Indexed OCR Text
Pages 61-80
وابن عمر(١) وابن عباس(٢) وعمار بن ياسر(٣) أفاده ابن منده الحافظ، وأما أبو عمرو الداني فقال في كلامه على أحاديث قواعد الإِسلام الأربعة: ((إنما الأعمال بالنيات))، وهذا الحديث / و((من [٢٠٢/ هـ /ب] حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، و((لا يؤمن أحدكم))، وقيل [ ... ](٤) حديث ((أزهد))، لا أعلم رَوَى هذا الحديث عن النبي ◌َّل غير النعمان، ولا رواه عنه غير الشعبي، ثم اتفق على روايته عن الشعبي عن النعمان مرفوعاً متصلاً عبد الله بن عون وغيره. هذا كلامه، وقد علمت أنه رواه جماعات غير النعمان فاستفده. ثانيها: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الصفوف، تصريح بسماع وهذا الحديث فيه التصريح بسماعه من النبي 183، وهو الصواب النبي# النعمان من الذي قاله أهل العراق وجماهير العلماء فإنه عليه الصلاة والسلام مات. وعمره ثمان سنين فكان مميزاً صحيح السماع، ولهذا أكد السماع بإشارته بأصبعيه إلى أُذنيه، [قال القاضي](٥): وخالف أهل المدينة فلم يصححوا سماعه من رسول الله ور، كما حكاه يحيى بن معين عنهم. قال النووي(٦): وهذه الحكاية ضعيفة أو باطلة، وقال (١) ذكره في مجمع الزوائد (٧٦/٤). (٢) الطبراني في المعجم الكبير (٣٣٣/١٠)، وذكره في مجمع الزوائد (٢٩٦/١٠، ٢٩٧)، وقال: فيه سابق الجزري ولم أعرفه. اهـ. (٣) ذكره في مجمع الزوائد (٧٦/٤) (٢٩٦/١٠)، وقال: وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف. (٤) في ن هـ زيادة (هو). (٥) في ن هـ ساقطة. انظر: شرح مسلم (٢٩/١١). المرجع السابق. (٦) ٦١ أبو عمرو الداني، في الكتاب السالف المشار إليه: الحديث الذي يتداوله أهل المدينة يشهد بسماعه من رسول الله وَ لقر وهو قضية ما نحله أبوه فوعاها وحفظها فدل على سماعه، وقد صرح في هذا الحديث بالسماع، وقيل: إنه كان سمع هذا الحديث وله سبع سنين. قال: ويقال المثل المضروب فيه هو من قول الشعبي. معنى فإن الحلال بيّنا ثالثها: في ضبط ألفاظه ومعانيه قوله: ((إن الحلال بين)) معناه أنه بَيِّنٌ في عينه، ووصفه واضحٌ لا يخفى حله كالمأكولات من الفواكه والحبوب والزيت والعسل والسمن واللبن من مأكول اللحم وبيضه وغير ذلك من المطعومات، وكالنظر والمشي والكلام وغير ذلك من التصرفات الحلال التي لا شك فيها، وكالاكتساب بالعقود الصحيحة الواضحة شرعاً وبالتبرعات المأذون فيها شرعاً ونحو ذلك من البين الواضح الذي لا شك في حله. معنى «الحرام بيـنـه وقوله: ((والحرام بين)) معناه أنه بين في عينه ووصفه أيضاً، [١/٢٢٧/أ) واضح كالخمر والميتة والخنزير والبول والدم المسفوح. وكذلك / الزنا والكذب والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية وأشباه ذلك البين الواضح الذي لا شك في حرمته . معنى أوبيتهما : مشتبهات : وقوله: ((وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس)) معناه لا يعلمهن كثير أنها ليست بواضحة الحل ولا الحرمة. فلهذا لا يعرفها كثير من من الناس" الناس، وأما العلماء فيفرقون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب ونحو ذلك، فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن فيه نص ولا إجماع، اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا ألحقه به صار حلالاً، وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال ٦٢ البين، فيكون الورع تركه، ويكون داخلاً في قوله: ((فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه)) وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء فهو مشتبه، فهل يؤخذ بحله أو بحرمته أم يتوقف؟ فيه ثلاث مذاهب حكاها القاضي عياض، قال النووي(١): والظاهر أنها [(٢)] على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه أربعة حكم الأشياء مذاهب، أصحها: أنه لا يحكم بحل ولا حرمة ولا إباحة ولا غيرها، قبل ورود الشرع لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلاّ بالشرع. وثانيها: أن حكمها التحريم. وثالثها : الإباحة . ورابعها : التوقف . وقوله: ((فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه)): معناه معنى ، فمن اتقى الشبهات استبرأ أتقاها على الوصف الذي ذكرنا من التوقف عن الأشياء حتى يعلم لدينه وعرضه؟ حلها وحرمتها، فيعمل بها أو يمسك عنها، فإذا فعل ذلك صان دينه عن الوقوع في المحذور، وعرضه عن كلام الناس فيه. والعرض هنا هو النفس، أي: استبرأ لنفسه / من أن يلام على [٢٠٣/ هـ/أ] ما أتى به، وإنْ كَانَ العرضُ يطلق على أمور أخرى. منها: الحسب معنى (العرض) والجسد وفي صفة أهل الجنة: ((إنما هو عرق يجري من أعراضهم)»(٣)، أي: من أجسادهم، وعلى رائحة الجسد أيضاً طيبة (١) شرح مسلم (٢٨/١١). (٢) في شرح مسلم زيادة (مخرجة). (٣) الحديث ذكره أبو عبيد في غريب الحديث (١٥٤/١)، وابن الجوزي في غريبه (٨٣/٢)، والفائق (٤٠٩/٢)، والنهاية (٢٠٩/٣). ٦٣ كانت أو خبيثة، كما نصَّ عليه الجوهري(١). معنى «ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) وقوله: ((ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)) يحتمل أن يكون معناه أن من كثر تعاطيه الشبهات يصادف الحرام وإن لم يتعمده، وقد يأثم بذلك إذا نسب إلى تقصير ويحتمل أن يكون معناه أن من كثر تعاطيه الشبهات اعتاد التساهل وتمرن عليه، فيجسر بفعل شبهة على فعل شبهة أغلظ منها، ثم أخرى أغلظ، وهكذا حتى يقع في الحرام عمداً، وهذا نحو قول السلف: المعاصي بريد الكفر أي تسوق إليه، عافانا الله من جميع البلايا. وهذا أورده القرطبي(٢) حديثاً مرفوعاً وهو معنى قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْيَكْسِبُونَ﴾ . ((ويوشك)) بضم الياء وكسر الشين مضارع أو شك، أي: يسرع ويقرب، وهي أحد أفعال المقاربة. ضبط (يوشك) ضبط (برتع)، و ((يرتع)) بفتح التاء مضارع رتع بفتحها أيضاً، وفتحت في المضارع مراعاة لحرف الحلق. ومعناه أكل الماشية من الرعي، وأصله إقامتها فيه وتبسيطها في الأكل، ومنه قوله تعالى: ﴿يَرْتَعْ وَيَلَعَبْ [وذكر أبو سعد السمعاني(٣) في ترجمة أبي الغنائم (١) مختار الصحاح (١٨١، ١٨٢)، مادة (ع رض). (٢) المفهم (٢٨٦٤). (٣) هو عبد الكريم بن محمد بن منصور بن محمد تاج الإسلام أبو سعد التميمي السمعاني المروزي، ولد في شعبان سنة ست وخمسمائة، توفي في غرة ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة. ترجمته في آداب اللغة (٦٨/٣)، ومفتاح السعادة (٢١١/١)، وطبقات ابن شهبة (١٢/٢). ٦٤ 1 النرسي(١) الحافظ من ((ذيله))(٢)، قال: قرأت بخط والدي الإِمام (٣) سمعت أبا الغنائم محمد بن علي بن ميمون النرسي، يقول في قوله عليه الصلاة والسلام: ((ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يجشر (٤) - بالشين المعجمة - في قولهم جشر(٥) إذا رعى](٦). وقوله: ((ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه)) (١) هو محمد بن علي بن ميمون الترسي، سمع من الشريف أبي عبد الله بن عبد الرحمن الحسني ومحمد بن إسحاق بن فدويه وغيرهما، روى عنه أبو بكر السمعاني. انظر: اللباب (٣٠٦/٣). (٢) الذيل على تاريخ بغداد، في خمسة عشر مجلداً، وقيل: في عشر مجلدات، تأليف أبي سعد السمعاني. (٣) هو محمد بن منصور بن محمد تاج الإسلام أبو بكر والد الإِمام أبي سعد، ولد سنة ست وستين وأربعمائة وتوفي بمرو في صفر سنة عشر وخمسمائة عن ثلاث وأربعين سنة. ترجمته: البداية والنهاية (١٢/ ١٨٠)، وطبقات الشافعية لابن هداية (٧٢)، وكتاب العبر (٢٢/٤). (٤) في الكبرى للنسائي (٢٣٩/٣) بالسين المهملة. (٥) انظر: قال في النهاية (٢٧٣/١) في حديث عثمان: ((لا يَغُرَّنَّكُم جَشَرُكُم من صلاته)). الجشر: قوم يخرجون بدوابهم إلى المرعى، ويبيتون مكانهم، ولا يأوون إلى البيوت، فربما رأوه سفراً فقصروا الصلاة، . فنهاهم عن ذلك، لأنَّ المقام في المرعى، وإن طال، فليس بسفر. اهـ. الفائق (٢١٥/١)، وغريب الحديث (٤١٩/٣، ٤٢٠)، وفي صحيح ابن حبان (٧٢١) بالسين المهملة . . (٦) زيادة من ن هـ، والخبر ذكره في الطبقات الوسطى للشافعية بهامش. الكبرى (١١/٧). ٦٥ : هو من باب التشبيه والتمثيل والمعنى: إن الملوك من العرب وغيرهم يكون لكل منهم حمى يحميه عن الناس ويمنعهم من دخوله، فمن دخله منهم أوقع به العقوبة، ومن احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى خوفاً من الوقوع في عقوبته، فكذلك لله تعالى حمى وهي محارمه التي حرمها كالقتل والزنا والسرقة والقذف والخمر والكذب والغيبة والنميمة وأكل المال بالباطل وأشباه ذلك من المعاصي، فكل هذا حمى الله تعالى من دخله باعتقاد حله أو غيره استحق العقوبة، ومن قاربه أوشك أن يقع فيه، ومن احتاط لنفسه بعدم المقاربة لشيء من ذلك لم يدخل في شيء من الشبهات، ويسمى هذا العدم عدم الاستدراج، والنفس بطبعها أمارة بالسوء إلاّ من رحمت فيستدرج من المباح إلى المكروه ثم إلى المحرم، فنسأل الله التوفيق والإعانة على كسرها. و (الحمى)) بمعنى المحمى فالمصدر فيه واقع موقع اسم المفعول وتثنية ((حميان»، وسمع الكسائي بتثنيته بالواو، وتطلق المحارم على المنهيات قصداً، وعلى ترك المأمورات [استلزاماً] (١) وإطلاقها على الأول أشهر، كما قاله الشيخ تقي الدين(٢). و ((المضغة)) القطعة من اللحم سميت بذلك لأنها تمضغ في الفم لصغرها، والمراد: تصغير جرم القلب بالنسبة إلى باقي الجسد [مع أن صلاح الجسد](٣) وفساده تابعان للقلب كالملك مع الرعية، فهو صغير الجرم عظيم القدر. (١) في إحكام الأحكام (التزاماً)، وما أثبت من الأصل ون هـ. (٢) في إحكام الأحكام (٤/ ٤٥٢). (٣) زيادة من ن هـ ومن شرح مسلم (٢٩/١١). ٦٦ واصلحت بفتح العين مضارع يصلح بضمها. وفسدت بفتح السين مضارع يفسد بضمها، قال القرطبي (١): كذا رويناه، والمعنى: إذا صارت تلك المضغة ذات صلاح أو ذات فساد، قال: وقد يقال صلح وفسد بضم العين فيهما، إذا صار الصلاح أو الفساد / هيئة لازمة لها، كما يقال: ظرُف، وشرُف، (٢٠٢/ هـ/ب] وقال النووي في (شرحه)(٢)، قال أهل اللغة: يقال صلح الشيء وفسُّد بفتح اللام والسين وضمها، والفتح أفصح وأشهر. والقلب(٣): في الأصل مصدر: قلبت الشيء، أقلبته قلباً: إذا (القلب، رددته على / بدأته، ثم نقل فسمى به هذا العضو الذي هو أشرف [١/٢٣٨/أ] أعضاء الحيوان، لسرعة الخواطر فيه، ولترددها عليه: ما سمي القلب إلَّ من تقلبه فاحذر على القلب من قلب وتحويل وقد قيل: إن له عينين وأذنين [وهذا إنما يعلمه أهل الكشف](٤). وقد عبر عنه بالعقل [نفسه](٥)، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَن كَانَ لَّهُ قَلَبُ﴾(٦)، أي: عقل، قاله الفراء (٧)، وقال تعالى: (١) المفهم (٢٨٦٥). (٢) شرح مسلم (٢٨/١١، ٢٩). (٣) انظر: المفهم (٤/ ٤٩٤). (٤) زيادة من ن هـ. (٥) في الأصل (عنه)، وما أثبت من ن هـ. (٦) سورة ق: آية ٣٧. (٧) معاني القرآن (٨٠/٣). ٦٧ ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾(١). الوجه الرابع: في فوائده: وهو أحد الأحاديث العظام، التي عدت من أصول الإسلام، بل هو أصله كما سلف في أول الكلام: الحث على أكل الحلال واجتناب الحرام الفائدة الأولى: الحث على ارتكاب الحلال وعلى اجتناب الحرام، والإِمساك عن الشبهات والاحتياط [للدين](٢) والعرض وعدم تعاطي الأمور الموجبة لسوء الظن والوقوع في المحذور. الأخذ بالورع الثانية: الأخذ بالورع، وهذا الحديث أصل كبير في الأخذ به وترك الشبهات، وللشبهات مثارات، منها: الاشتباه في الدليل الدال على التحليل أو التحريم، وتعارض الأمارات بالحج، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يعلمهن كثير من الناس))، إشارةً إلى ذلك مع أنه يحتمل أنه لا يعلم عينها وإن علم حكم أصلها في التحليل والتحريم، وهذا أيضاً من مثار الشبهات. التنبيه على أنه لا ورع في المباح الثالثة: أنه لا ورع في ترك المباح، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الحلال بيِّن والحرام بيِّن))، قال القرافي: وقد اختلف العلماء في أول العصر الذي أدركته: هل يدخل الورع والزهد في المباحات أم لا؟ فادعى ذلك بعضهم ومنعه بعضهم وصنف فيه بعضهم على بعض فقال ابن الأنباري: لا يدخل الورع فيها، لأن الله تعالى ساوى بين طرفي المباح. والورع مندوب إليه راجح أحد الطرفين، والرجحان مع التساوي محال، قال الشيخ تقي (١) سورة الأعراف: آية ٤٦. -1 (٢) زيادة من ن. هـ. ٦٨ الدين(١): والجواب عن هذا عندي من وجهين: أحدهما: أن [المباح قد يطلق على ما لا جرح في فعله، وإن لم يتساو طرفاه، وهذا أعلم من](٢) المباح المتساوي الطرفين، فهذا الذي ردد فيه القول، وقال: إما أن يكون مباحاً [أم](٣) لا، فإن كان مباحاً فهو مستوي الطرفين يمنعه إذا حملنا المباح على هذا المعنى، فإنه المباح قد صار منطلقاً على ما هو أعم من المتساوي الطرفين، فلا يدل اللفظ على التساوي، إذ الدَّال على العام لا يَدُلُّ على الخاص بعينه . والثاني: أنه قد يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته، راجحاً باعتبار أمر خارج فلا يتناقض حينئذٍ الحكمان. قال: وعلى الجملة فلا يخلو هذا الموضع من نظر، فإنه إن لم يكن فعلى هذا المشتبه موجباً لضررٍ مَا في الآخرة، وإلاّ فيعسر ترجيح تركه، إلاَّ أن يقال: إن تركه محصل لثواب أو زيادة / درجات وهو على خلاف ما يفهم [١/٢٣٨/ب] من أفعال المتورعین، فإنهم يتركون ذلك تحرجاً وتخوفاً، وبه يشعر لفظ الحديث، وقال شهاب الدين [ابن] (٤) الحميري يدخل الورع فيها، قال: وطريق الجمع بينها أن المباحات لا زهد فيها ولا ورع من حيث هي مباحات، وفيها الزهد والورع من حيث الإِكثار منها، فإن الإِكثار منها يخرج إلى كثرة الاكتساب الموقع في الشبهات، وقد (١) إحكام الأحكام (٤٤٩/٤). (٢) في ن هـ ساقطة، وما أثبت يوافق إحكام الأحكام. (٣) في المرجع السابق. (٤) في ن هـ ساقطة. ٦٩ يقع في المحرمات، وقد يفضي به كثرة المباحات إلى نظر النفس فإن كثرة المكاسب من الخيل والمساكن العالية والمآكل الشهية والملابس اللينة لا يكاد يسلم صاحبها عن الإعراض عن مواقف العبودية الذي شمل مستوى الطرفين وغيره وهو أعم من المستوي الطرفين، فلا دلالة في الأعم على الأخص، فلا تناقض فيه إذن، وهذا هو الجواب الأول الذي أسلفناه عن الشيخ تقي الدين. الحرص على حماية العرض [٢٠٤/هـ/ أ] الرابعة: في قوله: ((فمن اتقى الشبهات)) .. إلى آخره دلالة على أنه / لا يجب عليه حماية عِرْضِهِ عن الطعن فيه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا خرج من بيته قال: إني قد تصدقت بعرضي على الناس))(١). الخامسة: في قوله: ((كالراعي حول الحمى)) دلالة لمذهب مالك في سد الذرائع. تعظيم أثر القلب في الصلاح السادسة: فيه تعظيم القلب وسببه صدور الأفعال الاختيارية والفساد عنه، وما يقوم به من الاعتقادات والعلوم، ورتب الأمر فيه على المضغة، والمراد: المتعلق بها، ولا شك أن صلاح جميع الأعمال باعتبار العلم والاعتقاد بالمفاسد والمصالح، [فتعين حماية مركزها من الفساد وإصلاحه](٢). السابعة: فيه أيضاً [(٣)] الحث البليغ على السعي في إصلاح : ترطيب الکسب في صلاح القلب (١) روي من طريق مهلب بن العلاء عن قتادة، عن أنس وهو ضعيف. أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٣). انظر: إرواء الغليل (٢٣٦٦). (٢) زيادة من ن هـ. (٣) في ن هـ زيادة (على). ٧٠ القلب وحمايته من الفساد، وأن لطيب الكسب أثراً فيه [كما في ضده](١). الثامنة: فيه أيضاً كما قاله جماعة أن العقل في القلب لا في الخلاف في الرأس، وهو مذهبنا ومذهب جماهير المتكلمين. مكان العقل وقال أبو حنيفة: إنه في الدماغ وقد يقال: في الرأس، وحكوا الأول عن الفلاسفة والثاني عن الأطباء. واحتج القائلون: بأنه في القلب بقوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ سِيرُوا فِی الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾(٢)، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾(٣)، وبهذا الحديث فإنه عليه الصلاة والسلام جعل صلاح الجسد وفساده تابعاً للقلب، مع أن الدماغ من جملة الجسد، فيكون صلاحه وفساده تابعاً للقلب. فعلم أنه ليس محلّاً للعقل. واحتج القائلون / : بأنه في الدماغ، بأنه إذا فسد الدماغ فسد [١/١/٢٣٩] العقل، ويكون من فساد الدماغ الصرع في زعمهم، ولا حجة لهم في ذلك، لأن الله تعالى أجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ، مع أن العقل ليس فيه، ولا امتناع عن ذلك. قال المازري(٤): لا سيما على أصولهم في الاشتراك الذي يذكرونه بين الدماغ والقلب، وهم يجعلون بين رأس المعدة والدماغ اشتراكاً. (١) في ن هـ ساقطة. (٢) سورة الحج: آية ٤٦. (٣) سورة ق: آية ٣٧. (٤) المعلم (٣١٤/٢). ٧١ التاسعة: فيه أيضاً أن العقوبة من جنس الجناية، لأنه كما انتهك محارم الله تعالى المانعة لما وراءها، فكذلك ينتهك محارم جسده بتجرده عن لباس التقوى، الذي هو حمى له من آفات الدنيا وعذاب الآخرة. العاشرة: فيه أيضاً ضرب الأمثال للمعاني الشرعية العملية، وفائدتها التنبيه بالشاهد على الغائب . . الحادية عشرة: فيه أيضاً التنبيه على عظمة الله تعالى واجتناب محارمه التي مصالحها عائدة علينا فإنه الغني المطلق. الثانية عشرة: فيه أيضاً أن الأعمال القلبية أفضل من البدنية، وأنها لا تصلح إلاَّ بالقلبية. عدم جواز الاقتصار على الثالثة عشرة: أنه لا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، الأعمال القلبية فيما إذا كان العمل مقيداً بهما، فإنه قد يختص بأحدهما أحكام دون دون البدنية الآخر، فيما إذا كان العمل مقيداً بهما، فإنه قد يختص بأحدهما أحكام دون الآخر، وقد يلزم عن أحدهما أعمال بسبب الآخر. نماذج من الورع . خاتمة: لما ذكر البخاري هذا [الحديث](١) عقبه، بأن قال(٢): تفسير المشتبهات، وذكر فيه عن حسان بن أبي سنان: ما رأيت شيئاً أهون من الورع، دع ما یرینك [إلى ما لا يريبك](٣)، ثم ذكر قصة الأمة السوداء في الرضاع (٤) وقصة ابن وليدة (١) زيادة من ن هـ. (٢) في البخاري فتح (٢٩١/٤) زيادة: (باب). (٣) زيادة من ن هـ والمرجع السابق. (٤) الفتح ح (٢٠٥٢). ٧٢ زمعة(١)، وحديث عدي بن حاتم الآتي في الصيد(٢). ثم قال: باب(٣) ما يتنزه من الشبهات. وذكر حديث التمرة الساقطة على الفراش(٤)، ثم قال: باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات(٥)، ثم ذكر حديث حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً. وحديث عائشة: يا رسول الله إن قوماً يأتوننا باللحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((سموا [الله] (٦) عليه وكلوه)»، فتنبه لذلك. (١) الفتح ح (٢٠٥٣). (٢) الفتح ح (٢٠٥٤). (٣) البخاري، الفتح (٤/ ٢٩٣). (٤) البخاري رقم (٢٠٥٥). (٥) البخاري، الفتح (٤/ ٢٩٤). (٦) زيادة من ن هـ والمرجع السابق. ٧٣ الحديث الثاني ٧٥/٢/٣٩٤ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أَنْفَجْنَا أرنباً بمر الظهران فسعى القوم فلغبوا، وأدركتها فأخذتها فأتيت [٢٠٤/ هـ/ب] أبا طلحة، فذبحها وبعث إلى رسول الله /* بوركيها وفخذيها فقبله(١) . (لغبوا)) أعيوا. الكلام عليه من وجوه : أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في / باب الاستطابة . [١/٢٣٩/ب] وأما أبو طلحة: فاسمه زيد بن سهل أحد النقباء ليلة العقبة، وأحد فضلاء الأنصار، مات بالمدينة بعد الثلاثة، وقد أوضحت ترجمته فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب فراجعه منه. التعـريـف بـ (أبي طلحة) (١) البخاري (٢٥٧٢)، ومسلم (١٩٥٣)، والترمذي (١٧٨٩)، وأبو داود (٣٧٩١)، وابن ماجه (٣٢٤٣)، والدارمي (٩٢/٢)، وابن الجارود (٨١١/٣٣٢)، وأبو عوانة في مسنده (١٨٢/٥، ١٨٣)، والبغوي (٢٨٠١)، وأحمد (١١٨/٣، ١٧١، ٢٣٢، ٢٩١)، والبيهقي (٩/ ٥٣٧؛ ٥٣٨)، وابن أبي شيبة (٥٣٥/٥). ۔ ٧٤ ثانيها: في بيان ما وقع فيه من الأمكنة: ((مر الظهران)) بفتح فط امر الظهران» الميم وتشديد الراء. و((الظهران)) بفتح الظاء المعجمة قيل تثنية الظهر. ويقال له مر الظهران، ويقال الظهران من غير إضافة ((مر)) إليه، وهو اسم موضع على بريد من مكة. وقيل على أحد عشر ميلاً. وقيل على ستة عشر ميلاً. ثالثها: ((أنفجنا)) بفتح الهمزة ثم نون ساكنة ثم فاء ثم جيم ثم ضبط ومعنى (أنفجنا» نون ثم ألف يقال: أنفجت الأرنب فنفج، أي: أثرته فثار، كأنه ورواياتها يقول: أثرناه ودعوناه فعدا. وفي صحيح مسلم ((استنفجنا)) ومعناه أيضاً ((أثرنا)) و ((نفرنا)). ووقع المازري ((بعجنا» بالباء الموحدة ثم عين مهملة وفسره بشققنا من بعج بطنه [إذا شقه، وهذا لا يصح رواية ولا معنى، كما نبه عليه القاضي(١) ثم القرطبي(٢)](٣) وإنما هو تصحيف وكيف يشقون بطنها، ثم يسعون خلفها حتى لغبوا، ثم بعد ذلك يأخذونها ويذبحونها . و ((الأرنب))، قال الجوهري هي واحدة الأرانب. وقال صاحب ((المحكم)) (٤) الأرنب معروف يكون للذكر والأنثى، وقيل: الأرنب الأنثى والخُزَزُ الذكر. (١) مشارق الأنوار (١ / ٩٧). (٢) المفهم (٢٣٩/٤). (٣) في ن هـ ساقطة. (٤) لسان العرب، مادة (خزز). ٧٥ والجمع: أرانب وأران عن اللحياني(١). فأما سيبويه(٢) فلم [يجز](٣) أران إلَّ في الشعر. ضبط ومعنى الغـواء ۔ ((ولغبوا)) بفتح الغين المعجمة على الفصيح المشهور، وحكى الجوهري(٤) وغيره كسرها وهي ضعيفة. ومعناه تعبوا وأعيوا، كما فسره المصنف و ((السعي)» الجري. رابعها : في فقهه، وهو يشتمل على مسائل: الأولى: جواز أكل الأرانب وحله فإنه ذبح وأهدى وهو مذهب [العلماء](٥) الأربعة والعلماء كافة إلاَّ ما حكى عن عبد الله بن عمرو بن العاص(٦) وابن أبي ليلى من كراهية. وحجة الجمهور هذا جواز أكل الأرانب (١) هو أبو الحسن علي بن حازم - وقيل ابن المبارك - المتوفى سنة (٢١٥)، له كتاب ((النوادر)»، وقال السيوطي في المزهر (٤٤٦/٢)، نقلاً عن الصحاح أنه لقب باللحياني: لعظم لحيته ترجمته في مراتب النحويين (١٤٢، ١٤٣)، والمزهر (٤١٠/٢)، وبغية الوعاة (١٨٥/٢)، وفهر ست ابن النديم (٧١). (٢) الكتاب (٢٧٣/٢)، ومستشهداً ببيت لأبي الكاهل اليشكري، لسان العرب، . مادة (أر ن ب)، لها أشاريرُ من ◌َحْمِ تُتَمِّرُهُ، من الثَّعالي ووَخْزٌ من أرانِيَها. (٣) في ن هــ ساقطة . (٤) مختار الصحاح (٢٥١). لسان العرب، مادة (لغب). (٥) زيادة من ن هـ . . (٦) في حاشية الأصل زيادة: حكى القرطبي (المفهم) (٢٣٩/٤) عنه تحريم وحكى ابن شداد في دلائله (دلائل الأحكام ٥٠٩/٢)، عن جماعة الكراهة لم يسمهم. انظر: إلى مصنف ابن أبي شيبة (٢٤٩/٨)، وعبد الرزاق (٥١٧)، للاطلاع على الآثار . . ٧٦ الحديث مع أحاديث مثله، ولم يثبت في النهي عنها شيء. قال القاضي عياض(١): وفي أبي داود(٢) [وغيره] (٣) من المصنفات أنه عليه الصلاة والسلام ((لم ينه عنها ولم يأمر بأكلها وزعم أنها (١) إکمال إكمال المعلم (٢٨٧/٥). (٢) أبو داود (٣٧٩٢). قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (٦٦٢/٩)، ووقع في (الهداية)) (٢١١)، للحنفية أن النبي * أكل من الأرنب حين أهدى إليه مشوياً وأمر أصحابه بالأكل منه، وكأنه تلقاه من حديثين: فأوله من حديث الباب. وقد ظهر ما فيه، والآخر من حديث أخرجه النسائي (١٩٦/٧، ١٩٧) من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة ((جاء ((أعرابي إلى النبي ◌َل# بأرنب قد شواها فوضعها بين يديه، فأمسك وأمر أصحابه أن يأكلوا)) ورجاله ثقات، إلاّ أنه اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافاً كثيراً، أقول: وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (٥١٦/٤)، وابن أبي شيبة (٢٤٧/٨) البيهقي (٣٢١/٩) إلى أن قال واحتج الحديث خزيمة بن جزء ((قلت يا رسول الله، ما تقول في الأرنب قال لا آكله ولا أحرمه. قلت فإني آكل ما لا تحرمه. ولم يا رسول الله؟ قال: نبئت أنها تدمي)). وسنده ضعيف. أقول: أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٩/٨) ابن ماجه (٣٢٤٥) من طريقه، قال: ولو صح لم يكن فيه دلالة على الكراهة كما سيأتي تقريره في الباب الذي بعده، وله شاهد عن عبد الله بن عمرو بلفظ ((جيء إلى النبي ◌َّ ه فلم يأكلها ولم ينه عنها: ((زعم أنها تحيض))، أخرجه أبو داود، وله شواهد عن عمر عند إسحاق بن راهويه في مسنده، وحكى الرافعي عن أبي حنيفة أنه حرمها، وغلطه النووي في النقل عن أبي حنيفة. اهـ. محل المقصود منه. (٣) زيادة من ن هـ، ومثبته في المرجع السابق. ٧٧ تحيض))، وهذا من نحو تقززه من أكل الضب(١). قلت: بل صح أنه عليه الصلاة والسلام ((أكل منها))، ففي البخاري في كتاب الهبة(٢) في هذا الحديث فبعث إلى رسول الله# بوركها أو فخذيها قال: فخذيها لا شك فيه، فقبله. قلت: وأكل منه؟ قال: وأكل منه. ثم [١/١/٢٤٠] قال بعد: قبله(٣)، وصح أنه عليه الصلاة والسلام / أمر بأكلها كما أخرجه البخاري من حديث كعب بن مالك(٤)، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه من حديث محمد بن صفوان، وصححه ابن حبان، وقال الحاکم : صحيح الإسناد. واعلم أنه وقع في ((شرح الرافعي)) عن أبي حنيفة تحريمها، والذي حكاه النووي في ((شرحه لمسلم))(٥) عنه حلها وهو ما أسلفنا. (١) من حديث عمر رضي الله عنهما قال: سأل رجل رسول الله وَله عن أكل العنب فقال: ((لا آكله ولا أحرمه)»، أخرجه البخاري (٥٥٣٦)، ومسلم (١٩٤٣)، ومن حديث عبد الله بن عباس قال: ((دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله صل# بيت ميمونة بنت الحارث فأتى بضب .. الحديث أخرجه البخاري (٥٥٣٧)، ومسلم (١٩٤٦). (٢) كتاب الهبة، باب قبول هبة الصيد، وقبل النبي ◌َّله من أبي قتادة عضد الصيد (٢٥٧٢). (٣) قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الموضع السابق: وهذا الترديد لهشام بن زيد وقف جده أنساً على قوله ((أكله)) فكأنه توقف في الجزم به، وجزم بالقبول. اهـ. (٤) هذا وهم من المؤلف رحمنا الله وإياه، فإن البخاري لم يخرج لكعب بن. مالك رضي الله عنه حديثاً في أكله ټێ للأرنب . (٥) شرح مسلم (١٠٥/١٣). ٧٨ الثانية: جواز استثارة الصيد والعدو في طلبه. الثالثة: أنه يملك بأخذه ووضع اليد عليه . الرابعة: هدية الصيد وقبوله وكان عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية ويثيب عليها، ولا يقاس عليه في هذا غيره من الحكام لانتقاء المعنى عنه دون غيره، وهو خوف الميل، والله الموفق للصواب. ٧٩ الحديث الثالث ٣٩٥ / ٣/ ٧٥ - عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: (([نحرنا فرساً على عهد رسول الله وَلَو](١) فأكلناه)). وفي رواية: (ونحن بالمدينة))(٢). الكلام عليه من وجوه : أحدها: هذه الرواية: ((ونحن بالمدينة))، وهي للبخاري وفي رواية له: ((ذبحنا)) بدل ((نحرنا))، وفي أخرى: ((نحرنا)) لمسلم، وفي روایة لأحمد: «فأکلناه نحن وأهل بيته». اخـتـلاف الروايات ثانيها: في التعريف براويه هي أسماء بنت الصديق شقيقة عبد الله أمهما أم العزى قيلة ويقال: قتيلة بنت عبد العزى. وهي زوج التعـريـف بـ (أسماء) (١) في متن إحكام الأحكام (نحرنا على عهد رسول الله (3 # فرساً). (٢) البخاري (٥٥١٠)، ومسلم (١٩٤٢)، والنسائي في الكبرى (٤٤٩٥، ٤٥٠٩، ٦٦٤٤)، والترمذي (١٧٩٣)، وابن ماجه (٣١٩٠)، والدار قطني (٢٩٠/٤)، وأحمد (٣٤٥/٦، ٣٤٥، ٣٥٣)، والمنتقى (٨٨٦/٣٣١)، والدارمي (٨٧/٢)، والبيهقي (٥٤٩/٩)، والبغوي (٢٥٥/١١)، وعبد الرزاق (٥٢٦/٤)، ابن أبي شيبة (٥٣٩/٥). ٨٠