Indexed OCR Text

Pages 101-120

المبحث الأول
مطبوعة في وعينا على هذا النحو المخيف ... ) (١) .
ويشير باحث غربي آخر اسمه ((جيمس وولتز)) في دراسة له عن
مواقف الغربيين من المسلمين قبل الحروب الصليبية أن أوربا عاشت حالة من
عدم المبالاة تجاه الإسلام والمسلمين مدة من الزمن ، ثم تحول ذلك الموقف
إلى نوع من العداء السياسي ما بين (٧١٠ - ١١٠٠ م ) ، ثم تحول إلى
عداء ديني مع مواجهة عسكرية في بعض المراحل ، ثم يقرر هذا الباحث
بعد ذلك : إن المترسخ في أذهان الأوروبيين عن الإسلام هو صورة قاتمة ،
وذلك بسبب العداء الذي ذكاه موقف الباباوات من الإسلام منذ اندلاع
الحروب الصليبية ، وإلى أيام استعمار الغرب للعالم الإسلامي الذي لم ينته إلا
منذ بضعة عقود (٢) .
إن مضمون النصوص السالفة أصبح اليوم حقيقة علمية أكدها عدد
من المتخصصين في الاستشراق (٣)، وفي ذلك دلالة على ضخامة حجم
التشويه المتعمد الموجود في تصورات الغربيين وخاصة المستشرقين منهم عن
الإسلام .
إن مُسلّمة ((شاخت)) التي بنى عليها نظريته في السنة النبوية ،
والدالة على أن علماء الحديث والفقه من المسلمين كان لا يتورعون عن
الكذب في نسبة أقوال الرسولهم وَله ؛ لا يمكن للعقل أن يقبلها ؛ لأنها
(١) الإسلام وأوربا تعايش أم مجابهة ؟ (ص ٢٧ ).
(٢) انظر كتاب صورة العرب في عقول الأمريكيين (ص ٢٢ - ٢٣).
(٣) انظر المستشرقون الناطقون بالإنجليزية (ص ٩٤ - ٩٦)، رؤية إسلامية للاستشراق (ص
١٠٠ - ١٠١)، الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري (ص ١٣٨ - ١٤٤)،
عبدالرحمن بدوي فيلسوف الوجودية الهارب إلى الإسلام ( ص ٣٠).
- ٩٩ -

الفصل الثاني
خرافية وخيالية إلى حد بعيد للأسباب التالية :
١ - هذه المسلمة مصادمة للطبيعة البشرية ، ذلك لأن الصدق هو
الأصل في معاملات البشر ، ولذا فهو سهل وطبيعي ، وراسخ الأركان ،
وأما الكذب فمهزوز مزعزع ، معرض للهجوم باستمرار ، ولا قوة فيه ولا
خير ، وهو قرين لكثير من الأمراض الاجتماعية كالسرقة والخوف والجبن
والذل (١) ، وهو مضاد لروح التعاون الجماعي التي هي أساس قيام أي
مجتمع .
ولا يمكن لمجتمع مهما بلغ انحرافه أن يتواطأ كل من فيه من رجال
ونساء ، ولأجيال متعاقبة ، وفي بلدان مختلفة ، ومن أقاليم متعددة على
الكذب على زعيمهم وقدوتهم ، وقائدهم الذي يحبونه ويحترمونه .
ومما يدل على أن مُسلّمة شاخت غير مقبولة عقلاً أن أحد مشاهير
الغربيين ، ويدعى توماس كارليل كتب مخاطباً قومه عاتباً عليهم في زعمهم
أن المسلمين كذبة ، فقال: ( لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متمدن
من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يُظن من أن دين الإسلام كذب ، وأن
محمداً خداع ومزور ، وآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال
السخيفة المخجلة . . . أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها
ومات عليها الملايين الفائتة الحصر أكذوبة وخدعة ؟! أما أنا فلا أستطيع أن
أرى هذا الرأي أبداً ، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا
الرواج ، ويصادفان منهم مثل ذلك التصديق والقبول ، فما الناس إلا بُله
ومجانين ، وما الحياة إلا سخف وعبث) (٢).
(١) انظر الأخلاق النظرية ( ص ١٩٢ - ١٩٤)، وأسس الصحة النفسية ( ص ٣٥٠).
(٢) الأبطال ( ص ٥٨ ) .
- ١٠٠ -

المبحث الأول
ولاحظ هنا أن (( كارليل)) وصف من يقول بمثل قول ((شاخت))
بالعار والسخف المخجل والعبث .
٢ - إن القرآن وهو كتاب المسلمين المقدس يقف من الكذب موقفاً
شديداً جداً ، حيث يجعل من كذب في الدين مستحقاً للإثم المبين قال
تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِنَّاً مُبِيناً﴾ ( النساء :
٥٠ )، كما أنه يجعله من صفات الكافرين قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ﴾ (المائدة : ١٠٣ )، وأن الكاذب لا يفلح قال
تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل: ١١٦)،
وأنه من أظلم الظلم قال تعالى: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ثَمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِياً
لْضِلَّ النَّاسَ بِغَيْزِ عِلْم﴾ ( الأنعام: ١٤٤ ).
والخالق عز وجل هو القائل: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ ( الحشر : ٧ )، فاتباع السنة من دين الله ، فالكذب
فيها كذب على الله، فموانع الكذب على الرسول وَل عند المسلمين قوية ؛
لأنها تستند على نصوص قرآنية كثيرة جداً .
٣ - إن الواقع التاريخي للمسلمين في فتوحاتهم ومعاملتهم مع أهل
الأديان الأخرى يدل على تحليهم بخصال الصدق والعدل والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ، وهذه الأمور لا تتسق مع أخلاق الكذابين ، وفي ذلك
يقول الفيلسوف الألماني ((كانت)): ( من نسيج الإنسان الفاسد لم يُصنع أي
شيء مستقيم أبداً ) (١) .
ويقول المستشرق ((مونتجمري وات)) مستدلاً بالتاريخ الأخلاقي،
(١) الأعمال الكاملة لكانت (٢٣/٨) ط برلين، نقلاً عن كتاب نسيج الإنسان الفاسد (ص ٥)
- ١٠١ -

الفصل الثاني
بوصفه حجة قوية على إخلاص محمد مر له وصدقه: (إن الاعتقاد في
إخلاص محمد تسنده حجة قوية ، فاستعداده لأن يتحمل الأذى في سبيل
معتقداته ، والمستوى الأخلاقي الرفيع الذي اتصف به الرجال الذين آمنوا به
واتخذوه إماماً ، وعظمة المنجزات التي انتهى إليها ، كل هذا ينم عن
استقامته ، والافتراض بأن محمداً كان مدعياً يثير مشاكل أكثر مما يحلها ) (١)
فكيف يريدنا ((شاخت)) أن نصدق أن أولئك العلماء الذين لم يُطعن
عليهم في نزاهتهم الدينية ، وتقواهم ، ووفائهم بالعهود ، وصدق تدينهم ،
كانوا يسكتون على كذب بعضهم البعض ، ولماذا لا نجد في كتب الجرح
والتعديل أو التاريخ والسير وصفهم لبعضهم البعض بالوضع والكذب ، إذا
كانت الحال كما يزعم شاخت ؟ ! .
٤ - إذا كان المحدثون والفقهاء تعمدوا الوضع والكذب على الرسول
وَل* ، فلماذا إذن اهتموا بنقد الأحاديث ؟ ، ولماذا تعبوا كل هذا التعب في نقد
الراوة والتصنيف في علم الجرح والتعديل والعلل ، مادام الأمر كله كذباً ؟!
٥ - لو كان الأمر كما يزعم شاخت أن علماء المسلمين كانوا إذا
احتاجوا في مسألة إلى دليل وضعوا سنداً لأحد آراء الفقهاء ، ونسبوه لرسول
الله ◌َّ، فلماذا لم يضعوا حديثاً بإسناد صحيح في حجية القياس ، وهو
المصدر الرابع من مصادر التشريع الإسلامي ، مع أن الحاجة ماسة لوجود
مثل ذلك الحديث بديلاً لحديث معاذ رضي الله (٢) عنه الذي ضعفه كثير من
(١) الوحي الإسلامي في العالم الحديث، نقلاً عن مناهج المستشرقين (١/ ٢١٠).
(٢) انظر تخريجاً مطولاً لهذا الحديث مع كلام بعض علماء الحديث في تضعيفه عند الشيخ الألباني في
كتابه سلسلة الأحاديث الضعيفة ( ٢ / ٢٧٣ - ٢٨٦) رقم الحديث [ ٨٨١ ] .
- ١٠٢ -

المبحث الأول
المحدثين ؟
ولماذا لم يستطع الخليفة المأمون مع كل ما أوتي من قوة ونفوذ وسلطة
واسعة أن يأتي بحديث واحد موضوع في مسألة خلق القرآن مع تحدي الإمام
أحمد له وللمعتزلة بذلك ؟
( إن الحقيقة التي تتحدث عن نفسها هنا هي أنه لم يكن من الممكن
أن يوضع حديث على رسوله وَ ل، ويمر من غير ملاحظة العلماء له) (١) .
إن تحيز ((شاخت)) واستسلامه الكامل للتعصب العنصري ضد
المسلمين ، أوقعه في مصادمة لأهم أصل من أصول المنهجي العلمي وهو
الموضوعية .
(١) أصول الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة نقدية (ص ١٢ ).
- ١٠٣ -

المبحث الثاني
الانتقائية في اختيار المصادر
من أخطر العيوب المنهجية في البحث العلمي ، أن يتوصل الباحث
إلى نتائج محددة عامة تكون مبنية على معلومات مستقاة من مصادر غير
متخصصة في موضوع بحثه .
وهذا ما وقع فيه ((شاخت)) فقد توصل لنتائجه في السنة النبوية،
معتمداً في ذلك على مصادر فقهية ، وليست حديثيه ، بل أكثر من ذلك
أنني لم أجد في مصادره أي كتاب في علم مصطلح الحديث ، أو الجرح
والتعديل ، أو العلل ، أو التخريج ، ومن يتجاهل هذه المصادر الأصلية في
علم الحديث ، كيف يمكن لنا بمقاييس المنهج العلمي أن نثق بنتائجه .
ولإيضاح أهمية استيعاب المصادر الأصلية المتخصصة في البحث
العلمي عند أساتذة المنهجية ، ننقل بعض المقتطفات من كلامهم حول
ذلك ، ومنها هذا النص لشارل فيكتور لانجلوا - مؤلف أحد أهم كتب
منهج البحث في علم التاريخ المعتمدة في الجامعات الغربية - الذي يقول
فيه : ( إذا تراءى لي أن أعالج نقطة تاريخية ، أياً كانت ، فإني أتلمس
الموضع أو المواضع التي ترقد فيها الوثائق الضرورية لمعالجتها . . . ومن
البين أن هذا العمل إذا لم يزاول مزاولة سليمة ، أعني أنه إذا لم يعرف المرء
قبل البدء في عمل تاريخي ، كيف يحيط نفسه بكل المعلومات الميسرة له ،
فإنه يزيد بسهولة من مزالق خطر العمل على أساس وثائق غير كافية وهي
- ١٠٤ -

المبحث الثاني
مزالق وفيرة العدد مهما بذل من جهد .
وكم من عمل من أعمال التاريخ عولج وفقاً لقواعد أدق المناهج قد
أفسده ، بل قضى عليه قضاء مبرماً ، أمرٌ مادي بسيط هو أن المؤلف لم
يقف على وثائق كان من شأنها أن توضح تلك التي كانت في متناول يده
- واقتصر عليها - ، وأن تكملها أو تنقضها ) (١) .
ويقول الدكتور أحمد شلبي : ( ومن أهم ما يجب أن يلاحظ في
المراجع تخصصها في النقطة التي يُبحث فيها ، فإذا كان البحث مثلاً في
التاريخ فمراجعه الأصلية العامة هي كتب التاريخ ) (٢).
ويؤكد الدكتور صالح العساف أن معيار العلمية في مناهج البحث
التي تدرس الظاهرة الإنسانية كما أشار كثير من علماء المنهجية هي : الدقة ،
إبراز الأدلة ، واتباع المنهج العلمي بخطواته المختلفة ، ومنها : ( جمع
المعلومات عن المشكلة ، متوخياً في ذلك البحث عن أصدق المصادر تأليفاً
ومحتوى ) (٣).
ويتفق أساتذة المنهجية ، على أن من أهم واجبات الباحث ، إن لم
يكن من أولها ، أن يحيط إحاطة تامة بمصادر بحثه الأصلية التي تكون
شديدة الصلة به ، ويؤكدون على أن الاعتماد على مصادر ثانوية أو غير
متخصصة يضر بالبحث ونتائجه (٤) .
(١) المدخل إلى الدراسات التاريخية، مطبوع ضمن كتاب النقد التاريخي ( ص ٥ - ٦) والكتاب
اشترك في تأليفه لانجلوا وزميله سينوبوس ، والفصل الأول إلى السادس من كتابة لا نجلوا .
(٢) كيف تكتب بحثاً أو رسالة ( ص ٦١) بتصرف يسير .
(٣) المدخل إلى البحث في العلوم السلوكية ( ص ٢٩٧ ).
(٤) البحث الأدبي ( ص٢٩٦، ٢٩٧)، مناهج البحث العلمي ( ص ١٨٤ - ١٨٥)، منهج
البحث في الأدب واللغة ( ٦٤ - ٦٥)، مزالق في طريق البحث اللغوي والأدبي ( ص ٢٥).
- ١٠٥ -

الفصل الثاني
إن آراء ((شاخت)) وأحكامه القطعية التي صرح بها حول السنة
النبوية ، لم يُراع فيها هذا الأصل المهم من أصول المنهجية في البحث
العلمي .
وفي ذلك يقول الدكتور الأعظمي : ( لقد كان لسوء اختيار
المستشرقين مواد دراسة الأسانيد أكبر الأثر في وقوعهم في أخطار جسيمة ،
نجمت عن سوء ذلك الاختيار في انتقاء المواد لهذه الدراسة . . . وبالتالي
وصلوا إلى نتائج خاطئة ؛ لاختيارهم مواد غير مناسبة للبحث والتنقيب عما
يريدون .
لقد قام البروفسور ((شاخت)) بدراسة كتاب الموطأ للإمام مالك ،
والموطأ للإمام محمد الشيباني ، وكتاب الأم للإمام الشافعي ، وغني عن
القول : إن هذه الكتب أقرب ما تكون إلى الفقه من كتب الحديث ، وعلى
الرغم من ذلك فقد عمم نتيجته التي توصل إليها في دراسته لتلك الكتب ،
وفرضها على كافة كتب الحديث ، وكأنه ليست هناك كتب خاصة بالأحاديث
النبوية ، وكأنه ليس هناك فرق بين طبيعة كتب الفقه وكتب الحديث ) (١) .
والخطأ المنهجي الذي وقع فيه (( شاخت )) هو أنه انتقى المراجع التي
يمكن أن يجد فيها ما يؤيد بحثه ، ذلك لأن الكتب الأخرى غير كتب
الحديث ، لا يهتم أصحابها بسياق السند كاملاً ، ويؤكد ذلك قول الشافعي
رحمه الله تعالى : ( وكل حديث كتبته منقطعاً فقد سمعته متصلاً أو مشهوراً
عن من روي عنه بنقل عامة من أهل العلم يعرفونه عن عامة ، ولكن
كرهت وضع حديث لا أتقنه حفظاً ، فاختصرت خوف طول الكتاب ،
(١) دراسات في الحديث النبوي (٢ / ٣٩٧ - ٣٩٨).
- ١٠٦ -

المبحث الثاني
فأتيت ببعض ما فيه الكفاية دون تقصي العلم في كل أمره ) (١) .
ويقول أبو يوسف القاضي في رده على الأوزاعي : ( ولولا طول
الكتاب ؛ لأسندت لك الحديث ) (٢).
ويرى الدكتور الأعظمي أن من الظواهر التي تختص بها كتب الفقه
من حيث الاستشهاد بالأحاديث :
١ - حذف جزء من الإسناد ، والاكتفاء بأقل قدر ممكن من المتن
الذي يدل على المقصود ، وذلك تجنباً للتطويل .
٢ - حذف الإسناد بكامله ، والنقل مباشرة من المصدر الأعلى
للرواية .
٣ - استعمال كلمة السنة أو إحدى مرادفاتها للدلالة على أفعال
الرسول ﴿ ﴿ ، بدون ذكر حديث أو إسناد ؛ لأن الحديث كان معروفاً
ومشهوراً في الأوساط العلمية .
٤ - ذكر طريق واحد فقط من الإسناد من عدة طرق متوفرة (٣).
وبإدراك هذه الفروق يتحقق لكل صاحب نظر صحيح أن
((شاخت)) قد ارتكب خطأ علمياً جسيماً بإجرائه لدراسته عن الأحاديث
النبوية من خلال الكتب الفقهية ، وبحسب أصول المنهج العلمي الصحيح ،
-
(١) الرسالة ( ص ٤٣١).
(٢) الرد على سير الأوزاعي ( ص ٣١).
(٣) دراسات في الحديث النبوي (٢ / ٤٠٤)، أصول الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة
نقدية ( ص ٣٢١) ، وقد ساق عدة شواهد تطبيقية على ذلك .
- ١٠٧ -

الفصل الثاني
فإن أي دراسة أو نتيجة يصل إليها الباحث في الأحاديث النبوية أو الأسانيد
في غير مصادرها الأصلية ذات الاختصاص المباشر ، ونعني بها كتب
الحديث بمختلف أنواعها رواية ودراية ، محكوم عليها بالإخفاق ومجانبة
الحقيقة ؛ لأنها لن توصل إلى النتيجة السليمة والمنطقية بل ستكون مخالفة
للواقع (١).
ثم هناك أمر آخر يظهر منه عدم مصداقية ((شاخت)) في انتقائه
لمصادره ، ذلكم هو أنه يعتمد كتابات الإمام الشافعي اعتماداً كلياً ، مع أنه
في نظره متهم بأنه كثيراً ما يحرف في أصول مخالفيه ومبادئهم ، ويسوق على
ذلك أكثر من ثلاثين مثالاً ، ويطعن عليه بأنه يزيد من عنده في كلام
خصومه ويسوق على ذلك عدة أمثلة (٢).
والسؤال : إذا كان الإمام الشافعي غير موضوعي عند شاخت فهل
يجوز في معايير المنهج العلمي أن يعتمد عليه ؟ ثم ما هي المعايير التي تجعله
يقبل كلامه أحياناً ، ويرفضه أحياناً بدون أي مسوِّغ منطقي ؟
(١) دراسات في الحديث النبوي (٢ / ٤٠٥) .
(٢) المستشرق شاخت والسنة النبوية ( ص ٨٩ ).
- ١٠٨ -

المبحث الثالث
الشك غير المنهجي
يعطي أساتذة المنهجية الشك المنهجي مكانة مهمة ، عبرّ عنها أحدهم
بقوله : ( في كل علم ينبغي أن تكون نقطة البدء هي الشك المنهجي . فكل
ما لم يثبت بعد ، ينبغي أن يظل مؤقتاً موضوعاً للشك ، ولتوكيد قضية ما
ينبغي تقديم الأسباب التي تبرر الاعتقاد بأنها صحيحة صادقة) (١) .
وقد عرف مجمع اللغة العربية الشك المنهجي بأنه : ( مرحلة أساسية
من مراحل منهج البحث في الفلسفة ، وقوامها تمحيص المعاني والأحكام
تمحيصاً تاماً بحيث لا يُقبل منها إلا ما ثبت يقينه ، ومن أبرز من قال به
الغزالي ثم ديكارت . فعلى الباحث أن يحرر نفسه من الأفكار الخاطئة
بالشك ، وأن يتروى فيما يعرض له ، فلا يتسرع في حكمه ) (٢).
وفي تعريف آخر للأستاذ جبور عبدالنور : ( هو موقف يتميز عن
الشك الارتيابي بأنه وقتي ، ويُسلّم بالمقدرة على بلوغ حقائق أكيدة شرط
التمكن من التدليل عليها) (٣).
ولنا أن نتساءل بعد أن عرفنا ما هو الشك المنهجي : متى يكون
(١) المدخل إلى الدراسات التاريخية (ص ١٢٢ ).
(٢) المعجم الفلسفي ( ص ١٠٣ ).
(٣) المعجم الأدبي ( ص ١٥٤ ) .
- ١٠٩ -

الفصل الثاني
الشك في معايير البحث العلمي غير منهجي ؟
والجواب الصحيح عن هذا السؤال : بأنه يكون كذلك إذا كان
الشك يتسم بالإفراط والإنكار والنفي من دون بينة أو قرينة مقبولة ، ولذا
نجد أن أساتذة المنهجية الذين حثوا على الشك المنهجي ، قد حذروا منه
أيضاً ، ومن هؤلاء لانجلوا فقد حذر المؤرخين من الإفراط في الشك ،
ناصحاً لهم بعد أن شدد على أهميته ، فقال : ( ينبغي ألا نسيء استعماله ،
فإن الإفراط في الشك والاتهام في هذه الأمور ، يكاد يكون له نفس النتائج
الضارة ؛ للإفراط في الثقة والاعتقاد ) (١).
ويقول الدكتور علي جواد الطاهر : ( الشك ضروري على أن يكون
علمياً ، وفي حدود الحقيقة ، وأن يقع في السلب والإيجاب ، وفيما لنا ، وما
علينا . أما الشك المرضي أو الشك الذي تدفعك إليه نزوة في مخالفة المألوف
... فهو خارج حدودنا، وليس من وكدنا ) (٢).
والذي وقع فيه ((شاخت )» هو أنه رفض القبول ببعض الأمور
المتعلقة بالسنة النبوية ورواتها ، بناءً على شك لا يستند إلى دليل أو قرينة
مقبولة علمياً ، ومن صنيعه في ذلك زعمه بأن كافة كتب التراجم التي
تبحث في ترجمة موسى بن عقبة غير موثوق بها ، والسبب - في نظره -
يرجع إلى أنه قد زيدَ في أسماء شيوخ موسى ، وكذلك في أسماء تلامذته بعد
أن كثرت الأحاديث الموضوعة وأسانيدها المختلقة، ويحيل ((شاخت)) القراء
إلى أن يقوموا بموازنة بين ترجمة موسى بن عقبة في « طبقات ابن سعد)) ،
(١) المدخل إلى الدراسات التاريخية (ص ٧٥ ).
(٢) منهج البحث الأدبي ( ص٤٦ ).
- ١١٠ -

المبحث الثالث
و ((التاريخ الكبير للبخاري))، وهما من أقدم المصادر، وما كتب عنه في
المصادر المتأخرة ليتبين لهم الفرق ، إذ المصادر القديمة مقتضبة بعكس
المصادر المتأخرة، والخلاصة التي يخرج بها القارئ من كلام ((شاخت)) أن
كتب التراجم كلها ليست جديرة بالثقة (١) .
وقد تولى الدكتور الأعظمي (٢) تفنيد هذا الرأي بأسلوب علمي
رصين حيث بين أن محاولة زرع الشك في قلوب الباحثين حول قيمة كتب
التراجم استناداً إلى التراجم المقتضبة لموسى بن عقبة لا يستند إلى أي دليل
علمي ؛ لأنه لا أحد من أولئك العلماء زعم أنه سيحاول استقصاء كافة
المعلومات عن كل شخص يترجم له .
ثم ساق الأعظمي مثالاً وازن فيه ترجمة شعبة بن الحجاج في ثلاثة
مصادر من كتب التراجم هي: (( الطبقات)) لابن سعد ( ت ٢٣٠ هـ ) ،
وكتاب ((العلل ومعرفة الرجال)) للإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ ) ، وكتاب
((التاريخ الكبير)) للبخاري (ت ٢٥٦ هـ ) .
فكانت النتيجة أن ابن سعد (٣) ترجم له في تسعة أسطر ولم يذكر من
شيوخه أو تلاميذه أحداً ، أما البخاري (٤) فترجم له في ثمانية أسطر ذاكراً اثنين
من شيوخه ، وكذلك تلامذته لم يذكر إلا اثنين فقط ، أما الإمام أحمد (٥) الذي
(١) كلام ((شاخت)) عن موسى بن عقبة نشره في إحدى المجلات الاستشراقية اسمها ( Acra
Orientalia)» المجلد ٢١ سنة ١٩٥٣م ( ص ٢٨٨ - ٣٠٠)، وقد لخصه الدكتور الأعظمي
في كتابه دراسات في الحديث النبوي (٢ / ٣٨٦ - ٣٨٧).
(٢) دراسات في الحديث النبوي (٢ / ٣٨٨ - ٣٩٠).
(٣) الطبقات الكبرى (٧ / ٢٨٠ - ٢٨١).
(٤) التاريخ الكبير (٤ / ٢٤٤ - ٢٤٥).
(٥) العلل ومعرفة الرجال (١ / ٤٧٢ - ٤٧٥ ) .
- ١١١ -

الفصل الثاني
توفي بعد ابن سعد ، وقبل البخاري فيذكر لشعبة مائة وخمسين شيخاً .
وطبقاً لنظرية ((شاخت)) لنا أن نتساءل : إذا كانت الأحاديث
الموضوعة والأسانيد المختلقة كانت وراء تكاثر أسماء شيوخ شعبة في مدة أحد
عشر عاماً ، هي الفاصل الزمني بين وفاتي ابن سعد وابن حنبل ، بحيث
ارتفع العدد من الصفر عند الأول إلى مائة وخمسين عند الثاني ، فما هي
الطريقة التي استعملها البخاري بحيث تمكن من إرجاع ذلك العدد الكبير
إلى اثنين فقط ، وبعد مضي خمسة عشر عاماً أخرى ؟
وكيف تقلصت القائمة عند البخاري عن قائمة ابن حنبل ، وكان من
المفروض بناءً على نظرية ((شاخت)) أن تنمو أكثر فأكثر ؟
ومثال آخر على استعمال هذا المستشرق للشك بصورة غير علمية
ألبتة: وهي طعنه في ((سلسلة الذهب)) عند المحدثين أعني حديث مالك
عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما ، فقد شكك في ثبوت سماع مالك من
نافع مولى ابن عمر ، وهذه نص عبارته المترجمة : ( بما أن نافعاً مات في سنة
١١٧ هـ أو قريباً منها، ومات مالك في سنة ١٧٩هـ ، فعلاقتهما ممكنة
الوقوع عندما كان مالك فتى . بل ربما كان موضع شك أيضاً ما إذا لم يأخذ
مالك - الذي يتهمه الشافعي في موضع آخر بالتدليس - مروياته من
أحاديث مدونة يزعم مجيئها عن نافع ) ثم يذكر في الحاشية : ( ليس هناك
تاريخ موثوق معروف لميلاد مالك ) (١) .
وقد نص جمهور العلماء على أن مالكاً رحمه الله قد ولد سنة ٩٣ هـ
وهذا أصح الأقوال ، وذهب البعض إلى أن ولادته كانت سنة ٩٠ ، وقيل
(١) هذا النص من كتاب أصول الفقه المحمدي لشاخت (ص ١٧٦ - ١٧٧)، نقلاً عن (( أصول
الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة نقدية)) ( ص ٢٩٩ - ٣٠٠ ).
- ١١٢ -

المبحث الثالث
٩٤، وقيل ٩٥، وقيل ٩٦، وقيل ٩٧ هـ (١) . فعلى الرأي الراجح يكون
عمره حين مات نافع في الرابعة والعشرين ، وعلى أبعد الأقوال يكون عمره
في العشرين ، ومالك كنافع كلاهما من أهل المدينة ، فهل يمتنع في العقل أن
يكون تتلمذ عليه وسمع منه ، ألا يوجد في زمننا أناس كثر يتخرجون من
الجامعة وهم في الثانية والعشرين من عمرهم أو أقل ؟!
إن المثالين اللذين ذكرتهما عن استعمال ((شاخت)) للشك غير
المنهجي هما غيض من فيض شكوك تفتقر لمقومات الشروط المعتبرة في الشك
المنهجي ، ولكن المقام لا يحتمل الاسترسال في ذكر الشواهد والرد عليها .
ولابد هنا من التذكير بأن المنهج العلمي الصحيح لا يقر الخلط بين
الشك المنهجي والرفض العلمي المبني على دليل ؛ لأن الشك يكون مشروعاً
ومطلوباً في البحث العلمي بوصفه خطوة أولى هدفها هو التثبت في الأمر ،
ولا يحق للباحث أن يرفض كل أو بعض ما يدعيه مخالفه من أدلة تدعم رأيه
لا لشيء إلا لأنها تؤيد رأيه ، ذلك لأن للمخالف أيضاً أن يعامله بالمثل
فيقول له : أنت إنما رفضت دليلي ؛ لأن قبوله يضعف رأيك ، ونصرت
غيره ؛ لأنه يؤيد وجهة نظرك ، فلابد للشك حتى يكون علمياً من معايير
موضوعية علمية بعيدة عن الذاتية والتحيز (٢) .
(١) ترتيب المدارك (١ / ١١٠).
(٢) من طرائف ما وقفت عليه أن تلميذ المستشرقين المخلص ((طه حسين)) الذي توسع في تطبيق
الشك في دراساته الأدبية ، وجدته ينعى على المستشرقين سوء استعمالهم للشك حين تكون
بحوثهم تتعلق بالرسول ﴿ وسيرته ، بينما موقفهم من شعر أمية بن الصلت موقف المتيقن
المطمئن مع أن أخباره ليست أدنى إلى الصدق ولا أبلغ في الصحة من أخبار السيرة النبوية، ثم
يتساءل بتعجب : فما سر هذا الاطمئنان الغريب إلى نحو من الأخبار دون الآخر ؟ أيكون
المستشرقون أنفسهم لم يبرؤوا من هذا التعصب الذي يرمون به الباحثين من أصحاب الديانات .
انظر في الأدب الجاهلي ( ص ١٤٣ ).
- ١١٣ -

المبحث الرابع
إهمال الأدلة المضادة
من أسوأ العيوب المنهجية ، وأشدها خطورة على نتائج أي بحث
علمي ، هي أن يتجاهل الباحث الأدلة المضادة - يعني المخالفة - لرأيه
سواءً أكان ذلك بسبب إهماله أم تحيزه أم لأي سبب آخر ، ويصف أحد
المفكرين الغربيين العالم أو الباحث الذي يخفي الأدلة التي لا تؤيد نظريته بأنه
يعد في عالم العلم ( مثل المالي الغشاش ، أو المحاسب الذي يزيف في دفاتره
في عالم المال ) (١).
ويذكر أحد أساتذة المنهجية أن من أهم العوائق التي تحول بين
الباحث ، وبين الوصول إلى الحقيقة : تجاهل الأدلة المضادة ، وعليه فإن
الدليل المضاد يجب أن يُعطى وزن الدليل المؤيد نفسه ، حتى لو كان في ذلك
تغيير لمنطلقات البحث الأساسية ؛ لأن هدف الباحث الأول هو الوصول إلى
الحقيقة (٢).
ويؤكد آخر بأنه ينبغي على العالم أن يكون كالقاضي النزيه الذي
يسعى وراء الأدلة التي تنفي آراءه أكثر من تلك التي تؤيدها (٣).
(١) الأخلاق النظرية ( ص ١٩٠ - ١٩١ ).
(٢) كيف تكتب بحثاً (ص ٣١ - ٣٢).
(٣) فلسفة العلوم (ص٩٤ ).
- ١١٤ -

المبحث الرابع
ولبيان خطورة الأدلة المضادة على نتائج أي بحث علمي ، سنقتطف
هذين النصين ، أحدهما للدكتور توفيق الطويل يقول فيه : ( إن الأمثلة
الإيجابية - أي التي تؤيد صحة فرض من الفروض - لا تكفي لإثبات
صدقه ؛ لأن الشواهد السلبية التي تنفي صحته أهم في مجال الاختبار
والتمحيص من الشواهد المؤيدة له ، بل إن مثالاً واحداً يتنافى مع الفرض
يكفي لهدمه ، وبيان فساده بإلغاء عدد الشواهد المؤيدة لصدقه) (١).
والآخر لأحد رواد علماء المنهجية في العصر الحديث وهو فان
دالين (٢)، يقول فيه: ( وبصرف النظر عن مقدار الأدلة التي أمكن
التوصل إليها لتأييد فرض من الفروض ، فإن بنداً واحداً يحمل دليلاً
معارضاً ، يمكن أن يثبت بطلان ذلك الفرض ) (٣).
بعد أن قررنا هذا الأمر من الكتب المختصة ، يأتي الآن دور النظر في
مخالفات ((شاخت)) لهذا الأصل الخطير من أصول المنهجية العلمية مع ذكر
بعض الأمثلة .
سبق معنا أن ((شاخت)) يرى أن الرسول ◌َ﴾ لم يكن مبالياً بأمور
الشريعة - أي القانون كما ورد في تعبيراته - ، ولهذا فلم تكن سلطته في
المدينة النبوية لما هاجر إليها سلطة تشريعية (٤) .
(١) مسائل فلسفية (ص ١٠٩ - ١١٠).
(٢) يقول الدكتور صالح العساف في كتابه المدخل إلى البحث في العلوم السلوكية ( ص ٢٨٤ ):
( فان دالين هو من رواد علماء المنهجية، ويعد كتابه ((مناهج البحث في التربية وعلم النفس))
مرجعاً أساسياً لكثير ممن كتب في المنهجية فيها بعده ) .
(٣) مناهج البحث في التربية وعلم النفس (ص ٢٢٩).
(٤) أصول الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة نقدية ( ص ٣٠ - ٣١).
- ١١٥ -

الفصل الثاني
إن ((شاخت)) أهمل هنا الأدلة المعارضة ، وهي الأدلة القرآنية التي
تذكر بجلاء وجوب اتباع النبي ◌َ ◌ّر في كل شيء ، ومن ذلك مثلاً :
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأَوْلِي
الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ والرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ( النساء : ٥٩).
وقوله تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْتَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ( النساء:
٦٥ ) .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا
أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُن للخَائِنِينَ خَصِيماً﴾ (النساء: ١٠٥).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
فَانْتَهُوا﴾ ( الحشر : ٧).
وقوله تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ
أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَغْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ
ضَلَالاً مُبِيناً﴾ (الأحزاب: ٣٦).
إن تدبر هذه الآيات يعطينا نتيجة مخالفة كلياً لرأي ((شاخت ))
الآنف ، تدحض خيالاته بصورة أكيدة .
ولفداحة هذا الخطأ المنهجي ، تخلى بعض المستشرقين (١) عن رأي
(١) انظر نصوصاً مختصرة عن بعضهم في أصول الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة نقدية
(ص ٣٣ - ٣٤)، والمستشرق شاخت والسنة النبوية (ص ٧٨ - ٧٩ ).
- ١١٦ -

المبحث الرابع
((شاخت)) السابق ، وعارضوه فيما توصل إليه من نفي السلطة التشريعية
عن المصطفى #، ومن هؤلاء تلميذه المستشرق ((كولسون)) الذي صرح
بمعارضته لرأي أستاذه مستدلاً على رأيه بقوله : ( إن القرآن كان قد أثار
قضايا اهتم بها المجتمع الإسلامي اهتماماً مباشراً بطبيعة الحال ، ولا بد أن
النبي ◌َّة نفسه اضطر لتناولها بحكم سلطته السياسية والتشريعية في المدينة.
.. وحينما يجحد - يعني ((شاخت)) - صحة كل حكم منسوب في الواقع
للنبي وَل فإن فجوة ستنشأ - أو تختلق بالأحرى - في تصور تطور التشريع
الإسلامي في المجتمع المسلم الباكر ، ومن منطلق واقعي ، بأخذ الظروف
التاريخية السائدة آنذاك في الحسبان فإنه يبدو من الصعب التسليم بهذا الفهم
المؤدي لمثل هذه الفجوة . . . واقتراحي هو أن مادة أحاديث كثيرة
- وبخاصة تلك التي تتناول مشكلات يتكرر ظهورها وتثيرها التشريعات
القرآنية - قد تُعبِّ حقيقة في أقل تقدير عما يقترب من حكم النبي نَّر الذي
حفظه النقل الشفهي العام في أول الأمر ) (١) .
لا يمكن لأحد أن يزعم أن «شاخت)) لم يكن مطلعاً على القرآن ،
وملمً بكلياته العامة ومبادئه الأساسية ، ولذا كان تجاهله لنصوص القرآن في
تقرير تلك المسألة خطأ منهجياً مرفوضاً حتى مِنْ قِبَلِ معجبيه ومؤيديه كما
رأينا .
ومن أمثلة تجاهل هذا المستشرق للأدلة المضادة لآرائه ، قاعدته التي
ذكرناها فيما تقدم وفحواها : ( السكوت عن الحديث في موطن الاحتجاج
(١) في تاريخ التشريع الإسلامي ( ص ٩٤ ).
(٢) توثيق الأحاديث النبوية نقد قاعدة شاخت ( ص ٦٩٧ ).
- ١١٧ -

الفصل الثاني
دلیل على عدم وجوده ) (٢)
وقد أهمل الأدلة المضادة لهذه القاعدة بصورة فاضحة جداً ، مع أنه
يتكلم عن قاعدة عامة يستعملها لبيان الأحاديث الموضوعة والمكذوبة في
زعمه ، وقد تولى الدكتور ظفر إسحاق الأنصاري (١) مناقشة هذه القاعدة
بأسلوب علمي رفيع جداً ، وسأقوم بتلخيص كلامه مبرزاً جانب تجاهل
الأدلة المضادة .
يرى الدكتور ظفر أنه من غير الممكن ادعاء صحة حجة شاخت إلا
إذا كوّنا الافتراضات التالية :
١ - كلما ذكرت الأحكام الشرعية في القرنين الأول والثاني ، ذكرت
معها أدلتها المؤيدة ، ولا سيما الأحاديث .
٢ - إن الأحاديث المعروفة لأحد الفقهاء أو المحدثين ينبغي أن تُعرف
بالضرورة عند كل فقهاء عصره ومحدثيه .
٣ - إن كل الأحاديث المتداولة في فترة زمنية معينة كانت مدونة
ومعروفة على نطاق واسع ، ومن ثم حفظت بحيث إذا لم نُوفق في إيجاد
حديث ما ضمن أعمال عالم معروف ، فإن ذلك يعني عدم وجوده في
عصره، أو عدم وجوده في بلده أو في أي مكان آخر من العالم الإسلامي .
هذه الافتراضات وإن لم يصرح بها ((شاخت))، إلا أنها لازمة
لقاعدته المذكورة آنفاً ، وهي الأسس الداعمة لتكوينها التي لولاها
لانهارت . ولا يشك العارف بتاريخ التشريع الإسلامي فقهاً وحديثاً عدم
(١) السابق ( ص ٦٩٤ - ٧٠٦).
- ١١٨ -