Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
اليد العليا خير من اليد السفلى
لاَحَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّ بِاللهِ(١)، وَأَنْ أَتَكَلَّ بِرُّالْقٍّ، وَلاَ تَأْخُذَنِ فِ اللهِلَوْمَةُ لِأَعٍْ(٢)،
وَأَنْ لاَ أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا. رواه أحمد والطبرانى من رواية الشعبى عن أبى ذرّ، ولم يسمع منه.
٢٥ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم فَأْعْطَانِ، ثُمَّ سَأَلْتُ فَأَعْطَانِ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِ، ثُمَّ قالَ: بَحَكِيمُ! هَذَا
الََّلُ خَضِرٌ حُلٌْ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفٍْ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِشْرَافِ نَفْسٍ
لمَ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ ، وَكَانَ كَّذِى يَأْ كُلُ وَلاَ يَشْبِعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَي .
قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَارَسُولَ اللهِ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْقِّ لاَأَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتّى
أُفَارِقَ الُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ يَدْعُو حَكِيماً لِيُعْطِيَهُ الْعَطَاءَ، فَيَأْبِى أَنْ
يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ إِنَّ ◌ُمَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ دَعَاهُ لِيُعْطِيَّهُ فَأَبِي أَنْ يَقْبَلَهُ ، فَقَلَ يَمَعْشَرَ
الْمُسِْينَ: أَشْهِدُ كمُ عَلَى حَكِيمٍ أَنَّى أُعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الَّذِىِ قَسَمَ اللهُ لَهُ فِى هَذَا الَْيْءِ،
فَأْبِي أَنْ يَأْخُذَهُ، وَلَ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ الذَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلٍ
حَتَّى تُؤُنِّىَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ. رواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى باختصار .
[يرزأ ] براء ، ثم زاى، ثم همزة: معناه لم يأخذ من أحد شيئًا.
[وإشراف النفس] بكسر الهمزة، وبالشين المعجمة وآخره فاء: هو تطلعها وطمعها وشرهها
[وسخاوة النفس ] ضد ذلك.
٢٦ - وَعَنْ ثَوْبَانَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ
◌َكْفُلْ(٢) لِى أَنْ لاَ يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًّا أَ تَكَفَّلْ لَهُ بِالْجَنَّةِ، فَقُلْتُ: أَنَا، فَكَانَ لَا يَسْأَلُ
أَحَدًا شَيْئًا. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وأبو داود بإسناد صحيح. وعند ابن ماجه قال:
لاَ تَسْأَلِ النَّاسَ شَيْئًا. فَالَ: فَكَانَ تَوْبَانُ يَقَعُ سُوْطُهُ وَهُوَ رَاكِبٌ، فَلا يَقُولُ
لِأَحَدٍ نَاوِ لِنِيهِ حَتّ ◌َنْزِلَ فَيَأْخُذَهُ .
٢٧- وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّرَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
(١) أن أجعلها ورداً صباح مساء. (٢) لايهمنى فى الحق أحد كثير العتب والتعنيف.
(٣) يضمن .

٥٨٢
لا يفتح عيد باب مسئلة إلا فتح اللّه عليه باب فقر
قَالَ: قَلاَثُ: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنْ كُنْتُ ◌َلِفًا (١) عَلَيْهِنَّ: لاَ يَنْعُ مَلٌ مِنْ صَدَقَةٍ
فَتَصَدَّقُوا، وَلاَ يَعْفُو (٢) عَبْدٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ إِلَّ زَادَهُ اللهُ بِهَا عِزَّا يَوْمَ الْفِيَامَةِ، وَلاَ يَفْتَحُ
عَبْدٌ بَابَ مَسْئَلَةٍ(٢) إِلاَّ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَبَ فَقْرٍ . رواه أحمد، وفى إسناده رجل لم يُسَّ،
وأبو يعلى والبزار، وتقدم فى الإخلاص من حديث أبى كبشة الأنمارى مطوّلا ، رواه الترمذى
وقال حديث حسن صحيح. ورواه الطبرانى فى الصغير من حديث أمّ سلمة ، وقال فى حديثه:
وَلَعَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ إِلَّزَادَهُ اللهُ بِهَاَ عِرًّا فَاعْفُوا يُعِزُّ كُمُ اللهُ، والباقى بنحوه.
٢٨ - وَعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ فَاءَ: قَالَ عُمَرُ رِضِىَ اللهُ عَنهُ
يَارَسُولَ اللهِ: لَقَدْ سَمِعْتُ فُلَانًا وَفُلاَنًا يُحْسِنَنِ الثَّنَاءَ يَذْ كُرَانِ أَنَّكَ أَعْطَيْتَهُمَ دِيِغَرَيْنٍ.
قَالَ : فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: وَاللهِ لَكِنَّ فُلاَنَا مَهُوَ كَذَلِكَ لَقَدْ أَعْطَيْتُ مَا بَيْنَ
عَشْرَةٍ إِلَى مِائَةٍ فَمَا يَقُولُ ذُلِكَ، أَمَا وَاللهِ إِنَّ أَحَدَ كُمْ لَيَخْرُجُ(٤) مَسْأَلَتُهُ مِنْ عِنْدِى
يَتَأَبَّطُهَ، يَعْنِى تَكُونُ (٥) تَحْتَ إِبْطِهِ نَارًا، فَقَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ: يَارَسُولَ اللهِ:
لِمَ تْطِهاَ إِيَّاهُمْ؟ قَالَ ◌َ أَصْنَعُ؟ يَأْبَوْنَ(٩) إِلَّ ذَلِكَ، وَيَأْبِي اللهُ لِيَ الْبُخْلَ(٧).
رواه أحمد وأبو يعلى ، ورجال أحمد رجال الصحيح .
(١) مقسما بالله كذاع ود،وفى ن ط: لحالفها. يريد صلى الله عليه وسلم أن الإنفاق لله يزيد المال، ولا
ينقصه . قال المتنبي :
ومن ينفق الساعات فى جمع ماله مخافة فقر فالذى فعل الفقر
ثم أمر صلى الله عليه وسلم بالتصدق والإحسان رجاء الغنى والسعادة
ولكن أموال البخيل تضيع
وما ضاع مال ورث الحمد أهله
وقال الله تعالى: ( إن الصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر كريم )
١٩ من سورة الحديد .
ياأخى يخبرك سبحانه بالمضاعفة، وزيادة الخير والنعم والثواب للمتصدقين والمتصدقات .
(٢) كذا ع ص ٢٨٠، وفى ن د: يعف، والمعنى لا يصفح إنسان لله ولا يسامح لله ولا يتغاضى عن
حفوته طلبا لمرضاة الله إلا أحاطه الله بصنوف الحفظ والمعالى والإكرام. قال تعالى: (فمن عفا وأصلح فأجره
على اللّه) ٤٠ من سورة الشورى. (٣) حاجة وذل، والالتجاء إلى مخلوق فى قضاء وطره. وفيه الحث
على الصدقة ، والغض عن الإساءة والقناعة والمحافظة على عزة النفس . قال الشاعر:
فإن زاد شيئاً عاد ذلك الغنى فقراً
غنى النفس ما یکفیك من سد خلة
(٤) كذاع ودس ٢٨١ ، وفى ن ط : لتخرج مسألته .
(٥) يعنى أنها تسبب له النار والعذاب والهلاك. (٦) يكثرون الإلحاح. (٧) ولا يحب الله لى الشح.

٥٨٣
إن المسئلة لانحل إلا لأحد ثلاثة
وَفِى رِوَايَةِ جَيِّدَةٍ لِأَبِى بَعْلَى: وَ إِنْ أَحَدَ كمْ لَيَخْرْجُ بِصَدَقَتِهِ مِنْ عِنْدِى مُتَأْبُطَهَا ،
وَإِنََّ هِىَ لَهُ فَارْ. قُلْتُ: يَرَسُولَ اللهِ كَيْفْ تَعْطِيهِ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنْهَاَ لَهُ نَارٌ؟ قَالَ:
فَمَا أَصْنَعُ يَأْبَوْنَ إِلاَّ مَشْتَدَتِى (١)، وَيَأْنِى اللهُ عَزّ وَجَالَ لِىَ الْبُخْلِ(٢) .
٢٩ - وَعَنْ أَبِى بِشْرٍ قَبَيْصَةَ بْنِ الْخَارِقِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةٌ،
فَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أسْألُهُ فِيهاَ فَقَالَ: أَقِمْ حَتّى تَأْتِيَنَ الصَّدَقَةَ فَتَأْمُرَ
لَكَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: يَ قُبْصَّةُ: إِنَّ الَسْئَةَ لاَتَجَلْ إِلَّ لأَحَدٍ ثَلاَثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَلَ حَمَلَةٌ
« فَحَلَتْ لَهُ الَمْأَلَةُ حَتَّى يُصِيَهَا ثُمَّ يُمْسِكَ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَانَةُ اجْتَحَتْ مَلَهْ فَحَلَّتْ
لَهُ الْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَبْشٍْ، أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ، وَرَجُلٍ أَصَبَتْهُ
فَقَةُ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ غُلاَنًا فَقَةٌ ، فَحَلَّتْ لَهُ
المْسَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْقَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ المَسْأَلَةِ.
بَقَبْصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَاَ صَاحِبْهَا سُحْتًا(٣). رواه مسلم وأبو داود والنسائى.
[ الحمالة ] بفتح الحاء المهملة: هو الدية يتحملها قوم من قوم ، وقيل: هو ما يتحمله
المصلح بين فئتين فى ماله ليرتفع بينهم القتال ونحوه [والجانحة]: الآفة تصيب الإنسان فى ماله
[والقوام] بفتح القاف، وكسرها أفصح: هو ما يقوم به حال الإنسان من مال وغيره.
[ والسداد ] بكسر السين المهملة: هو ما يسد حاجة المعون ويكفيه .
[ والفاقة]: الفقر والاحتياج. [والحجى] بكسر الحاء المهملة مقصورا: هو العقل
٣٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
(١) الطلب منى بإلحاف، ولم يتركوها للمحتاجين الفقراء. (٢) ويريد الله عز وجل أن يشمله بكرمه
وأن يقيه شر البخل، ويجعل اسمه جوادا سمحاً يعطى الكثير ولا يخشى الفقر صلى الله عليه وسلم .
(٣) يبين صلى اله عليه وسلم أن الإسلام عمل وعزة نفس وكرامة وشرف، ويحذر من الامتهان
والضعة وذل السؤال ، وأباح صلى الله عليه وسلم سؤال الناس لثلاثة :
- رجل أصبح بين متحاربين ووقف القتال بين طائفتين وتحمل الدية والغرامة ، والإنفاق على ما يجلب المودة
والمحبة بينهما وأبطل سفك الدماء وإراقته هدراً، وتحمل ديات القتلى ليصلح ذات البين ، فله أن يسأل
الناس ليعاونوه على هذه المهام الشاقة .
ب - من كان غنياً وافتفر ، ولا يقدر على الكسب.
ج - الفقراء والمساكين الضعفاء الذين يشهد لهم أصحاب العقول الراجحة السليمة، غير أولئك باطل وحرام ونار
فى بطون الشحاذين .

٥٨٤
إن الله يحب الغنى الحليم المتعفف
اسْتَغْفُوا عَنِ الَّاسِ، وَلَوْ شَوْصِ (١) السُّوَاكِ. رواه البزار والطبرانى بإسناد جيد والبيهقى.
٣١ - وَرُوِىَ عَنْ أَبِى هُرَ يْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:
لاَيُؤْمِنُ عَبْدٌ(٢) حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ(٣) ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ،
فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ(٤)، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ: فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَسْكُتْ
إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْفَئِىَّ الْحَلِيمَ الْمُتَفََّ(٥)، وَيَبْغَضُ الْبَذِيَّ(٦) الْفَجِرَ(٧) السَّائِ (٨) المُلِحَّ(٩)
رواه البزار .
٣٢ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
عُرِضَ عَلَىَّ أَوَّلُ ثَلاثَةٍ يَدْخُونَ الْجَنَّةَ، وَأَوَّلُ ثَلاَثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ، فَأَمَّا أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ.
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: فَالشََّهِيدُ(١٠)، وَعَبْدٌ تَمْلُوكَ أُحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَنَصَحَ لِسَيِّدِهِ(١)،
وَعَفِيفٌ"(١٣) مُتَعَفنٌ ذُو عِيَالٍ (١٢). رواه ابن خزيمة فى صحيحه، وتقدم بتمامه فى منع الزكاة.
٣٣ - وَعَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّْنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ:
كَانَتْ لِى عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عِدَةٌ، فَلَّ فُتِحَتْ قُرَيْظَةُ جِئْتُ لِيُنْجِزَ إِلَيّ
مَا وَعَدَنِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ يَسْتَغْنِ (١٤) ◌ُغْنِهِ (١٥) اللهُ، وَمَنْ يَقْنَعْ(١٠) ◌ُقَدَّهُ(١٧) الَهُ
(١) بتنظيفه، شصت شوصا: غسلت غسلا: أى ولو بغالته، وفيل: بما يتفتت منه عند التسوك.
وكان صلى الله عليه وسلم يشوص فاه بالسواك : أى يدلك أسنانه وينقيها .
(٣) مبلكاته وضرره. (٤) يحسن إليه ويبذل ما عنده ثقة بالله المعطى المخلف.
(٢) مسلم .
(٥) الذى لا يسأل الناس. (٦) قبيح اللسان. (٧) الفاسق. (٨) كثير السؤال.
(٩) الشحاذ. (١٠) الذى مات مجاهداً فى سبيل نصر دين الله.
(١١) أدى حقوق الله وحقوق سيده، وحفظ ماله، وراعى الأمانة.
(١٢) أى يطلب العفاف والتعفف وهو الكف عن الحرام والسؤال من الناس وتكلف الصبر والنزاهة
عن الشىء. (١٣) له أسرة ينفق عليها وأهل وأولاد، وجد فى عمل وقع برزق الله له ومنه الحديث:
((اللهم إنى أسألك العفة والغنى)).
(١٤) يترك سؤال الناس . (١٥) يرزقه انته الغنى والسعادة.
(١٦) يعرض بالقليل وبملا قلبه إيمانا بربه وقناعة، والقنوع: الرضى باليسير من العطاء، وقنع يقنع قنوعا
ب الفتح: سأل. وقع يقع قنوعا وقناعة بالكسر: رضى، ومنه: القناعة كثر لا ينفد، لأن الإنفاق منها
لاينقطع كلما تعذر عليه شيء من أمور الدنيا قع بما دونه ورضى، ومنه حديث: «عز من قنع وذل من طمع»
لأن القائم لا يذله الطالب فلا يزال عزيزاً. (١٧) يرضه الله تعالى بها أعصى، ويفتح له باب رحماته،

٥٨٥
اليد العليا خير من اليد السفلى
فَقُلْتُ فِى نَفْسِى لَاَجَرَمَ(١) لاَ أَسْأَلَهُ شَيْئًا. رواه البزار، وأبو سلمة لم يَسمع من أبيه،
قاله ابن معين وغيره .
٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ:
وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَذَ كَرَ الصَّدَقَةَ ، وَالتََّنَُّ عَنِ المَسْأَلَةِ: الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ
السُّغْلَى، وَالْعُلْيَا: هِىَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّغْلَى: هِىَ السَّائِلَةُ . رواه مالك والبخارى ومسلم وأبوداود
والنسائى ، وقال أبوداود: اختلف على أيوب عن نافع فى هذا الحديث . قال عبد الوارث:
الْيَدُ الْعُلْيَا المُتَعَفَّقَةُ. وقال أكثرهم عن حماد بن يزيد عن أيوب المنفقة ، وقال واحد عن
حماد : المتعففة [ قال الخطابى ] رواية من قال: المتعففة أشبه وأصحّ فى المعنى، وذلك أن
ابن عمر ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الكلام وهو يذكر الصدقة ،
والتعفف عنها ، فعطف الكلام جزم على سببه الذى خرج عليه وعلى ما يطابقه فى معناه أولى،
وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا أن يد المعطى مستعلية فوق يد الآخذ ، يجعلونه
من علوّ الشىء إلى فوق، وليس ذلك عندى بالوجه ، وإنما هو من علا المجد والكرم،
يريد التعفف عن المسئلة والترفع عنها ، انتهى كلامه، وهو حسن .
٣٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَدْعُودٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وَسلم: الْأَيْدِىِ ثَلاَثَةُ: فَيَدُ اللهِالْعُلْيَا، وَيَدُ الْمُعْطِى التِ تَنِيهَا، وَيَدُ الَّائِلِ السُّغْلَى (٢) إِلَى
يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَاسْتَعِفَّ(٣) عَنِ السُّؤَّالِ، وَعَنِ الْمَنْأَلَةِ مَا أُسْتَطَمْتَ، فَإِنْ أُعْطِيتَ شَيْئً
أَوْ قَالَ خَيْرًا فَدْرَ عَلَيْكَ (٤)، وَأَبْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ(٥)، وَارْضَخْ مِنَ الْفَضْلِ (٦)، وَلاَ تُلاَمُ
(١) هذه كلمة ترد بمعنى تحقيق الشىء: أى حقا، أو لابد. قال تعالى (لاجرم أن لهم النار) أى ليس
الأمر كما قالوا ، ثم ابتدأ فقال: وجبت لهم النار: أى قد وجب أن لاأسأله شيئاً صلى الله عليه وسلم، واستفاد
الصحابى من حديثه صلى الله عليه وسلم العظمة والقناعة والاعتماد على الله والثقة به سبحانه.
(٢) السائلة الممدودة للعطاء. (٣) اطلب العفاف.
(٤) فلتظهر نعمة الله عليك بحمده وتقنع وتتجمل وتنفق. (٥) قدم فى الفقة لهم من أقاربك وأهلك
(٦) أى أعط من نعمة الله وجد ، والرضا : العملية لقية: أى تصدق على قدر طاقتك.
بط يديك لنيق الرزق من أحد
واقع بما فى نت سكر
وراك البردق القناعة
وأكل كيره فى جنب بين أحب إلى من أكل الرغيف.

٥٨٦
يد الله العليا
عَلَى الْكَفَافِ. رواه أبو يعلى، والغالب على روانه التوثيق، ورواه الحاكم، وصحح إسناده
أحب إلى من لبس الشفوف
لبس عباءة وتقر عينى
لو لم يكن منك إلا راحة البدن
هى القناعة فالزمها تعش ملكا
هل راح منها بغير القطن والكفن
وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها
وصفت نفسى عن الهوان
قنعت بالقوت من زمانى
فضل فلان على فلان
خوفا من الناس أن يقولوا
فلا أبالى إذا جفانى
من كنت عن ماله غنيا
رأيته بالتى رآنى
ومن رآنى بعين نقص
رأيته كامل المعانى
ومن رآنى بعين ثم
وملكه الله قلباً قنوعاً
إذا المرء عوفي فى جسمه
فذاك الغنى ولو مات جوعاً
وألقى المطامع عن نفسه
والفقر خير من غنى يطفيها
والنفس تجزع أن تكون فقيرة
لجميع مافى الارض لا يكفيها
وغنى النفوس هو الكفاف فإن أيت
وهو الغنى الذى يحيا بلا نصب
إن القنوع نفيس النفس إراشدها
ولو حوى ملك سلطان وعلم في
وذو المطامع مغرور ومفتقر
وهل عز أعز من القناعه
أفادتنى القناعة كل عز
فإذا رضاهم غاية لا تدرك
ولقد طلبت رضا البرية جاهداً
والبر أفضل مابه يتمسك
وأرى القناعة للفتى كنزاً له
إذا أنت طالبت الرجال نواهم
وللإمام على كرم الله وجهه :
قدم لنفسك فى الحياة تزوداً
واجعل تزودك المخافة والتقى
واقنع بقوتك فالقناع هو الغنى
ووله أيضاً :
صن النفس واحملها على مايزينها
ولا ترين الناس إلا تجملا
وإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غد
يعز غنى النفس إن قل ماله
ولا خير فى ود أمرئ متلون
جواد إذا استغنيت عن أخذ ماله
فما أكثر الإخوان حين تعدم
فعف ولا تطلب يجيد تكد
فلقد تفارقها وأنت مودع
فلعل حتفك فى مائك أسرع
والفقر مقرون بمن لا يقنع
تعش سالما والقول فيك جميل
نيا بك دهر أو جفاك خليل
عسى نكبات الدهر عنك تزول
ويغنى غنى المال وهو ذليل
إذا الريح مالت مال حيث ميل
وعند احتمال الفقر عنك بخيل
ولكنهم فى النائبات قليل
وللإمام الشافعى رضى الله عنه :
ولا ترج السماحة من بخيل
فا فى النار الظمآن ماء
ما

٥٨٧
يد السائل السفلى
٣٦ - وَعَنْ مَالِكِ بْ نَضْلَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
الْأَيْدِى ثَلَاثَةُ: فَيَدُ اللهِ الْعَلْيَا، وَيَدُ المُعْطِى الَّتِى تَلِيهاَ، وَيَدُ النَّائِلِ السُّغْلَى، فَأَعْطِ (١)
الْفَضْلَ، وَلاَ تَعْجِزْ عَنْ نَفْسِكَ. رواه أبو داود وابن حبان فى صحيحه، واللفظ له .
٣٧ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامِ(٣) رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُاللهِ صلى الله عليه وسلم
ورزقك ليس ينقصه التأنى
إذا ماكنت ذا قلب قنوع
ولقيس بن الخطيم :
وكل شديدة نزلت بقوم
ولا يعطى الحريص غنى حرص
غنى النفس ما غمرت غنى
وليس بأفع ذا البخل مال
ولأبي الفتح البستى :
أحسن إذا كان إمكان ومقدرة
فالروض يزدان بالأنوار فاغمة
من حر وجهك لا تهتك غلالته
دع التكاسل فى الخيرات تطلبها
کی من العيش ما قد سد من عوز
وذو القناعة راض من معيشته
واقنع إذا حاربت بالسلامه
واقنع بما أعطاك من فضله
ولصلاح الدين الصفدى :
وليس يزيد فى الرزق العناء
فأنت ومالك الدنيا سواء
سيأتى بعد شدتها رخاء
وقد ينمى على الجود الثراء
وفقر النفس ماعمرت شقاء
ولا مزر بصاحبه الخاء
فلن يدوم على الإحسان إمكان
والحر بالعدل والإحسان يزدان
فكل حر لحر الوجه صوان
فليس يسعد بالخيرات كلان
ففيه للحر فنيان وغنيان
وصاحب الحرص إن أثرى فغضبان
واحذر فعالا توجب الندامة
واشكر لموليك على نعمته
من جاد ساد وأحيا العالمون له
بديع حمد بمدح الفعل متصل
من غير حل بلى من جهل وإلى
من رام نيل العلا بالمال يجمعه
(١) تصدق بما زاد عن حاجتك، وجد عن سعة. قال تعالى: (ويسألونك ماذا ينفقون؟ قل العفو) أى
الباقى عن حاجتك . قال البيضاوى : قيل سائله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الجموح، سأل أولا عن المنفق
والمصرف ، ثم سأل عن كيفية الإنفاق. والعفو: قيص الجهد ، ومنه يقال للأرض السهلة، وهو أن ينفق
ماتيسر له بذله ، ولا يبلغ منه الجهد . قال :
خذى العفو منى تستديمى مودتى ولا تنطقى في سورتى حين أغضب
وروى ((أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ببيضة من ذهب أصابها فى بعض المغانم، فقال: خذها منى
صدقة فأعرض عليه الصلاة والسلام عنه حتى كرر عليه مراراً، فقال : هاتها مغضباً، فأخذها حذفها حذفا لو
أصابه لشجه ، ثم قال : يأتى أحدكم بماله كله يتصدق به، ويجلس يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر
غنى )) انتهى .
(٢) قال الشرقاوى: هو الأسدى المكى ولد بجوف الكعبة فيما حكاه الزبير بن بكار، وهو ابن أخى
أم المؤمين خديجة رضى الله عنها، وعاش مائة وعشرين سنة شطرها فى الجاهلية، وشطرها فى الإسلام =

٥٨٨
ومن يستغن يعنه الله
الْيَدُ الْمُلْيَ(١) خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى(٢)، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولِ(٣)، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ
عَنْ ظَهْرٍ غِنِى (٤) ، وَمَنْ يَسْتَعِفَّ(٥) يُمْفَّهُ (٦) اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنٍ(٧) ◌ُغْنِهِ اللهُ(٨). رواه
البخارى واللفظ له ، ومسلم .
٣٨ - وَعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْدْرِىِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ أُنَا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا
رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَ لُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَّى
إِذَا نَقَدَ(٩) مَاعِنْدَهُ قالَ: مَاَكُونُ عِنْدِى مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَذَّخِرَهُ عَنْكمْ(١٠)، وَمَن
اُسْتَعَفَّ بِعِقَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِاللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَُّ(٨١) يُصَبِّرْهُ اللهُ(١٢)، وَمَ أَعْطَى
اللهُ أَحَدَا عَطَاءَ هُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ (١٣). رواه مالك والبخارى ومسلم
١
وأبو داود والترمذى والنسائى .
٣٩ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَِّيِّ صلى اللهُ
عليه وَسِلٍ فَقَالَ بَأْحَمَُّ: عِشْْْ مَاشِئْتَ فَإِنَّكَ مَيَّتْ، وَأْعَمَلْ مَاشِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِىٌّ بِهِ ،
= واعتق مائة رقبة ، وحج فى الإسلام، ومعه مائة بدنة، ووقف بعرفة بمائة رقبة فى أعناقهم أطواق الفضة
منقوش عليها عتقاء اللّه عن حكيم بن حزام ، وأهدى ألف شاة، ومات بالمدينة سنة خمسين أو أربع أو ثمان
وخمسين ، أو سنة ستين اهـ .
(١) المنفقة. (٢) السائلة.
(٣) أى يجب عليك نفقته من القوت والكسوة وغيرهما، زاد النسائى: ((أمك وأباك وأختك ثم أدناك أدناك»
وعنده أيضاً عن أبى هريرة «قال رجل: يارسول الله عندى دينار. قال: تصدق به على نفسك. قال: عندى
آخر. قال تصدق به على زوجك . قال عندى آخر. قال: تصدق به على ولدك . قال : عندى آخر . قال:
نصدق به على خادمك. قال: عندى آخر. قال: أنت أبصر به)) رواه أبو داود والحاكم لكن بتقديم الولد
على الزوجة . وعند أصحاب الشافعى تقديم الزوجة اهـ شرقاوى صفحة ٦٥ ج ٢ .
(٤) أى ما كان عن ظهر غنى . قال فى النهاية: أى ما كان عفوا قد فضل من غنى، وقيل: أرادما فضل
عن العيال . كأن صدقته مسندة إلى ظهر قوى من المال ، والمعنى عن غنى يستظهر به عن النوائب التى تنوبه اهـ
شرقاوى. (٥) أى يطلب من الله العفة، وهى الكف عن الحرام، وسؤال الناس.
(٦) يعطيه ذلك. (٧) أى يطلب من الله العفاف والغنى. (٨) يعطه ذلك. (٩) فرغ.
(١٠) ولن أحبه وأخاه، وأمنعكم إياه، ولن أجعله ذخيرة لغيركم.
(١١) يعالج فى الصبر ويتكلفه على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا.
(١٢) يرزقه الله الصبر، وقال بعضهم: من يطلب العفة عن السؤال، ولم يظهر الغنى يصيره الله عفيفاً، ومن
ترفى وأظهر الاستغناء عن الخلق ملأ الله قلبه غنى .
(١٣) قصر النفس على ما يرضى الله وحبسها على المكاره وهو جامع المكارم الأخلاق وأعطاهم صلى الله
عليه وسلم ، ثم فيهيم على موضع الفضيلة .

٥٨٩
عز المؤمن استغناؤه عن الناس
وَأَحْيِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَرِقُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ المُؤْمِنِ قِيَّامُ اللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَوَهُ
عَنِ النَّاسِ . رواه الطبراني فى الأوسط بإسناد حسن .
٤٠ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَِّّ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: لَيْسَ
الْغَنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ ، وَلكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ . رواه البخارى ومسلم، وأبوداود
الترمذى والنسائى .
[ العرض] بفتح العين المهملة والراء : هو كل ما يقتنى من المال وغيره.
٤١ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
كَن يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، وَمِنْ فَلْبِ لاَ يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ
لَأَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لاَ يُسْتَجَبُ لَا. رواه مسلم وغيره.
٤٢ - وَعَنْ أَبِى ذَرِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم:
يَا أَبَا ذَرِّ أَتَرَى كَثْرَةَ الْمَالِ هُوَ الْغِنَى؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَارَسُولَ اللهِ، قالَ: أَفَتَرَى قِلَّةَ
الْمَالِ هُوَ الْفَقْرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَ رَسُولَ اللهِ. قالَ: إِنََّ الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ(١) وَالْغَقْرُ فَقْرُ
: الْقَلْبِ(٢) . رواه ابن حبان فى صحيحه فى حديث يأتى إن شاء الله تعالى.
٤٣ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قال: لَيْسَ المِسْكِينُ
الَّذِى تَرُدُهُ الْمَةُ وَالَّعْمَتَانِ، وَالثَّعْرَةُ وَالنَّعْرَقَنِ ، وَلَكِنِ اِسْكِينُ الَّذِى لاَ يَحِدُ غِنى
يُغْنِهِ، وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ فَيُنَصَدَّقَ عَلَيْهِ ، وَلاَ يُقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ . رواه البخارى ومسلم .
٤٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ وٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّرَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلٍقَالَ:
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَفََّهُ اللهُ بِمَا آتَهُ . رواه مسلم والترمذى وغيرهما.
٤٥ - وَعَنْ فَضَلَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه
وَسَلَم يَقُولُ: طُوبى(٣) لِنْ هُدِىَ لِلْإِسْلاَمِ، وَكَانَ عَبْتُهُ كَفَفًا وَقَنِعَ . رواه الترمذى
وقال : حديث حسن صحيح، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم
[الكفاف] من الرزق: ما كفا عن السؤال مع القناعة لا يزيد على قدر الحاجة .
(١) شعور الإنسان بالعزة، واكتفاؤه بخيرات اللّه التى عنده.
(٢) شعوره بالذلة والحاجة، ولو كثر ماله. (٣) شجرة فى الجنة يتمتع بظلبا الوارف.

إياكم والطمع فإنه هو الفقر
٤٦ - وَعَنْ أَبِى أُمَامَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ:
يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ أَنْ(١) تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلاَ تُلَمُ عَلَى
كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّغْلَى. رواه مسلم والترمذى وغيرهما.
٤٧ -- وَرُوِىَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم: إِيَّاكُمُ(٢) وَالطَّمَعَ: فَإِنَّهُ هُوَ الْفَقْرُ، وَ إِيَّاكُ وَمَا يُعْنَذَرُ مِنْهُ.
رواه الطبرانى فى الأوسط .
٤٨ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: أَنَى الَّبِيَّ صلى الله عليه
وسلم رَجُلٌ ، فَقَالَ يَارَسُولَ اللهِ: أَوْصِنِى وَأَوْجِزْ، فَقَالَ النَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلم: عَلَيْكَ
بِالْإِيَاسِ(٣) فَمَا فِى أَيْدِى الْنَاسِ، وَإِيَّكَ وَالطَّمَعَ، فَإِنْهُ فَقْرٌ حَاضِرٌ(٤)، وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ
مِنْهُ. رواه الحاكم والبيهقي فى كتاب الزهد واللفظ له، وقال الحاكم: صحيح الإسناد كذا قال .
٤٩ - وَرُوِىَ عَنْ جَابِرٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
القَفَعَةُ كَنْزٌ لاَ يَفْنَي . رواه البيهقي فى كتاب الزهد ، ورفعُهُ غريب.
٥٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنِ الْخُطَمِيِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم قالَ: مَنْ أَصْبَحَ آمِناً فى سِرْبِهِ مُعَفَّى(٥) فِى بَدَنِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَ ◌َ
حِيْزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بَحَذَا فِيرِهَا . رواه الترمذى، وقال: حديث حسن غريب .
[ فى سربه ) بكسر السين المهملة: أى فى نفسه.
(١) هو بفتح همزة أن، ومعناه إن بذلت الفاضل عن حاجتك وحاجة عيالك فهو خير لك لبقاء ثوابه
وإن أمسكته فهو شر لك لأنه إن أمسك عن الواجب استحق العقاب عليه، وإن أمسك عن المندوب فقد نقص
ثوابه وفوت مصلحة نفسه فى آخرته، وهذا كله شر؛ ومعنى ((لانلام على كفاف)) أن قدر الحاجة لالوم على
صاحبه وهذا إذا لم يتوجه فى الكفاف حق شرعى كمن كان له نصاب زكوى، ووجبت الزكاة بشروطها وهو
محتاج إلى ذلك النصاب لكفافه وجب عليه إخراج الزكاة، ويحصل كفايته من جهة مباحة، ومعنى ((ابدأ
بمن تعول)) أن العيال والقرابة أحق من الأجانب اه نووى ص ١٢٧ ج ٧.
(٢) احذروا الطمع المضيع المروءة ، ولإكرام الضيف ، ولحقوق الله تعالى، واحذروا الوقوع فى الدناية
والسفاسف والقبائح والبخل ، وكل ما يحوجك إلى عذر .
(٣) القنوط، وعدم رجاء خير من أحد مطلقاً، من أيس مقلوب يثس وآيسه فاستيأس.
(٤) كذاع ص ٢٨٥، وفى ن د : خاص : أى فقر عاجل وشره ودناءة ، وباب الذل والمسكنة.
(٥) ممتعاً بالصحة. (٦) بجوانبها، وما فيها من خيرات، والحذافير: الجوانب، وقيل: الأعالى
واحدها حذفار ، وقيل : حذفور : أى فكأنما أعطى الدنيا بأسرها .

٥٩١
الحث على العمل والنهى عن المسئلة
٥١ - وَعَنْ أَنَس رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً مِّنَ الْأُنْصَارِ أَنَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم
فَأَلَهُ، فَقَالَ: أَمَا فِى بَيْتِكَ شَىْء؟ قالَ: بَلَى. حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ، وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ،
وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الَاءِ. قَالَ: انْذِنِى بِهِمَا، فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَّهُمَا رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم بِيَدِهِ، وَقَالَ مَنْ يَشْتَرِى هُذَيْنِ. قَالَ رَجُلٌ: أَنَ آَخُذُهُمَا بِدِرْهَ. قالَ
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ يَزِبِدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاَثًا. قَالَ رَجُلٌ :
أَنَا آخُذُهُاَ بِدِرْ هَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَ إِيَّهُ، وَأَخَذَ الدِّرْ هَمَيْنِ فَأَعْطَهُمَ الْأَنْصَارِىَّ، وَقَالَ:
اُشْتَرِ بِأَحَدِهِمَ طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومَا فَانْتِى (١) بِهِ، فَأَنَهُ بِهِ فَشَدَّ
فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَذْهَبْ فَاخْتَطِبْ وَبِعْ، وَلاَ
أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَفَعَلَ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَبَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَاَ نَوْباً
وَ بَبَعْضِهَاَ طَعَامًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِىءَ الَسْأَلَةُ
نُكْتَهَ فِى وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَةِ ، إِنَّ المِثْأَةَ لاَتَصْلُحُ إِلَّ لِثَلاَثٍ: لِذِى فَقْرٍ مُدْقِعٍ،
أَوْ لِذِى غَرْمٍ مُفْظِعٍ ، أَوْ لِذِى دَمٍ مُوجِعٍ. رواه أبو داود والبيهقى بطوله، واللفظ
لأبى داود، وأخرج الترمذى والنسائى منه قصة بيع القدح فقط، وقال الترمذى: حديث حسن.
[ الحلس] بكسر الحاء المهملة، وسكون اللام وبالسين المهملة: هو كساء غليظ يكون
على ظهر البعير ، وسمى به غيره مما يداس، ويمتهن من الأكسية ونحوها .
[ الفقر المدفع] بضم الميم، وسكون الدال المهملة، وكسر القاف: هو الشديد الملصق.
صاحبه بالدقعة ، وهى الأرض التى لانبات بها .
[والغرم] بضم الغين المعجمة، وسكون الراء: هو ما يلزم أداؤه تكلفاً لا فى مقابلة عوض.
[ والمفظع ] بضم الميم، وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة: هو الشديد الشنيع.
[ وذو الدم الموجع]: هو الذى يتحمل دية عن قريبه. أو حميمه، أو نسيبه القاتل
يدفعها إلى أولياء المقتول، ولو لم يفعل قتل قريبه ، أو حميمه الذى يتوجع لقتله.
٥٢- وَعَنِ الزُّ بَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم:
(١) كذا ع ص ٢٨٦ ود، وفى ط : فائت .

٥٩٢
منأكل أحد طعاما خيرامن أن يأكل من عمل يده
لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُ كُمُ أَحْبَهُ فَيَأْتِىَ مِحُزْمَةٍ مِنْ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَدِيْعَهَاَ فَيَكُغَنَّ بِهاَ
وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَّ الفَاسَ أَعْطَوْهُ أَمْ مَنَعُوهُ(١). رواه البخارى وابن ماجه وغيرهما.
٥٣ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم:
لَأَنْ يَخْتَطِبَ أحَدُ كُمُ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فِيُعْطِهِ، أَوْ يَمْنَعَهُ.
رواه مالك والبخارى ومسلم والترمذى والنسائى.
٥٤ - وَعَنِ الْقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِىِّ صلى اللهُ عليه وسلم
مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَمَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ(٢)، وَإِنَّ نَبِىَّ اللهِ دَاوُدّ
عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَأْ كُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ (٣). رواه البخارى.
(١) فيه الحث على الصدقة والأكل من عمل يده، والاكتساب بالمباحات كالخطب والحشيش النابتين فى
موات اهـ نووى ص ١٣١ ج ٧ .
والمعنى ليذهب السائل ، فيحترف بعمل جل أو حقر ، ولو يجمع الخطب ليحفظ ماء وجهه أن يراق فى
السؤال خير من أن يمد يده للناس سواء أخذ أم حرم .
(٢) أى خير الطعام وأهناه ما كان من كسب يد الإنسان بكده وكدحه، ولم يكن استجداء أو تكففاً
فيحترف بأى عمل ، ويمتهن بأى مهنة لأن الاستجداء يورث المذلة والاستكانة ، ويسقط المروءة ، ويدعو
إلى قلة الأدب .
(٣) يصنع الدروع من الحديد لا عن فاقة أو ماجة بل كان ملكا مملكا ذا جاء وثروة وسلطان ونبوة
فيدع المال ويكد ، وضرب مثلا أعلى للحداد الصاع الماهر ، واختار أن يأكل من عرق جبينه ، وصنع
يده رجاء قبول الأعمال عند الله تعالى، وليقتدى به أبناء الأمة، وبحث على العمل، وكسب الرزق من
الطرق المشروعة، ولو أدت إلى اقتحام المخاطر، وركوب متن الأهوال ، وبمقت التواكل والبطالة ،
وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يشتغل بالتجارة قبل بعثته، ويعيش من ربحها ، وكذلك الصحابة ، وعظماء
المسلمين من بعده .
فقه الدين الإسلامى يدعو إلى إعزاز النفس بالعمل ، وحفظها من الامتهان.
قد بين صلى الله عليه وسلم أن السائل يوم القيامة بأنى كهيكل عظمى ذهبت نضارته، وضاعت هيبته،
وقل حياؤه لأنه كان فى حياته وكلا غير معتمد على ربه كثير الإلحاح ضعيف الإيمان ((وليس فى وجهه مزعة
لحم)) قال القاضى : قيل معناه يأتى يوم القيامة ذليلا ساقطاً لاوجه له عند الله، وقيل: لالحم عليه عقوبة له
وعلامة له بذنبه حين طلب ، وسأل بوجهه ، وهذا فيمن سأل لغير ضرورة سؤالا منهياً عنه اهـ . نووى
س ١٣٠ ج ٧ .
يقول الله تعالى: (وأما السائل فلا تنهر) أى فلا تزجره، والمراد به المحتاج غير القادر على الكسب،
وقد حرم العلماء إعطاء القادر على الكسب صدقة .
وإذا قرأت الباب وجدت *صفة مشوهة تفرق بالسائل يوم القيامة يعرف بها ((كدوح)) على أن الله يرز.
السائل ضعة ودناءة وطمعاً وشرهاً لعدم تعفقه، ثم انظر أعزك الله إلى دستور العمل قوله تعالى: (وقل
اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) وقد استفاد الصحابة رضى الله عنهم من حكم رسول الله صلى الله

٥٩٣
من نزلت به فاقة فأنزلها باللّه فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل
ترغيب من نزلت به فاقة أو حاجة أن ينزلها بالله تعالى
١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عيِ وسلم:
مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ (١)، فَأَنْزَلَا بِالنَّاسِ لَمَ تُسَدِّ(٢) فَاقَتُهُ ، وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ،
فَأَنْزَلَا بِاللهِ(٣) ، فَيُوشِكُ اللهُ لَهُ بِرِزْقِ عَجِلٍ (٤) أَوْ آجِلٍ. رواه أبو داود والترمذى
. وقال: حديث حسن صحيح ثابت، والحاكم وقال: صحيح الإسناد إلا أنه قال فيه: أرسلَ اللهُ له
بالغِنِى إما بموتٍ عاجلٍ أو غِنَى آجلٍ . [ يوشك: أى يسرع وزنا ومعنى] ..
٢ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
- مَنْ جَاءَ، أَوِ أُحْتَجَ(٥) فَكَتَمَهُ النَّاسَ ، وَأَفْضَى بِهِ إِلَى اللهِ تَعَلَى كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ
عليه وسلم، وتعلموا الاعتماد على النفس :
١ - (رأيت بعض أولئك النفر بسقط سوط أحدثم، فا يسأل أحداً يناوله إياه).
ب - ( البيعة يشترط على أن أسأل الناس شيئاً ).
ج - أبو بكر رضى الله عنه يأخذ خطام ناقته بنفسه بعد أن ينيخها.
د - ( ثوبأن ينزل فيأخذ سوطه - وما يأخذ من رجل يناوله).
تلك أمثلة أربعة تمثل الشجاعة والكرامة، والنفس العالية، والثقة المتناهية بالله سبحانه وتعالى
وحده ( الله الصمد) سائل الله لا يخيب.
وكثيرا ماحذر صلى الله عليه وسلم من السؤال، وأبى حكيم بن حزام أن يقبل الصدقة بعد نصيحة
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بين عليه الصلاة والسلام شهادة أهل الخبرة بباطن السائل واستحقاقه
ليعطيه المحسنون. قال الجمهور : يقبل من عدلين.
(١) فقر وحاجة (٢) كذا ع ص ٢٨٧ ود، وفى ن ط: تستد، يعنى لم ينته فقره ويزيده الله احتياجا
(٣) سامها لله. وشكا أمره البارئه. وأخذ فى عمل وجد واحترف واعتمد على رازقه سبحانه ولم يتوا كل
(٤) سبل الله له أمور معاشه، ووضع البركة فى مكسبه، وزاده من نعمه سبحانه بسرعة أو بعدزمن
وفيه التحلى بالصبر عند الشدائد، وتحمل المكاره، والجد فى طلب الرزق .
(٥) أى وجد نفسه فى حاجة إلى طعام، أو افتقر إلى شىء ولم يسأل أحدا، وبشكا إلى اللهوحده تكفل
الله بزيادة رزقه ومدده، وأمده بخيراته . قال تعالى :
١ - ( قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله) من سورة سبأ.
ب ب (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن مالك السمع والأبصارومن يخرج الحى من البيت ويخرج الميت
من الحميرومن يدبر الأمر فيقولون الله فقل أفلا تتقون) ٣٣ من سورة يونس.
ج - ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على اللهفهو حسبه إن الله بالع
أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا)٤ من سورة الطلاق.
: - ( كاها من طيبات مارزقناكم) (وفى السماء رزقكم وما توعدون ٢٢ فورب السماء والأرض إنه حق
مثل ما أنكم تنطقون) ٢٣ من سورة الدارنات.
(٣٨ - الترغيب والترهيب - ١ )

٥٩٤
جزاء من نزلت به حاجة فأنزلها بالله تعالى
أَنْ يَفْتَحَ لَهُ قُوتَ سَنَةٍ مِنْ حَلَالٍ . رواه الطبرانى فى الصغير والأوسط .
هـ - ( والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد) قيل: عنى به الأغذية، وقيل. فيما يوص ويلبس.
و - ( إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) من سورة الذاريات .
( والأرضى مددناها وألقينا فيها رواسى وأنبتنا فيها من كل شىء موزون) ١٩ من سورة الحجر
ز - ( وجعلنا لك فيها معايش ومن لستم له برازفين ٢١ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما نزله {إِلا
بقدر معلوم ) ٢٢ من سورة الحجر.
قال علماء التوحيد: جاع رجل فى صحراء، فقال: يارب أين رزقك الذى وعدتنى به؟ فرزقه الله الشبع.
ح - ( أم تسألهم خرجا فراج ربك خير وهو خير الرازقين ٧٣ وإنك لتدعوم إلى صراط مستقيم ٧٤
وإن الذين لايؤمنون بالآخرة عن الصراط لنا كبون ) ٧٥ من سورة المؤمنون.
(خرجا) أى أجراً على أداء الرسالة (خراج ربك) أى رزقه فى الدنيا، وثوابه فى العقبى (خير) لسعته
ودوامه ففيه مندوحة لك عن عطائهم، والخرج بإزاء الدخل يقال لكل ما تخرجه إلى غيرك، والخراج غالب
فى الضريبة على الأرض، ففيه إشعار بالكسرة واللزوم فيكون أبلغ، ولذلك عبر به عن عطاء الله إياه (وهو
خير الرازقين) تقرير لخيرية خراجه تعالى (لنا كبون) أى لعادلون عنه، فإن خوف الآخرة أقوى البواعث
على طلب الحق ، وسلوك طريقه اه بيضاوى .
ـ - ( ألم تروا أن الله سخر لكم مافى السموات ومافي الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) ٢٠
من سورة لقمان ، فاته هو المنعم الذى يسأله الناس .
ى - ( الله الذى خلقك ثم رزقك ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شىء).
٤٠ من سورة الروم .
ك - (فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون) ١٧ من سورة العنكبوت.
هذا قل من كثر، وغيض من فيض ذلائل الله، على أنه الرزاق الواهب النعم المعطى الخير، فهو الذى
يرجى وما على الإنسان إلا أن يجد ويعمل ويحترف ، ويعتمد عليه جل وعلا ، فالدنيا دار عمل بلا حساب
والآخرة حساب بلا عمل .
وفى العيش فلا تطمع
دع الحرس على الدنيا
ما تدرى لمن تجمع
ولا تجمع من المال
وسوء الظن لا ينفع
فإن الرزق مقسوم
غنى كل من يقنع
فقیر کل ذى حرس.
ينقص المسلمين الآن الجود والاعتماد على الله، وبذل النفيس فى مشروعات الخير وأعمال البر، وقد تصدق
مرة سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر رضى الله عنهما، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا أبقيت من
مالك يا أبا بكر ؟ فقال : حب الله ورسوله، ثم سأل صلى الله عليه وسلم عمر، فقال: شطر مالى (انظر
إحياء الغزالى ).
وقد جبز سيدنا عثمان رضى الله عنه جيشاً بأسره، وكان سيدنا الزبير صاحب أرانن ومزارع واسعة
وكان سيدنا طلحة صاحب أملاك وعقارات، وقد اقتنى البيوت فى البصرة والإسكندرية ، وكان عبدالرحمن بن
عوف من ذوى اليسار الطائل ، حدثنا التاريخ أن ثروة هؤلاء العظماء فى إسداء مكارم ، وأداء مغارم وفى
ما ينفع الأمة (حتى إن عبد الرحمن بن عوف كان إذا تأمل النعمة التى كان فيها يغلب عليه البكاء ويقول: عسى
أن لا تكون هذه النعمة فى العاجلة هى نصيبنا عن نعيم إلآجلة) أو ما هو بمعناه، وقد جاع الناس عام الرمادة
فبقى عمر وعائلته يأتدمون بالزيت طول مدة تلك الغبة، كانوا يلبسون الخشن ولا يجيز أحدثم لبس شىء من

٥٩٥
الترهيب من آخذ ما دفع من غیر طبب نفس
الترهيب من أخذ ما دفع من غير طيب نفس المعطى
١ - عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهَا عَنِ الَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: إِنْ هُذَا الْمَالَ
خَضِرَةٌ (١) حُلْوَةٌ (٢) فَمَنْ أَعْطَيْنَهُ مِنْهَا شَيْئاً بِطِبِ نَفْسٍ مِنَّا، وَحُسْنِ طُعْمَةٍ مِنْهُ
مِنْ غَيْرِ شَرَهِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ، وَمَنْ أَعْضَيْنَهُ مِنْهاَ شَيْئًا بِغَيْرِ طِبِ نَفَسٍ مِنَّا،
وَحُسْنِ طَعْمَةٍ (٣) مِنْهُ، وَشَرَهِ نَفْسٍ كَانَ غَيْرَ مُبَرَكٍ لَهُ فِيهِ . رواه ابن حبان فى صحيحه،
وروي أحمد والبزار منه الشطر الأخير بنحوه بإسناد حسن .
[ الشره ] بشين معجمة محركا: هو الحرص.
٢ - وَعَنْ مُعَاوِيَّةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم: لَا تُلْجِفُوا(٤) فِى الْمَسْئَةِ، فَوَاللهِ لَيَسْتَُّنِى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا فَتُخْرِجُ لَهُ مَنْأَلَتُهُ
مِّى شَيْئًا، وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ فَيُبَارَكُ لَهُ فِيمَاَ أَعْطَيْتُهُ. رواه مسلمٍ والذِسائى والحاكم،
وقال صحيح على شرطهما .
٣ - وَفِى رِوَايَةٍ لِسْلٍ قَالَ: وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنََّ أَنَا
خَزِنٌ، فَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ طِيبٍ نَفْسٍ فَمُبَارَكٌ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ ، وَشَرَهِ
٥٠
[ لا تلحفوا ] : أي لاتلحوا فى المسألة .
س(٥) كَانَ كَالَّذِى يَأْ كُلُ وَلاَ يَشْبَعُ .
٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم :
لاَ تُلْحِفُوا فِى الَمَسْأَ لَةِ، فَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَخْرِجُ مِنَّا شَيْئًا بِهَاَ لمَ يُبَرَكْ لَهُ فِيهِ. رواه أبو يعلى،
ورواته محتج بهم فى الصحيح .
الخز إلا لعلة ، وكانوا يأكلون الخشن، ولا يعرفون الحلو إلا نادراً. هذا وشذور الذهب من معدن بنى سليم
تقطع بالفؤوس، وبيت المال يغص بالذهب والفضة والياقوت والمرجان واللؤلؤ والعنبر والطيب يرونها (بأعينهم
ولا يشتاقون إلى شىء منها بل ينظرون إليها نظرهم إلى التراب ذلك من شْدة غنى قلوبهم ، وكثرة انصرافهم
إلى ماهو خير وأبقى، وامتلاء نفوسهم بمعالى الأمور اهـ من مقالة لأمير البيان الأمير شكيب أرسلان من جهاد
٣٠ من ذي القعدة سنة ١٣٥٢.
(١) نوع من البقول ليس من أحرارها وجيدها: أى صنف ردىء. (٢) أى طعمها لذيذ.
(٣) طعمة، كذاع س ٢٨٧، وفى ن ط : طبعة .
(٤) كذا ع، وفى ن د: لاتلحوا . (٥) جنبه.
٢

٥٩٦
الترهيب من أخذ ما دفع من غیر طبب نفس
٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عَليه
وسلم: إِنَّ الرَّجُلَ يَأِْدِنِى فَيَسْأْ لُنِى فَأَعْطِهِ فَيَنْطَلِّقُ، وَمَا يَحْمِلُ فى حِضْنِهِ إِلَّ النَّارُ.
رواه ابن حبان فى صحيحه .
٦ - وَعَنْ أَبِ سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رَضِى اللهُ عَنْهُ قالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم يَقْسِمُ ذَهَبًا إِذْ أَنَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ: يَرَسُولَ اللهِ أَعْطِى، فَأَعْطَهُ، ثُمَّ قَالَ: زِدْنِى
فَرَادَهُ ثَلاَثَ مَّاتٍ، ثُمَ وَلَى مُدْبِرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يَأْتِنِ الرَّجُلُ
فَيَنْأَلُفِي فَأُعْطِيهِ، ثُمَّ يَنْأَ لُفِي فَأُعْطِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ وَلَى(١) مُدْبِرًا، وَقَدْ جَعَلَ
فى تَوْبِهِ نَارًا إِذَا أَنْقَلَبَ إِلى أَهْلِهِ . رواه ابن حبان فى صحيحه.
(١) كذاع ود، وفى ن ط يولى: أى يذهب معه النار من السؤال.
المحتاج يتأدب فى سؤاله، ولا يسأل إلا مضطراً، والمحسنون يجودون ببشاشة.
اتفق العلماء على تحريم المسألة إلا إذا لم تكن ضرورة وكان السائل غير قادر على الكب ويجد نصائح
غالية منه صلى اللّه عليه وسلم فى الزهد والتنفير فى جمع المال ( خضرة حلوة) شبهه صلى الله عليه وسلم فى الرغبة
فيه ، والميل إليه وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء الحلوة المستلذة فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده
والحلو كذلك على انفراده فاجتماعهما أشد وفيه إشارة إلى عدم بقائه لأن الخضراوات لاتبقى ولا تراد للبقاءاهـ
نووى ص ١٢٦ ج ٧ ، فمن أخذ المال بطيب نفس: أى بغير سؤال ولا إشراف وتطلع بارك الله له ، وقيل:
بطيب نفس المعطى المحسن الذى يدفع منشرحا بدفعه إليه طيب النفس لا بسؤال اضطره إليه بل سعى المحسن إلى
الفقير وأعطاه وكان الرضا من الجانبين والمحبة متبادلة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو المحمن إلى البشاشة
والإقبال على الإنفاق بثغر باسم ، ونفس مطمئنة، وكذا المحتاج يعتمد على ربه ولا يلح .
قال العلماء : شروط السؤال ثلاثة :
أولا: أن لا يذل نفسه. ثانياً: أن لا يلح فى السؤال. ثالثاً: أن لا يؤذى المسئول ، ثم انظر رعاك
اللّه إلى المثل العالى لقصره الطماع الدفء السؤال (كالذى يأكل ولا يشبع) أى إن الذى لايملأ قلبه إيمانا بالله
وثقة به واعتماداً على مولاء الرزاق أرخى لنفسه العنان فى الشحاذة ، واسترسل فى إراقة ماء وجهه ولم يكتف
ولو كان عنده مال قارون. قال النووى: قال العلماء: إشراف النفس تطلعها إليه وتعرضها له وطمعها فيهاهـ
ص ١٢٦ ج ٧ ، وهو صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة وقدوة طيبة وكريم جواد يأتى إليه السائل فلا يرده،
وعلم صلى الله عليه وسلم بغنى ذلك السائل الطماع فأعطاه سماحة ولكن خرج متأبطاً ناراً ومندفعا فى طيار الذلة
والمسكنة والخذلان وفقد المروءة وجرى فى ميدان النذالة وماأحسن تعبيره الشريف وعذوبة ألفاظه (ويأبى المه
لى البخل ) . والناس صنفان :
١ - غنى موسى حامد شاكر متصدق معط بسماحة وطيب نفس يهرع إليه الفقراء.
ب - غنى فقير النفس شحيح بخيل يشير إلى النوعين قوله تعالى: (فأما الإناث"؟؟! ماابتلاء ربه فأكرمه وحمه
فيقول ربى أكرمن وأما إذا ما ابتلاء فقدر عليه رزقه فيقول ربى أهائن كلا بل لا تكرمون اليقيم ولا
تخافون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حباً جماً) ٢١ من سورة الفجر.

٥٩٧
إن أحدكم ليخرج من عندى بحاجته متأ بطها وماهى إلا النار
٧ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْطَّابِ رَضىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهْ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
فَقَالَ: يَارَسُولَ اللهِ رَأَيْتُ فُلاَنَا يَشْكُرُ يَذْ كُمُ أَنَّكَ أَعْضَيْتَهُ دِينَرَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
صلى الله عليه وسلم: لَكِنَّ فُلاَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْمِنَةِ فَمَا شُكْرُهُ
وَمَا يَقُولُهُ؟ إِنَّ أَحَدَ مُ لَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِى بِحَاجَتِهِ مُتَأَبِّطَ، وَمَ هِيَ إِلَّا النَّارُ. قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ لِمَ تُعْطِهِمْ؟ قَالَ: يَأَبَوْنَ إِلَّ أَنْ يَسْأَلَوِى، وَيَأْبَى اللهُ لِّ الْبُخْلَ
رواه ابن حبان فى صحيحه، وراه أحمد وأبو يعلى من حديث أبى سعيد ، وتقدم .
[ متأبطها] : أي جاعلها تحت إبطه.
ترغيب من جاءه شىء من غير مسألة ولا إشراف نفس فى قبوله
سما إن كان محتاجا، والنهى عن رده وإن كان غنيا عنه
١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُعْطِينِى
( ابتلاه ربه) اختبره بالغنى واليسر فأعطى الله، والثانى بالفقر والتقتير ( أهامن) لقصور نظره وسوء
فكره ، فإن التقتير قد يؤدى إلى كرامة الدارين والتوسعة قد تفضى إلى قصد الأعداء والانهماك فى حب الدنيا
ولذلك ذمه على قوليه وروعه عنه بقوله (كلا) أى بل فعلهم أسوأ من قولهم، وأدل على تهالكهم بالمال ،
وهو أنهم لا يكرمون الينيم بالنفقة والميرة ولا يحثون أهلهم على طعام المسكين فضلا عن غيرهم (التراث) الميراث
(لا) أى جمعا بين الحلال والحرام، فإنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان ويأكلون أنصباءهم (حباً جماً)
كثيراً مع حرص وشره اه بيضاوى ٨٢٧ .
فالمال إنما وجد لكسب المحامد، وغرس الصالحات ، وتشييد المكرمات إذا أنفق بطيب نفس، والله
أوجد بنى آدم فى الحياة ليكد، ويجاهد نفسه، ويعمل صالحاً، فيجازى خيرا كما قال سبحانه: (لقد خلقنا
الإنسان فى كبد أيحب أن لن يقدر عليه أحد يقول أهلكت مالا لبدا أيحسب أن لم يره أحد ألم نجعل لهعينين
ولسانا وشفتين وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام فى يوم ذى مسغبة يتيما
ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة )
١٩ من سورة البلد .
( فى كبد ) تعب ومثقة ومنه المكابدة والإنسان لايزال فى شدائد مبدؤها ظلمة الرحم ومضيقه ومنتهاها
الموت وما بعده، وهو تسليمه للرسول عليه الصلاة والسلام مما كان يكابده من قريش (مالا لبدا) كثيراً
لمن أنفق فى سمعة أو مفاخرة أو معاداة الرسول صلى الله عليه وسلم ( النجدين) طريقى الخير والشر أو
الثديين ( فلا إقتحم العقبة ) أى فلم يشكر تلك الأيادى باقتحام العقبة، وهو الدخول فى أمر شديد، والعقبة:
الطريق فى الجبل استعارها بما فسرها به من الفك والإطعام لما فيهما من مجاهدة النفس، إذ المعنى فلا فك رقبة
ولا أضعم يتيما أو مسكينا، والمسغبة والمقربة والمتربة: مفعلات، من سغب إذا جاع ، وقرب فى النسب،
وترب : إذا افتقر (وتواصوا ) أوصى بعضهم بعضاً بالصبر على طاعة الله تعالى، وبالرحمة على عباده ، أو
بموجبات رحمته تعالى ( ثم كان ) عطف على اقتحم لاستقلال الإيمان، واشتراط سائر الطاعات به ( الميمنة )
اليمين اه بيضاوى ٨٢٨.

٥٩٨
ما كان عن غير مسئلة فإنما هو رزق برزقكه الله
الْعَطَاءِ(١)، فَأَقُولُ أَعْطِهِ مَنْ هُوَ إِلَيْهِ أَفْقَرُ مِّى. قالَ فَقَالَ: خُذْهُ إِذَا جَاءَكَ مِنْ هُذَا
المَالِ شَىْءٌ ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ(٢) وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ ، فَإِنْ شِئْتَ كُلْهُ ، وَ إِنْ
شِئْتَ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَلاَ(٣) فَلاَ تُتْبِعَهُ نَفْسَكَ. قالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ كانَ
عَبْدُ اللهِ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا، وَلاَ يَرُدُّ شَيْئًا أُعْطِيَهُ. رواه البخارى ومسلم والنسائىّ.
٢ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلي اللهُ عليه وسلم أَرْسَلَ
إِلَى عَمَرَ بْنِ الْخْطَّابِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ بِعَطَاءٍ فَرَدَّهُ عَمرُ ، فَقَلَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله
عليه وَسلم: لِمَ رَدَدْتَهُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَيْسَ أَخْبَرْتَنَا أَنَّ خَيْرًا لِأَجَدِنَا أَنْ لَا يَأْخُذَ
مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وَسلم: إَِّمَا ذُلِكَ عَنِ المَسْأَلَةِ (*)، فَأَمَّا
مَا كَانَ عَنْ غَيْرِ مَسْأَ لَهِ، فَإِنَّ هُوَ رِزْقٌ يَرْزُقَكَهُ اللهُ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ:
أَمَا وَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لاَ أَسْأَلُ أَحَدًّا شَيْئًا، وَلاَ يَأْتِنِى شَىْءٌ مِنْ غَيْرِ مَنْأَلَةٍ إِلَّا
أَخَذْتُهُ(٥) رواه مالك هكذا مرسلا . ورواه البيهقى عن زيد بن أسلم عن أبيه .. قال :
سمعت عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: فذكر بنحوه.
٣ - وَعَنِ الْطَِّبِ بْنِ عَبْدِ الهِ بْنِ حَنْطَبٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ تَامِرٍ بَعَثَ إلَى عَائِشَةَ
رَضِىَ اللهُ عَنْهَ بِنَفَقَةٍ وَكُمْوَةٍ ، فَقَلَتْ لِرَّسُولِ: أَىْ بَيَّ لَا أَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئاً،
فَلَمَّا خَرَجَ الرَّسُولُ، قالَتْ: رُدُّوهُ عَلَىَّ، فَرَدُوهُ قالَتْ: إِى ذَ كَرْتُ شَيْئًا، قَالَ لِى
رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: يَائِشَةُ مَنْ أَعْطَاكِ عَطَاءٍ مِنْ غَيْرٍ (٦) مَنْأَلَةٍ فَقْبَلِيِهِ فَإَِّ هُوَ
(١) فيه جواز الأخذ بغير سؤال ولا تطلع. قال النووى: فيه منقبة لعمر رضى الله عنه، وبيان فضله
وزهده وإشاره اهـ. (٢) متطلع إليه حريص عليه.
(٣) مالم يوجد فيه هذا الشرط لا تعلق النفس به. قال النووى: الصحيح المشهور الذى عليه الجمهور
( فيمن جاءه مال) أنه يستحب فى غير عطية السلطان، وأما عطية السلطان. حرمها قوم، وأباحها قوم ،
وكرهها قوم ، والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما فى يد السلطان حرمت، وكدا إن أعطى من لا يستحق ،
وإن لم يغلب الحرام همباح إن لم يكن فى القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ ، وقالت طائفة: الأخذ من
السلطان واجب وغيره ، وقال آخرون : هو مندوب فى عطية السلطان دون غيره ، والله أعلم اهـ
ص ١٣٥ ج ٧ .
وأنا أميل إلى التعفف عن أموال الحكام والتباعد عن عطاياهم والاجتهاد فى مهنة تقيه شر السؤال،
(٤) السؤال والإلحاح. (٥) يأخذه هدية ومودة وصلة.
(٦) كذا دوع ص ٢٨٩ ، وفى ن ط : بغير .

٥٩٩
وما أتاك اللّه من غيز مسئلة فانما هو رزق رزقكه الله
رِزْقٌ عَرِّضَهُ اللهُ إِلَيْكِ. رواه أحمد والبيهقى، ورواة أحمد ثقات لكن قد قال الترمذى
قال محمد: يعنى البخارى لا أعرف للمطلب بن عبد الله سماعا من أحد من أصحاب النبي صلى الله
عليه وسلم إلا قوله حدثنى من شهد خطبة النبى صلى الله عليه وسلم ، وسمعت عبد الله
ابن عبد الرحمن يقول: لا نعرف للمطلب سماعا من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
[ قال الملى ] رضى الله عنه: قد روى عن أبى هريرة، وأما عائشة، فقال أبو حاتم:
المطلب لم يدرك عائشة، وقال أبو زرعة : ثقة أرجو أن يكون سمع من عائشة، فإن كان
المطلب سمع من عائشة فالإِسناد متصل، وإلا فالرّسول إليها لم يسمّ، والله أعلم .
٤ - وَعَنْ وَاصِلِ بْنِ الْطَّابِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ قُلْتَ
لِ إِنَّ خَيْرًا لَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ شَيْئًا. قالَ إِنَّذَاكَ أَنْ تَسْأَلَ. وَمَا آتَاكَ اللهُ
مِنْ غَيْرٍ فَمَسْأَلَةٍ، فَإِنَّ هُوَ رِزْقٌ رَزَقَكَهُ(١) اللهُ. رواه الطبرانى وأبو يعلى بإسناد لا بأس به.
٥ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ عَلِىّ الْجَهَنِيِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ بَلَغَهُ عَنْ أَخِيهِ مَعْرُوفُ(٢) مِنْ غَيْرٍ مَنْأَلَةٍ، وَلاَ إِشْرَافٍ(٣) نَفْسٍ
فَلْيَقْبَلْهُ وَلاَ يَرُدَّهُ، فَإِنَّ هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ. رواه أحمد بإسناد صحيح،
وأبو يعلى والطبرانى، وابن حبان فى صحيحه والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
٦ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَِّيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: مَنْ آنَهُ
اللهُ شَيْئًا مِنْ هَذَا لَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَهُ فَلْيَقْبَلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقُ سَاقَهُ اللهُ إِلَيْهِ .
ـورواته محتج بهم فى الصحيح .
٧ - وَعَنْ عَابِدِ بْنِ عَمْرٍ و رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: مَنْ
عُرِضَ لَهُ مِنْ هُذَا الرِّزْقِ شَىْءٌ مِنْ غَيْرٍ مَدْأَلَةٍ (٤)، وَلاَ إِشْرَافٍ نَفْسٍ (٥) فَلْيَتَوَسَّعْ بِهِ
فى رِزْقِهِ ، فَإنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيُوَجِّهْهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنْهُ(٦). رواه أحمد
والطبرانى والبيهقى، وإسناد أحمد جيد قوى. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل رحمه الله: سألت
(١) كذاع وط، وفى ن د : رزقه، والمعنى إذا أرسل الله لك خيراً بلا طلب فاقبله محبة وفضلا.
(٢) نعمة وهدية وهبة ، وشىء جاءك عفوا وتفضلا وإحساناً.
ولم أر كالمعروف أما مذاقه خاو وأما طعمه جميل
(٣) كذاع ود، وفى ن ط : إشراف فقط. (٤) طلب.
(٥) تطلعها وإقبالها عليه بشره وطمع. (٦) يقبله شاكراً، ثم يتصدق به على الفقير، وفيه قبول
الهدية ، والثناء على مهديها ، والتفضل على المحتاج ، وتبادل المحبة والمنفعة .
=

٦٠٠
ما المعطى من سعة بأفضل من الآخد إذا كان محتاجا
بى ما الاستشراف؟ قال: تقول فى نفسك سيبعث إلىّ فلان سيصلنى فلان.
٨ - وَرُوِنَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
مَا الْمُعْطِى مِنْ سَعَةٍ بِأَفْضَلَ مِنَ الْآخِذِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا(١). رواه الطبرانى فى الكبير.
٩ - وَرُوِىَ عَنْ أَنَسِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلم:ْ مَا الَّذِى
يُعْطِى بِسَعَةٍ بِأَعْظَمَ أَجْرًا مِنَ الّذِي يَقْبَلُ إِذَا كَانَ يُحْتَجًا. رواه الطبرانى فى الأوسط ،
وابن حبان فى الضعفاء .
(١) أى ليس المتصدق من مال وفير وخيرات كثيرة، أفضل عند الله من الفقير الذى يقبل الصدقة لله
معتمداً على مولاء حامداً وشاكراً نته . الله ربهما، وأراد للأول الغنى ليختبره، وأراد للثانى الفقر ليختبره.
سبحانه فعله لحكمة . قال تعالى: ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه.
بعباده خبير بصير ٢٨ وهو الذى ينزل الغيث من بعد ماقطوا وينشر رحمته وهو الولى الحميد) ٢٩ من
سورة الشورى .
( البغوا) لتكبروا، وأفدوا فيها بطراً أو ابغى بعضهم على بعض استيلاء واستعلاء (بقدر) يتقدير
كما اقتضت حكمته ومشيئته. سبحانه يعلم خفايا عباده وأمرهم، وجلايا حلهم فيقدرهم ما يناسب شأنهم. روى أن.
أهل الصفة تمنوا الغنى قزلت، وقيل فى العرب: كانوا إذا أخصبوا تحاربوا، وإذا أجدبوا انتحبوا.
فقه الباب
بشاشة الفقراء للعطاء ، وقبول الهدية بين المتحابين .
بين صلى الله عليه وسلم للمسلمين الحرس على الكسب الحلال، والتطلع إلى خيرات الله، وترك السؤال ،".
والاعتماد على اللّه، ولكن إذا ساق الله خيراً لأحد فليتقبله، وله الخيار أن يأكله ، أو ينتفع به، أويتصدق
به ، وكان هذا دأب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يسألون ولا يردون. وحذر صلى الله عليه وسلم
من الطمع والإلحاح فى المسألة، ثم دعا إلى بذل المعروف وفعل البر والميل إلى تشييد الصالحات .
قال الحسن بن على رضى الله عنه يحث الناس على مكارم الأخلاق: نفسوا فى المكارم وسارعوا فى المغارم
ولا تحتسبوا بمعروف لم تعجلوه ولا تكسبوا بالطل ذماً، واعلموا أن حوائج الناس من نعم الله عليك فلا تملوا
النعم فتحول نقا، وإن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه وإن أعفى الناس من عفا عن قدرة ومن أحسن
أحسن الله إليه، والله يحب المحسنين اهـ.
لم تعجاؤه : أى لا تعبدوا بمعروف لم تبادروا إلى عمله، ولا تماطلوا فتذموا، فترى ابن بنت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يحث على المسابقة فى كسب الطيبات والمسارعة إلى عمل المحامد، وجلب المغانم، ويبين أن نعم
اللّه وديعة وزكاتها بذلها للمحتاجين خشية أن تحول نقا، والعياذ بالله.
عسى سائل ذو حاجة إن منعته
من السؤل يوماً أن يكون له غد
لا تهين الفقير علك أن تر: كع يوماً والدهر قد رفعه
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى فى العطاء والسخاء
قد رأيت أن سيدنا وقرة عيوننا، ووسيلتنا إلى ربنا عليه الصلاة والسلام والقدوة الحسنة، بعث هدية
إلى حبيبه عمر رضى الله عنه هدية معطاة ورزقاً ميسراً هنيئاً مريئاً وتودداً ومحبة وعطفاً ورأفة، على اذه
يتودد المسلمون ويتزاوروا ويتهادوا، ولعبد اله باشا فكرى:
غايات من رام فى أمر يدانبها
ذو مهمة دون أدنى شأوما قصرت