالْعَلَاَنِيَةِ. وأبو سلمة لم يدرك معاذاً .
ورواه البيهقى فى كتاب الزهد من رواية إسمعيل بن رافع المدنىّ عن ثعلبة بن صالح
عن سليمان بن موسى عن معاذ قالَ : أَخَذَ بِيَدِى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَشَى
قَلِيلاً، ثُمَّ قَالَ: يَمُعَذُ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ(٣)، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ (٣)، وَوَفَاءِ الْعَهْدِ (٤)،
وَأَدَاءِ الْأَمَانَةَ (٥)، وَتَرْكِ الْخِيَنَةِ، وَرُهُمِ الْيَقِيمِ(٦)، وَحِفْظِ الْجَوَارِ (٢)، وَكَظْمِ
الْفَيْظِ(٨)، وَلِينِ الْكَمِ(٩)، وَبَذْلِ السَّلاَمِ(١٠)، وَلُزُومِ اْإِمَامَ (١)،
يسوق اللّه تعالى هذه الدلائل ليتأمل العبد فى بدائع قدرته وجمال حكمته فيذكره .
(١) بعدها عملا صالحا يمحو أثرها بعد التوبة.
(٢) خشيته والرهبة منه بإخلاص القلب، كما قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس
ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) ١٨ من سورة الحشر.
قال النسفى: أى فى أوامره فلا تخالفوها، وعبر عن الآخرة بالغد كأن الدنيا والآخرة نهاران. وكرر
الأمر بالتقوى تأكيداً، أو اتقوا الله فى أداء الواجبات؛ لأنه قرن بما هو عمل ، واتقوا الله فى ترك المعاصى،
لأنه قرن بما يجرى مجرى الوعيد: وهو أن انته خبير؛ وفيه تحريض على المراقبة، لأن من علم وقت فعله أن الله
مطلع على ما يرتكب من الذنوب يمتنع عنه اهـ.
(٣) القول يطابق الواقع والأخبار توافق الحق.
(٤) تنفيذ ما اتفق عليه كما قال تعالى (. وأوفوا بعبد الله إذا عاهدتم ولا تقضوا الأيمان بعد توكيدما
وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) من سورة النحل .
قال البيضاوى : أى البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم اهـ .
وأنا أقول: وأيضا الوفاء بالعمل بكتاب الله تعالى وسنة رسوله والتحلى بمكارم الأخلاق.
(٥) المحافظة على الوديعة وتسليمها كاملة وحفظ الأسرار للأخيار والابتعاد عن السرقة والأذى وفعل الأضرار.
(٦) الرأفة بلدى مات والده وتقديم الخير والمساعدة له وإكرامه والعناية بشئونه ومراعاة تثمير ماله
وحفظه وعدم اغتياله أو إضراره، كما قال تعالى: ( فأما اليتيم فلا تقهر) ٩ من سورة الضحى.
(٧) إكرام الجار ومراعاة حرمته وتقديم صنوف الخير له كما قال تعالى: (والجار ذى القربى والجار
الجنب ) أى الذى قرب جواره، وقيل الذى له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين، والجنب البعيد الذى
لا قرابة له وعنه عليه الصلاة والسلام ((الجيران ثلاثة؛ تجار له ثلاث حقوق: حق الجوار وحق القرابة وحق
الإسلام، وجار له حقان حق الجوار وحق الإسلام، وجارله حق واحد. وهو المشرك من أهل الكتاب)) !هيفاوى.
(٨) الإمساك عن الغضب وحبس الانتقام والكف عن إمضاء العقاب كما قال تعالى: (والكاظمين الغيظ)
(٩) طيبه وعذوبة ألفاظه وبديع أسلوبه وحسن خطابه ورشيق عباراته كما قال الشاعر:
فيه السماحة. والفصاحة والتقى .. والبأس أجمع والحجى: والخير
(١٠) إنشاؤه كما قال صلى الله عليه وسلم حينما نسئل ( تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف»
قال القسطلانى من المسلمين فلا تخص به أحداً تكبراً وتجبراً اهـ.
(١١) اتباع أوامر الحاكم واستماع نصائحه وطاعته وعدم بث الفتن ضده كما قال تعالى: ( أطيعوا الله
وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) من سورة النساء .
وملازمة العلماء ومجالسة الأخيار الأبرار الأصفياء وحضور الجماعات فى المسجد واختيار الأصحاب فى الله لله

١٠٨
جملة من وصاياء صلى الله عليه وسلم
وَالتَّفَقَّهِ فِى الْقُرْآنَ(١)، وَحُبِّ الْآَخِرَةٍ (٢)، وَالْزَعِ مِنَ الْحِسَابِ(٣)، وَقِصَرِ الْأمَلِ (٤)
وَحُسْنِ لْعَمَلِ، وَأَنْهَكَ أَنْ تَشَتِمَ مُسْلًِ(٥) ، أَوْ تُصَدِّفَ كَاذِبًا، أَوْ تُكَذِّبَ صَادِقًا ،
(١) تفهم آياته والتبحر فى معرفة أسراره والمكوف على تلاوته والإكثار من ذكره والتفكر
فى معناه كما قال تعالى :
١ - (ومن يؤت الحكمة فقد أولى خيراً كثيراً وما يذكر إلا أو لوا الألباب) ٢٦٩ من سورة البقرة
ب - وقال تعالى: (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله) من سورة لقمان.
ج - وقوله صلى الله عليه وسلم ((ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)).
(٢) الاستعداد ليوم القيامة والإيمان به، لأنه لا بد منه كما قال تعالى: (وأن الساعة آتية لاريب فيها
وأن الله يبعث من في القبور ) ٧ من سورة الحج .
(٣) الخوف من يوم تشتد فيه الأهوال وتعظم فيه المسئولية كما قال تعالى: (وقفوهم إنهم مسؤولون ٢٤
مالكم لا تناصرون ٢٥ بل ثم اليوم مستالمون ٢٦ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ٢٧ قالوا إنكم كنتم
تأتوتنا عن اليمين ٢٨ قالوا بل لم تكونوا مؤمنين ٢٩ وما كان إما عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين ٣٠
حق علينا قول ربنا إنا لذا ئقون ٣١ فأغوينا كم إنما كنا عطوين ٣٢ فإنهم يومئذ فى العذاب مشتركون ٣٣ إنا
كذلك نفعل بالمجرمين ) ٣٤ من سورة الصافات .
أى احبسوثم فى الموقف فإنهم مسؤولون عن عقائدهم وأعمالهم (مستسلمون) منقادون لعجزهم وانسداد
الخيل عليهم يسأل الرؤساء والأتباع، وبين الله تعالى سبب عقابهم (إنهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله
يستكبرون ٣٥ ويقولون أننا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ٣٦ بل جاء بالحق وصدق المرسلين ٣٧إنكم لذا ثقوا
العذاب الأليم ٣٨ وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ٣٩ إلا عباد الله المخلصين ٤٠ أولئك لهم رزق معلوم
٤١ فواكه وهم مكرمون ٤٢ فى جنات النعيم ) ٤٣ من سورة الصافات.
أرأيت هذه الحكاية يمثلها الله تعالى لعباده المضدقين الآن العاملين بالكتاب والسنة ليخشوا الله
ويستعدوا ليوم وصفه الرب جل جلاله ( لله ما في السموات وما فى الأرض وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه
يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من بشاء والله على كل شىء قدير ٢٨٤ آمن الرسول بما أنزل إليه
من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا فرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا
غفرانك ربنا وإليك المصير) ٢٨٥ من سورة البقرة.
(٤) عدم استرسال الأمالى الحلوة والركون إلى زخارف الدنيا بانتظار سعة الرزق وزيادة الأموال
وتشييد القصور وتسويف فى عمل البر وفعل الخير وناجيل غرس الصالحات وبذر الطيبات، فالمؤمن يقنع ويجد
ويعمل عملا طيبا من وقته .
(٥) يحذر من سب المسلم وأذاه والركون إلى الكاذب العاجر أو يرد كلام الصالح المتقى ويغير أقواله
افتراء عليه أو يعلن الحرب على رئيسه ويخاصمه ويوقد نار العداوة ويبعث الفتن والمخالفة وقداشترط صلى الله.
عليه وسلم الطاعة بالعدل واتباع الحق، أما إذا خالف الإمام وقبل ما يغضب ربه فليتجنبه فلا طاعة لمخلوق
فى معصية الخالق، بل الإنسان يركز إلى ربه ويخشاه ويؤدى حقوقه، ولا يخاف إلا ربه وحده، يريد
صلى الله عليه وسلم أن يتحلى المسلم بست عشرة صفة: الخوف الداعى إلى إيجاد الصالحات، والصدق ،
والوفاء، والأمانة، والشرف والضمير النقى، ومراقبة الخالق، والعطف على المسكين واليتيم، وحسن
الجوار ؛ وحبس النفس عن الغضب وطيب القول ، وإنشاء التحية، وموافقة الأميرة والتزود بتعليم الكتاب
والسنة والاشتياق إلى ملافاة الرب جل وعلا مم الاعتقاد بالجزاء إن خيراً وإن شراً، وعدم الغرور وكبح
جماح الشيطان الغرور الذى يبعث الشر والجشع وجع الدنيا والضرب بسهم فى الأعمال الصالحة وإصابة المرمى
فى تشييد المكارم ووجوه آثارها ظاهرة جلية ( قيمة المرء ما يحسنه ) قال المتنى:

١٠٩
اتق الله حيثما كنت
أَزْ تَفْعِىَ إِمَامًا عَادِلاً، وَأَنْ تُفْسِدَ فى الْأَرْضِ. بَا مُعَذُ أَذْ كُرِ اللهَ عِنْدَ كُلِّ شَجَرٍ
وَحَجَرٍ ، وَأَحْدِثْ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةً. السِّرُ بِالسِّرِّ، وَالْعَلَاَنِيَةُ بِالْعَلَاَنِيَّةِ.
٤٠ - وَعَنْ أَبِى ذَرِّ وَمُعَذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم قالَ: أَثَّقِ اللهَ(١) حَيْثُاَ كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ(٢) تَمْعُهَ، وَخَالِقِ
النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَن (٣). رواه الترمذى، وقال: حديث حسن .
ومن يجد الطريق إلى المعالى
فلا يذر المعطى بلا سنام
كنقص القادرين على التمام
ولم أر فى عيوب الماس شيئا
مخافة فقر فالذى فعل الفقر
ومن ينفق الساعات فى جمع ماله
تراث كريم لا يخاف العواقبا
عليكم بدارى فاهدموها فإنها
واعرض عن ذكر العواقب جانبا
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه
ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
ولم يستشر فى رأيه غير نفسه
(١) أى اخش الله سبحانه فى كل زمان ومكان وراقبه، واعلم أنه مطلع عليك فلا تعصه. قال النووي:
أى اتقه فى الخلوة كما تتقيه فى الجلوة بحضرة الناس كما قال تعالى. ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم)
الآية من سورة المجادلة . والتقوى كلمة جامعة لفعل الواجبات وترك المنهيات اهـ .
(٢) إذا أخطأت فتب واشفعها بفعل صالح ليزيل أثر ما بدر منك ويبعد ما تركته الهفوة من جفوة. قال
النووى: أى إذا فعلت سيئة فاستغفر الله تعالى منها وافعل بعدها حسنة تمحها. هذه السيئة المتعلقة بحق الله تعالى،
أما السيئة المتعلقة بحق العباد من الغضب والغيبة والنميمة فلا يمحوها إلا الاستحلال من العباد ولا بد أن يعين له
جهة الظلامة فيقول قلت عليك كيت وكيت. وفى الحديث دليل على أن محاسبة النفس واجبة قال صلى الله عليه
وسلم ((حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا)) وقال الله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولننظر نفس ماقدمت
لغد) من سورة الحشر.
(٣) استعمل مع العالم حسن المعاملة بإظهار الأدب ولين الجانب والبشاشة وانتطف والحلم. قال النووي:
الخلق الحسن كلمة جامعة للإحسان إلى الناس، وإلى كف الأذى عنهم اهـ. ولنا قدوة حسنة بسيدنا المصطفى صلى
اللّه عليه وسلم فقال له جبريل عليه السلام حين نزل قوله تعالى: ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)
١٩٩ من سورة الأعراف .
قال فى تفسير ذلك أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطى من حرمك ، وقال تعالى :
١ - ( ادفع بالتى هى أحسن ) الآية ، وقال تعالى :
ب- ( وإنك لعلى خلق عظيم ) ٤ من سورة القلم .
كان صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن يأتمر بأمره ويبرجر زواجره ويرضى لرضاه ويسخط لسخطه
عليه الصلاة والسلام . وفى الحديث بيان أن المرء يسود بثلاثة ويرقى إلى العلياء:
١ - تقوى الله في السر والعلانية.
ب- فعل الخير وإيجاد البر الجالب لحسن المعاملة.
ج-مكارم الأخلاق والتحلى بآداب الشرع ، ولابن الوردى :
أ عناق حسنى فالزمان عوارى
سارع إلى فعل الجميل وقلد الـ
تغم فما الدنيا بدار بدار
واجعل إلى الأخرى بدارك بالتقى

١١٠
إذا أسأت فأحسن
٤١ - وروى أحمد بإسناد جيد عن أبى ذرّ ومعاذ بن جبل رضى الله عنهما: أن
الَّيِّ صلى اللهُ عليه وَسلم قالَ: سِتَّةُ أَيَّامٍ (١)، ثُمَّ أَعْقِلْ يَا أَبَ ذَرَّ مَا يُقَالُ لَكَ بَعْدُ، فَلَمَّةُ
كَانَ الْيَوْمُ النَّابِعُ قَالَ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ فِى سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلاَنِيَتِهِ(٢)، وَإِذَا أَتَأْتَ
فَأَحْسِنْ(٣)، وَلاَ تَسْأَلَنَّ أَحَدًا شَيْئًا. وَإِنْ سَقَطَ سَوْطُكَ (٤)، وَلاَ تَقْبِضْ أَمَانَةٌ (٥)
فالمكرمات حميدة الآثار
وتوخ فعل المكرمات تبرعا
كن عالما فى الناس أو متعلما
أو سامعا فالعلم توب نغار
من كل فن خذ ولا تجهل به
فالحر مطلع على الأسرار
والعلم مهما صادف التقوى يكن
كالريح إذ مرت على الأزهار
هل يستوى العلماء والجهال فى
فضل أم الظماء كالأنوار
وإن أظله أوراق وأفنان
لا ظل المرء یغنی عن تقی ورضا
فكم تقدم قبل الشیب شبان
لا تغترر بشباب ناعم خضل
والحر بالعدل والإحسان يزدان
فالروض يزدان بالأنوار ناعمه
(١) أى انتظر ستة أيام وتمهل ثم افهم الذى أقوله لك من حسن المواعظ ولباب الإرشاد.
(٢) الزم خوف الله فى كل أمورك خفيها وظاهرها.
(٣) إذا أذنبت فتب واعمل صالحا وأحسن نيتك وافعل الخير .
(٤) اعتمد على الله وعلى نفسك فى قضاء مصالحك واترك التواكل والتباطؤ وتعهد شؤونك بنفسك.
وصغير الأمور ككبيرها، وإن ركبت وسقطت عصاك فازل وخذها وقو فى نفسك العزيمة والاعتماد على النفس
وقوة الإرادة. والسوط معروف وجمعه أسواط وسياط قال تعالى: ( سوط عذاب ) أى ألم سوط عذاب،
والمراد الشدة والمراد فى الحديث لا تتهاون ولا تطلب شيئا من أحد ، ولو سقط مافى يدك فعلى حقارته هانه.
(٥) لا تودع عندك أمانة خشية أن لا تقوم بحفظها، وتؤديها كاملة نامة، ينصح صلى الله عليه وسلم بأربعة:
١ - التقوى ..
ب- إتقان العمل والتوبة عند الإساءة ثم الإحسان.
د - عدم قبول الودائع إذا آنس الإنسان عدم حفظها. وقد بين الله تعالى
ج- الاعتماد على النفس.
فوائد التقوى فى قوله عز شأنه :
١ - (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار ) ١١ من سورة الطلاق.
٢ - (ومن يؤمن بالله يهد قلبه واللّه بكل شيء عليم) ١١ من سورة التغابن.
٣ - ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) من سورة الطلاق.
٤ - ( ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) ٤ من سورة الطلاق.
٥ - ( ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا) ٥ من سورة الطلاق.
فأنت ترى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشوق أباذر الدرس الجديد ويسوق المرغبات المحسنات)،
ويدعوه إلى العمل بما يقوله صلى الله عليه وسلم وتفهمه وعض النواجذ على إدراكه وفهمه رجاء أن يثمر
أدب الشرع :
فكن حديثا حسنالمن وعى
وإنما المرء حديث بعده
إلا تحداه رجاء فاكمى
ما اعتن لى بأس يناجى همتى

١١١
إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها
٤٢ - وَعَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ يَارَسُولَ اللهِ أَوْصِنِ، قَلَ:
إِذَ عَمِلْتَ سِيَِّةً فَأَتْبعْهَا (١) حَسَنَةً تَمْحُهَا. قَالَ : قُلْتُ بَرَسُولَ اللهِ أَمِنَ الْحِسَنَاتِ (٢)
لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ؟ قالَ : مِىَ أُفْضَلُ اَلْسَنَتِ. رواه أحمد عن شمر بن عطية عن بعض
أشياخه عنه .
٤٣ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنِ أَمْرَأَةٍ قُبْلَةَ (٢)
وفى رواية: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النّبِيِّ صلى اللهُ عليهِ وَسَمٍ فَقَالَ: يَارَسُولَ اللهِ إِى عَائَتُ
امْرَأَةً فِى أَقْصَى المَدِينَةِ (٤)، وَإِنِّى أَصَبْتُ مِنْهَ مَا دُونَ أَنْ أَمْسَها (٥)، فَأَنَا هَذَا (٦)
فَقْضَِّ فِيَّ مَاشِئْتَ ، فَقَالَ لَهُ مُمَرُ لَقَدْ سَتَرَكَ اللهُ(٧) لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ. قالَ: وَلَمَ يَرُدَّ عَلَيْهِ
النَّبِىُّ صلى اللهُ عليهِ وَسَمِ شَيْئًا، فَقَمَ الرَّجُلُ فَانْظَلَقَ، فَأَتْبَعَهُ الَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وَسلم
رَجُلاً فَدَعَاهُ، فَلاَ عَلَيْهِ هذِهِ الْآيَةَ (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَّفَيِ النَّارِ (٨) وَزُلَفَّا مِنَ الَّيْلِ(٩)
إِنَّ الَْنَتِ(١٠) يُذْهِبْنَ التَِّّئَاتِ ذلِكَ ذِكْرَى لِذَّاكِرِينَ(١١)). فَقَالَ رَجْلٌّ مِن
الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللّهِ هذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قالَ: بَلْ لِلنَّاسِ كافَّةً. رواه مسلم وغيره .
(١) إذا هفوت نأزل ما أخطأت بإتقان عملك وفعل الحسنات رجاء عفو الله سبحانه لك، قال الشاعر:
فأفله إن ثواب ذلك أوسع
وإذا استقالك ذو الإساءة عثرة
خرق الرجال على الحوادث يجزع
لا تجزعن من الحوادث إنما
(٢) سأله أبو الدرداء رضى الله عنه عن كلمة التوحيد فعده! صلى الله عليه وسلم من أفضل أعمال البر،
ففيه التوبة والذكر والتسبيح والدعاء والصدقات وأنواح الطاعة تعد حسنات فتجلبرضا الله تعالى وإحسانه.
(٣) وضع الفم على الوجه على سبيل الحب والود والتلذذ.
(٤) جهة بعيدة منها.
(٥) أى شيئا غير ملامسيها ومجامعتها. منها مادون كذا فى زوع ص ٣١٤ - ٢ وفى ند: منهادون.
(٦) أنا واقف بين يديك خاضع لحكم الله فى تنفيذ حده.
(٧) أى فعلت هذا، والله تعالى لم يفضحك بإظهار عملك للناس. (٨) الصبح والظهر والعصر.
(٩) المغرب والعشاء ويدخل فيه ساعة السحر التهجد والاستغفار والندم والتضرع إلى القادرجل وعلا التواب
(١٠) الصالحات وفروع العبادة. قال النووى: معنى عالجت: أى تناولت واستمتعت بها والمراد بالمس
الجماع ومعناه استمتعت بها بالقبلة والمعانقة وغيرهما من جميع أنواع الاستمتاع إلا الجماع ( كافة ) أى كلهم .
هكذا تستعمل كافة مالا، ولا يضاف فيقال كافة الناس ولا الكافة. وهذا تصريح بأن الحسنات تكفر
السيئات . واختلفوا فى المراد بالحسنات منا فنقل الثعلى أن أكثر المفسرين على أنها الصلوات الخمس واختاره
ابن جرير وغيره من الأئمة. وقال مجاهد: هو قول العبد: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر،
ويحتمل أن المراد الحسنات مطلقا اهـ ص ٧٩ ج ١٧ .
(١١) عظمه للمتعظين (واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) ١١٥ من سورة هود.

١١٢
من فعل ذنوبا كثيرة فهل له من توبة ؟
٤٤ - وَعَنْ أَبِى طَوِيلِ شَطْبِ الْمَمْدُودِ أَنَّهُ أَنَى النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم فَقَالَ :
أَرَّأَيْتَ مَنْ عَمِلَ الذُّنُوبَ(١) كُلَّهَا، وَ يَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا، وَهُوَ فِى ذُلِكَ لمَ يَتْرُكْ حَاجَةً
وَلَ دَاجَةً(٢) إِلَّ أَتَهَا، فَهَلْ لِذْلِكَ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَالَ: فَهَلْ أَسْلَمْتَ(٣)؟ قالَ: أَمَّا أَنَا
فَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: نَفْعَلُ الَخْرَاتِ (٤)، وَتَتْرُكُ
السَّيِّئَاتِ ، فَيَجْعَلُهُنَّ اللهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهُنَّ. قَالَ: وَغَدَرَانِ(٥) وَفَجَرَانِ (٦)؟ قالَ:
نَهُ(٧) قالَ: اللهُ أَ كْبَرُ، فَمَا زَالَ بُكَبِّرُ حَتَّى تَوَارَى(٨). رواه البزار والطبرانى
أى تصبر على فعل الطاعات واحبس نفسك عن اتباع المعاصى. قال البيضاوى: عدول عن الضمير ليكون
كالبرهان على المقصود ودليلا على أن الصلاة والصبر إحسان وإماء بأنه لا يعتد بها دون الإخلاص.
(١) أى كان جديد الفجور والفسوق وارتكب كل ذنب.
(٢) الحاجة الصغيرة، والداجة الحاجة الكبيرة اء نهاية.
(٣) دخلت فى الإسلام بالنطق بالشهادتين وثبت على توحيد الله جل وعلا وعزمت على طاعة الله سبحانه.
(٤) تعمل صالحا وتجعل لك فى الطيبات ذكرا حسنا وتتقى الله وتجتنب المعاصى ليبدل الله ذنوبك حسنات كما
كما قال تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ٧٠
ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا) ٧١ من سورة الفرقان .
أو قد عزم الرجل على فعل الخير . ومنها المحافظة على الصلاة وقد رأيت قول من أصاب قبلة هذه الآية لى
أى صلانى مذهبة لمعصيتى مختصة بى أو عامة الناس كلهم . وقال القسطلانى: فيه عدم الحد فى القبلة ونحوه ،
وسقوط التعزير عمن أتى شيئا منها وجاء قائيا نادما، وقال ابن المنذر: فيه أنه لاحد على من وجدمع أجنبية
فى لحاف واحد ، والله أعلم س ١٩٦ جواهر البخارى.
(٥) أفعالى الذميمة التى نقضت فيها العهد ونكثت وخنت، يقال: غدر به ، نقض عهده.
(٦) ارتكابى المعاصي، وفعل الموبقات، من نجر العبد نجورا: فسق وزنى، وتجر الحالف نجورا وكذب
وفى النهاية: التجار بعثون يوم القيامة نجارا إلا من اتقى الله. الفجار جمع فاجروهو المنبعث فى المحارم والمعاصى اهـ.
(٧) أجاب صلى الله عليه وسلم بغفران ذنوبه إذا تاب وأناب.
(٨) اختفى عن أعين الناظرين إليه، ففيه الترغيب بالسرعة فى الرجوع إلى من فتح أبواب التوبة لعباده
رجاء إدراك رحمته إنه غفور رحيم شكور (ومن يغفر الذنوب إلا الله؟).
آيات الترغيب فى التوبة من الذنوب
١ - قال الله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم
ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار يوم لا يخزى الله النبى والذين آمنوا معه) من سورة التحريم
ب - وقال تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون) ٣١ من سورة النور .
ج - وقال تعالى (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب
إلا الله ولم يصرواعلى مافعلوا وثم يعلمون ١٣٥ أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها
الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين) ١٣٦ من سورة آل عمران.

١١٣
ماورد فى الترغيب فى التوبة
واللفظ له، وإسناده جيد قوى، وشطب قد ذكره غير واحد فى الصحابة إلا أن البغوىّ
د -. وقال عز شأنه ( أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم) ٧٤ من سورة المائدة.
هـ - وقال عز شأنه: ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب اله
عليهم وكان الله عليما حكيما ١٧ وليست النوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال
إنى تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما) ١٨ من سورة النساء .
و - وقال تعالى: (ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا) ٧١ من سورة الفرقان.
ز - وقال تعالى: ( فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ) ٧ من سورة غافر .
ح - وقال تعالى: ( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل اله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا
رحيما) ٧٠ من سورة الفرقان.
ط - وقال الله تعالى: (قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة اله إن الله يغفر الذنوب
جميعا إنه هو الغفور الرحيم) ٥٣ من سورة الزمر.
ى - وقال تعالى: ( استغفروا ربكم إنه كان غفارا) ١٠ من سورة نوح .
ك - وقال تعالى: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاحنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل
فضله وإن تولوا فإنى أخاف عليكم عذاب يوم كبير ٣ إلى الله مرجعكم وهو على كل شىء قدير} ٤ من
سورة هود .
نذير بالعقاب على الشرك وبشير بالثواب على التوحيد (يمتعكم) يعيشكم فى أمن ودعة ولا يهلككم بعذاب الاستئصال
والأرزاق والآجال وبعط كل ذي فضل فى دينه جزاء فضله فى الدنيا والآخرة ، وهو وعد لموحد التائب بخير
الدارين. إن شاهدنا طلب الاستغفار والتوبة، وهذا ما يريده كل نى من الأنبياء رجاء رحمة الله وإغداق
نعمة وزيادة الأرزاق وإزالة الآفات ووضع البركة فى النعم المعطاة كما حكى الله أيضا عن سيدناشعيب عليه السلام
إ ويا قوم لا يجر منكم شقاقى أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط.
منكم بعيد ٨٩ واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربى رحيم ودود ٩٠ قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول
وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أفت علينا بعزيز ٩١ قال يا قوم أرهطى أعز عليكم من الله
واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربى بما تعملون محيط ٩٢ ويا قوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل سوف تعلمون
من يأتيه عذاب يخزبه ومن هو كاذب وارتقبوا إنى معكم رقيب ٩٣ ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا
.معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا فى ديارهم جائمين ٩٤ كأن لم يغنوا فيها ألا بعداً لمدين
كما بعدت مود ) ٩٥ من سورة هود.
(رحيم) عظيم الرحمة التائبين (ودود) فاعل بهم من اللطف والإحسان مايفعل البليغ المودة بمن يوده، وهو
وعد على الثوبة بعد الوعيد على الإصرار (رهطك) قومك وعزتهم عندنا لكونهم على ملتنا لا لخوف من
شوكتهم ص ٣ ج ١٠ لقتلناك برمى الحجارة فصاح بهم جبريل فهلمكوا (جائمين ) ميتين ، وأن النبى صلى الله
عليه وسلم رءوف بأمته ترغب فى التوبة ابتغاء نيل ثواب الله تعالى. قال النووى: أصل التوبة الرجوع عن
الذنب ولها ثلاثة أركان: الإقلاع والندم على فعل تلك المعصية والعزم على أن لا يعود إليها أبداً، فإن كانت
المعصية لجق آدمى فلها ركن رابع، وهو التحلل من صاحب ذلك الحق وأصلها الندم، وهو ركنها الأعظم.
واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصى واجبة وأنها واجبة على الفور لا يجوزتأخيرها سواء كانت المعصية
صغيرة أم كبيرة، والتوبة من مهمات الإسلام وقواعده المتأكدة، ووجوبها عند أهل السنة بالشرع، وعند
المعتزلة بالعقل ؛ ولا يجب على الله قبولها إذا وجدت بشروطها عقلا عند أهل السنة لكنه سبحانه وتعالى
يقبلها كرما وفضلا وعرفنا قبولها بالشرع والإجماع خلافا لهم ، وإذا تاب من ذنب ثم ذكره هل يجب تجديد
الندم . قال ابن الأنبارى: يجب، وقال إمام الحرمين: لا يجب، وتصح التوبة من ذنب وإن كان مصراً

١١٤
حقيقة التوبة
ذكر فى معجمه أن الصواب عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير مرسلا :
على ذنب آخر، ولو تكررت التوبة ومعاودة الذنب صحت ، وتوبة الكافر من كفره مقطوع بقبولها»
وغيره مغظنون، والمه أعلم. س ٦٠ ج ١٧.
حقيقة التوبة
قال الغزالى: التوبة عبارة عن معنى ينتظم ويلثم من ثلاثة أمور: علم وحال وفعل أما العلم فهو عظم ضرر
الذنوب وكونها حجابا بين العبد وبين كل محبوب، فإذا عرف ذلك معرفة حققة ببقين غالب على قلبه ثارمن هذه
المعرفة تألم للقلب بسبب فوات المحبوب ، فان القلب مهما شعر بفوات محبوبه ألم فان كان فواته بفعله تأسف على
الفعل المفوت فيسمى تألمه بسبب فعله المنوت لمحبوبه ندما إذا غلب هذا الألم على القلب واستولى انبعث من هذا
الألم فى القلب حالة أخرى تسمى إرادة وقصداً إلى فعل له تعلق بالحال وبالماضى وبالاستقبال، أما تعلقه بالحال
فبالتراد الذنب الذى كان ملابسا له، وأما بالاستقبال فبالعزم على ترك الذنب المفوت للمتحبوب إلى آخر العمر، وأما
بالماضى فيتلافى ما ئت بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر، فاعلم هو الأول، وهو مطلع هذه الخيرات وأعنى بهذا
العلم الإيمان واليقين فان الإيمان عبارة عن التصديق بأن الذنوب سموم مهلكة ، واليقين عبارة عن أكدهذا
التصديق وانتفاء الشك عنه واستيلائه على القلب فيثمر نور هذا الإيمان مهما أشرق على القلب نار الندم فيتألم
بها القلب بحيث يبصر بإشراف نور الإيمان أنه صار محجوبا عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس، وقد كان
فى ظلمة فيسطر النور عليه بإنقشاع حجاب أو انحار حجاب فرأى محبوبه، وقد أشرف على الهلاك فتشتعل
نيران الحب فى قلبه وتنبعث تلك النيران بإرادته للانتهاض للتدارك. فالعلم والندم والقصد المتعلق بالتراء فى الحال
والاستقبال والتلافى للماضى ثلاثة معان مرتبة فى الحصول فيطلق اسم التوبة على مجموعها، وكثيراً ما يطلق اسم
التوبة على معنى الندم وحده ويجعل العلم كالسابق والمقدمة والترك كالثمرة والتابع المتأخر، وبهذا الاعتبار قال
عليه الصلاة والسلام ((الدم توبة)» إذ لا يخلو الندم عن علم أوجبه وأثمره، وعن عزم يتبعه ويتلوه،
قيل فى حد التوبة إنه دومان الحشا لما سبق من الخطأ أو نار فى القلب تلتهب وصدع فى الكبد لا ينشعب
أو خلع لباس الجفاء ونشر بساط الوفاء ، وقال سهل بن عبد الله التسترى : التوبة تبديل الحركات المذمومة
بالحركات المحمودة ولا يتم ذلك إلا بالخلوة والصمت وأكل الحلال اهـص ٤ ج ٢ .
۔۔
واعلم أن وجوب التوبة ظاهر بقوله صلى الله عليه وسلم من حديث مسلم ((يا أيها الناس توبوا إلى الله))
وقول الله تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون) ٣١ من سورة النور.
وقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) من سورة التحريم.
والنصوح الخالص لله تعالى الخالى عن الشوائب، ويدل على فضل التوبة قول الله تعالى (إن الله يحب
التوابين ويحب المتطهرين) ٢٢٢ من سورة البقرة.
قال الغزالى وهو واضح بنور البصيرة عند من الفتحت بصيرته وشرح الله بنور الإيمان صدره حتى اقتدر
على أن يسعى بنوره الذى بين يديه فى ظلمات الجهل مستغنيا عن قائد يقوده فى كل خطوة، فالسالك إما أعمى
لا يستغنى عن القائد فى خطوه، وإما بصير إلى أول الطريق ثم يهتدى بنفسه، وكذلك الناس فى طريق
الدين إما قاصر يفتقر إلى سماع نص من كتاب الله وسنة رسوله أو سعيد يتنبه بأدنى إشارة لسلوك طريق
معوصة وقطع عقبات متعبة ويشرق فى قلبه نور الإيمان . ثم قال معنى التوبة الرجوع عن طريق المبعد عن
الله المقرب إلى الشيطان، ولا يتصور إلا من عاقل ولا تكمل غريزة العقل الابعد كمال غريزة الشهوة والغضب
وسائر الصفات المذمومة التى هى وسائل الشيطان إلى إغواء الإنسان، والشهوات جنود الشيطان، والعقول جنود
الملائكة، وتكمل الشهوات فى الصبا والشباب ، فان كمل العقل وقوى كان أول شغله قع جنود الشيطان بكسر

١١٥
بيان ماتعظم به الصغائر
أَنَّ رَجُلاً أَتَى الَّبِىِّ صلى اللهُ عليه وسلم طَوِيلٌ شَطْبٌ.
الشهوات ومفارفة العادات الملازمة للإنسان كما حكى الله تعالى عن إبليس (لأحتنكن ذريته إلاقليلا) وقدقيل.
سجية نفس كل غانية هند
فلا تحسبن هندا لها العذر وحدها
فالتوبة فرض عين فى حق كل شخص . وكل بشر لا يخلو عن معصية بجوارحه إذ لم يخل عنه الأنبياء
كما ورد فى القرآن والأخبار من خطايا الأنبياء وتوبتهم وبكاثهم على خطاياهم ،فان خلا فى بعض الأحوال عن
معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب أو عن وسواس الشيطان بابراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن
ذكر الله تعالى. أولايخلو عن غفلة وقصور فى العلم بالله وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص، ولهذا قال
عليه الصلاة والسلام ((إنه ليغان على قلبى حتى أستغفر الله فى اليوم والليلة سبعين مرة)) الحديث، ولهذا
أكرمه الله تعالى ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) من سورة الفتح.
وإذا كان هذا حاله فكيف حال غيره ؟ اهص ٩ ج ٤ .
وفى بيان ما تعظم به الصغائر من الذنوب :
أولا : الإصرار والمواظبة .
ثانيا : وأن يستصغر الذنب .
ثالثا : وأن يفرح بالصغيرة وينبجح بها .
رابيا: وأن يتهاون بستر الله عليه وحلمه عنه وإمهاله إياه كما قال تعالى: (ويقولون فى أنفسهم
لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير) ٨ من سورة المجادلة.
خامسا : أن يذكر الذنب بعد إتيانه ، أو يأتيه فى مشهد غيره.
سادسا : أن يكون المذنب عالما يقتدى به ، وفى شروط التوبة :
١ - الندم: أن توجع القلب عند شعوره بفوات المحبوب، وعلامته طول الحسرة وانسكاب الدمع وطول
البكاء والفكر .
ب - أن يكون بطلان النزوع بسبب قوة اليقين وصدق المجاهدة السابقة إذا بلغ مبلغا قع هيجان الشهوة
حتى تأدبت بأدب الشرع . وفى بيان أقسام العباد فى دوام التوبة :
أولاً: أن يتوب العاصى ويستقيم على التوبة إلى آخر عمره فيتدارك ما فرط من أمره .، ولا يحدث
نفسه بالعود إلى ذنوبه ، وتسمى التوبة النصوح .
ثانيا : تائب سلك طريق الاستقامة فى أمهات الطاعات وترك كبار الفواحش كلها إلا أنه ليس
:فك عن ذنوب يقترفها لا عن عمد وتجريد قصد، ولكن يبتلى بها ثم يندم وتسمى النفس الوامة، والأولى
النفس الساكنة المطمئنة الراضية، قال تعالى: ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا الامم إن ربك
واسع المغفرة ) من سورة النجم .
ثالثا : أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة ثم تغلبه الشهوة فى بعض الذنوب فيقدم عليها عن صدق
وقصد شهوة لعجزه عن قرر الشهوة إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعات وترك جملة من الذنوب مع القدرة
والشهوة وإنما قهرته هذه الشهوة الواحدة أو الشهونان، هو يود لو أقدره الله تعالى على قمعها وكفاء
شرها، وعند الفراغ يتقدم، وتسمى النفس المسولة وصاحبها من الذين قال الله فيهم (وآخرون اعترفوا
بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئ عسى الله أن يتوب عليهم) من سورة التوبة .
رابعا : أن يتوب ويجرى مدة على الاستقامة، ثم يعود إلى مقارفة الذنب أو الذنوب من غير أن يحدث نفسه
بالتوبة . ومن غير أن يتأسف على فعله، بل ينهمك انهماك الغافل فى اتباع شهواته فهذا من جملة المصرين،
وهذه النفس فى الأمارة بالسوء الفرارة من الخير، ويخاف على هذا سوء الخاتمة، وأمره فى مشيئة الله، نسأل الله
حسن الخاتمة . ثم بين الغزالى أن الحسنات المكفرة للسيئات إما بالقلب بالتضرع إلى الله تعالى فى سؤال المغفرة
والعفو وبتذلل تذلل العبد الآبق ويضمر الخير للمسلمين والعزم على الطاعات، وإما باللسان فبالاعتراف بالظلم

١١٦
فوائد التوبة
والشطب فى اللغة: الممدود، فصحفه بعض الرُّواة، وظنه اسم رجل ، والله أعلم .
والاستغفار فيقول رب ظلمت نفسى وعملت سوء افاغفر لي ذنوبي ويكثر من ضروب الاستغفار. وأما بالجوارح
فبالطاعات والصدقات وأنواع العبادات . وفى الآثار ما يدل على أن الذنب إذا أتبع بثمانية أعمال كان العفو عنه
مرجوا. أربعة من أعماق القلب؛ وهى التوبة أو العزم على التوبة وحب الاقلاع عن الذنب وتخوف العقاب عليه
ورجاء المغفرة له . وأربعة من أعمال الجوارح: وهى أن تصلى عقب الذنب ركعتين ثم تستغفر الله تعالى بعدها
سبعين مرة وتقول : سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة ثم تتصدق بصدقة ثم تصوم يوما. وفى بعض الآثار
تسغ الوضوء وتدخل المسجد وتصلى ركعتين. وفى بعض الأخبار تصلى أربع ركعات. وكان بعض الصحابة يقول
كان لا أمامان ذهب أحدهما، وهو كون الرسول فينا، وبقى الاستغفار معنا؟ فان ذهب ملكا ، قال الله تعالى
( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وثم يستغفرون) ٣٣ من سورة الأنفال.
فوائد التوبة كما قال صلى الله عليه وسلم
· - يتجلى الله تعالى على التائب برضوانه وإحسانه ((يبسط يده)).
ب - تفتح له أبواب رحماته فتدركه نعمه «باب مفتوح)).
ج - تدل توبته على سعادته وإنعامه وقبوله. د - يعد من خير الناس التواب.
د - يسعه حلم الله وعفوه ((غفرت لعبدى)). و- ويجلى قلبه بالتوبة ويزيل الضدأ (الران).
• - يدخل فى الصالحين الذين زهدوا فى الذهب واختاروا التوبة (الصفا ذهبا)).
و - يغير التائب صحائف أعماله بأحسن منها بتشييد الصالحات والمحامد («فأحدث قوبة)).
ز - يأمل التائب أن ينال من خيرات الله وكراماته (الادم ينتظر)).
ح - ربما تصادفه العناية بالسعادة بسبب التوبة فيدخل الجنة ((الكفل)).
ط - قد تكون العزيمة مسببة لغفران الكبائر ((فائل مائة)).
ى - يحظى بفرح ربه به ((لله أفرح)).
ك - يقبل الله تعالى على التائب أضعاف أضعاف إقبال عبده عليه بطاعته ((أهزول)).
ل ـ قد تسبب التوبة غفران الماضى والإحسان فى المستقبل ((من أحسن فيما بقى)).
٢ - يوسع التائب على نفسه ويزيل الضيق ويذهب الهم ويبعد المكروب ((عمل حسنة فافكت حلقة)).
. ن - يعمل النائب بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبوصيته ((إذا أسأت فأجمن)).
وقد سمى علماء الصوفية النفس بحسب قربها إلى ربها بالطاعة، وإخلاص العبادة والاستقامة:
١ - المطمئنة . ب - اللوامة .
ج - المسولة .. د - الأمارة بالسوء.
هل تجدد معى التوبة لله وتعزم على طاعة الله والعمل بكتاب الله وسنة رسول الله رجاء أن يقبلنا الله الذى
غمرنا بعمائه وحيانا بأفضاله الجدير بعبادته، والإخلاص له والخوف منه كما قال تعالى: ( أفن يمشى مكبا على
وجهه أهدى أم من يمشى سويا على صراط مستقيم ٢٢ قل هو الذى أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار
والأفئدة قليلا ما تشكرون ٢٣ قل هو الذى ذرأكم فى الأرض وإليه تحشرون) ٢٤ من سورة الملك.
(مكبا) يعثر كل ساعة ويعصى ربه كل وقت ويخر على وجهه صاغراً غير معتمد على ربه الرزاق (سوا)
مطيعا فائما على الحق مرتكنا إلى القوى ربه سألما من الأخطاء، وتكرم الخالق جل وعلا بخلق الحواس
لتفتفعوا بها فتسمعوا المواعظ وتنظروا صنائعه فتجلوه بحق وتتفكروا فى بدائع خلقه فتعتبروا وتتوبوا (وبقولون
متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ٢٥ قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين) ٢٦ من سورة الملك.

١١٧
تفرغ لعبادتی املأ قلبك غنى
الترغيب فى الفراغ للعبادة، والإقبال على الله تعالى
والترهيب من الاهتمام بالدنيا؛ والانهماك عليها
١ - عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وَسلهم:
◌َقُولُ رَبُّكُمُ: يَا ابْنَ آدَمَ(١) تَفَرَّغْ لِعِبَدَنِى(٢) أَمْلَا قَلْبَكَ غِنَّى (٣)، وَأَمْلَأُ يَدَكَ
رِزْقًا(٤). يَا ابْنَ آدَمَ لاَ تَبَعَدْ مِنِّى(٥) أَمْلأُ قَلْبَكَ فَقْرًا،
يسألون عن الحشر أو ما وعدوا به من العذاب وإرسال الخسف والحصب. يهدد الله الكفار والطغاة
والمفسقة إن لم يسلموا أو بتوبوا ( أأمنتم من فى السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هى تمور ١٦ أم أمتم من
فى السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعدون كيف نذير ١٧ ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير
١٨ أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شىء بصير ١٩ أمن هذا
الذى هو جنه لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا فى غرور ٢٠ أمن هذا الذى يرزقكم إن
أمسك رزقه بل لجوا فى عتو ونفور ) ٢١ من سورة الملك.
(من فى السماء) الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم أن يزلزلوا الأرض بكم أيها العصاة فأسرعوا وتوبوا
إلى الله (خاصبا) يرسل لكم وباء حالكا وحمى فاشية مدمرة مميتة (الرحمن) الشامل رحمته كل شىء هيأمن
للجرى فى الهواء بحكمته (أمسك رزقه) منع الأمطار فتجف الأنهار فلا زرع ولا ضرع ولم يهيء أسباب المعيشة
الرغدة ( لجوا) تمادوا فى عناد ( ونفور): أى شراد عن الحق لتنفر طباعهم عنه. إن شاهدنا كفر الكفار
وعصيان المسلمين بسبب العذاب من الخالق الجبار إن لم يتوبوا .
ولأبى نواس فى وصف النرجس واتخاذه دليلا على التوحيد :
إلى آثار ماصنع المليك
تأمل فى نبات الأرض وانغار
بأبصار هى الذهب البيك
عيون من لجين شاخصات
بأن الله ليس له شريك
على قضب الزبرجد شاهدات
باين: فضة. السبيك؛ المسبوك: أى المذاب، والمعنى أن العرجس بأوراقه البيض المستديرة وماء وسطه
من الكرات الذهبية يشبه عيونامن ذهب محيط بها إطار من فضة على قوائم خضر من الزبرجد، ليفكر العبد فيتوب
الى من صنع هذا ويعبده بإخلاص قال تعالى: (تبارك الذى جعل فى السماء بروجا وجعل فيها سراحا وقرا
منيرا ٦١ وهو الذى جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) ٦٢ من سورة الفرقان.
(سراجا) الشمس بالنهار والقمر يضىء بالليل (خلفة) يخلف كل منهما الآخر (يذكر) يتذكر آلاء الله
ويتفكر فى صنعه فيعلم أنه لابد من صانع حكيم يطيعه ويتوب إليه ويشكر الله تعالى على مافيه من النعم بإظهار
أنواع الطاعات . تبنا إلى الله.
(١) يخاطب الله تعالى الإنسان الذى ركب فيه عقلا يرشده إلى صالحه ومعاشه ومعاده وسعادته،
(٢) تخل لطاعتى والعمل لى وابذل طاقتك فى رضاى ووقتك فى خدمتى.
(٣) قاعة وبسطة ورخاء وضعة .
(٤) نعما: أى أكثر عليك الخير وأوفر لك الحاجات الكثيرة التى يهمك أمرها فى الدنيا فنشعر بكل سرور.
(٥) لاتباعدة كذا طوع س٣١٥ج - ٢ وزند: لا تتباعد: أى لا نعم أوامرى ولا تحصل الفجور والطمع

١١٨
يا أيها الناس هلموا إلى ربكم
وَامْلاَ يَدَكَ شُغْلاً (١). رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد .
٢ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: ثَلاَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةٍ (٢) الآية. قالَ: يَقُولُ اللهُ: ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِمِبَادَتِي أَمْلاً
صَدْرَكَ غِنِى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِلاَّ تَفْعَلْ مَلَأَتُ صَدْرَكَ شُغْلاً(٣)، وَلَمَّ أَسُدَّ فَقْرَكَ .
رواه ابن ماجه والترمذى ، واللفظ له ، وقال : حديث حسن ، وابن حبان فى صحيحه
باختصار إلا أنه قال: مَلاَّتُ بَدَكَ شُغْلاً، والحاكم والبيهقى فى كتاب الزهد، وقال
الحاكم : صحيح الإسناد .
٣ - وَعَنْ أَبِىِ الدَّرْدَاء رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: مَاطَلَمَتْ
شَيْسٌ قَطُّ إِلَّ بُعِثَ بِجَنْفَتَيْهَاَ مَلَكَنِ إِنَّهُمَا يُسَمِّعَنِ أَهْلَ الْأَرْضِ إِلَّ التَّقَلَيْنِ(٤)
يُأَيُّهَ النَّاسُ هَلُوا(٥) إِلَى رَبِّكُمُ، فَإِنَّ مَا قَلَّ وَكَتَى خَيْرٌ ثَّا كَثُ وَأَلْمَى (٦)، وَلاَ
غَرَبَتْ ثْسٌ قَطُ إِلاَّ وَيُعِثَ بِنْتَيْهَاَ مَلَكَانِ بُعَدِيَنِ: الَّهُمَّ ◌َّلْ لِنْفِقِ خَلًَ(٧)،
وَعَجِّلْ لُمْسِكٍ تَلَفَا (٨). رواه أحمد وابن حبان فى صحيحه والحاكم، واللفظ له، وقال:
صحيح الإسناد ، ورواه البيهقى من طريق الحاكم، ولفظه :
(١) أجعل أعمالك كثيرة بلا فائدة، وأسلط عليك الدنيا تسخرك بجشعها.
(٢) الآية (من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله
فى الآخرة من نصيب) ٢٠ من سورة الشورى .
ثوابها، شبهه بالزرع من حيث إنه فائدة تحصل بعمل الدنيا ولذلك قيل الدنيا مزرعة الآخرة والحرث فى الأصل
إلقاء البذر فى الأرض ويقال للزرع الحاصل منه (زد) نعطه بالواحد عشرا إلى سبعمائة فما فوقها ( نؤته منها )
أى من الدنيا شيئا على حسب ماقسمناه له، وليس له فى آخرته أجر على أعماله إذ الأعمال بالنيات اه بيضاوى
وقال النسفى (نزد له فى حرثه) بالتوفيق فى عمله أو التضعيف فى إحسانه أو بأن ينال به الدنيا والآخرة. وماله
نصيب قط فى الآخرة (الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوى العزيز) ١٩ من سورة الشورى.
فى إيصال المنافع وصرف البلاء من وجه يلطف إدراكه، وهو بر بليغ البربهم قد توصل بره إلى جميعهم
بل هو من لطف بالغوامض علمه وعظم من الجرائم حلمة ، أو من ينشر المناقب ويستر المثالب أويعفوعمن
يهفو أو يعطى العيد فوق الكفاية ويكلفه الطاعة دون الطاقة. وعن الجنيد لطف بأوليائه فعرفوه، ولو اطف
بأعدائه ماجدوه اهـ نفى .
(٣) أعمالا تفكر فى أدائها بلا ثمرة .
(٤) الإنس والجن .
(٥) أقبلوا عليه بالطاعات.
(٦) شغل عن العبادة.
(٢) لجواد كريم عوضا وسعة وبسطة رزق .
(٨) لبخيل صحيح خسارة وتلقاء النبى صلى انته عليه وسلم يخبر أن من ملائكة الرحمة اثنين يدعوان الله جل

١١٩
إن ماقل وكفى خير مماكثر وألهى
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وَسلم: مَا مِنْ يَوْمٍ طَلَعَتْ بَْسُهُ إِلَّ وَكَانَ بِجَنْبَتَيْهَاَ
مَلَكَنِ يُنَدِ يَنِ نِدَاءِ يَسْمَعُهُ مَا خَلَقَ اللهُ كُلُّهُمْ غَيْرَ التَّقَلَيْنِ: بُأَيُّهَ النَّاسُ حَلُتُوا إِلَى
◌َبِّكُمُ، إِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ لَّا كَثُرَ وَأَلْمَى، وَلاَ آبَتِ الشَّمْسُ إلَّ وَكَانَ يَجِنْبَيْهَاَ
مَلَكَنِ يُقَدِيَنِ نِدَاءِ يَسْمَمُهُ خَلْقُ اللهِ كُلُهُمْ غَيْرَ الََّيْنِ: اللّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقً خَلَفاً، وَأَعْطِ
◌ُمْسِكَا تَكَفًّا، وَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فى ذُلِكَ قُرْآَنًا فِى قَوْلِ المَلَكَيْنِ: يَأَيُّهَاَ النَّاسُ حَلُّوا
إِلَى رَبِّكُ فِى سُورَةٍ يُؤْنُسَ: (وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ الَّلاَمِ وَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ (١))، وَأَنْزَّلَ اللهُ فِى قَوْلِمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَأَعْطِ مْسِكاً تَلَفًا:
وعلاصباح مساء أن يخلف على الجواد ويعطى المحسن ويزيد فى رزق المتصدق الكريم ، ويبارك فى نعمه وفى
أولاده ويعاقب البخيل بإقلال رزقه وينزع البركة مما أعطى ويصيبه التلف والدمار والبوار كما قال تعالى فى حكاية
رجلين من بنى إسرائيل ورتا من أبيهماثمانية آلاف دينار فتشاطرا فاشترى الكافر بها ضياعا وعقارا وصرفها
المؤمن فى وجوه البر، أو فى أخوين من بنى مخزوم: كافر، وهو الأسودبن عبد الأشد، مؤمن وهو أبو سلمة
عبد الله زوج أم سلمة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم (واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من
أعناب وحففناءما بنخل وجعلنا بينهما زرعا ٢٢ إلى قوله تعالى - وأحيط بشره فأصبح بقلب كفيه على ما أنفق
فيها وهى خاوية على عروشها ويقول ياليتنى لم أشرك بربى أحدا) ٤٢ من سورة الكهف.
فالأول بخيل مقصر فى حقوق الله وفى وجوه الإحسان فسلط الله عليه الآفات فأهلكت ثمراته. المثل الثانى
بستان نضير وحديقة فيحاء غناء لرجل صالح بصنعاء على بعد فرسخين منها يكرم الفقراء لله تعالى فورئه بنوه
فضوا على المساكين وقالوا لو فعلنا كأبينا ضاق علينا الأمر وحلفوا بالله ليقطعن الثمرة مبكرين ولم يسندوا الأمر
الرزاق الواحد القهار كماقال تعالى فى سورة القلم (إنا بلونائم كما بلوتا أصحاب الجنة إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين ١٧
ولا يستثنون ١٨ فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ١٩ أصبحت كالصريم) ٢٠ من سورة القلم.
أى كالبستان الذى قطع ثماره بحيث لم يبق فيه شىء. هذان مثلان فى القرآن الكريم يضربهما الله للأغنياء
أصحاب الثروة الواسعة رجاء أن يجودوا بمالهم وينفقوا فى وجوه البر وتشييد الصالحات وإلا تسلب منهم هذه
النعم وتغنى الأموال وتزول الثروة ؛
قريبا ويدعو الندى فيجيب
خليف الندى يدعو الندى فيجيبه
وليت إذا يلقى العدو غضوب
هو المسل الماذى لينا وشيمة
حى الشيب للنفس الاجوج غلوب
حليم إذا ماسورة الجهل أطلقت
كما اهتز ماضى الشفرتين قضيب
فتى أريحى كان يهتز الندى
(١) قال القسفى: دار السلام الجنة، أضافها إلى اسمه تعظيما لها أو السلام السلامة لأن أهلها سالمون من كل
مكروه، وقيل لغشوالسلام بينهم وتسليم الملائكة عليهم- إلا فيلاسلاما سلاما - (ويهدى) يوفق إلى الإسلام أو
طريق السنة فالدعوة عامة على لسان رسول الله بالدلالة والهداية خاصة من لطف المرسل بالتوفيق والعناية،
والمعنى يدعو العباد كلهم إلى دار السلام ولا يدخلها إلا المهديون (للذين أحسنوا الحسنى) للذين آمنوا بالله ورسوله
المثوبة الحسنى وهى الجنة (وزيادة) رؤية الرب عز وجل ، وقيل الزيادة المحبة فى قلوب العباد، وقيل الزيادة
مغفرة من الله ورضوان (ولا يرهق وجوههم قتر ولاذلة) ولا ينشى وجوههم غيرة فيها سواد ولا أثرهوان
والمعنى ولا يرهقهم ما يرهق أهل النار اهـ .

١٢٠
تفر غوا من هموم الدنيا ما استطعتم
﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَنْشَى، وَالنَّهَرِ إِذَاَجَلَّى، وَمَا خَلَقَ الَّ كَرَ وَالْأُذْنَي(١) إِلَى قَوْلِهِ: لِلْمُسْرَى).
٤ - وَرُوِىَ عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ رَ ضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وَسم:
تَفَرَّغُوا مِنْ مُومِ الدُّنْيَا مَا اسْتَطَعْتُ،(٢)، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا أَ كْبَرَ هِِّ(٣)
أَفْشَى اللهُ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلْ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ (٤)، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ (٥) أَكْبَرَ هُمِ
◌َعَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّلَهُ أُمُورَهُ ، وَجَعَلَ غِنَهُ فِى قَلْبِهِ(٦)، وَمَا أَقْبَلَ عَبْدٌ بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ
عَزَّ وَجَلَّ إِلَّ جَعَلَ اللهُ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ تَفِدُ إِلَيْهِ (٧) بِالْوُدِّ وَالرَّْحَمَةِ، وَ كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلّ
٠
(١) ( إن سعيكم لشتى؛ فأما من أعطى واتقى. وصدق بالحسنى ٦ فسنيسره لليسرى ٧ وأما من نخل.
واستغنى ٨ وكذب بالحسنى ٩ فسنيسره للعسرى) ١٠ من سورة الليل.
مساعيكم فى الدنيا مختلفة . هذا يعمل هه، وذا الرياء. أعطى الطاعة وأنقى المعصية وصدق بالكلمة الحسنى.
ومى مادلت على حق الكلمة كتوحيد ووصلت إلى خير فسيهيّ له طريق الجنة واليسر والسعادة . بخل بمه
أمر به وشح فى الواجبات واستلذ بالشهوات وناء عن البر بجانبه بالموبقات وابتعد عن الصالحات الموصلة إلى
حسن العقبى ونعيمها ( العسرى) نوصله إلى ما يتمنى من العسر والضيق والشدة لميله إلى ملذاته.
(٢) بقدر استطاعتكم بكبح جماح النفس عن المعاصى وشره جمع المال بلا حق .
(٣) نهاية ما يرجو من كده وزع الله طلباته الجمة ونشر حاجاته وأكثر جشعه وشرهه.
(٤) مهما أعطى من المال يتخيل له الفقر والدعة والذل.
(٥) يوم القيامة فيعمل لحسابه كما قال تعالى: ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن فريد
ثُ جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ١٨ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان
سعيهم مشكوراً ١٩ كانمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورا ٢٠ انظر كيف
فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) ٢١ من سورة الإسرار.
( ما نشاء) بإرادة الله لا ما يشاء ذلك الطماع الشره. قال النسفى: أى من كانت العاجلة همه ولم يرد
غيرها كالكفرة تفضلنا عليه من منافعها بمانشاء لمن تريد، فقيد المعجل بمشيئته والمعجل له بإرادته، وهكذا الحال.
ترى كثيرا من هؤلاء يتمنون مايتمنون ولا يعطون إلا بعضا منه، وكثيرا منهم بتمنون ذلك البعض وقدحرموه فاجتمع
عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة، وأما المؤمن التقى فقد اختار غنى الآخرة فإن أوتى حظا من الدنيا فيها، وإلافربما
كان الفقر خيرا له ( يصلاها ) يدخلها ( مذموما) ممقوتا ( مدحورا) مطرودا من رحمة الله (مؤمن) مصدق
لله فى وعده ووعيده (مشكورا)مقبولا عند الله تعالى مثابا عليه. عن بعض السلف: من لم يكن معه ثلاث لم
ينفعه عمله : إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب وتلا الآية فإنه شرط فيها ثلاث شرائط فى كون السعى
مشكورا إرادة الآخرة والسعى فيما كلف، والإيمان الثابت اهـ.
(٦) رزقه القاعة والرضى والسرور بكل ما ينال والاستبشار وانتظار الفرج ويزول عنه اليأس.
(٧) تقل عليه وتزوره وتحبه وتجله وتساعده على مهام أموره فتروج تجاوته وبذاع صيته وينتشر ذكره
الطيب ويتبرك به وتهابه الحكام وتخشى سطوته الأشرار، وقد عاهدت رجلا صالحا عالما احترمه الناس لعمله
الصالح وبجلوه فاهتدوا بأنواره ووثقوا بأقواله وكان حجة ثبتا نبراسامنيرا فى دياجى الشيهات وحاول الأشرار