Indexed OCR Text

Pages 281-300

سادس عشرها: سؤال الله تعالى بنعمته السالفة - نعمته
اللاحقة .
سابع عشرها: مراعاة انشراح النفوس ونشاطها لفعل الطاعة.
ثامن عشرها: الحث على سلوك الأدب، وأن الشخص
لا ينبغي له أن يثق بنفسه، ولا يدعي شيئاً من القوة والقدرة على لقاء
العدو، فإنه لا حول ولا قوة إلاّ بالله.
٢٨١

الحديث الثاني
٨٠/٢/٤١٧ - عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله
عنهما، أن رسول الله بَّر، قال: ((رباط يوم في سبيل الله خيرٌ من.
الدنيا وما عليها. وموضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما
عليها. والروحة يروحها العبد في سبيل [الله](١)، أو الغدوة: خيرٌ من
الدنيا [وما فيها] (٢))(٣).
[الرباط: مراقبة العدو في الثغور المتاخمة لبلاده] (٤).
الكلام علیه من وجوه :
(١) في الأصل ساقطة
(٢) ذكر الشارح أنه بهذه السياقة للبخاري في باب فضل رباط يوم في سبيل الله
وهنا (فيها)، وفي البخاري: (وما عليها).
(٣) البخاري (٢٧٩٤)، ومسلم (١٨٨١)، وأحمد (٤٣٣/٣) (٣٣٨/٥)،
وابن ماجه (٢٧٦٦)، والحميدي (٩٣٠)، والنسائي (٤٠/٦) والنسائي
في الكبرى (٤٣٢٦)، والترمذي (١٦٦٤)، وأبو عوانة (٤٧/٥)،
والطبراني (٥٧١٦/٦، ٥٨٥٨، ٥٨٩٢)، والبيهقي في السنن
(٢٦٦/٩).
(٤) زيادة من إحكام الأحكام.
٢٨٢

أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في أول كتاب
الجمعة .
ثانيها: هذا الحديث بهذه السياقة للبخاري في الجهاد: في لفظ الحديث في
باب فضل رباط يوم في سبيل الله خير. ورواه قبله مختصراً. ورواه
البخاري ومسلم
مسلم مختصراً بلفظ ((والغدوة يغدوها في سبيل الله خير من الدنيا وما
فیها)) .
ثالثها: روى حديث «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من من روى
الحديث من
الدنيا وما فيها». رواه مع سهل بن سعد من الصحابة عمر بن الصحابة
الخطاب(١) وأنس (٢) / وابن عباس(٣) والزبير(٤) وأبو [١٢٢٥ هـ/ب]
(١) السنن الكبرى (١٨٧/٣)، ولفظ: ((الغدوة في سبيل الله أو روحة خير من
الدنيا وما فيها)، قال ابن كثير في كتابه ((مسند الفاروق)) (٢٠٧) فيه
انقطاع. اهـ.
(٢) ولفظه: ((غدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها)) البخاري
(٢٧٩٢)، وفي مسلم (١٨٨٠)، وأحمد في المسند (١٣٢/٣، ١٤١،
١٥٣، ١٥٧، ٢٠٧، ٢٦٣، ٢٦٤)، وأبو عوانة (٤٧/٥)، وابن
أبي شيبة (٢٨٦/٥)، والزهد لابن أبي عاصم (٢٤٢)، وابن ماجه
(٢٧٥٧/٢)، والبغوي (٣٥١/١٠، ٣٥٢)، والترمذي (١٦٥١).
(٣) ولفظه: ((لغدوة أو روحة خير من الدنيا وما فيها))، أحمد في المسند
(٢٥٦/١)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢٨٤/٥) (٥١٢/١٤)، والترمذي
(١٦٤٩)، والطيالسي (٢٦٩٩)، والطبراني في الكبير (٣٨٨/١١)، وابن
عساكر في تاريخه تهذيب (٣٩٢/٧).
(٤) ولفظه: ((لغدوة في سبيل الله وروحة خير من الدنيا وما فيها» البزار
(١٩٩/٣)، وأبو يعلى (٣٩/٢)، والعقيلي في الضعفاء (٢٧٦/٣)، =
٢٨٣

[١/٢٧٣/ب] هريرة (١)، وأبو أيوب(٢) ومعاوية / ابن حديج(٣)، وأبو حميد(٤).
وأورده الدارقطني في العلل (٤/ ٢٤٠، ٢٤١)، قال في مجمع الزوائد
=
(٢٨٥/٥)، رواه أبو يعلى والبزار وفيه عمرو بن صفوان المزني ولم أعرفه
وبقية رجاله ثقات .
(١) ولفظه: ((لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها)) مسلم
(١٨٨٢)، والبخاري (٢٧٩٣)، وأحمد (٥٣٢/٢، ٥٣٣)، والترمذي
(١٦٤٩)، وابن أبي شيبة (٣٣٢/٥)، والزهد لابن أبي عاصم (٢٣٩،
٢٤٧) .
(٢). ولفظه: ((لغدوة في سبيل الله أو روحة في سبيل الله خير مما طلعت عليه
الشمس)) مسلم: (٣٨٨٣)، والنسائي (١٥/٦)، والنسائي في الكبرى
(١٢/٣)، وأحمد (٤٢٢/٥)، والترمذي (١٦٤٨)، أبو عوانة (٤٨/٥)،
وابن أبي شيبة (٥٦٠/٤)، وعبد بن حميد (٢٢٥)، والطبراني في الكبير
(٢١٧/٤).
(٣) ولفظه: ((غدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها)»، أحمد في
المسند (٤٠١/٦)، والطبراني في معجمه الكبير (١٠٤٥/١٩، ١٠٤٦،
١٠٤٧٠)، قال في مجمع الزوائد (٢٨٤/٥)، وفيه ابن لهيعة، وهو حسن
الحدیث.
(٤) لم أجده بعد البحث والتحري ..
أيضاً جاء من رواية أبي الدرداء أخرجه ابن أبي عاصم في الزهد
(٢٤٨).
وقد ذكر ابن أبي عاصم في كتابه الجهاد (٢٢٨) من رواه من الصحابة
وأغفل عمر بن الخطاب والزبير، وأبا حميد، وزاد رواية أبي الدرداء.
أقول: وجاء من رواية.
١ - أبي أمامة رضي الله عنه عند أحمد (٢٦٦/٥)، وسنده ضعيف.
٢٠ - وعبد الله بن بسر رضي الله عنه، ولفظه: «لغدوة أو روحة في =
٢٨٤

قاله ابن منده. وهو مخرج في ((الصحيحين)) من حديث أنس،
وأبي هريرة. وفي (صحيح مسلم)) من حديث أبي أيوب.
والمصنف ذكره بعد من حديث أنس وأبي أيوبَ كما ستعلمه.
رابعها: ((الرباط)) مراقبة العدو في الثغور المتاخمة لبلادهم معنى (الرباط)
بحراسة من بها من المسلمين، وهو في الأصل الإِقامة على الجهاد.
وقد يطلق على كل مقيم على طاعة: كالطهارة والصلاة وغيرهما
من العبادات. ومنه الحديث الصحيح(١) المشهور في إسباغ الوضوء
على المكاره وغيره: ((فذلكم الرباط)»، وهو مصدر رابطت أي
لازمت.
وقيل: هو اسم لما يربط به الشيء، أي: يشد فكأن المرابط
في الثغور وغيرها ربط نفسه عن الاشتغال بغيرها من المخالفات
وحظوظ النفوس.
=
سبيل الله خير من تعبد عبد في بيته سبعين عاماً).
٣ - عن ابن عمر رضي الله عنهما ((غدوة في سبيل الله عزَّ وجلّ خير من
خمسين حجة))، عبد الرزاق (٢٦٠/٥)، وابن المبارك (١٨٦/٢)، وسنن
سعيد بن منصور (١٤٤/٣/٢).
٤ - وجاء مرسلاً من رواية الحسن البصري.
(١) ولفظه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ومؤلفون: ((ألا أدلكم
على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟))، قالوا: بلى
يا رسول الله، قال: ((إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى
المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط)). رواه مسلم
(٤١)، الترمذي (٥١).
٢٨٥

خامسها: ((السبيل)) الطريق يذكر ويؤنث. وقد أسلفنا الكلام
على السبيل في الحديث الثامن من باب أفضل الصيام وغيره، فراجعه
من ثم .
سادسها: [قوله](١) ((خير من الدنيا وما عليها))، أي: [إن](٢)
ثواب ذلك خیر من نعيم الدنیا کله لو ملکه إنسان، وقصد تنعمه به،
لأنه زائل، ونعيم الآخرة باق، ولو لم يكن منه إلاَّ النظر إلى وجهه
الكريم لكان كافياً، نسأل الله أن لا يحرمنا إياه.
وقيل: في معناه ومعنى نظائره من تمثيل أمور الآخرة وثوابها
بأمور الدنيا: أنها خير من الدنيا وما فيها، لو ملكها إنسان وملك ما
فيها وأنفقها في أمور الآخرة حكاه القاضي (٣) قال: هذا القائل وليس
تمثيل الباقي بالفاني على ظاهره، أي: لأنه لا يقاس به، وإنما يقع
التفضيل من علتين أخروتين باقيتين. وقال الشيخ تقي الدين(٤): فيه
و جهان:
أحدهما: أن يكون من باب تنزيل الغيب منزلة المحسوس،
تحقيقاً له وتثبيتاً في النفوس، فإن ملك الدنيا ونعيمها ولذاتها
محسوسة، مستعظمة في طباع النفوس فحقِّق عندها أن ثواب اليوم
-
(١) في ن هـ ساقطة.
(٢) في ن هـ ساقطة.
(٣) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٢٢٦/٥)، وشرح مسلم للنووي
(٢٦/١٣، ٢٧).
(٤) إحكام الأحكام (٤/ ٥٠٤).
٢٨٦

الواحد في الرباط وهو من المغيبات خير من المحسوسات التي
عهدتموها من لذات الدنيا .
وثانيها: أنه قد استبعد بعضهم أن يوازن شيء من نعيم الآخرة
بالدنيا كلها، فحمل الحديث أو ما هو في معناه على أن هذا الذي
رتب عليه الثواب خير من الدنيا كلها، لو أنفقت في طاعة الله تعالى.
وكأنه قصد بهذا أن تحصل الموازنة بين ثوابين أخرويين لاستحقاره / [٢٧٤ /١/١]
الدنيا في مقابلة شيء من الأخرى، ولو [(١)] على سبيل التفضيل
[(٢)]، قال الشيخ: والأول عندي أوجه وأظهر.
سابعها: سلف الكلام على حقيقة الدنيا وضبطها في أول
حديث في الكتاب، وهو حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) [فراجعه
من ثم](٣).
ثامنها: قوله: ((وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا
وما [عليها](٤))) إنما ضرب المثل به لأنه مما يخص القوس لأنه
يضرب فرسه في الزحف، ونبه عليه الصلاة والسلام به على أن
موضع السوط في الآخرة في غاية النفاسة، وإن كان تافهاً في الدنيا.
تاسعها: (الروحة)) بفتح الراء: المرة من الرواح أي وقت
كان، والمراد به هنا من الزوال إلى الغروب.
(١) في ن هـ زيادة (كان).
(٢) في إحكام الأحكام زيادة (وأكدار، ولا بأضداد وأغيار، بل).
(٣) في ن هـ ساقطة.
(٤) متن الحديث في الباب (وما فيها)، وهذا يوافق سياق البخاري كما ذكره.
٢٨٧

(والغدوة)) بفتح العين: المرة من الغدو، وهو من أول النهار
إلى الزوال.
أما بالضم فمن صلاة الغداة إلى طلوع الشمس.
((أو)) هنا للتقسيم لا للشك. واللفظ مشعر بأنها تكون فعلاً
واحداً، ولا شك أنه قد يقع على اليسير والكثير من الفعل الواقع في
هذین الوقتين، ففيه زيادة ترغيب وفضل عظيم. فالروحة تحصل هذا
الثواب وكذا الغدوة. قال النووي(١): والظاهر أنه لا يختص ذلك
بالغدوّ أو الرواح من بلدته، بل يحصل هذا الثواب بكل غدوة وروجة
في طريقه إلى الغزو، وكذا غدوه ورواحه في موضع القتال، لأن
الجميع يسمى غدوة وروحة في سبيل [الله](٢)،
[عاشرها](٣): صحف بعض الرواة (الغدوة) بالغزوة، فقال:
((والغزوة يغزوها))، بالزاي والمعروف [بالدال](٤).
[٢٢٦/ هـ/ أ]
[حادي عشرة](٥) /: فيه الحث على الرباط في سبيل الله،
والتنبيه على فضله، وهو أحد شعب الجهاد. وقال ابن حبيب:
وليس من سكن الرباط بأهله وماله وولده مرابطاً، وإنما الرباط من
خرج عن بلده وأهله وماله قاصداً للرباط.
(١) شرح مسلم (٢٦/١٣).
(٢) زيادة من ن هـ.
(٣) في ن هـ (تنبيه) . .
(٤) في ن هـ (الأول).
(٥) في ن هـ (عاشرها).
٢٨٨

وقد اختلف هل هو أفضل من الجهاد أو الجهاد أفضل منه؟ الخلاف في
فذهب ابن عمر إلى الأول، لأن فيه حقن دماء المسلمين، وهو أولى على الرباط
تفضيل الجهاد
من سفك دماء المشركين.
وحجة الثاني: اجتماع الأمرين فيه، وهذا الحديث ظاهر فيه،
لأنه رتب على رباط قوم من الثواب مثل ما يرتب على الروحة
أو الغدوة مع قلة العمل في اليوم وكثرته [وغيرهما](١).
[ثاني عشرها](٢): أن اليوم يطلق عليه رباط. وقال مالك: أقله
[في / الاستحباب أربعون](٣) يوماً.
[١/٢٧٤/ب]
[الثاني عشر] (٤): التنبيه على عظم فضل ما أُعد للمجاهد. وإن
قل عمله.
[الثالث عشر](٥): الحثّ على الغزو والرواح في سبيله.
[الرابع عشر] (٦): التنبيه على حقارة الدنيا وما فيها وعلى فنائها
وبقاء الآخرة.
(١) في ن هـ (فيهما).
(٢) في ن هـ ساقطة.
(٣) في ن هـ ساقطة.
(٤) في ن هـ ساقطة.
(٥) في ن هـ ساقطة.
(٦) في ن هـ ساقطة.
٢٨٩

[الحديث الثالث
٨٠/٣/٤١٨ - عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي وَلّ
قال: ((انتدب الله))، ولمسلم، ((تضمن الله لمن خرج في سبيله،
لا يخرجه إلاَّ جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسولي،
فهو علي ضامن: أن أُدخله الجنة، أو أَرجعه إلى مسكنه الذي خرج
منه، نائلاً ما نال من أجرٍ أو غنيمة)) (١).
ولمسلم: ((مثل المجاهد في سبيل الله، - والله أعلم بمن
يجاهد في سبيله كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في
سبيله، إن توفاه: أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالماً، مع أجرٍ
أو غنيمة))](٢).
(١) البخاري (٣٦)، ومسلم (١٨٧٦)، والترمذي (١٦١٩)، ومالك في
الموطأ (٣٥٥/٢)، والنسائي (١٦/٦، ١٧)، وابن ماجه (٢٧٥٣)،
والنسائي في الكبرى (١١٧٦٠، ١١٧٦١)، والترمذي (١٦١٩)، والبيهقي
في الكبرى (١٥٧/٩)، وأحمد (٣٩٩/٢، ٤٢٤)، وسعيد بن منصور
(٢٣١١، ٢٣١٢).
(٢) في ن هـ ساقطة. والحديث أخرجه البخاري (٢٧٨٦)، ومسلم، والنسائي
(١٧/٦) (١١٩/٨)، والنسائي في الكبرى (٤٣٣٢، ٤٣٣٥)، وابن ماجه =
٢٩٠

الكلام علیه من وجوه:
أحدها: هذه الزيادة التي عزاها المصنف إلى مسلم ليست فيه، توضيح وهم
وإنما هي في البخاري بطولها في باب: أفضل الناس مؤمن مجاهد
للمصنف
بنفسه وماله في سبيل الله (١). وقال: ((بأن يتوفاه)) بدل ((إن توفاه))
فكان ينبغي أن يقول، وللبخاري بدل ولمسلم، وقد وقع له ذلك في
(العمدة الكبرى)» أيضاً.
وفي مسلم من حديث آخر عن أبي هريرة [قال:](٢) قيل حديث آخر في
[لرسول الله( *](٣) ما يعدل الجهاد في سبيل الله (عز وجل] (٤)؟
الترغيب في
الجهاد
قال: ((لا تستطيعوه)) [قال](٥) فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك
يقول: ((لا تستطيعونه)) [و](٦) قال في الثالثة: ((مثل المجاهد في
سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله. لا يفتر عن صيام ولا
صلاة، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله))(٧).
(٢٧٥٣)، وأبو عوانة (٤٥/٥)، وسعيد بن منصور (٢٣٢٠)،
=
وعبد الرزاق (٩٥٣٠)، وابن أبي شيبة (٥٦١/٤)، وأحمد (٤٥٥/٢).
(١) الفتح (٨/٦)، ح (٢٧٨٦).
(٢) زيادة من مسلم.
(٣) في مسلم للنبي وَل.
(٤) زيادة من المرجع السابق.
(٥) زيادة من المرجع السابق.
(٦) زيادة من المرجع السابق.
(٧) مسلم (١٨٧٨)، والترمذي (١٦١٩)، وسعيد بن منصور (٢٣٢٠)،
وأبو عوانة (٤٤/٥، ٤٥)، وأحمد (٤٢٤/٢، ٤٥٩)، والبيهقي في السنن
(١٥٨/٩).
٢٩١

ولفظ: ((انتدب)) للبخاري وفي رواية لهما ((تكفل)) بدل.
((تضمن)) ولم ينبه على هذا [الموضع](١) أحد من الشراح، بل أقروا
ألفاظ الحديث المصنف على ذلك، فاستفده، فإن التنبيه عليه يساوي رحلة، وقد
في الصحيحين
نبهنا فيما مضى على ما وقع للمصنف من هذا النحو، وعادتي في
هذا الشرح أتتبع لفظ المصنف من الصحيحين أولاً قبل شرحه، ولله
الحمد على ذلك وأمثاله.
معنى (اتلب))
ثانيها: معنى ((انتدب)) سارع بثوابه وحسن جزائه. وقيل:
أجاب وهو بمعنى ((تكفل وتضمن)) وكذا رواية ((توكل)) وكل ذلك
عبارة عن تحقيق هذا الموعود من الله سبحانه وتعالى على وجه.
التفضل والامتنان منه، فإن هذه الألفاظ مؤكدة لما تضمن وتكفل به
[١/١/٢٧٥] وتحفظ، وتحقيق ذلك من لوازمها، وهذا الضمان /. ونحوه مواقف
لقوله تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
وَأَمْوَلَهُم ... ﴾(٢) الآية. قال بعض الصحابة: ما أبالي قتلت في
سبيل الله أم قتلت ثم تلا هذه الآية.
ثالثها: قوله: ((إلاَّ جهادٌ في سبيلي)) هو بالرفع، وكذا ما عطف
سببليّ عليه، لأنه فاعل ((يخرج)) والاستثناء مفرغ.
إعراب قوله:
«إلاَّ جهاد في
وقال النووي(٣): هو بالنصب في جميع نسخ مسلم، وكذا
قوله بعده ((وإيمانٌ بي وتصديقٌ))، وهو منصوب على أنه مفعول له
وتقديره: لا يخرجه المخرج ويحركه المحرك إلَّ الجهاد والإيمان.
(١) زيادة من ن هـ.
(٢) سورة التوبة: آية (١١١).
(٣) شرح مسلم (٢٠/١٣).
٢٩٢

والتصديق، ومعناه لا يخرجه إلاَّ محض الإِيمان والإِخلاص لله تعالى
وتصديق رسوله فيما أخبر به عن ربه في الحب على الجهاد
والإِخلاص والجزاء على ذلك.
رابعها: قوله: ((وإيمان بي وتصديق برسولي))، أي: إيمان معنى قوله:
هوإيمان بي
بوعدي لمجازاتي له بالجنة على جهاده، وتصديق رسولي / في وتصديقٌ
ذلك، فهذا الثواب لا يحصل إلاَّ لمن صحت نيته، وخلصت من برسولي؟
شوائب الأغراض الدنيوية طويته فإنه ذُكر بصيغة النفي والإِثبات
[٢٦٦/هـ/ب]
المقتضيين للحصر. وفي رواية في الصحيح ((لا يخرجه إلاَّ جهادٌ في
سبيله وتصديق كلمته))، والمراد بها كلمة الشهادة، وقيل: تصديق
كلام الله في الإِخبار عما للمجاهدين من جزيل ثوابه.
خامسها: قوله: «فهو عليّ ضامن))، فيه وجهان:
معنى قوله: «نھو
عليّ ضامن)،
أحدهما: أنه فاعل بمعنى مفعول، كما قيل في [ماء](١) دافق
(وعيشة راضية))، أي: مدفوق ومرضية على احتمال [هاتين](٢)
اللفظتين [(٣)] [غير](٤) ذلك.
وثانيهما: أنه بمعنى((ذا)) ضمان، أي: صاحب ضمان كـ((لابن
وتامر))، أي: صاحب لبن وتمر، ويكون الضمان ليس منه، وإنما
نسبه إليه لتعلقه به، والعرب تضيف [بأدنى](٥) ملابسة.
(١) زيادة من ن هـ، وموافق الإِحكام الأحكام.
(٢) في الأصل (هذين)، وما أثبت من ن هـ وإحكام الأحكام.
(٣) في ن هـ زيادة (واو).
(٤) في إحكام الأحكام (لغير).
(٥) في المرجع السابق (لأدنى).
٢٩٣

سادسها: قوله: ((فهو عليّ ضامن))، هو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ
يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا ... ﴾(١) الآية.
معنى قوله: ((أن
أدخله الجنة»
سابعها: قوله: ((أن أُدخله الجنة)) يحتمل أن يدخلها أثر موته،
كما قال تعالى في الشهداء: ((إنهم أحياء عند ربهم يرزقون))(٢)،
وقال رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام ((أرواح الشهداء تسرح في
الجنة))(٣) ويحتمل أن يكون المراد دخوله عند دخول السابقين
والمقربين لها دون حساب ولا عقاب ولا مؤاخذة بذنب، وأن
الشهادة کفارة لذنوبه، کما صرح به في الحديث الصحيح، حكاهما
القاضي عياض (٤).
ثامنها: قوله: ((أو أرجعه))، هو بفتح الهمزة وكسر الجيم ثلاثيّاً
متعدِّياً، ولازمه، ومتعديه واحد. قال تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى
طَيِفَكٍْ مِنْهُمْ﴾ (٥)، وقال: ﴿فَرَجَعْتَكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ نَقَرَّ عَيْنُهَا﴾(٦)، وهذيل
تقول: ارجع رباعياً.
ضبط أو
أرجعها
(١) سورة النساء: آية ١٠٠.
(٢) سورة آل عمران: آية ١٦٩.
(٣). جزء من حديث عبد الله بن مسعود وأوله «أرواحهم في جوف طير خضر
لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ... )) الحديث.
أخرجه مسلم (١٨٨٧)، وأبو داود (٢٥٠٣)، والترمذي (١٦٤١)،
وعبد الرزاق (٩٥٥٤)، وأحمد (١٨٦/٦)، وأبو عوانة (٥٣/٥، ٥٤)،
وابن المبارك في الجهاد (٦٢)، والبيهقي (١٦٣/٩).
(٤) ذكره النووي في شرح مسلم (٢٠/١٣، ٢١).
(٥) سورة التوبة: آية ٨٣.
(٦) سورة طه: آية ٤٠.
٢٩٤

تاسعها: ((المسكن)) بفتح الكاف / وكسرها، وقوله: «نائلاً ما [١/٢٧٥/ب]
ضبط (المسكن)
نال)» هو اسم فاعل من نال: والنيل العطاء وقد [فسره](١) في
الحدیث بالأجر والغنيمة.
العاشر: ((الواو)) في قوله ((أو غنيمة)) للتقسيم بالنسبة إلى الواو في قوله:
القسمة وعدمها فيكون المعنى أنه يرجع إلى مسكنه مع نيل الأجر إن
((أو غنيمة)
لم يغنموا أو معه إن غنموا، وقيل: ((أو)) هنا بمعنى الواو أي مع أجر
وغنيمة، وكذا وقع بالواو في ((مسلم)) في رواية يحيى بن يحيى
((وسنن أبي داود)) وتلخيص المعنى إن الله تعالى ضمن أن الخارج
للجهاد ينال الخير بكل حال. فإما أن يستشهد فيدخل الجنة، وأما أن
يرجع بأجر أو به وغنيمة.
واعلم أن هذا الحديث قد عورض بالحديث الثابت في معارضيه
الصحيح (((ما من غازية، أو سرية، تغزو فتغنم وتسلم، إلّ كانوا والجمع بينهما
لحديث آخر
قد تعجلوا ثلثي أجورهم](٢) وما من غازية، أو سرية [(٣)] تخفق
وتصاب إلَّ تم [(٤)] أجرهم))(٥) والإِخفاق أن يغزو فلا يغنم
شيئاً ذكر القاضي عياض معنى ما ذكرناه من المعارضة عن غير
واحد .
(١) بیاض بالأصل، وما أثبت من ن هـ.
(٢) في ن هـ (مکرر).
(٣) في إحكام الأحكام زيادة (تغزو)، وما أثبت من صحيح مسلم.
(٤) في الأصل ون هـ زيادة (لهم)، وما أثبت يوافق صحيح مسلم.
(٥) مسلم (١٩٠٦)، والنسائي (١٨/٦)، وابن ماجه (٢٧٨٥)، وأحمد
(١٦٩/٢)، وأبو داود ( ).
٢٩٥

قال الشيخ تقي الدين(١): عندي أنه أقرب إلى موافقته منه إلى
معارضته .
!
ويبعد جدّاً أن يقال بتعارضهما. نعم [كلّ منهما](٢) مشكل.
أما ذلك الحديث فلتصريحه بنقصان الأجر بسبب الغنيمة. وأما هذا
فلأن ((أو)) تقتضي أحد الشيئين لا مجموعهما فيقتضي إما حصول
[الغنيمة أو الأجر](٣) وقد قالوا: لا يصح أن تنقص الغنيمة من أجر:
أهل بدر، وكانوا أفضل المجاهدين، وأفضلهم غنيمة، ويؤكد هذا:
تتابع فعل النبي وَ﴾ [والصحابة] (٤) من بعده على أخذ الغنيمة وعدم
التوقف عنها.
أجوبة عن هذا
الإشكال
وقد اختلفوا ـ بسبب هذا الإشكال - في الجواب: فمنهم من
جنح إلى الطعن في ذلك الحديث، وقال: إنه لا يصح وزعم أن
بعض رواته ليس بمشهور، وهذا ضعيف، لأن مسلماً أخرجه في
كتابه. ومنهم من قال: إن هذا الذي تعجّل من أجره بالغنيمة من
غنيمة أخذت على غير وجهها.
قال بعضهم: وهذا بعید لا يحتمله الحدیث.
وقيل: [إن](٥) هذا الحديث - أعني الذي نحن في شرحه .
شرط فيه ما يقتضي الإِخلاص والحديث الذي في نقصان الأجر
(١) إحكام الأحكام (٥٠٨/٤).
(٢) في إحكام الأحكام كلاهما.
(٣) تقديم وتأخير بين الأصل ون هـ، وإحكام الأحكام.
(٤) في إحكام الأحكام (وأصحابه).
(٥) زيادة من ن هـ، وإحكام الأحكام.
٢٩٦.

يحمل على من [(١)] طلب المغنم فهذا شرّك بما [(٢)] يجوز له
التشريك فيه، وانقسمت نيته بين الوجهين فنقص أجره، والأول
أخلص فكمل أجره.
قال القاضي: وأوجه من هذا عندي في استعمال الحديثين على
وجههما أن نقص أجر الغانم بما فتح الله عزَّ وجلّ عليه من الدنيا،
وحساب /. ذلك بتمتعه عليه في الدنيا وذهاب شغف عيشه في غزوه [١/١/٢٧٦]
وبعده إذا قوبل بمن أخفق، ولم يصب منها شيئاً، وبقي على شظف
عيشه والصبر على حالة في غزوه وجد أجر هذا أبداً في ذلك وافياً
مطردا بخلاف الأول. ومثله قوله في الحديث الأول: ((فمنا من مات
ولم يأكل من أجره شيئاً. ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يَهْدُ بها))(٣).
وأما الإِشكال في الحديث فظاهره جار على القياس، لأن الأجور قد
تتفاوت بحسب زيادة المشقات، لا سيما ما كان أجره بحسب مشقته،
أو لمشقته دخول في الأجر. وإنما يشكل عليه العمل المتصل بأخذ
الغنائم. فلعل هذا من باب تقديم بعض المصالح الجزئية على بعض.
فإن ذلك الزمن كان الإِسلام فيه غريباً - أعني ابتداء زمن النبوة ـ وكان
أخذ الغنائم عوناً على علو الدين، وقوة [للمسلمين](٤) وضعفاء
المهاجرين، وهذه مصلحة عظمى، قد يغتفر لها [بعض](٥) النقص في
(١) في ن هـ زيادة (قصد مع الجهاد).
(٢) في الأصل زيادة (لا)، وما أثبت يوافق ن هـ، وإحكام الأحكام.
(٣) من رواية خباب بن الأرت رضي الله عنه، أخرجه البخاري (١٢٧٦).
(٤) في إحكام الأحكام (المسلمين).
(٥) زيادة من ن هـ وإحكام الأحكام.
٢٩٧

الأجر من حيث هو هو.
وأما ما قيل في أهل بدر، فقد يفهم منه أن النقصان بالنسبة إلى
[الأجر، ولا] (١) ينبغي أن يكون كذلك، بل ينبغي أن يكون التقابل
بين كما في أجر الغازي نفسه إذا لم يغنم وأجره إذا غنم. فيقتضي
هذا أن یکون حالهم عند عدم الغنیمة أفضل منه عند وجودها، لا من
حال غيرهم وإن كان أفضل من حال غيرهم قطعاً، فمن وجه آخر.
لكن لا بد - مع هذا - من اعتبار المعارض الذي [ذكرته](٢) فلعله
[مع](٣) اعتباره لا يكون ناقصاً. ويستثنى حالهم من العموم الذي في
الحديث الثاني. أو حال من يقاربهم في المعنى [(٤)].
وأما هذا الحديث: الذي نحن فيه فإشكاله من كلمه (أو)» أقوى
من ذلك الحديث، فإنه قد يشعر بأن الحاصل إما أجر، وإما غنيمة،
فيقتضي أنه إذا حصلت الغنيمة يكتفي بها له، وليس كذلك.
وقيل: في الجواب عن هذا بأن ((أو)) بمعنى الواو، وكأن
التقدير بأجر وغنيمة، وهذا - وإن كان فيه ضعف من جهة العربية
ففيه إشكال من حيث أنه إذا كان المعنى يقتضي اجتماع الأمرين،
كان ذلك داخلاً في الضمان، فيقتضي أنه لا بد من حصول أمرين
لهذا المجاهد، إذا رجع مع رجوعه، وقد لا يتفق ذلك؛ بأن يتلف ما
(١) في إحكام الأحكام (الغير وليس).
(٢) في ن هـ وإحكام الأحكام (ذكرناه).
(٣) في الأصل (من)، وما أثبت من ن هـ وإحكام الأحكام.
(٤) في الأصل تكرار (وأما هذا الحديث في المعنى)، وما أثبت يوافق ن هـ
وإحكام الأحكام.
٢٩٨

حصل في الرجوع من الغنيمة. اللَّهُمَّ إلاّ أن يُتجوّز في لفظة ((الرجوع
إلى الأهل)» أو / يقال: المعية في مطلق الحصول، لا في الحصول [١/٢٧٦/ب]
في الرجوع.
ومنهم من أجاب بأن التقدير: ((أو أرجعه إلى أهله، مع ما نال
من أجر وحده)) ((أو غنيمة وأجر)) فحذف ((الأجر)) من الثاني، وهذا
لا بأس به؛ لأنَّ المقابلة إنما تشكل إذا كانت بين مطلق الأجر وبين
الغنيمة مع الأجر. أما مع الأجر المقيد بانفراده عن الغنيمة فلا.
[العاشر](١): المراد بالقائم: المصلي. ففيه دلالة على فضل
الجهاد، والحث عليه، فإنه جعله يعدل درجة الصيام والقيام.
[الحادي عشر] (٢): فيه أيضاً دلالة على الإِخلاص فيه، وأنه
المقصود.
[الثالث عشر] (٣): بيان تولِّي الله جزاءه كيف شاء.
(١) في ن هـ ساقطة.
(٢) في ن هـ ساقطة.
(٣) في ن هـ ساقطة. هكذا في الأصل الترقيم والصحيح الثاني عشر.
٢٩٩

الحديث الرابع
٨٠/٤/٤١٩ - وعنه قال: قال رسول الله وَ له: ((ما من
مكلوم يكلم [في سبيل الله، إلَّ جاء يوم القيامة وكلْمُهُ يَدْمَى: اللون
لون [الدم](١) والريح: ريح المسك»](٢).
الكلام عليه من وجوه :
لفظ الحديث
عند البخاري
أحدها: هذا الحديث ذكره البخاري في صحيحه في هذا
الباب، وترجم عليه: باب من يجرح في سبيل الله (عز وجل](٣) ثم
ذكره بلفظ ((والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم
بمن يُكلم في سبيله - إلَّ جاء يوم القيامة واللون لون الدم، والريح
ريح المسك».
وذكره ((مسلم)» في أثناء الحديث الذي قبل هذا، عقب قوله /
[٢٧٧/ هـ/ب]
(١) في الأصل (دم)، وما أثبته من مصدر الحديث.
(٢) في ن هـ ساقطة. والحديث أخرجه البخاري (٢٣٧)، ومسلم (١٨٧٦)،
والترمذي (١٦٥٦)، والنسائي في الكبرى (٤٣٥٥)، والنسائي (٢٨/٦)،
عبد الرزاق (٩٥٢٨)، والحميدي (١٠٩٢)، وأبو عوانة (٢٤/٥).
(٣) زيادة من الفتح (٢٠/٦).
٣٠٠