Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كتاب الوقف
وأنبأني من قرأ هذا الكتاب أن فيه: ((غير متأثل مالًا)).
هذا كله سياق مسلم، وفي رواية له(١): ((أصبت أرضًا لم أصب
مالًا أحب إلي ولا أنفس عندي منها)) وللبخاري (٢): ((فتصدق به عمر،
أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب ولا يورث، في الفقراء والقربى ... )» إلى
آخره. وفي رواية له(٣): ((فقال النبي ◌َّه: تصدق بأصله، لا يباع ولا
يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره. فتصدق به عمر ... )) الحديث، وفي
هذه الرواية: ((أن المال يقال له: ثمغ، وكان نخلًا)). وللنسائي(٤):
(حبس أصلها، وسبل ثمرتها)) وله(٥): ((كان لي مائة رأس، فاشتريت بها
مائة سهم بخيبر من أهلها، وإني قد أردت أن أتقرب بها الله- مك ... ))
وذكر الحديث.
وذكر الرافعي بعد هذا: أن هذه المائة سهم كانت مشاعة. ولم أر
في الحديث تعرُّضًا لذلك، والبيهقي ترجم عليه باب وقف المشاع.
الحدیث الثانى
عن رسول الله وَلو قال: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة:
صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له))(٦).
(١) (صحيح مسلم)) (١٢٥٦/٣ رقم ١٦٣٣).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٤٦٨/٥ رقم ٢٧٧٢).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٥/ ٤٦٠ رقم ٢٧٦٤).
(٤) (سنن النسائئ)) (٦/ ٥٤٢، ٥٤٣ رقم ٣٦٠٥، ٣٦٠٧) وفيه ((احبس)) بدل ((حبس)).
(٥) ((سنن النسائي)) (٦/ ٥٤٢-٥٤٣ رقم ٣٦٠٦).
(٦) ((الشرح الكبير» (٦/ ٢٥٠).

١٠٢
البدر المنير
هذا الحديث صحيح، أخرجه مسلم(١) من حديث أبي هريرة ﴾ أن
رسول الله وَي قال: ((إذا مات (الإنسان)(٢) أنقطع عنه عمله إلا من
ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))
وللنسائي(٣) وابن ماجه(٤) وابن حبان في ((صحيحه) (٥) من حديث زيد
ابن أسلم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله وَله :
((خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة
تجري يبلغه أجرها، وعمل يعمل به من بعده)) ولابن ماجه(٦) من حديث
أبي هريرة أيضًا - بإسناد حسن أكثر رجاله رجال الصحيح - قال: قال
رسول الله وَالله: ((إن مما يلحق المؤمن من عمله (وحسناته)(٧) بعد موته،
علمًا ينشره [وولدًا صالحًا](٨) يتركه، ومصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو
بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقةً أخرجها (من)(٩) ماله في
صحته و حياته تلحقه بعد موته)).
ورواه البزار بلفظ: ((سبعة يجري على العبد أجرهن بعد موته في
بره: من علمَّ علمًا، أو أکرى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلًا، أو بنى
مسجدًا، أو ورث مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر له)).
(١) ((صحيح مسلم)) (٣/ ١٢٥٥ رقم ١٦٣١).
(٢) في ((أ)): النساء. وهو خطأ، والمثبت من ((م، ل))، ((صحيح مسلم)).
(٣) (سنن النسائي)) (٦/ ٥٦١- ٥٦٢ رقم ٣٦٥٣) من حديث أبي هريرة.
(٤) ((سنن ابن ماجه)) (٨٨/١ رقم ٢٤١).
(٥) ((صحيح ابن حبان)) (٢٦٦/٩ رقم ٤٩٠٢).
(٦) ((سنن ابن ماجه)) (٨٨/١-٨٩ رقم ٢٤٢).
(٧) في ((أ، ل)): شيئًا. والمثبت من ((م))، ((سنن ابن ماجه)).
(٨) في ((أ، ل، م): وولد صالح. والمثبت من ((سنن ابن ماجه)).
(٩) في ((أ، ل)): في. والمثبت من ((م))، ((سنن ابن ماجه)).

١٠٣
كتاب الوقف
معنى ((أكرى نهرًا)): حفره، وذكره في (الصحَّاح))(١) بحذف
الألف، وقال ابن دريد في فعلت وأفعلت: إنه بإثباتها: الإجارة،
وبحذفها : الحفر.
الحديث الثالث
أنه وَّ قال: ((وأمَّا خالد فإنه قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل
الله)) (٢).
هذا الحديث (صحيح) (٣) أخرجه الشيخان في ((صحيحيهما)) (٤) من
حديث أبي هريرة قال: ((بعث رسول الله وَّير عمر على الصدقة،
فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس بن عبد المطلب. فقال
رسول الله وَله: ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله، وأما خالد
فإنكم تظلمون خالدًا؛ فإنه قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما
العباس فهي عليَّ ومثلها معها. ثم قال: يا عمر (أما)(٥) شعرت أن عم
الرجل صنو أبيه؟!)).
ورواية البخاري: ((أمر رسولُ الله وَل (بصدقة)(٦) فقيل: منع
ابن جميل ... )) وذكر الحديث وقال: ((أدراعه وأعتده في سبيل الله)) وفيه
(١) ((الصحاح)) (١٩٦٦/٥).
(٣) من ((م)).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٢٥١/٦).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٣٨٨/٣ رقم ١٤٦٨)، ((صحيح مسلم)) (٦٧٦/٢ -٦٧٧ رقم
٩٨٣).
(٥) في ((أ، ل)): ما. والمثبت من ((م))، ((صحيح مسلم)).
(٦) في ((صحيح البخاري)) بالصدقة.

١٠٤
البدر المنير
(((وأما العباس بن)(١) عبد المطلب عَمُّ رسول الله بَّ فهي (عليه)(٢)
صدقة ومثلها معها)).
فائدة: أعتده: رُوي بالباء الموحدة وبالمثناة فوق، كما أوضحته في
((شرح العمدة)) بزيادة فوائد
الحديث الرابع
عن عثمان : «أنه وقّف بئر رومة، وقال: دلوي فيها كدلاءِ
المسلمين))(٣).
هذا الحديث صحيح، ذكره البخاري في موضعين من ((صحيحه))
بغیر إسنادٍ :
أحدهما(٤): في باب من رأى صدقة الماء جائزة، ولفظه فيه: قال
عثمان: قال النبي ﴾﴾: ((من يشتري بئر رومة، فیکون دلوه فيها كدلاء
المسلمين؟ فاشتراها عثمان)).
ثانيهما(٥): في أثناء الوقف، ولفظه فيه: عن عبد الرحمن: ((أن
عثمان حين حوصر أشرف عليهم فقال: أنشدكم الله ولا أنشد إلا
أصحاب رسول الله وَ له (ألستم)(٦) تعلمون أن رسول الله و الله قال: من
حفر بئر رومة فله الجنة. فحفرتها)) ورواه الترمذي (٧) والنسائي(٨) عنه:
(١) في ((أ، ل)): القياس أن. وهو خطأ، والمثبت من ((م))، ((صحيح البخاري)).
(٢) في ((أ، ل)): على. والمثبت من ((م))، ((صحيح البخاري)).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٢٥٧/٦-٢٥٨). (٤) ((صحيح البخاري)) (٣٧/٥).
(٥) ((صحيح البخاري)) (٤٧٧/٥ رقم ٢٧٧٨).
(٦) من ((م))، ((صحيح البخاري)).
(٧) ((جامع الترمذي)) (٥٨٥/٥ - ٥٨٦ رقم ٣٧٠٣).
(٨) ((سنن النسائي)) (٥٤٥/٦ رقم ٣٦١٠).

١٠٥
كتاب الوقف
((أنه عليه الصلاة والسلام قَدِمَ المدينة وليس بها ماء يُستعذب غير بئر
رومة، فقال: من يشتري بئر رومة، فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين،
بخير له بها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي)) قال الترمذي: حديث
حسن.
فائدة: بئر رومة - بضم الراء الثانية - كانت ركية بالمدينة ليهودي
يقال له: رومة. قال البكري في ((أماكنه))(١) وقال صاحب ((المستعذب)):
ليهودي يبيع للمسلمين ماءها، يقال: إنه أسلم. حكاه ابن منده، قال:
وهو رُومة الغفاري، فاشتراها عثمان، وفي مقدار ما اشتراها به أربعة
أقوال:
(أحدها)(٢): أنه عشرون ألفًا؛ أسنده الطبراني في ((معجمه)) وقاله
البكري في ((أماكنه)) وأسنده أيضًا أبو نعيم، وأنه اشترى النصف الأول
باثني عشر ألف درهم، والآخر بسبعمائة.
ثانيها: أنه خمسة وثلاثون ألف درهم. قاله الحازمي في ((مؤتلفه))
قال: ((وكان يبيع منها القرية بالمد، فقال له عليه الصلاة والسلام: بعنيها
بعين في الجنة. فقال: يا رسول الله، ليس لعيالى غيرها؛ لا أستطيع
ذلك. فبلغ ذلك عثمان فاشتراها بذلك)) وأخرجه كذلك الطبراني في ((أكبر
معاجمه))(٣) سواء، ثم قال في آخره: ((ثم أتى النبيَّ وَّه فقال: يا رسول
الله، أتجعل لي مثل الذي جعلت له، عينًا في الجنة إن أشتريتُها؟
قال: نعم. قال: قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين)).
ثالثها: أنه اشترى النصف الأول بمائة بكرة، والباقي بشيء يسير.
(١) أنظر ((معجم ما استعجم)) (٢٧٣/٢). (٢) سقطت من ((أ، ل)) والمثبت من ((م)).
(٣) ((المعجم الكبير)) (٤١/٢-٤٢ رقم ١٢٢٦).

١٠٦
البدر المنير
أسنده ابن النجار في كتابه ((الدرة الثمينة في أخبار المدينة)) من
حديث الزبير بن بكار، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن طلحة، عن
إسحق بن عيسى، عن موسى بن طلحة أن رسول الله وَلي قال: ((نعم
الحفيرة حفيرة المري - يعني: رُومة- فلما سمع بذلك عثمانُ أَبتاع نصفها
بمائة بكرة، وتصدَّق بها، فجعل الناس يستقون منها، فلمّا رأى صاحبها
أن قد امتنع منه ما كان يصيب عليها، باع من عثمان النصف الباقي بشيء
یسیر، فتصدق بها كلها)).
رابعها: أنه اشتراه بأربعمائة دينار. قاله ابن سعد، حكاه صاحبُ
((التنقيب)).
الحديث الخامس
أنه وَ ◌ّ قال: ((جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا))(١).
هذا الحديث صحيح، كما سبق بيانه في التيمم، فراجعه من ثم.
الحديث السادس
((أنه وَخّ قال لعمر: حَبِّس الأصل، وسَبِّل الثمرة))(٢).
هذا الحديث سلف بيانه أوَّلَ الباب.
الحديث السابع
(أنه وَ يُ قال في الحسن بن علي: إن ابني هذا سيد))(٣).
(١) ((الشرح الكبير)) (٢٦٣/٦).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٢٧٩/٦).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٦/ ٢٦٣).

١٠٧
كتاب الوقف
هذا الحديث صحيح، رواه البخاري في ((صحيحه))(١) في أثناء
حديثٍ طويلٍ يتضمن الصلح بين (الحسن بن)(٢) عليّ ومعاوية، من
حديث أبى بكرة ه قال: ((رأيت رسول الله وَّر على المنبر، والحسن
ابن علي إلى جنبه، وهو يُقْبِلُ على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: إن
ابني هذا سيدٌ، ولعل الله أن يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)).
هذا آخر الكلام على أحاديث الباب.
وأمّا آثاره فأربعة:
(أحدها)(٣): قال الرافعي(٤): أشتهر أتفاق الصحابة على الوقف
قولًا وفعلًا. وهو كما قال، وقد علمت هنا وقف عمر، ووقف عثمان،
وستعلم وقف فاطمة، وفي ((البيهقي))(٥) عن علي: ((أنه وقف أرضًا بينبع))
قال البيهقي: وحبس ابن عمر داره، وكذا زيد بن ثابت. ثم روى عن
الصديق والزبير وسعد وعمرو بن العاص وحكيم بن حزام وأنس، أنهم
أَوْقَفُوا.
وفي ((الصحيحين))(٦) عن أبي طلحة: ((أنه أوقف بيرحاء)).
قال الشافعي في القديم: ولقد بلغني أن أكثر من ثمانين رجلًا من
أصحاب رسول الله وَل﴾ من الأنصار تصدَّقوا صدقات محرمات موقوفات.
ثانيها: قال الرافعي (٧): الأصل أن شروط الواقف مرعية، ما لم
(١) ((صحيح البخاري)) (٣٦١/٥ رقم ٢٧٠٤).
(٢) سقطت من ((أ، ل)) والمثبت من ((م)). (٣) سقطت من ((أ، ل)) والمثبت من ((م)).
(٥) ((السنن الكبرى)) (١٦١/٦).
(٤) ((الشرح الكبير)) (٦/ ٢٥٠).
(٦) ((صحيح البخاري)) (٤٥٤/٥-٤٥٥ رقم ٢٧٥٨)، ((صحيح مسلم)) (٦٩٣/٢-٦٩٤
رقم ٩٩٨).
(٧) ((الشرح الكبير)) (٢٧٦/٦).

١٠٨
البدر المنير
يكن فيها ما يُنافي الوقف ويناقضه، وعليه جرت أوقاف الصحابة
((وقف عمر وشرط: أن لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف،
وأن تليها حفصة في حياتها، فإذا ماتت فذو الرأي من أهلها)).
وهكذا رواه أبو داود في «سننه»(١) بإسنادٍ صحیح، من حديث يحيى
ابن سعيد عن صدقة مطولًا، ولفظه: ((تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه
[ذو](٢) الرأي من أهلها، أنْ لا يباع ولا يشترى، ينفقه حيث رأى
(من)(٣) السائل والمحروم وذوي القربي، ولا حرج على من وليه إن أَكَل
أو آكل، أو اشترى رقيقًا منه)).
ثالثها: (((أن)(٤) فاطمة رضي الله عنها وقفت لنساء رسول الله وَله
ولفقراء بني هاشم وبني المطلب))(٥).
وهكذا رواه الشافعي(٦) بنحوه عن عمِّه محمد بن علي بن شافع،
أبنا عبد الله بن الحسن، عن غير واحد من أهل بيته وأحسبه قال زيد
ابن علي ((أن فاطمة بنت رسول الله وَل تصدقت بمالها على بني هاشم
وبني المطلب(٧)، وأن عليًّا تصدق عليهم، وأدخل معهم غيرهم)).
رابعها: أن زيد بن أرقم قال: ((العشيرة: العترة))(٨).
هُذا، وذكر الرافعي(٩) في أثناء الباب: أن الوقف على المساكين،
(١) ((سنن أبي داود)) (٤٠٠/٣-٤٠١ رقم ٢٨٧١).
(٢) في ((أ، ل، م)): ذوو. والمثبت من ((سنن أبي داود)).
(٣) من ((م))، ((سنن أبي داود)).
(٤) سقطت من ((أ)) والمثبت من ((م، ل)).
(٦) ((الأم)) (٥٦/٤).
(٥) ((الشرح الكبير)) (٢٧٦/٦).
(٧) زاد هنا في ((أ، ل)): وهكذا رواه الشافعي بنحوه. وهو انتقال نظر من الناسخ.
(٩) ((الشرح الكبير» (٢٥٩/٦).
(٨) ((الشرح الكبير)) (٦/ ٢٨٠).

١٠٩
كتاب الوقف
و(في)(١) سبيل الله، والعلماء و[المتعلمين] (٢) والمساجد والمدارس
والقناطر صحيحٌ. قال: وعلى هذا النحو جرت أوقاف الصحابة.
(١) من ((م)، ((الشرح الكبير)).
(٢) في ((أ، ل، م)): المتكلمين. والمثبت من ((الشرح الكبير)).

كتاب الهبات

١١٣
كتاب الهبات
كتاب الهبات
ذکر فیه من الأحاديث ثلاثة عشر حديثًا
أحدها
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي وَلي قال: ((تهادوا؛ فإن الهدية
تُذهب الضغائن))(١).
هذا الحديث أورده (صاحب ((المصابيح)) وقال: إنه صح عن
عائشة ... فذكره مرفوعًا به سواء، وذكره)(٢) ابن الجوزي في ((علله))(٣)
من حديث محمد بن عبد النور الكوفي، عن أبي يوسف الأعشى، عن
هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا باللفظ المذكور، إلا أنه
قال: ((تُخرج الضغائن من القلوب)). ثم قال: إنه حديث لا يصح. وأعله
بأحمد بن الحسن المقرئ المعروف بـ ((دبيس)) الراوي عن محمد بن عبد
النور، قال الدار قطني: ليس بثقة. وقال ابن طاهر في ((تخريجه لأحاديث
الشهاب)): حديث ((تهادوا؛ فإن الهدية تُذهب بالضغائن)) رواه محمد
ابن عبد النور، عن أبي (يوسف)(٤) الأعشى، عن هشام، عن أبيه، عن
عائشة، وتفرد به محمد بن [عبد النور](٥) عن أبي يوسف يعقوب
ابن خليفة المقرئ، والحديث عند غيره عن أبي حفص الأعشى عَمرو
(١) ((الشرح الكبير)) (٣٠٦/٦).
(٢) من ((م).
(٣) ((العلل المتناهية)) (٧٥٣/٢ رقم ١٢٥٨).
(٤) في ((م): سفيان. والمثبت من ((أ، ل)).
(٥) سقطت من ((أ، ل، م)). والمثبت يقتضيه السياق.

١١٤
البدر المنير
ابن خلف، و(هوبة)(١) أليق، وابن عبد النور وَهِمَ فيه، والحديث عن
هشام لا أصل له.
قلت: وروي من طرق أخرى:
إحداها: من حديث أنسٍ - رفعه -: ((يا معشر من حضر، تهادوا؛
فإن الهدية قلت أو كَثُرت تُذهب السخيمة، وتُورث المودة)).
رواه ابن حبان في ((تاريخ الضعفاء))(٢) ثم قال: عائذ بن شريح
المذكور في إسناده، قليل الحديث، وممن يخطئ (على قلته)(٣) حتى
خرج عن حدّ الاحتجاج به إذا انفرد. وأورد له هذا الحديث في جملة ما
يُنْكر عليه، وقال ابن طاهر في ((تخريج أحاديث الشهاب)»: هذا الحديث
يُعْرف بعائذ بن شريح عن أنس، ورواه عنه جماعة من الثقات والضعفاء.
ثم نقل كلام ابن حبان في ((عائذ)) قال: ورواه كوثر بن حكيم عن
مكحول أن النبي ◌َّ مرسل.
الطريق الثانى: طريق مكحول هذه، وقد ظهر لك، (وهنها)(٤).
الطريق الثالث: طريق ابن عمر رفعه: ((تهادوا؛ فإن الهدية تُذهب
الغِلَّ)). رواه ابن حبان في ((تاريخ الضعفاء))(6) في ترجمة محمد بن أبي
الزُّعيزعة الأذرعي، عن نافع، عن ابن عمر، رفعه: ((تصافحوا؛ فإن
التصافح يُذهب السخيمة، وتهادوا ... )) الحديث.
قال: ومحمد هذا کان ممن يروي المناکیر عن المشاهير، حتى إذا
(١) في ((أ، ل): هُذه. والمثبت من ((م). (٢) ((المجروحين)) (١٩٤/٢).
(٣) في ((أ، ل)): عليه. والمثبت من ((م))، (المجروحين).
(٤) في ((أ، ل)): وههنا. والمثبت من ((م).
(٥) ((المجروحين)) (٢٨٨/٢).

١١٥
كتاب الهبات
سمعها مَنِ الحديث صناعته (عَلِمَ)(١) أنها مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به.
ثم ذكر بعده(٢) محمد بن أبي الزعيزعة آخَرَ ليس في طبقة هذا، ووهاه،
ونقل ابن الجوزي في ((ضعفائه))(٣) عن ابن حبان أنه قال في الأول: إنه
دَجَّال من (الدجالين)(٤) يروي الموضوعات. والذي رأيتُه في ((تاريخ
الضعفاء)) ما أسلفته، وسأل ابن أبي حاتم(٥) أباه عن هذا الحديث؛
فقال: حديث منكر. وهو كما قال؛ لأجل الأذرعي هذا، وقد (قال)(٦)
البخاري(٧) في حقه: إنه منكر الحديث جدًّا، لا يُكتب حديثه.
الطريق الرابع: طريق أبي هريرة، رفعه: ((تهادوا؛ فإن الهدية تُذهب
وَحْرَ الصدور)).
رواه الترمذي في «جامعه»(٨) من حديث نجيح أبي معشر السِّندي،
عن سعيد، عن أبي هريرة مرفوعًا به، ثم قال: (هذا)(٩) حديث غريب
من هذا الوجه. وقد تكلم بعض أهل (العلم)(١٠) في أبي معشر من قبل
حفظه. وقال ابن القطان(١١): نجيج هذا ضعيف، ومنهم من يوثقه،
(١) سقطت من ((أ، ل)) والمثبت من ((م))، ((المجروحين)).
(٢) ((المجروحين)) (٢٨٩/٢).
(٣) ((الضعفاء)) (٥٩/٣ رقم ٢٩٨٣).
(٤) في (أ، ل)): الدجاجلة. والمثبت من ((م))، ((الضعفاء)).
(٥) ((علل ابن أبي حاتم)) (٢٩٦/٢ رقم ٢٣٩٧).
(٦) سقطت من ((أ، ل)) والمثبت من ((م)).
(٧) ((التاريخ الكبير)) (٨٨/١ رقم ٢٤٤).
(٨) ((جامع الترمذي)) (٣٨٣/٤-٣٨٤ رقم ٢١٣٠).
(٩) من ((م))، ((جامع الترمذي)).
(١٠) سقطت من ((أ، ل)) والمثبت من ((م))، ((جامع الترمذي)».
(١١) ((الوهم والإيهام)) (٥٠٦/٤-٥٠٧ رقم ٢٠٧٠).

١١٦
البدر المنير
فالحديث من أجله حسن. وقال عبد الحق(١) في حديث ((لا تقولوا
رمضان)) من ضعفه أكثر ممن وثقه، ومع ضعفه يُكتب حديثه. وقال
ابن طاهر في الكتاب السالف: هذا الحديث رواه الليث بن سعد، عن
رجل، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وهو غير ثابت، والرجل
الذي (كفَّ)(٢) عنه الليث هو: أبو معشر السندي، وهو ضعيف.
الطريق الخامس: طريق زعبل- بالزاي (والباء بعد العين)(٣) يرفعه:
((تزاوروا وتهادوا؛ فإن الزيارة تنبت الود، والهدية (تُذهب)(٤) السخيمة)).
رواه الحافظ أبو موسى الأصبهاني في كتابه ((معرفة الصحابة)) من
حديث مسلم بن إبراهيم، عن الحارث [بن عبيد أبو قدامة](٥) عنه،
والحارث هذا ليس بالقويّ، وهو يروي عن التابعين، ولا أعلم ذكر هذا
في الصحابة (عن)(٦) غير أبي موسى، والظاهر أنه تابعي.
الطريق السادس: طريق عصمة بن مالك الخطمي مرفوعًا: ((الهدية
تذهب بالسمع والبصر)).
ذكره صاحبُ ((الشهاب))(٧) وقال ابن طاهر: في إسناده ضعيفان.
فهذه طرق الحديث، وأقواها رابعها، والباقي شاهد له.
(١) ((الأحكام الوسطى)) (٢٠٦/٢).
(٢) في ((أ، ل)): كنى. والمثبت من ((م)).
(٣) سقط من ((أ، ل)) والمثبت من ((م)).
(٤) في ((أ)): تنبت. وهو خطأ، والمثبت من ((ل، م))، ((معرفة الصحابة)).
(٥) في ((أ، ل)): أبي عبيد، عن أبي قدامة. وفي ((م)): ابن عبيد الله أبو قدامة. وكلاهما
خطأ والمثبت من («أسد الغابة)) (٢٥٨/٢) وانظر ((التهذيب)) (٢٥٨/٥-٢٦٠).
(٦) من ((م)).
(٧) ((مسند الشهاب)) (١٥٧/١ - ١٥٨ رقم ٢٢٠) من حديث أنس، أما من حديث عصمة
بن مالك؛ فرواه الطبراني في ((الكبير)) (١٨٣/١٧ رقم ٤٨٨).

١١٧
كتاب الهبات
الحديث الثاني
أن رسول الله وَ ل قال: ((تهادوا تحابوا))(١).
هذا الحدیث یروئ من طرق:
أحدها: من حديث ابن عمر، رواه يحيى بن عبد الله بن بكر، عن
(ضمام)(٢) بن إسماعيل، عن أبي قبيل المعافري عنه.
ورواه سويد بن سعيد الحدثاني وعبد الواحد بن يحيى ومحمد
ابن بكير الحضرمي، عن ضمام، عن موسى بن وردان، قال ابن طاهر
في ((تخريج أحاديث الشهاب)): قد أخرج مسلم(٣) بهذا الإسناد قوله:
((أنا النذير العريان)) يعني: محمد بن بكير (عن)(٤) ضمام عن موسى،
قال: وقول الجماعة أولى، وإن كان محمد بن بكير ثقة؛ فيحتمل أن
يكون عند ضمام فيه طريقين عن أبي قبيل وأبي موسى. قال: وقد روي
هذا الحديث من طريق آخر عن ابن عمر وفيها ضعف. قال: وأصح ما
ورد في هذا الباب هذا الحديث، مع الاختلاف عليه، وقد صَحَّ: ((أنه
عليه الصلاة والسلام كان يقبل الهدية، ويُثيب عليها)).
ثانيها: من حديث أم حكيم بنت وداع الخزاعية المهاجرة رفعته:
((تهادوا تزدادوا حُبًّا)).
(١) ((الشرح الكبير)) (٣٠٦/٦).
(٢) في (أ، ل)): عاصم. وهو خطأ، والمثبت من ((م) وضمام بن إسمعيل المعافري،
ترجمته في ((التهذيب)) (٣١١/١٣-٣١٤).
(٣) ((صحيح مسلم)) (٤ /١٧٨٨-١٧٨٩ رقم ٢٢٨٣) من طريق أبي أسامة عن بريد عن أبي
بردة عن أبي موسى.
(٤) في ((أ، ل)): بن. وهو خطأ، والمثبت من ((م)) ومحمد بن بكير الحضرمي ترجمته في
((التهذيب)) (٢٤/ ٥٤٣-٥٤٥) وضمام سبق التنبيه عليه.

١١٨
البدر المنير
ذكره صاحب «الشهاب»(١) وقال ابن طاهر: إسناده غريب، ولیس
بحُجَّة.
ثالثها: من حديث أبي هريرة رفعه: ((تهادوا تحابوا)).
رواه البخاري في كتاب ((الأدب))(٢) خارج الصحيح، ورواه البيهقي
في «سننه»(٣) من حديث العباس بن محمد الدوري، ثنا محمد بن بكير
الحضرمي، ثنا ضمام بن إسمعيل المصري، عن موسى بن وردان، عن
أبي هريرة مرفوعًا، ثم قال: ثنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعتُ أبا
زكريا (العنبري)(٤) يقول: سمعتُ أبا عبد الله النوشنجي يقول في قوله
عليه الصلاة والسلام: ((تهادوا تحابُّوا)): بالتشديد من المحبة، وإذا قال
بالتخفيف فإنه من المحاباة.
رابعها: من حديث عائشة، رفعته: ((تهادوا تزدادوا حُبًّا)).
ذكره صاحبُ ((الشهاب)) في ((مسنده))(٥) قال ابن طاهر: وإسناده
غريب، ومتنه منكر جدًّا، وفيه محمد بن سليمان لا أعرفه.
خامسها: من حديث عطاء الخراساني، رفعه: ((تصافحوا يَذهب
الغل، وتهادوا تحابُّوا وتذهب الشحناء)).
رواه مالك في ((الموطأ))(٦) كما عزاه إليه المحب في ((أحكامه))
وعطاء هذا يرسل عن الصحابة (ويعنعن)(٧).
(١) ((مسند الشهاب)) (٣٨٢/١ رقم ٦٥٩) بلفظ: ((تهادوا، فإنه يضعف الحب، ويذهب
بغوائل الصدر)).
(٢) ((الأدب المفرد)) (٢٠٣ رقم ٥٩٤). (٣) ((السنن الكبرى)) (١٦٩/٦).
(٤) في ((أ، ل)): القسري. وهو خطأ، والمثبت من ((م) و((السنن الكبرى))، و((انظر
الأنساب)» (٢٢٠/٤-٢٢١ رقم ٧٣٦٢).
(٥) ((مسند الشهاب)) (٣٨٠/١ رقم ٦٥٥). (٦) ((الموطأ)) (٦٩٣/٢ رقم ١٦).
(٧) من ((م)).

١١٩
كتاب الهبات
الحديث الثالث
ءُ
أنه وَّ قال: ((لو دُعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ ذراع
لقبلت))(١).
هذا الحديث صحيح (أخرجه)(٢) البخاري في ((صحيحه)) (٣) من
حديث أبي هريرة كذلك في كتاب الأنكحة منه، وأورده في هذا الباب
بلفظ: ((لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أُهدي إليَّ ذراع أو
كراع لقبلت)».
فائدة: الكراع: من حدِّ الرسغ، والذراع: من حدِّ اللحم، وقيل:
إن الكراع هنا أسم موضع، وذكره الغزالى في ((الإحياء)»(٤) بلفظ: ((كراع
الغميم)). ولم أر من خرجه كذلك، ويرده رواية الترمذي(٥) عن أنس
مرفوعًا: «لو أُهدي إليَّ كراع لقبلت، ولو (دُعيت)(٦) عليه لأجبت)). ثم
صحّحه.
الحديث الرابع
أنه وَ لِّ قال: ((لا تُحَقِّرَنَ جارةٌ لجارتها ولو فِرْسِن شاة»(٧).
هذا الحديث صحيح، أخرجه الشيخان في (صحيحيهما)(٨) من
(١) ((الشرح الكبير)) (٣٠٧/٦).
(٢) في ((أ)): أخرجاه. وهو تحريف، والمثبت من ((م، ل)).
(٣) ((صحيح البخاري)) (١٥٤/٩ رقم ٥١٧٨).
(٤) ((الإحياء)) (١٦/٢).
(٥) ((جامع الترمذي)) (٦٢٣/٣ رقم ١٣٣٨).
(٦) سقطت من ((أ، ل)) والمثبت من ((م))، ((جامع الترمذي)).
(٧) ((الشرح الكبير» (٣٠٧/٦).
(٨) في ((أ)): صحيحه. وهو تحريف، والمثبت من ((ل، م)) والحديث في ((صحيح
البخاري)» (٢٣٣/٥ رقم ٢٥٦٦)، ((صحيح مسلم)) (٧١٤/٢ رقم ١٠٣٠).

١٢٠
البدر المنير
حديث أبي هريرة ﴾ باللفظ المذكور، وزادا في أوله: ((يا نساء
المسلمات، لا تحقرن ... )) إلى آخره، وأخرجه الترمذي(١) بزيادة فيه،
وهذا لفظه: ((تهادوا؛ فإن الهدية تذهب وحر الصدر، ولا تحقرن جارةٌ
(لجارتها)(٢) ولو شق فِرْسِن شاة».
فائدة: فِرْسِن الشاة: ظلفها، وهو في الأصل اسم لِخُفِّ البعير،
فاستُغِير للشاة، قال ابن السراج: ونونه زائدة. و ((وحْر الصدر)): غشه
ووساوسه وعلته. وقيل: إنه أشد الغضب، وقيل: الحقد.
الحدیث الخامس
((أنه وَ ل ◌َ كان تُحمل إليه الهدايا؛ فيقبلها من غير لفظٍ))(٣).
هو كما قال، فمن (يتبع)(٤) الأحاديث والسِّير وجده.
وفي ((صحيح البخاري))(٥) من حديث عائشة قالت: ((كان رسول الله
(يقبل الهدية ويثيب عليها)) وفي ((الصحيحين))(٦) من حديث أبي هريرة
وستـ
قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)(٧) إذا أُتي بطعام سأل:
أهدية (أم)(٨) صدقة؟ فإن قيل: صدقة؛ قال لأصحابه: كلوا [ولم
(١) ((جامع الترمذي)) (٣٨٣/٤-٣٨٤ رقم ٢١٣٠).
(٢) في ((أ، ل)): جارتها. والمثبت من ((م)، ((جامع الترمذي)).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٣٠٧/٦).
(٤) سقط من ((أ، ل)) والمثبت من ((م)).
(٥) ((صحيح البخاري)) (٢٤٩/٥ رقم ٢٥٨٥).
(٦) ((صحيح البخاري)) (٢٤٠/٥-٢٤١ رقم ٢٥٧٦)، ((صحيح مسلم)) (٧٥٦/٢ رقم
١٠٧٧).
(٧) سقطت من ((أ، ل)) والمثبت من ((م)).
(٨) في (أ، ل)): أو. والمثبت من ((م))، ((صحيح البخاري)).