Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
كتاب القضاء
سنة رسول الله فإن شئت فقدم وإن شئت فأخر، ولا أرى لنا خيرًا إلا
خيرًا لك والسلام عليك)) فقد أتضح بحمد الله ومنه ضعف هذا الحديث
وصح دعوانا الإجماع في ذلك، والحمد لله على ذلك وأمثاله. ولم يصب
بعض العصريين فيما وضعه على أدلة التنبيه حيث قال: عقب قول
الترمذي ((إنه ليس بمتصل)): بل هو حديث مشهور أعتمد عليه أئمة
الإسلام في إثبات القياس. وكأنه جنح إلى قول إمام الحرمين في
((البرهان)) أن الشافعي أحتج أبتداء على إثبات القياس به، ثم وهم الإمام
فقال: والحديث مدون في الصحاح متفق على صحته لا يتطرق إليه
تأويل. هذا كلامه وهو من الأعاجيب.
فائدة: مما يدل على إباحة المقايسات في الدين كما نبه عليه
ابن حبان في ((صحيحه))(١) الحديث الصحيح عن أبي موسى ﴾ أن
رسول الله ◌َ﴾ قال: ((مثل الجليس الصالح ومثل جليس السوء كحامل
المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن تبتاع منه، وإما أن تجد
[منه](٢) ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه
ریحًا خبيثة)».
الحدیث السادس
أنه وَّه قال: ((إن الله لا يقدس أمة ليس فيهم من يأخذ للضعيف
حقە)»(٣).
هذا الحديث له طرق يحضرنا منها عشرة:
(١) ((صحيح ابن حبان)) (٣٢٠/٢-٣٢١ رقم ٥٦١) قلت: وهو في الصحيحين أيضًا.
(٣) ((الشرح الكبير)) (٤١٠/١٢).
(٢) من ((صحيح ابن حبان)).

٥٤٢
البدر المنير
هذا الحديث له طرق يحضرنا منها عشرة:
أحدها :
عن جابر قال: قال رسول الله وَ له: ((كيف تقدس أمة لا يؤخذ
لضعیفهم من شدیدهم)).
رواه أبو حاتم بن حبان في ((صحيحه)) (١) هكذا في روايته وهو
[عند](٢) ابن ماجه في ((سننه))(٣) في أثناء الفتن بلفظ: ((كيف يقدس الله
أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم)) وذكر فيه قصة، وجميع رجاله احتج
بهم مسلم في ((صحيحه)) ورواه ابن خزيمة في ((فوائده)) التي خرجها لنفسه
بلفظ: ((كيف يقدس الله قومًا لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم)».
الطريق الثاني :
عن عثمان بن جبلة [أخبرني أبي، ثنا شعبة](٤) قال: حدثنا سماك
ابن حرب قال: كنا مع مدرك بن المهلب بسجستان في سرادق فسمعت
شيخًا يحدث، عن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، عن النبي
وَ الر قال: ((إن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف من القوي حقه وهو غير
متعتع)). رواه البيهقي(6) في هذا الباب والحاكم أبو أحمد في ((الكنى))
وتلميذه الحاكم أبو عبد الله في ((مستدركه))(٦) في ترجمة أبي سفيان قال:
والشیخ الذي لم یسمه عثمان بن جبلة قد سماه غندر، غير أنه لم یذکر أبا
سفيان في الإسناد. أخبرنا(٧) محمد بن صالح بن هانئ، ثنا إبراهيم
(١) ((صحيح ابن حبان)) (١١/ ٤٤٥ رقم ٥٠٥٩).
(٢) سقط من ((أ)) وأثبتها لتمام السياق.
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (١٣٢٩/٢ رقم ٤٠١٠).
(٤) من ((السنن الكبرى)).
(٦) ((المستدرك)) (٢٥٦/٣).
(٥) («السنن الكبرى)) (٩٣/١٠-٩٤).
(٧) ((المستدرك)) (٢٥٦/٣-٢٥٧).

٥٤٣
كتاب القضاء
ابن أبي طالب، ثنا أبو موسى وبندار قالا: ثنا محمد بن جعفر، ثنا
شعبة، عن سماك بن حرب، عن عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث
ابن عبد المطلب قال: ((كان لرجل على النبي وَ﴿ تمر فأتاه يتقاضاه،
فاستقرض النبي ◌َّي من خولة بنت حكيم تمرًا وأعطاه إياه. وقال: أما إنه
قد كان عندي تمر ولكنه [قد] (١) كان عثريًّا. ثم قال: كذلك يفعل عباد الله
المؤمنين، إن الله لا يترحم على أمة لا يأخذ الضعيف فيهم حقه غير
متعتع)). قال البيهقي: (٢) هذا مرسل وهو الصحيح. وقال الحاكم: ولم
يسند أبو سفيان عن النبي ◌ُّ غيره.
الطريق الثالث :
عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه: ((لما قدم جعفر من
الحبشة قال له رسول الله وَله: ما أعجب شيء رأيته؟ قال: رأيت أمرأة
على رأسها مكتل من طعام، فمر فارس يركض فأذراه، فجعلت تجمع
طعامها وقالت: ويل لك يوم يضع الملك كرسيه ليأخذ للمظلوم من
الظالم. فقال النبي وَ﴿ تصديقًا لقولها: لا قدست أمة - أو (٣) كيف قدست
- لا يؤخذ لضعيفها من شديدها وهو غير منقطع(٤)) رواه البيهقي(٥).
الطريق الرابع:
عن أبي سعيد الخدري قال: ((جاء أعرابي إلى النبي ◌َّ يتقاضاه
دينًا كان عليه، فاشتد عليه حتى قال له: أحرِّج عليك إلا قضيتني. فانتهره
(١) من ((المستدرك)).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٩٤/١٠).
(٣) في ((أ)): أولاً. والمثبت من البيهقي وهو الموافق للسياق.
(٤) كذا في ((أ)) وعند البيهقي: متعتع. وهو اللفظ الوارد في الروايات كلها ومعنى متعتع:
أي من غير أن يصبه أذى يقلقه ويزعجه. وانظر ((النهاية)) (١/ ١٩٠).
(٥) («السنن الكبرى)) (٩٤/١٠).

٥٤٤
البدر المنير
أصحابه وقالوا له: ويحك تدري من تكلم! فقال: إني أطلب حقي. فقال
النبي: ◌َلّ هلّ مع صاحب الحق كنتم. ثم أرسل إلى خولة بنت قيس
فقال لها: إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضيك. فقالت:
نعم بأبي أنت يا رسول الله. قال: فأقرضته، فقضى الأعرابي وأطعمه،
فقال: أوفيت أوفى الله لك. فقال: أولئك خيار الناس، إنه لا قدست أمة
لا يأخذ الضعيف (منها)(١) حقه غير متعتع)). رواه ابن ماجه (٢) من حديث
ابن أبي عبيدة أظنه قال: حدثني أبي، عن الأعمش، عن أبي صالح به.
وابن أبي عبيدة هذا هو موسى بن عبيدة بن نشيط أبو عبد العزيز الربذي
المدني أخو محمد(٣) وهاه أحمد حتى إنه قال: لا تحل عندي الرواية
عنه. وقال مرة: لا يشتغل به. وقال ابن معين: لا يحتج به. وقال
ابن المديني وغيره: ضعيف. وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال
ابن عدي: الضعف على روايته بين. ووقع له فائدة حديثية مستطرفة عند
أهل هذا الفن لا بأس أن نذكرها، وهي أن موسى هذا روى عن أخيه
محمد وهو أكبر منه بثمانين سنة، قاله الحازمي.
(١) في ((سنن ابن ماجه)): فيها.
(٢) (سنن ابن ماجه)) (٨١٠/٢ رقم ٢٤٢٦).
(٣) وهم المصنف- رحمه الله- في هذه الترجمة وموسى بن عبيدة لم يرو عن أبيه ولا
روى عنه أبو شيبة كما في إسناد ابن ماجه، وهو من أفراده على الكتب الستة ومما
يؤكد ذلك أن المزي في ((تحفة الأشراف)) (٣/ ٣٥٠) سماه فقال: عن محمد بن أبي
عبيدة. ومحمد هذا ترجم له المزي في التهذيب (٢٦/ ٧٥-٧٧) ولم يذكر له رواية
إلا عن أبيه، وروى عنه جماعة منهم أبو شيبة كما في إسنادنا. ونقل توثيق ابن معين
له في رواية، وترجمه ابن عدى في ((الكامل)) وقال: ولابن أبي عبيدة، عن الأعمش
غرائب وإفرادات، وهو عندي لا بأس به. وانظر الجرح والتعديل (١٧/٨)،
((والتاريخ الكبير)) (١٧٣/١-١٧٤).
:

٥٤٥
كتاب القضاء
الخامس :
عن قابوس بن المخارق، عن أبيه قال: قال رسول الله وَتليفون: ((لا
قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها غير متعتع)). رواه ابن قانع في
((معجم الصحابة))(١) عن مطين. والطبراني في ((أكبر معاجمه))(٢) عن
محمد بن الحسين الوادعي القاضي قالا: ثنا علي بن حكيم، نا شريك،
عن سماك، عن قابوس به.
السادس :
عن يحيى بن جعدة رواه الشافعي والبيهقي، وقد تقدم بطوله في
إحياء الموات.
السابع :
عن ابن أبي مليكة قال: قال رسول الله وَله: (كيف تقدس أمة لا
يؤخذ لضعيفها من قويها)). رواه الطبراني في ((أكبر معاجمه))(٣) من حديث
موسى بن إسماعيل، نا عبد الرحمن بن [أبي بكر المليكي عن ابن أبي
مليكة ](٤) عنه به.
التاسع :
عن خولة - غير منسوبة - رضي الله عنها قالت: قال رسول الله
وَله: ((ما يقدس الله لأمة لا يؤخذ لضعيفها [الحق] (6) من قويها غير
(٢) ((المعجم الكبير» (٢٠/ ٣١٣ رقم ٧٤٥).
(١) ((معجم الصحابة)) (١٣٣/٣).
(٣) ((المعجم الكبير)) (١١٨/١١ رقم ١١٢٣٠).
(٤) في ((أ)): يزيد بن جابر، عن يونس بن ميسرة بن حلبس. وهو تحريف، والمثبت من
الطبراني، ويبدو أنه وقع سقط في هذا الموضع فتحرف الإسناد هكذا، ويؤكد ذلك
أنه لم يذكر الطريق الثامن بل انتقل إلى التاسع مباشرة.
(٥) من ((المعجم الكبير)

٥٤٦
البدر المنير
متعتع. قال: من أنصرف عن غريمه وهو راضٍ عنه صَلَّتْ عليه دواب
الأرض ونون [الماء] (١) ومن أنصرف عنه غريمه وهو ساخط كتب عليه
في كل يوم وليلة وجمعة وشهر ظلم)). روى الحافظان الطبراني في
(معجمه الكبير)) (٢) وأبو نعيم الأصبهاني في كتابه ((معرفة الصحابة))(٣) في
إسناده بقية وعنعنه. هذا أحد طرقي الطبراني أخرجه(٤) من حديث حبان
بن علي، عن سعد بن طريف، عن موسى بن طلحة، عن خولة وقال:
إنها امرأة حمزة بقصة، ولفظه: ((لا قدس الله أمة لا يأخذ ضعيفها حقه
من قويها وهو غير مضطهد))(٥) وذكر فيه قصة. أخرجه أيضًا من حديث
الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن سلمة
ابن خالد، عنه به.
الحديث السابع
أنه وَّ قال: ((من جعل قاضيًا بين الناس فقد ذبح بغير سكين)) (٦).
هذا الحديث حسن رواه أبو داود(٧) والترمذي(٨) والنسائى(٩)
(٢) ((المعجم الكبير)) (٢٤/ ٢٣٣ رقم ٥٩١)
(١) من ((المعجم الكبير))
(٣) ((معرفة الصحابة)) (٣٣١٦/٦ رقم ٧٦١١).
(٤) ((المعجم الكبير)) (٢٣٣/٢٤ - ٢٣٤ رقم ٥٩٢).
(٥) كذا لفظه في ((أ)) وعند الطبراني: وهو لا يتعتعه.
(٦) ((الشرح الكبير» (٤١٠/١٢).
(٧) ((سنن أبي داود)) (٤/ ٢٠٧ رقم ٣٥٦٧).
(٨) ((جامع الترمذي)) (٦١٤/٣ رقم ١٣٢٥).
(٩) ((سنن النسائي الكبرى)) (٤٦٢/٣ رقم ٥٩٢٤، ٥٩٢٥) وقال النسائي عقبه: عثمان
محمد الأخنسي ليس بذاك القوي، وإنما ذكرناه لئلا يخرج عثمان من الوسط ،
ولیس ابن أبي ذئب عن سعید.
١

٥٤٧
كتاب القضاء
وابن ماجه(١) في ((سنتهم)) والحاكم أبو عبد الله في ((المستدرك على
الصحيحين))(٢) والبيهقي في ((سننه))(٣) وأبو داود(٤) والترمذي(٥)
والبيهقي(٦) من رواية عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن سعيد
المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((من ولي للقضاء فقد ذبح بغير
سكين)). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وأخرجه
أحمد (٧) من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن المقبري. وأخرجه
أبو داود(٨) والنسائي(٩) من رواية داود بن خالد الليثي، عن سعيد
المقبري، عن أبي هريرة باللفظ الأول، وذلك ثابت في رواية الأسيوطي
للنسائي، ولم يذكره ابن عساكر في ((الأطراف)) واستدركه المزي عليه.
ورواه أبو داود(١٠) والنسائي(١١) في بعض طرقهما عن الأخنسي [عن
الأعرج و](١٢) سعيد عن أبي هريرة.
(١) ((سنن ابن ماجه)) (٧٧٤/٢ رقم ٢٣٠٨).
(٢) ((المستدرك)) (٤/ ٩١).
(٣) ((السنن الكبرى)) (٩٦/١٠) كلهم- سوى الترمذي- عن عثمان بن محمد الأخنسي،
عن سعيد المقبرى، عنه به. والسياق غير مترابط، فلم يفصل بين الطريقين السابق
واللاحق فتنبه.
(٤) ((سنن أبي داود)) (٤/ ٢٠٧ رقم ٣٥٦٦).
(٥) ((جامع الترمذي)) (٦١٤/٣ رقم ١٣٢٥).
(٦) ((السنن الكبرى)) (٩٦/١٠).
(٧) («المسند» (٢٣٠/٢).
(٨) لم يخرجه أبو داود من هذا الوجه وراجع ((تحفة الأشراف)» (٤٧١/٩-٤٧٢) والذي
يظهر لي أن ذكره خطأ من الناسخ فقد عزاه بعد قليل إلى النسائي فقط.
(٩) ((سنن النسائي الكبرى)) (٤٦٢/٣ رقم ٥٩٢٣).
(١٠) ((سنن أبي داود)) (٢٠٧/٤ رقم ٣٥٦٧).
(١١) ((سنن النسائي الكبرى)) (٤٦٢/٣ رقم ٥٩٢٦).
(١٢) في ((أ)): والأعرج عن. وهو تحريف والمثبت من أبي داود والنسائي وهو الصواب.

٥٤٨
البدر المنير
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.
وقال الشيخ تقي الدين في ((الإلمام))(١): عثمان الأخنسي وثقه
يحيى بن معين ومشاه النسائي. وأما ابن الجوزي فإنه ذكره في ((علله
المتناهية))(٢) من طريقين ثم قال: هذا حديث لا يصح؛ أما الأول ففي
إسناده داود بن خالد الليثي، قال يحيى بن معين: لا أعرفه.
قلت: ففي إسناده داود وهذه الطريقة قد تقدمت عن ((سنن
النسائي)). وذكره ابن عدي(٣) وقال: أرجو أنه لا بأس به.
قال ابن الجوزي : وأما الثاني فلا يرويه عن سفيان الثوري غير بكر
ابن بکار، قال يحيى: ليس بشيء.
قلت: وثقه أبو عاصم النبيل وكذا ابن حبان(٤) وقال: ربما يخطئ.
واقتصار ابن الجوزي على هذين الطريقين ليس بجيد، وكذا قوله فيه
أولًا. وسئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال في ((علله))(٥) إنه يروئ عن
أبي هريرة على وجوه فقيل: عن (سعيد)(٦) المقبري عن أبي هريرة.
وقيل: سعيد عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة. (٧) وقيل: عن سعيد أو
أبي سعيد عن أبي هريرة. وقيل: عن أبي سعيد - بغير شك - عن أبي
هريرة. وقيل: عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وهو وهم، إنما هو
سعيد المقبري فقيل: عن سعيد بن المسيب مرسلًا. وهم في قوله:
(١) ((الإلمام)) (٥١٢ رقم ١٣٩١) وفيه: ومسه النسائي.
(٣) ((الكامل)» (٥٦٤/٣).
(٢) ((العلل المتناهية)) (٧٥٦/٢-٧٥٧).
(٥) ((العلل)) (٣٩٧/١٠ - ٤٠٢).
(٤) ((الثقات)) لابن حبان (١٤٦/٨).
(٦) في ((أ)): أبي سعيد. والمثبت من ((العلل)).
(٧) كذا في ((أ)) وهو غير صحيح، وأشار محقق ((العلل)) الشيخ محفوظ الرحمن- رحمه
الله - إلى أنه ورد كذلك في ((الأصل)) وقال في الحاشية: وهو خطأ بين.

٥٤٩
كتاب القضاء
ابن المسيب. وقيل: عن سعيد المقبري، عن الأعرج، عن أبي هريرة
قال: والمحفوظ: عن المقبري عن أبي هريرة(١).
فائدة: قال ابن الصلاح: معنى الحديث - والله أعلم - فقد ذبح
من حيث المعنى لا من حيث الصورة، وذلك لأنه بين عذاب الدنيا إن
رشد وعذاب الآخرة إن فسد. وقال ابن الأثير (٢) والشيخ زكي الدين
وقبلهما الخطابي(٣): قوله عليه الصلاة والسلام ((بغير سكين)) يحتمل
وجهين: أحدهما: أن الذبح في ظاهر العرف وغالب العادة إنما هو
بالسكين، فعدل هو عن ذلك ليعلم أن المراد ما يخاف عليه من هلاك
دينه دون هلاك بدنه. والثاني: الذبح الوجأ الذي تقع به إراحة الذبيحة
وخلاصها من الألم إنما يكون بالسكين، وإذا ذبح بغير سكين كان ذبحه
خنقًا وتعذيبًا، فضرب به المثل ليكون في الحذر أبلغ منه. وقال الشيخ
نجم الدين بن الرفعة في ((الكفاية)): الذبح في الحديث قيل: إنه تعرض
للذبح فإنه يريد أن يحكم على الصديق والعدو بحكم واحد فليحذر.
وقيل: صار كمذبوح وأنه يحتاج إلى إماتة شهوته وقهر نفسه بالمنع من
المخالطة. وقوله: ((بغير سكين)) كناية عن شدة الألم؛ فإنه بالسكين
موجئ مريح ويغيرها تعذيب. وقيل: إنه عدل عن السكين ليدل على أنه
مفسد للدين لا للبدن؛ فإن المفسد للبدن الذبح بالسكين، وهذا ذبح
بغيرها. أنتهى ما أورده. وقال ابن البياضي من أصحابنا في كتابه ((أدب
القضاء»: هذا الحديث ليس عندي في كراهية القضاء وذمه؛ إذ الذبح
(١) راجع أصل كلام الدار قطني في ((العلل)) فقد تصرف المصنف في لفظه واختصره بعض
الشيء.
(٢) ((جامع الأصول)) (١٦٦/١٠).
(٣) ((معالم السنن)) (٢٠٤/٥).

٥٥٠
البدر المنير
بغير سكين مجاهدة النفس بتركه والله - تعالى - يقول: (والذين جاهدوا
فينا لنهدينهم سبلنا)(١) وثم أيد ذلك بحديث أورده.
الحدیث الثامن
أنه وَّ قال: ((ليجاء بالقاضي العدل يوم القيامة، فيلقى من شدة
الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين أثنين في تمرة قط))(٢).
هذا الحديث رواه الإمام أحمد في ((المسند))(٣) والعقيلي في
((تاريخه)) (٤) والبيهقي في ((سننه))(٥) من رواية عائشة رضي الله عنها. ولما
رواه ابن الجوزي في ((علله))(٦) بإسناده قال: إنه حديث لا يصح. ثم أتبعه
بقول العقیلي: عمران بن حطان لا يتابع على حديثه.
قلت: وعمران هذا من رجال البخاري ووثقه العجلي (٧).
وقال أبو داود: ليس أهل الأهواء أصح حديثًا من الخوارج. فذكر
عمران بن حطان وغيره. وقال قتادة: كان لا يتهم في الحديث. ورواه
ابن حبان في ((صحيحه))(٨) من طريقه بلفظ: ((يدعى بالقاضي العادل يوم
القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره))
وأعله العقيلي بوجه آخر فقال: لا يتبين لي سماعه من عائشة.
قلت: في رواية الإمام أحمد أنه قال: دخلت على عائشة فذاكرتها
حتى ذكرنا القاضي فقالت عائشة: سمعت رسول الله صل له يقول: ((ليأتين
(١) العنكبوت: ٦٩.
(٣) («المسند» (٧٥/٦).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤١٠/١٢).
(٤) ((الضعفاء)) للعقيلى: (٢٩٨/٣).
(٦) ((العلل المتناهية)) (٧٥٥/٢-٧٥٦).
(٥) ((السنن الكبرى)) (٩٦/١٠).
(٧) وانظر ((تهذيب الكمال)) (٣٢٢/٢٢-٣٢٥).
(٨) ((صحيح ابن حبان)) (٤٣٩/١١ رقم ٥٠٥٥).

٥٥١
كتاب القضاء
على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقض ... )) الحديث،
رواه الخلعي.
الحديث التاسع
أنه وَ لّ قال لعبد الرحمن بن سمرة: ((لا تسأل الإمارة فإنك إن
أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت
إليها))(١).
هذا الحديث صحيح أخرجه الشيخان في (صحيحيهما))(٢) [من](٣)
طريق الحسن بن أبي الحسن عن عبد الرحمن.
الحدیث العاشر
روي أنه وَ لّ [قال](٤): ((إنا لا نكره أحدًا على القضاء))(٥).
هذا الحديث غريب لا يحضرني من خرجه بعد البحث الشديد عنه،
وأورد ابن الرفعة أيضًا بلفظ: ((إنا لا نلزم)) ولم يعزه لأحد(٦).
الحديث الحادي عشر
أنه وَ يُ قال: ((لن يفلح قوم وليتهم أمرأة))(٧).
(١) ((الشرح الكبير)) (١٢/ ٤١١).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٥٢٥/١١ رقم ٦٦٢٢) و((صحيح مسلم)): (٣/ ١٢٧٣ -١٢٧٤
رقم ١٦٥٢) تقدم.
(٣) سقطت من ((أ)) وأثبتها لتجانس السياق.
(٤) سقطت من ((أ)) ولأثبتها لتجانس سياق.
(٥) ((الشرح الكبير)) (٤١١/١٢).
(٧) ((الشرح الكبير» (٤١٥/١٢).
(٦) وانظر ((التلخيص)) ففيه زيادات

٥٥٢
البدر المنير
هذا الحديث صحيح رواه البخاري في (صحيحه)) (١) من حديث أبي
بكرة- بهاء التأنيث في آخره- قال: ((بلغ النبي ◌ّ أن أهل فارس
ملكوا عليهم بنت كسرى قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)).
الحديث الثاني عشر
أنه وَلّ قال: ((القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما
الذي في الجنة فرجل عرف الحق ففى به، واللذان في النار رجل عرف
الحق فجار في الحكم، ورجل قضى في الناس على جهل))(٢).
هذا الحديث صحيح رواه الترمذي(٣) من خلال سعد بن عبيدة
السلمي، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة مرفوعًا. وأبو داود (٤)
والنسائي(٥) وابن ماجه(٦) من حديث أبي هاشم الرماني الكبير- واسمه
يحيى. وقيل: نافع - عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة مرفوعًا. وفي
إسناد أبي داود رجل فيه لين(٧). ورواه البيهقي(٨) من هذين الطريقين،
والحاكم(٩) من حديث عبد الله بن بكير، عن حكيم بن جبير، عن عبد
الله بن بريدة، عن أبيه مرفوعًا، ثم قال: هذا حديث صحيح. قال: وله
شاهد بإسناد صحيح على شرط مسلم ... فذكره بطريق الترمذي التي
قدمناها.
(١) ((صحيح البخاري)) (٧/ ٧٣٢ رقم ٤٤٢٥).
(٢) ((الشرح الكبير» (٤١٥/١٢).
(٣) (سنن الترمذي)) (٦١٣/٣ رقم ١٣٢٢م).
(٤) ((سنن أبي داود)) (٤/ ٢٠٧-٢٠٨ رقم ٣٥٦٨).
(٥) ((سنن النسائي الكبرى)) (٤٦١/٣-٤٦٢ رقم ٥٩٢٢).
(٦) ((سنن ابن ماجه)) (٧٧٦/٢ رقم ٢٣١٥).
(٧) وهو محمد بن حسان السمتي، قال الحافظ: صدوق لين الحديث.
(٨) ((السنن الكبرى)) (١١٦/١٠-١١٧). (٩) ((المستدرك)) (٩٠/٤).

٥٥٣
كتاب القضاء
وقال الحاكم في كتابه ((علوم الحديث))(١): هذا حديث تفرد به
الخراسانيون فإن رواته عن [آخرهم] (٢) مراوزة، وسيأتي هذا الحديث
أيضًا من رواية ابن عمر في أول الآثار من هذا الباب من صحيح
ابن حبان.
الحديث الثالث عشر
أنه وَّ قال: ((من سئل فأفتى بغير علم فقد ضل وأضل))(٣).
هُذا الحديث صحيح رواه البخاري(٤) ومسلم(6) من رواية عبد الله
ابن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله وَليه
يقول: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس- وفي رواية: من
العباد- ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم [يبق](٦) عالمًا أتخذ
الناس رءوسًا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)). وفي رواية
للبخاري(٧): ((إن الله لا ينزع العلم بعد (إعطائه)(٨) ولكن ينزعه منهم مع
قبض العلماء بعلمهم فيأتي(٩) ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون
ویضلون».
وفي سنن أبي داود(١٠) وابن ماجه (١١) و((المستدرك)) (١٢) للحاكم
(١) ((معرفة علوم الحديث)) (٩٩).
(٢) ((علوم الحديث)).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٤٢٠/١٢).
(٤) ((صحيح البخاري) (١/ ٢٣٤ رقم ١٠٠).
(٥) ((صحيح مسلم)) (٢٠٥٨/٤ رقم ٢٦٧٣).
(٦) من البخاري، وعند مسلم بلفظ: يترك.
(٧) ((صحيح البخاري)) (٢٩٥/١٣ رقم ٧٣٠٧).
(٨) كذا لفظه في ((أ)) وعند البخاري: أن أعطاكموه.
(١٠) ((سنن أبي داود)) (٤/ ٢٤٣ رقم ٣٦٤٩).
(٩) عند البخاري: فيبقى.
(١١) ((سنن ابن ماجه)) (١/ ٢٠ رقم ٥٣).
(١٢) ((المستدرك)) (١٠٢/١-١٠٣، ١٢٦).

٥٥٤
البدر المنير
عن أبي هريرة أن رسول الله وَالخير قال: ((من أفتي فتيا غير ثبت فإنما
إثمه على [من](١) أفتاه)) لفظ ابن ماجه، ولفظ أبي داود: من أفتي فتيا
بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتى)).
رواه الحاكم باللفظين في كتاب العلم من ((مستدركه)) ثم قال:
حديث قد احتج الشيخان بجميع رواته عن عمرو بن أبي نعيمة، وقد وثقه
بكر بن عمرو المعافري- وهو أحد أئمة أهل مصر- والحاجة بنا على
لفظ التثبت في الفتيا شديدة. هذا لفظ الحاكم هنا [و](٢) ذكره في آخر
كتاب العلم بنحو ورقة منه باللفظ الثاني ثم قال: هذا الحديث صحيح
على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ولا أعرف له علة.
وقال ابن القطان(٣): عمرو مجهول الحال، وبكير لا تعلم عدالته،
ووصفه أحمد بأنه یروى عنه. وقال أبو حاتم: شيخ.
وفيه يحيى بن أيوب الغافقي، قال الحاكم في ((المدخل)): أخرج
حديثه جميعًا عنه. وقال النسائي فيه: ليس بالقوي. ذكره فيمن عيب على
مسلم إخراج حديثه وضعفه أحمد. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. قال
ابن القطان: لسوء حفظه.
الحديث الرابع عشر
روي أنه يقوم قال: ((من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل فعليه
لعنة الله)) (٤).
هذا الحديث غريب لا يحضرني من خرَّجه من أصحاب الكتب
(١) من ابن ماجه.
(٣) ((الوهم والإيهام)) (٦٨/٤-٦٩).
(٢) أثبته ليستقيم المعنى.
(٤) (الشرح الكبير)) (٤٣٦/١٢).

٥٥٥
كتاب القضاء
المعتمدة ولا غيرها، وذكره ابن الجوزي في ((تحقيقه)) (١) عن بعض
أصحابهم فقال: مسألة يصح التحكيم خلافًا لأحد قولي الشافعي، ثم لنا
ما روى أبو بكر بن عبد العزيز من أصحابنا من حديث عبد الله بن جراد
قال: قال رسول الله ميليقول: ((من حكم بين اثنين تحاکما إلیه وارتضيا به فلم
يقل بينهما بالحق فعليه لعنة الله)).
قلت: هذا الحديث لا يصح للاحتجاج به؛ لأنه من نسخة
ابن جراد وهي نسخة باطلة (٢) - وقد ذكر ابن الجوزي مرة أنها نسخة
موضوعة، وبالغ في الحط على الخطيب الحافظ لما احتج بحديث منها.
ولما ترجم البيهقي في ((سننه))(٣) ما جاء في التحكيم لم يذكر فيه هذا
الحديث، وإنما ذكر فيه حديثًا واحدًا وهو حديث أبي داود، عن الربيع
ابن نافع، عن يزيد بن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن جده (شريح) (٤)
عن أبيه هانئ ((أنه لما وفد إلى رسول الله وَلي أتى المدينة فسمعهم يكنونه
بأبي الحكم، فدعاه رسول الله وَله فقال: إن الله هو الحكم وإليه يرجع
الحكم فلم تكنى أبا الحكم؟ قال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني
فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين. فقال رسول الله وَله: فما أحسن
هذا! فما لك من الولد؟ قال: لي شريح ومسلم وعبد الله. قال: فمن
أكبرهم؟ قال: قلت: شريح. قال: فأنت أبو شريح)).
(١) ((التحقيق)) (٣٨٤/٢).
(٢) وقال الذهبي في ((الميزان)) (٢/ ٤٠٠): مجهول، لا يصح خبره؛ لأنه من رواية يعلى
بن الأشدق الكذاب عنه، قال أبو حاتم: لا يعرف، ولا يصح خبره.
(٣) ((السنن الكبرى)) (١٤٥/١٠).
(٤) في ((أ)): عن شريح. والتصويب من ((السنن)).

٥٥٦
البدر المنير
قال الرافعي: وروي أن عمر وأبي بن كعب تحاكما إلى زيد
ابن ثابت ﴾.
وهو كما قال؛ فقد أخرجه البيهقي في ((سننه)) (١) من حديث
إسماعيل عن عامر قال: ((كان بين عمر وأبي خصومة في حائط فقال عمر
بيني وبينك زيد بن ثابت. فانطلقا فطرق عمر الباب، فعرف زيد صوته
[ففتح الباب](٢) فقال: يا أمير المؤمنين، أولا بعثت إلي حتى آتيك. قال
في بیتہ یؤتی الحکم ... )).
قال الرافعي: ويروى أن عثمان وطلحة تحاكما إلى جبير بن مطعم
وهو كما قال. وقد رواه البيهقي في ((سننه))(٣) أيضًا في البيوع في
باب: من قال يجوز بيع الغائب. من حديث عبيد الله بن عبد المجيد، نا
رباح بن أبي معروف، عن ابن أبي مليكة ((أن عثمان ابتاع من طلحة
ابن عبيد الله أرضًا بالمدينة ناقله بأرض له بالكوفة، فلما تباينا ندم عثمان
ثم قال: بعتك ما لم أره. فقال طلحة: إنما النظر لي، إنما ابتعت مغيبًا،
وأما أنت فقد رأيت ما ابتعت. فجعلا بينهما حكمًا جبير [بن](٤) مطعم
فقضى على عثمان أن البيع جائز، وأن النظر لطلحة أن ابتاع مغيبًا)). ولما
ذكر البيهقي في ((المعرفة))(٥) حديث: ((من أشترى ما لم يره فهو بالخيار
إذا رآه)). وضعفه قال: لا أصل في هذا. ثم ساق الأثر المذكور.
فائدة: معنى ناقله: بادله. ومُغَيبًا: بضم الميم وفتح الغين
(١) ((السنن الكبرى)) (١٤٥/١٠).
(٣) ((السنن الكبرى)) (٢٦٨/٥).
(٥) ((المعرفة)) (٢٧٢/٤-٢٧٣).
(٢) من («السنن)).
(٤) من ((السنن)).

٥٥٧
كتاب القضاء
المعجمة، وفتح المثناة تحت المتعددة. وذكر الرافعي في الباب حديث
معاذ السالف حيث قال في إثباته: إنه التَّيْه اختبر معاذًا ﴾. وقد سلف
بيانه واضحًا، هذا آخر أحاديث الباب.
وأما آثاره فثمانية :
أحدها: ((أن عبد الله بن عمر أمتنع من القضاء لما استقضاه عثمان
١).
وهذا الأثر رواه الترمذي في ((جامعه))(٢) من حديث عبد الملك -
وهو ابن جميلة - عن عبد الله بن موهب القاضي ((أن عثمان قال
لابن عمر: أذهب فاقض [بين الناس. قال: أو تعافيني يا أمير المؤمنين؟
قال: فما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي؟ قال: إني سمعت رسول
الله (َّه يقول: من كان قاضيًا فقضى](٣) بالعدل فبالحري أن ينقلب منه
كفافًا. فما أرجو بعد ذلك؟!)).
قال الترمذي: هذا حديث غريب ليس إسناده عندي بمتصل. وقال
ابن أبي حاتم في ((علله))(٤): سألت أبي عنه فقال: عبد الملك بن أبي
جميلة و[عبد الله](6) بن موهب عن عثمان مرسل.
قلت: أما جهالة عبد الملك فهي كما قال، لكن ابن حبان ذكره في
(ثقاته)(٦)(٧). وروى عن عبد الله بن موهب وغيره، وعنه معتمر بن أبي
سليمان. وأما الإرسال بين عبد الله بن موهب فلا شك فيه، وقد قال
(١) ((الشرح الكبير)) (١٢/ ٤١٣).
(٣) من ((جامع الترمذي)).
(٢) ((جامع الترمذي)) (٦١٢/٣ رقم ١٣٢٢).
(٤) ((العلل)) (٤٦٨/١ رقم ١٤٠٦).
(٥) في ((أ)): عبد. والمثبت من ((العلل)). (٦) ((الثقات)) (١٠٣/٧).
(٧) فكان ماذا؟ فما أكثر المجهولين في كتابه هذا.

٥٥٨
البدر المنير
البخاري أيضًا: إنه مرسل. وأما ابن حبان فخالف وأخرج الحديث في
(صحيحه)) (١) فقال: أنا الحسن بن سفيان، نا أمية بن بسطام، ثنا معتمر
ابن سليمان، سمعت عبد الملك بن أبي جميلة يحدث، عن عبد الله
ابن وهب ((أن عثمان قال لابن عمر: أذهب وكن قاضيًا. قال: أو تعفيني
يا أمير المؤمنين؟ قال: عزمت عليك إلا ذهبت فقضيت. قال: لا تعجل،
سمعت رسول الله وَل* يقول: من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ؟ قال: نعم.
قال: فإني أعوذ بالله أن أكون قاضيًا. قال: وما يمنعك وقد كان أبوك
يقضي؟ قال: لأني سمعت رسول الله وَ له يقول: [من كان قاضيًا فقضى
بالجهل كان من أهل النار] (٢) ومن كان قاضيًا فقضى بالجور كان من
أهل النار، ومن كان قاضيًا عالمًا يقضي بحق أو بعدل سأل التفلت كفافًا.
فما أرجو منه بعد ذا؟!)) ثم قال ابن حبان: ابن وهب هذا هو عبد الله
ابن وهب بن ربيعة ابن الأسود القرشي من أهل [المدينة](٣) روى عنه
الزهري. هذا كلامه وعليه بعد تسليم ثقة عبد الملك اعتراضان:
أحدهما: إرساله، كما شهد بذلك الترمذي والبخاري وأبو حاتم.
ثانيهما: يخالف الترمذي في إبدال عبد الله بن [موهب] (٤) بعبد الله
بن وهب، ويمكن أن يكون رواه أيضًا؛ فإنه روى عن جماعة من
الصحابة(٥). ولهذا الحديث طريق آخر قال أحمد في ((مسنده)): (٦) نا
[عفان](٧) نا حماد بن سلمة، أنا أبو سنان، عن يزيد بن [موهب](٨) أن
(١) (صحيح ابن حبان)) (١١ / ٤٤٠ رقم ٥٠٥٦).
(٣) من ((صحيح ابن حبان)).
(٢) من «صحيح ابن حبان)).
(٤) و(٨) في ((أ)): موهوب. تحريف، والمثبت من مصادر التخريج.
(٥) وانظر ترجمته من ((تهذيب الكمال)) (٢٧٣/١٦ -٢٧٦).
(٦) («المسند» (٦٦/١).
(٧) في ((أ)): عثمان. والتصويب من ((المسند)).

٥٥٩
كتاب القضاء
عثمان قال لابن عمر: ((اقض بين الناس. فقال: لا أقضي بين اثنين ولا
[أؤم](١) رجلين، أما سمعت النبي ◌َّ- يقول: من عاذ بالله فقد عاذ
بمعاذ؟ قال عثمان: بلى. قال: فإني أعوذ بالله أن تستعملني. فأعفاه،
وقال: لا تخبر بهذا أحدًا)).
قال الرافعي(٢): وهرب أبو قلابة من القضاء.
هو كما قال، قال أبو بكر بن أبي خيثمة: نا مسدد نا ابن علية، عن
أيوب: ((لما توفي عبد الرحمن بن أذينة ذكر أبو قلابة للقضاء، فهرب
حتى أتى الشام فوافق ذلك عزل قاضيها، فذكر هناك للقضاء، فهرب
فلقيه بعد ذلك فقال: ما وجدت القاضي العالم إلا مثل سابح وقع في
البحر كم عسى أن يسبح حتى يغرق)).
قال الرافعي (٣): وهرب الثوري وأبو حنيفة منه، وروي أن الشافعي
أوصى المزني في مرض موته بأن لا يتولى القضاء، وفرض عليه كتاب
الرشيد بالقضاء، فلم يجبه البتة، وانتهى أمتناع أبي علي بن خيران - من
أصحابنا- لما استقضاه الوزير ابن الفرات حتى ختمت دوره بالطين
أيامًا. وهو كما ذكر فلا نطول به.
الأثر الثاني: قال الرافعي(٤): ذكر أن القاضي العادل إذا استقضاه
أمير باغ أجابه إليه، فقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن ذلك لمن
استقضاه زياد فقالت: ((إن لم يقض لكم خياركم قضى لكم شراركم)).
وهذا الأثر لا يحضرني من خرجه بعد البحث عنه(٥).
(١) في ((أ)): [أم] والتصويب من ((المسند)).
(٢) ((الشرح الكبير» (٤١٣/١٢).
(٣) ((الشرح الكبير)) (١٢/ ٤١٣).
(٤) ((الشرح الكبير)) (٤١٨/١٢-٤١٩). (٥) أنظر ((التلخيص)) فقد خرجه هناك.

٥٦٠
البدر المنير
الأثر الثالث: أن الصحابة ﴾ أحالوا في الفتاوى بعضهم على بعض
مع مشاهدتهم التنزيل(١).
وهذا مشهور عنهم في عدة وقائع قد يطول بها.
الأثر الرابع: عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أنه سئل عمن [قتل،
إله](٢) توبة ؟ [فقال مرة: لا. وقال مرة: نعم.](٣) فقيل له في ذلك،
فقال: رأيت في عيني الأول أنه يقصد القتل فقمعته، وكان الثاني صاحب
واقعة يطلب المخرج))(٤).
وهذا الأثر مشهور عنه وتكرر ذكره في تصانيف آداب المفتي
والمستفتي.
الأثر الخامس والسادس والسابع والثامن في التحكيم وقد أسلفناه
قريبًا فراجعها منه.
(١) ((الشرح الكبير)) (٤١٩/١٢-٤٢٠). (٢) من ((التلخيص)).
(٣) و(٤) ((الشرح الكبير)) (١٢/ ٤٢٣).