Indexed OCR Text

Pages 1-20

البَدِرُ الْمُنِيرُ
في تَخْرِيُج الأحَادِيثِ وَالآثار الواقِعَة فى الشَّرح الكبير
لِلإِمَامُ الْعَالِمِ الْعَامِلِ الْعَلَّمَةَ الَوَعَ الَاهِد
سِرَاجِ الدُّنْ أَبِي حَقْصِ حْمَبنَ عَلِيْ بن أحمد الأنصاري الشّافِى
المعروف بـ "ابْن المُلقِّن"
٧٢٣ - ٨٠٤ هـ
المُجُلّدُ الأوَّل
تحقيق
إِ مُمَّعَبَد الله بن سليمان
مُصُطَفى أبو الغيط عَبد الحميّ
أبى عمَّار ◌َاسِر بن كمال
دَارُ الهجرة للنشروَالتوزيع

.
١

البَدِرُ المُنِيرُ
في تَخْرِيُجُ الأحَادِيثِ وَالآثار الواقِعَة في الشَّرح الكبير

الطبعة الأولى
١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
كل الحقوق
محفوظَة
دَارُ الهجرة للنشروَالتوزيع
هاتف: ٨٩٨٣٠٠٤ (٠٣) الثقبة - ٤٧٩٢٠٥٥ (٠١) الرياض
فاكس ٨٩٥٢٤٩٦ (٠٣)
ص. ب: ٢٠٥٩٧ - الثقبة ٣١٩٥٢
المملكة العربية السعودية

تقسيم مجلدات الكتاب
تقسیم مجلدات الكتاب
المجلد الأول
مقدمة المحقق ٧
مقدمة المصنف ٢٥٥
كتاب الطهارة ٣٤٥
المجلد الثاني باقي ك الطهارة ٥
المجلد الثالث باقي ك الطهارة ٥
كتاب الصلاة ١٤٧
المجلد الرابع
باقي ك الصلاة ٥
ك صلاة الجماعة ٣٧٧
ك صلاة المسافرين ٥٢٣
ك الجمعة ٥٨١
المجلد الخامس صلاة الخوف ٥
ك صلاة العيدين ٣٣
ك صلاة الكسوف ١١٩
ك صلاة الاستسقاء ١٤١
ك صلاة الجنائز ١٨١
باب تارك الصلاة ٣٨٩
ك الزكاة ٤٠١/ ك الصيام ٦٣٩
باب صوم التطوع ٧٤٤
ك الاعتكاف ٧٦٥
المجلد السادس ك الحج ٥
ك البيوع ٤٣٧
ك السلم ٦١١/ك الرهن ٦٢٧
ك التفليس ٦٤٥/ك الحجر ٦٦٧/ك
الصلح ٦٨٥/ك الحوالة ٧٠١
ك الضمان ٧٠٧/ك الشركة ٧٢١
ك الوكالة ٧٢٩/ك الإقرار ٧٤١
ك العارية ٧٤٧/ك الغصب ٧٥٩
المجلد السابع ك الشفعة ٥
ك القراض ١٩
ك المساقاة والمزارعة والمخابرة ٢٩
ك الإجارة ٣٥/ك الجعالة ٤٧
ك إحياء الموات ٥١/ك الوقف ٩٧
ك الهبات ١١١/ ك اللقطة ١٤٩
ك اللقيط ١٧١/ك الفرائض ١٨١
ك الوصايا ٢٤٩/ك الوديعة ٢٩٥
ك قسم الفيء والغنيمة ٣٠٩
ك قسم الصدقات ٣٥٩
ك النكاح ٤٢١/ك الصداق ٦٧٥
المجلد الثامن باب المتعة ٥
ك القسم والنشوز ٣٥/ك الخلع ٥٥
ك الطلاق ٦٣/ك الرجعة ١٢٧
ك الإيلاء ١٣٥/ك الظهار ١٤٣
ك الكفارات ١٦١/ك اللعان ١٦٩
ك العدد ٢١١/ ك الرضاع ٢٦٧
ك النفقات ٢٨٥/ك الجراح ٣٤١
ك الديات ٤١٣/ك كفارة القتل ٥٠١
ك دعوى الدم والقسامة ٥٠٧
باب ما جاء أن السحر ٥١٧
ك الإمامة وقتال البغاة ٥٢٣
ك الردة (أول الحدود) ٥٦٥
ك التعزيز ٧٢٦/ك ضمان الولاة ٧٣٥
ك الختان ٧٣٩
المجلد التاسع
ك الصيال ٥/ك السير ٢٣
وجوب الجهاد ٢٥/ك الجزية ١٨١
ك المهادنة ٢١٩/ك الصيد والذبائح ٢٣٥
ك الضحايا ٢٦٩/ك العقيقة ٣٣١
ك الأطعمة ٣٥٣/ك السبق والرمي ٤١٣
ك الأيمان ٤٤٣/ك النذر ٤٩١
ك القضاء ٥٢٣/ك الشهادات ٦١٥
ك الدعوى والبينات ٦٧٧
ك العتق ٧٠١
ك التدبير ٧٢٧
ك الكتابة ٧٣٩
ك أمهات الأولاد ٧٥١
المجلد العاشر: الفهارس

٧
مقدمة التحقيق
مقدمة التحقيق
إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا
هادي له، إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ێێ،
وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل
ضلالة في النار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن
محمدًا عبده ورسوله.
وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم ◌ُسْلِمُونَ
[آل عمران: ١٠٢].
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَ
مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ اُلَّذِى تَسَآءَ لُونَ بِهِ، وَاَلْأَرْحَامُّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا
[النساء: ١].
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ
٧٠
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا
[الأحزاب: ٧٠ -٧١].
أما بعد فإن علم الحديث من أشرف علوم الإسلام قدرًا فهو رأس
مال الفقيه، ورأس مال المفسر، وهو مما خص به هذه الأمة وشرفها
على غيرها من الأمم.
قال الإمام الشافعي(١) - رحمه الله -: إذا رأيتُ رجلًا من أصحاب
الحديث فكأني رأيت رجلاً من أصحاب النبي ◌َّ جزاهم الله خيرًا، هم
(١) ((سير أعلام النبلاء)) (٥٩/١٠-٦٠).

٨
البدر المنير
حفظوا لنا الأصل؛ فلهم علينا الفضل. أ.هـ
وقال إبراهيم بن يحيى(١): سمعت الزعفراني يقول: ما على وجه
الأرض من قوم أفضل من أصحاب هذه المحابر، يتبعون آثار رسول الله
مَديد ويكتبونها كي لا تندرس.
وقال محمد بن عيسى الزجاج(٢): سمعت أبا عاصم يقول: من
طلب الحديث فقد طلب أعلى الأمور، فيجب أن يكون خير الناس.
وقال إبراهيم الحربي(٣): لا أعلم عصابة خيرًا من أصحاب
الحديث، إنما يغدو أحدهم ومعه محبرة فيقول: كيف فعل النبي وَال
وكيف صلى، إياكم أن تجلسوا إلى أهل البدع، فإن الرجل إذا أقبل
ببدعة ليس يفلح.
وقال الإمام البيهقي(٤) - رحمه الله -: والذي ينبغي ذكره هاهنا: أن
الحديث في الابتداء كانوا يأخذونه من لفظ المحدِّث حفظًا، ثم كتبه
بعضهم احتياطيًا، ثم قام بجمعه، ومعرفة رواته، والتمييز بين صحيحه
وسقيمه جماعةٌ، لم يخف عليهم إتقان المتقنين من رواته، ولا خطأ من
أخطأ منهم في روايته، حتى لو زيد في حديث حرف أو نقص منه شيء،
أو غُيِّر منه لفظ يغير المعنى؛ وقفوا عليه وتبيَّنوه، ودونوه في تواريخهم؛
حتى ترك أوائل هذه الأمة أواخرها -بحمد الله- على الواضحة، فمن
سلك في كل نوع من أنواع العلوم سبيلهم، واقتدى بهم؛ صار على بيِّنة
من دینه.
(١) ((سير أعلام النبلاء)) (٢٦٣/٤).
(٢) ((سير أعلام النبلاء)) (٤٨٢/٩).
(٣) ((سير أعلام النبلاء)) (٣٥٨/١٣).
(٤) ((مناقب الشافعي)) (٣٢١/٢-٣٢٢).

٩
مقدمة التحقيق
=
وقال الشوكاني(١) - رحمه الله -: فإن المتصدر للتصنيف في كتب
الفقه، وإن بلغ في إتقانه، وإتقان علم الأصول، وسائر الفنون الآلية إلى
حد يتقاصر عنه الوصف؛ إذا لم يتقن علم السنة، ويعرف صحيحه من
سقيمه، ويعوِّل على أهله في إصداره وإيراده؛ كانت مصنفاته مبنية على
غير أساس؛ لأن علم الفقه هو مأخوذ من علم السنة إلا القليل منه، وهو
ما قد صرَّح بحكمه القرآن الكريم، فما يصنع ذو الفنون بفنونه إذا لم يكن
عالمًا بعلم الحديث؛ متقنًا معولًا على المصنفات المدونة فيه، وبهذه
العلّة تجد المصنفين في علم الفقه يعوّلون في كثير من المسائل على
محض الرأي، ويدونونه في مصنفاتهم، وهم لا يشعرون أن في ذلك سنة
صحيحة يعرفها أقل طالب لعلم الحديث، وقد كثر هذا جدًّا من
المشتغلين بالفقه على تفاقم شره، وتعاظم ضرره، وجنوا على أنفسهم،
وعلى الشريعة، وعلى المسلمين. أ.هـ
ويقول اللكنوي -رحمه الله -: ومن نظر بنظر الإنصاف وغاص في
بحار الفقه والأصول، متجنبًا الاعتساف؛ يعلم علمًا يقينًا أن أكثر
المسائل الفرعية والأصلية التي اختلف العلماء فيها، فمذهب المحدثين
فيها أقوى من مذاهب غيرهم، وإني كلما أسير في شعب الاختلاف أجد
قول المحدثين فيه قريبًا من الإنصاف، فلله درُّهم وعليه شكرهم -كذا-
كيف لا، وهم ورثة النبي ◌َّ حقًّا، ونواب شرعه صدقًا؟! حشرنا الله في
زمرتهم، وأماتنا على حبهم وسيرتهم.
يقول العلامة الألباني(٢) - رحمه الله-
(١) ((أدب الطلب ومنتهى الأرب))، (ص ٨٠).
(٢) الذنب الأحمد عن مسند الإمام أحمد (٢٦-٢٧).

١٠
البدر المنير
((الإسناد الذي ميزنا الله به- نحن معشر المسلمين- على سائر
الأمم والذي قال فيه بعض سلفنا الصالح: ((الإسناد من الدين، ولولاه
لقال من شاء ما شاء)) هذا الإسناد الذي لولاه لم يكن علم الحديث،
وتراجم الرجال، والجرح والتعديل شيئًا مذكورًا، بل ولا لعلم التفسير،
والفقه، واللغة وغيرها من العلوم الشرعية ذكرٌ؛ لأنها كلها قائمة عليه،
ولولاه لما تمكن العلماء من التصحيح والتضعيف، ولا من ردِّ الأحاديث
الدائرة على الألسنة، ولا أصل لها في السنة، إذ أن ذلك كله يدور على
الإسناد وجودًا وعدمًا فما كان له إسناد فهو صحيح أو ضعيف- على
تفصيل معروف فيهما، وإن كان لا إسناد له قيل فيه: لا أصل له.
ومن هنا يظهر تميزنا على سائر الأمم؛ بل وتميز أهل الحديث
والسنة على سائر الطوائف، فإنه لو قيل لهؤلاء وهؤلاء: أسندوا لنا
كتابكم المقدس، أو كتابكم الصحيح المعتمد؛ لم يجدوا إلى ذلك
سبيلًا؛ لأنه لا أسانيد لها عندهم، وإن وجدت؛ فمقاطيع ومراسيل،
ومع ذلك فجلُّ رواتهم مجاهيل، لا تاريخ لهم يعرف، ولا ترجمة تذكر!
وهذا على خلاف ما عند علمائنا من أهل السنة والحديث؛ فإنهم
لا يقبلون من الحديث إلا ما كان له إسناد معروف، وفي كتاب ثابت
النسبة إلى مؤلفه، ثم يكون إسناده ثابتًا سالمًا من علة قادحة)) اهـ
وكتاب البدر الذي نقدمه للقرَّاء الكرام من الكتب التي تخدم هذا
العلم الشريف، فهو يعدُّ من كتب التخريج، إذ موضوعه يتناول تخريج
الأحاديث والآثار الواقعة في ((الشرح الكبير)) للإمام الرافعي.
وقد قمت بعمل مقدمة للكتاب اشتملت على الفصول الآتية:
الفصل الأول: اشتمل على المباحث الآتية:

١١
مقدمة التحقيق
المبحث الأول: تعريف التخريج.
المبحث الثاني: تاريخ تدوين علم التخريج.
المبحث الثالث: أهمية التخريج.
الفصل الثاني: واشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: التعريف بالمصنف
المبحث الثاني: التعريف بأسرته.
المبحث الثالث: نشأته.
المبحث الرابع: رحلاته.
المبحث الخامس: مكتبته.
المبحث السادس: عقيدته.
الفصل الثالث: اشتمل على مبحثين :
المبحث الأول: شيوخ المصنف.
المبحث الثاني: تلاميذ المصنف.
الفصل الرابع: اشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: صفاته.
المبحث الثاني: مناصبه.
المبحث الثالث: محنته.
المبحث الرابع: وفاته.
المبحث الخامس : ثناء العلماء عليه.
المبحث السادس: أنتقاد العلماء له.
الفصل الخامس: اشتمل على مبحثين :
المبحث الأول: أسباب كثرة تصانيف المصنف.

١٢
البدر المنير
المبحث الثاني: ذكر كتب ابن الملقن.
الفصل السادس: أشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: الكتب التي شاركت ابن الملقن في تخريجه
لأحاديث الرافعي.
المبحث الثاني: مختصرات الكتاب.
المبحث الثالث: موضوع الكتاب.
الفصل السابع: اشتمل على منهج ابن الملقن في الكتاب.
الفصل الثامن: اشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: أهمية الكتاب.
المبحث الثاني: المآخذ عليًا لكتاب.
الفصل التاسع: اشتمل على توصيف النسخ الخطية للكتاب.
وأسأل الله -ريك - أن يتقبل منا هذا العمل وأن ينفع به الإسلام
والمسلمين، إن ربي سميع مجيب الدعاء.

الفصل الأول
ويشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: تعريف التخريج.
المبحث الثاني: تاريخ تدوين علم التخريج.
المبحث الثالث: أهمية التخريج.

=
١٤
البدر المنير
المبحث الأول
تعريف التخريج
التخريج هو: عَزْو الأحاديث التي تُذكر في المصنَّفات مُعَلَّقة غيْرِ
مُسْندة، ولا مَعْزوة إلى كتاب أَوْ كُتُب مسندة إما مع الكلام عليها
تصحيحًا وتضْعيفًا ورَدًّا وَقبولًا، وبيان ما فيها مِن العِلَل، وإمَّا بالاقتصار
عَلَى العَزْو إلى الأُصُولِ(١).
(١) وقد يطلقون أيضًا لفظ التخريج على معنى آخر وهو: تصنيف مُعْجَم أوْ مَشْيخة أُوْ
جزء حديثي مُنتقى من مَسْمُوعاته أو مَسْموعات غيره مِنْ معاصريه، بأن يعمد إلى
أصول سماعاته فيجرد منها أسماء شيوخه الذين سمع منهم أو قرأ عليهم أو أجازوا
له، ويرتبهم إما على حروف المعجم فَيُسَمَّى مُعْجَمًا، أو على ترتيب الأكبر والأقدم
سماعًا أو الأعلى إسنادًا أو على حسب البُلدان، فَيُسَمَّى مَشْيخة، ويورد في ترجمة
كل واحد منهم ما ينتقيه من الأحاديث العالية الإسناد أو الغريبة أو نحو ذلك.
فإن كان من مسموعاته وشيوخه قيل: خَرَّج لنفسه مُعْجمًا أو مشيخة.
وإن كان لغيره من معاصريه قيل: خرَّج لغيره مشيخة أو فوائد أو جزء، كـ((فوائد ابن مردك))
تخريج الدَّارقطني، و ((فوائد المزكِّي)) تخريجه أيضًا و ((الطيوريات)) تخريج السِّلفي،
و(السُّلامِيَّات)) تخريجه أيضًا و((المهرونيات)) تخريج الخطيب، و((مشيخة الفخر ابن
البخاري)) تخريج ابن الظاهري، وغير ذلك ممَّا يزيد على الألف، وللسِّلفي وحده
من هذا النَّوْعِ ما يزيد على الأربعين مُصَنَّفًا، وكذلك الدّار قطني وكثير مِنَ الحُفَّاظ
والمُسْندين، ولهذا يقولون عند ذكر المصنَّفات أحيانًا (له)) كقولهم: ((رواه فلان في
كتاب كذا له))، يريدون أن الكتاب من جمعه وتصنيفه لا من تخريج غيره.
وإذا كان من تخريج غيره قالوا: رواه فلان في كتاب كذا تخريج فلان، كقولهم: أخرج
ابن مردك في ((فوائده)) تخريج الدَّارقطني، والمَهْرواني في ((المهروانيات)) تخريج
الخَطيب، وابن الطّوري في ((الظُيوريات)) تخْريج السِّلفي.

١٥
مقدمة التحقيق
المبحث الثاني
تاريخ تدوين علم التخريج
كان ابتداء ظهور ذلك في زمن الصحابة والتابعين، بل وفي حياته
وَله حتى كان أبو بكر وعمر وعلي وجماعة من كبراء الصحابة ﴿ه لا
يقبلون عن رسول الله حديثًا ولو من أحد من الصحابة ﴾ إلا بعد التحقق
والتثبت وطلب الشاهد والمتابع.
والآثار عن الصحابة في هذا كثيرة، فهم أول من احتاط للحديث
وطلب الَّثبت فيه ثمَّ تبعهم أئمة السّلف من التابعين فمن بعدهم فرأوا أن
لا يقبلوا حديثًا إلا بإسناده، لينظروا في رجاله، فإن كانوا ثقات احتجوا
به، وإلا لم يعتمدوا عليه لاسيما وفي زمانهم ظهرت البدع والنحل التي
يختلق أصحابها ما يؤيدون به نِحَلَهم.
وفي زمن صغار التابعين وأتباع التابعين ظهر التأليف وجمع
الأحاديث النبوية وآثار الصَّحابة وقضاياهم مُسْندة عنهم، إلا أنه وقع من
بعضهم كَمَالِك وطبقته والشافعي وطبقته ممن لم يصنفوا المسانيد أنهم
أوردوا في كُتُبهم بعض المراسيل والمُعضلات والبلاغات والمُعلّقات
مما لا يجوز الاحتجاج به عند الجمهور، بل وحتى البخاري ذكر في
صحيحه بعض المعلّقات التي لمْ يُسندها في مواضع أخرى منه على
عادته، وهي مائة وستُّون حديثًا أفْرد الحافظ وَصلها بثلاثة مُؤلَّفات كما
سيأتي.
فجاء من بعدهم من الحفّاظ في القرن الرابع والخامس فتصدُّوا

١٦
البدر المنير
لتلك الأحاديث المُرْسلة والمُعلّقة والمُعضلة فأسندوها في مصنفات
وضعوها لذلك.
فصنَّف الحافظ أبو عمر بن خالد بن يزيد القرطبي المعروف بابن
الجَبَّاب المتوفى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ((مسند حديث الموطأ)).
وصنَّف الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي
الجوهري المصري المتوفّى سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة ((مسند الموطأ)»
أيضًا.
بل صنّف قبلهما أبو عبد الرحمن النَّسائي صاحب السُّنن المتوفى
سنة ثلاث وثلاثمائة ((مسند حديث مالك)) إلا أن الغالب أنه أسند حديث
مالك بإطلاق دون تقيد بأحاديث الموطأ.
وصنَّف الحافظ أبو ذر عبد بن أحمد الهروي المالكي المتوفّى سنة
أربع وثلاثين وأربعمائة ((مسند الموطأ)).
وصنَّف الحافظ أبو عمر بن عبد البر ((كتاب التمهيد لبيان ما في
الموظّأ من المعاني والأسانيد)) فأسند فيه جميع أحادث الموطأ وتكلم
على من رواها عن مالك موصولة ومرسلة، وأوصل جميع تلك المراسيل
إلا أربعة أحاديث ذكر أنها لم تقع له مسندة بل قيل: إنه أفرد لوصل ما في
الموطأ من المراسيل والبلاغات كتابًا خاصًا غير التمهيد وكانت وفاته
سنة ثلاث وستين وأربعمائة.
وأفرد الحافظ أبو عمرو عثمان بن الصلاح المتوفّى سنة ثلاث
وأربعين وستمائة جزءًا خاصًا لوصل تلك البلاغات الأربعة.
وصنّف الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي المتوفَّى سنة
ثمان وخمسين وأربعمائة كتاب «معرفة السنن والآثار التي احتج بها

١٧
مقدمة التحقيق
الشافعي)) وهو في أربع مجلدات وصل فيه كل ما احتج به الشافعي في
كتبه من السنن والآثار.
وصنَّف القضاعي أيضًا مسند الأحاديث التي ذكرها في كتابه
((الشهاب في الأمثال والمواعظ والآداب)) وهو المعروف بـ ((مسند
الشهاب)) وكانت وفاته سنة أربع وخمسين وأربعمائة لكنه ليس من تصنيفه
بل من تخريج بعض أصحابه له.
ولما كان هؤلاء هم أول من تصدى للتخريج وزمانهم هو زمن
ظهوره فيكون ابتداؤه في أواخر القرن الثالث أو أوائل الرابع الذي هو
تاريخ وجود أبي عمر بن الجبَّاب الأندلسي ثمّ تلاه من المذكورين.
وإذا كان كتاب ((الأموال)) لحميد بن زنجويه مستخرجًا حقيقة على
كتاب ((الأموال)) لأبي عبيد، فهو أول تصنيف على الإطلاق في هذا
الموضوع لأنه قديم الوفاة، توفّي سنة إحدى وخمسين ومائتين إلا أنهم
يقولون عنه: هو كالمستخرج ولم يصرِّحوا بأنَّه مستخرج حقيقةً، فلذلك
لم أجزم بأنّه أوّل من ألَّف في هذا الموضوع.
ولما كان هؤلاء متقدمين موجودين في زمن الإسناد والإخراج
جاءت مصنفاتهم جامعة بين التخريج والإخراج.
فمن حيث أنها مسندة كانت أصولا يعزى إليها ويخرج منها.
ومن حيث أن أصحابها قصدوا وصل ما في مصنفات غيرهم من
المراسيل والمعلقات كانت كالتَّخاريج لتلك المصنَّفات.
ثم لما بَعُدَ الزمان، وطالت الأسانيد صار المتأخرون من المُصنّفين
يكتفون بإيراد الأحاديث مُعلَّقة بدون إسناد، ولا سيما من الفقهاء
والصُّوفية الذين لاعناية لهم بالرواية إلا أنهم كانوا على قسمين:

١٨
البدر المنير
(أ) قسم المحدثين أو المحققين من غيرهم: فهؤلاء يوردون
الأحاديث معلقة ولكنهم يعزونها إلى الأصول إما مع الكلام عليها
تصحيحًا وتضعيفًا، أو عَزوًا مُطْلقًا.
(ب) وقسم لم يكن عندهم علم بالحديث ولا أعتناء بتحقيقه من
الفقهاء والصوفية وغيرهم، فهؤلاء يوردون الأحاديث محتجبين بها من
غير عزو إلى مخرج ولا نسبة إلى مصدر.
فحصل التوقف في الاحتجاج بها والاعتماد عليها فتصدى كثير من
الحُفَّاظ والمُحدِّثين لبعض المشهور والمتداول من تلك المُصنّفات
فخرًّ جوا أحاديثها.
ومنهم من كان من أهل الإسناد فأسندها جميعها أو أسند البعض
وعزا إلى غيره البعض: وهم أهل القرن السادس:
فخرَّج الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي المتوفّى سنة
سبع وخمسمائة ((أحاديث الشّهاب)) للقضاعي وأسند الكثير منها.
وخرَّج الحافظ أبو منصور شَهْردَار بن شَيْرويه الدَّيلمي المتوفّى سنة
ثمان وخمسين ((أحاديث كتاب الفردوس)) لوالده الذي صنَّفه على منهاج
(الشهاب للقضاعي)) مُرتَّبًا على حروف المعجم وذكر فيه نحو عشرة آلاف
حديث غالبها موضوع ومُنكر أو لا أصل له مما عجز ولده عن تخريجه
وإسناده وسمَّاه ((مُسند الفردوس)) وهو في أربعة مجلدات.
واختصره الحافظ فحذف الأحاديث المعروفة في الأصول
المشهورة كمسند أحمد والستة ومعاجم الطبراني ومسند أبي يعلى
والبزَّار وأمثالها وترك ما أسنده الدَّيلمي من الأجزاء والكتب الغربية مع
حذف إسناد الدَّيلمي إليهم وإيراد الأحاديث بأسانيدهم، وسمَّاه ((زهر

١٩
مقدمة التحقيق
الفردوس)) وهو في ثلاثة مجلدات.
واختصره اختصارًا آخر على طريقة الأطراف سمَّاه ((تسديد القوس))
وهو في مجلد، وأولهما عندي والثاني رأيته في مكتبة الأزهر.
وخرَّج الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي المتوفّى سنة أربع
وثمانين وخمسمائة أحاديث المهذّب في الفقه الشافعي لأبي إسحق
الشيرازي.
ومن أهل القرن الثامن وهو الذي ظهر فيه التخريج بكثرة:
خرَّج وليّ الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب التَّبريزي
أحاديث ((مصابيح السُّنَّة)) للبغوي وزاد فيه زيادات في فصل يستدركه عقب
فصول الأصل في كل باب وسمَّاه ((مشكاة المصابيح)) وفَزَع منه سنة سبع
وثلاثين وسبعمائة.
وخرَّج: ((أحاديث المُهَذَّب)) أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم
المنفلوطي المعروف بابن معين المتوفّى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة
وسمَّاه ((الطراز المُذهَّب في الكلام على أحاديث المهذّب)).
وخرَّج أحاديث ((مختصر ابن الحاجب)) الأصلي الحافظ شمس
الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي المتوفّى سنة أربع وأربعين
وسبعمائة.
وخرَّج أحاديث ((شرح الوجيز)) للرافعي الحافظ شهاب الدين أبو
الحسين حمد بن أيبك بن عبد الله الحُسامي الدمياطي المتوفّى سنة تسع
وأربعين وسبعمائة.
وخرَّج أحاديث ((الهداية)) للمُرْغَثَاني في الفقه الحنفي الحافظ علاء
الدين محمد بن عثمان المارديني الحنفي المعروف بابن التركماني

٢٠
البدر المنير
المتوفّى سنة خمسين وسبعمائة وسمَّاه «الكفاية في معرفة أحاديث
الهداية)).
وخرَّج أحاديثها أيضًا الحافظ جمال الدين عبد الله بن يوسف
الزَّيلعي الحنفي المتوفّى سنة أثنين وستين وسبعمائة وهو مطبوع مرّتين
إحداهما بالهند والأخرى بمصر في أربعة مجلدات.
واختصره الحافظ وسمَّاه ((الدراية)) وهو مطبوع بالهند مرّتين أو
ثلاثًا.
وخرَّج الزَّيلعي أيضًا أحاديث ((الكشاف)) للزمخشري في مجلدین،
وهو وتخريجه لأحاديث الهداية من أنفس التَّخاريج، واختصر هذا أيضًا
الحافظ وسمَّاه ((الكافي الشاف)) وقد طُبع أخيرًا مع الكشّاف، ولم يُؤْلِّف
الزَّيلعي المذكور غير هذين الكتابين.
وخرَّج ((أحاديث الشرح الكبير)) للرافعي الحافظ عز الدّين عبد
العزيز بن بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة المتوفّى سنة سبع وستِّين
وسبعمائة.
وخرَّج أحاديث ((منهاج البيضاوي في الأصول)) تاج الدين عبد
الوهاب بن تقي الدين محمد بن عبد الكافي السُّبكي المتوفّى سنة إحدى
وسبعين وسبعمائة.
وخرَّج أحاديث ((مختصر ابن الحاجب)) في الأصول الحافظ أبو
الفداء إسمعيل بن عمر بن كثير المتوفّى سنة أربع وسبعين وسبعمائة.
وخرَّج أيضًا ((أدلة التنبيه)) لأبي إسحق الشِّيرازي.
وخرَّج أحاديث ((الهداية)) الحافظ مُحيي الدين عبد القادر ابن محمد
القُرشي الحنفي المتوفّى سنة خمس وسبعين وسبعمائة وسمَّاه ((العناية)).