Indexed OCR Text
Pages 281-300
وفي ((صحيح البخاري))(١) من حديث عبد الله بن أبي أوفى ((أن رجلاً أقام سلعة وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطى ما لم يعطِ ليوقع فيها رجلاً من المسلمين فنزلت))، والله أعلم. وعن عكرمة (٢) / وعطاء أنها نزلت في رؤوس اليهود كعب بن [١/٢١٤/ب] الأشرف وغيره لما كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة / في شأن [١٨٨/د/ب] محمد ل وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنه من عند الله لئلا تفوتهم المآكل والدعوة والرُشى التي كانت عليهم من أتباعهم. واعلم أن بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز وهو أمر يحصل للصحابة بقرائن مختلفة بالقضايا حتى قال بعض المحدثين تعيين الصحابي مرفوع مطلقاً لأنهم أعلم بتنزيل الوحي ومواقعه وأسبابه، والصحيح أن ما تعلق بسببه نزول آية أو تقديم حكم أو غيره مرفوع وإلاّ فموقوف. التاسعة: هذه الآية يدخل فيها الكفر فما دونه من جحد حقوق ونحوها وكل أحد يأخذ من وعيدها على قدر جريمته. العاشر: يؤخذ منه أن حكم الحاكم لا يغير سبباً ولا يخرجه حكم الحاكم لا يخرج الحق عن حقيقته التي هو عليها في نفس الأمر وهو مذهب الشافعي ومالك عن صاحبه وأحمد والجمهور خلافاً لأبي حنيفة . (١) كتاب الشهادات (٢٦٧٥) في باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدٍ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وفي التفسير: باب قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَتِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ (٤٥٥١). (٢) تفسير الطبري (٥٢٨/٦). سورة آل عمران: آية (٧٧). ٢٨١ التورية في اليمين لا تنفع عند الحاكم الحادي عشر: يدخل فيه المورِّي في الأيمان فإنها لا تنفعه إذا كان المحلف حاكماً وحلفه بالله تعالى، فإن حلفه بغيره كالطلاق والعتاق إذا حلف ابتداء من غير تحليف حاكم أو حلفه غیر حاكم بنفیه . نعم لا يجوز فعلها إذا كان فيها إبطال حق مستحق عليه إجماعاً، هذا تفصيل مذهب الشافعي. ونقل القاضي عياض عن مالك وأصحابه في ذلك خلاف وتفصيلاً ليس هذا موضع ذكره فإن: محله كتب الفروع. ٢٨٢ الحديث السادس ٧٢/٦/٣٨٠ - عن الأشعث بن قيس قال: ((كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله القول، فقال رسول الله ◌َ﴾: شاهداك، أو يمينه. قلت: إذاً يحلف ولا يبالي. فقال رسول الله يقول: ((من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال أمرىء مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله [عز وجل](١) وهو عليه غضبان))(٢). الکلام علیه من وجوه: أحدها: هذا الحديث مذكور في الصحيحين عقب حديث ابن مواضع تراجم مسعود، ذكره البخاري في مواضع منها: في الشهادات في باب: هذا الحديث البخاري على سؤال الحاكم المدعي هل لك بينة قبل اليمين؟ (٣) عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله بَظله: ((من حلف على يمين (١) زيادة من متن عمدة الأحكام. (٢) البخاري أطرافه (٢٣٥٦)، مسلم (٢٢٠)، أبو داود (٥٦٥/٣)، ابن ماجه (٧٧٨/٢)، الترمذي (٥٦٥/٣)، (٢٢٤/٥)، الطيالسي (٩٥)، أحمد (٢١١/٥). (٣) البخاري الفتح (٢٦٦٦، ٢٦٦٧). ٢٨٣ [١٨/٢١٥] - وهو فيها فاجر ؛ ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه. غضبان. قال: فقال الأشعث بن قيس: فيَّ والله کان ذلك، بيني وبين رجل من اليهود أرض / فجحدني فقدمته إلى النبي وَلّر، فقال لي: ألك بينة؟ قال قلت: لا، فقال لليهودي: احلف. قال قلت: يا رسول الله إذاً يحلف ويذهب بمالي. قال فأنزل الله عنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ... ﴾ إلى آخر الآية .. ومنها إثر هذا الباب ذكره(١) موقوفاً على ابن مسعود عن أبي وائل عنه: ((من حلف على يمين يستحق بها مالاً لقي الله وهو عليه غضبان))، ثم أنزل الله تصديق ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَّرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ ثم إن الأشعث بن قيس خرج إلينا فقال: ما إلى قوله: ﴿أَلِمُ لَـ يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه بما قال، فقال: صدق، لفي أُنزلت هذه الآية، كان بيني وبين رجل خصومة في شيء، فاختصمنا إلى رسول الله وَلقول، فقال: شاهداك أو يمينه. فقلت له: إنه إذن يحلف ولا يبالي، فقال النبي ◌َّ: ((من حلف على يمين يستحق بها مالاً - وهو فيها فاجر - لقي الله وهو عليه غضبان)). فأنزل الله تصدیق ذلك. ثم قرأ هذه الآية. ثم ذكره بعد هذا بورقة(٢) عن أبي وائل عن عبد الله مرفوعاً (من حلف على يمين كاذباً ليقتطع بها مال الرجل - أو قال أخيه - (١) كتاب الشهادات، باب: اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود. رقم (٢٦٦٩، ٢٦٧٠). (٢) كتاب الشهادات، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَّرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَتْمنِم﴾، رقم (٢٦٧٧، ٢٦٧٦). ٢٨٤ لقي الله وهو عليه غضبان. وأنزل الله تصديق ذلك في القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿أَكُِ ريْ﴾﴾. فلقيني الأشعث فقال: ما حدثكم عبد الله اليوم؟ قلت: كذا وكذا. قال: بلى فيَّ أنزلت. وذكره في كتاب الرهن(١) في باب: إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه فالبينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، موقوفاً / على عبد الله من رواية أبي وائل عنه ((من حلف على يمين [١٨٨/هـ/ب] يستحق بها مالاً وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان))، ثم أنزل الله تصديق ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَلِمٌ ﴾﴾، ثم إن الأشعث خرج إلينا فذكره كما سلف، إلاّ أنه قال في (بئر)) بدل ((في شيء)) وقال بعد وهو عليه غضبان، ثم قرأ هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ـ﴾. بِعَهْدِ اللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿أَلُِ وذكره في الأيمان(٢) في باب عهد الله عز وجل من حديث أبي وائل أيضاً عن عبد الله مرفوعاً ((من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال رجل مسلم - أو قال أخيه - لقي الله وهو عليه غضبان. فأنزل الله عز وجل تصديقه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآية [قال سليمان في حديثه] (٣) فمر الأشعث بن قيس فقال: ما يحدثكم عبد الله؟ قالوا له. فقال الأشعث: نزلت فيَّ وفي صاحب لي في بئرٍ كانت بيننا)». (١) كتاب الرهن، باب: إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحو رقم (٢٥١٥، ٢٥١٦). (٢) ح رقم (٦٦٥٩). (٣) زيادة من البخاري ح رقم (٦٦٦٠). ٢٨٥ وذكر بعد هذا بورقتين في باب قوله [الله] (١) تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَّرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآية من حديث أبي وائل أيضاً عنه مرفوعاً (من [٨/٢١٥/ب] حلف على يمين / صبر يقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان)) فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية (٢). فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ فقالوا: كذا وكذا، فقال: فيَّ أُنزلت كانت لي بثر في أرض ابن عم لي [فأتيت رسول الله وَاليوم](٣) فقال بينتك أو يمينه، قلت: إذاً يحلف عليها يا رسول الله .. فقال عليه الصلاة والسلام: ((من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان)) . ألفاظ الحديث وأما مسلم فذكره في أول كتابه في أثناء الإِيمان مرفوعاً من عند مسلم حديث أبى وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله وشلو: ((من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرىء مسلم، [هو فيها فاجر] (٤) لقي الله وهو عليه غضبان)). قال: فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قالوا: كذا وكذا. قال: صدق أبو عبد الرحمن [فيَّ نزلت](٥)، كان بيني وبين رجل أرض باليمن. فخاصمته إلى النبي ◌َّي فقال: ((هل لك عليه بينة؟)) فقلت: لا. (١) زيادة من البخاري الفتح (٥٥٧/١١). (٢) رقم (٦٦٧٧). (٣) زيادة من البخاري. (٤) زيادة من البخاري. (٥) زيادة من البخاري. ٢٨٦ قال: ((فيمينه)). قلت: إذن يحلف. فقال رسول الله ولو، عند ذلك ((من حلف على يمين صبر، يقتطع بها مال امرىء مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان))، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ... ﴾ إلى آخر الآية. ثم رواه من حديث أبي وائل أيضاً عن عبد الله، قال: من حلف على يمين يستحق بها مالاً هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان. ثم ذكر نحو ما قاله، غير أنه قال: كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صل* فقال: ((شاهداك أو یمینه». ثم رواه من حديث شقيق بن سلمة عن عبد الله رفعه ((من حلف على مال امرىءٍ مسلم بغير حقه، لقي الله وهو عليه غضبان)) قال عبد الله: ثم قرأ علينا رسول الله وَ ﴿ مصداقه من كتاب الله: ((إن الذين يشترون)) إلى آخر الآية. هذا سياق رواية الصحيحين للحديثين فتأمل سياق المصنف لهما تجد فيه بعض التعارض. الوجه الثاني: في التعريف براويه: هو أبو محمد الأشعث بن التعريف بالأشعث قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية بن الحارث [الأصغر بن الحارث الأكبر] (١) بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن ثور بن عفير بن عدي(٢) بن مرة بن أُدد بن (١) غير موجودة في جمهرة أنساب العرب (٤٢٥). (٢) في الجمهرة زيادة الحارث ص (٤٢٢، ٤٢٥)، وفي أسد الغابة (٩٧/١)، ابن الحارث الأصغر بن معاوية بن الحارث الأكبر. ٢٨٧ زيد الكندي وكندة هم ولد ثور بن عُفَيْر، قدم على رسول الله وَّل [١/١/٢١٦] سنة عشر في وفد / كنده في ستين راكباً من كندة وكان رئيسهم، فأسلم وأسلموا وكان رئيساً مطاعاً فيهم، وكان في الإِسلام وجيهاً في قومه أيضاً. شهد اليرموك وأصيبت عينه وسمي أشعث الشعوثة رأسه. وكان اسمه معدي كرب فسمي أشعث وغلب عليه هذا الاسم حتى عرف به، وزوّجه الصديق بعد أن رجع عن ردته أخته أم فروة وهي أم محمد الذي كني به وشهد هو وجرير جنازة فقدم جريراً وقال: إني ارتددت ولم يرتد. وخرج إلى العراق في خلافة عمر مع سعد وشهد القادسية والمدائن وجلولا ونهاوند واختط بالكوفة [١/٨/١٨٩] داراً في كندة ونزلها وشهد / تحكيم الحكمين وكان أحد شهود الكتاب. ۔۔ روي له عن النبي ◌َ﴾ تسعة أحاديث اتفقا منها على هذا الحديث. روي له عن الشعبي وجماعة من التابعين. مات بعد علي بأربعين ليلة سنة أربعين وقيل: قبله بشهر، وقيل: سنة اثنين وأربعين، ودفن بداره بالكوفة، وصلّى عليه الحسن. وكانت ابنة الأشعث تحته. قال ميمون بن مهران: وهو أول من مشيت معه الرجال وهو راكب. قال الأصمعي: وهو أول من دفن في منزله. من اسمه الأشعث من فائدة: في الرواة الأشعث بن قيس ثلاثة أولهم هذا، الرواة وثانيهم: جابري روى عن علي بن صالح، وثالثهم: همداني كوفي روی عن مسعر بن مکدام. الوجه الثالث: في بيان المبهم الواقع فيه - أعني الرجل - ٢٨٨ الذي كان بينه وبينه خصومة. هو الجفشيش (١) بفتح الجيم وبالشين المعجمة المكررة. وقيل: بالحاء المهملة وقيل: بالخاء المعجمة. قال أبو حاتم: وكنيته أبو الخير. قال الطبراني: له صحبة ولا رواية عنه . قلت: يبعد هذا رواية البخاري ((أنه كان من اليهود اللهم إلاَّ أن یکون أسلم بعد». وقال ابن طاهر(٢): اسمه معدان. الوجه الرابع: في ألفاظه غير ما سلف: (شاهداك)) إما على أن يكون خبر مبتدأ فاعلاً بفعل مضمر، إعراب أي: أحضر شاهداك أو أشهد ونحو ذلك. اشاهداكـه وأما على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: المستحق أو الواجب شرعاً، وشاهداك، أي: شهادة شاهدیك. وأما على أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، أي: شاهداك أو يمينه الواجب لك في الحكم. وقوله: ((إذن)) اختلف الكتاب في كتابه ((إذن)) على ثلاثة صور كتابة ([إذن) أقوال : (١) كتاب الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة (٣٥١)، وذكر لكل قول في اختلاف اسمه حديثاً. (٢) إيضاح الأشكال (١١٥)، وقال ابن حجر في الفتح (٣٣/٥)، اسمه معدان بن الأسود ولقبه جفشيش بوزن فعليل. انظر: الإصابة (٤٩١/١)، وقد ذكر فيه أن اسم أباه النعمان معزواً إلى ابن منده. ٢٨٩ أحدها: إنها بالألف مطلقاً. ثانيها: إنها بالنون مطلقاً . ثالثها: إن كانت عاملة فبالنون، وإن كانت ملغاة فبالألف. الوجه الرابع : في فوائده / : [١/٢١٦/ب] الأولى: الوعيد الشديد على فاعل ذلك. الخلاف فيمن أدعى على الثانية: اختلف أهل العلم فيما إذا ادعى على غريمه شيئاً. شخص حقًا فأنكره وأحلفه ثم أراد إقامة البينة عليه بعد الإِحلاف هل له ذلك؟. على قولين : فاحلفه ثم استجد عنده بيئة أحدهما: لا. وهو قول للشافعي. والثاني: نعم، وهو قول مالك، إلاّ أن يأتي بعذر في تركه. إقامة البينة يتوجه له وربما تمسكوا بقوله عليه الصلاة والسلام (شاهداك أو يمينه)). وفي حديث آخر: ((ليس لك إلاّ ذلك)) رواه مسلم من حديث وائل بن حجر، وهو من أفراده. ووجه الدليل منه أن ((أو)) تقتضي أحد الشيئين فلو أجزنا إقامة البينة بعد التحليف لكان له الأمران معاً ـ أعني اليمين، وإقامة البينة - مع أن الحديث يقتضي أنه ليس له إلاَّ أحدهما. قال الشيخ تقي الدين(١): وقد يقال في هذا: إن المقصود من الكلام نفي طريق أخرى لإثبات الحق فيعود المعنى إلى حصر الحجة في هذين الجنسين - أعني البينة واليمين - إلاّ أن هذا قليل النفع (١) إحكام الأحكام (٤ / ٤٠١). ٢٩٠ بالنسبة إلى [النظر](١) وفهم مقاصد الكلام(٢)، قاعدة صحيحة نافعة للمناظر في نفسه، غير أن المناظر الجدلي قد ينازع في المفهوم ویعسر تقديره عليه. الثالثة: قد يستدل الحنفية بقوله عليه الصلاة والسلام: ((شاهداك الحكم في شاهد ويمين أو يمينه)) على ترك العمل بشاهد ويمين، وهو قول أهل الكوفة ويحيى بن يحيى من المالكية. وقال الجمهور من الصحابة والتابعين فمن بعدهم بخلافه لقضائه عليه الصلاة والسلام بذلك كما رواه خلق من الصحابة. الرابع: فيه رد على المالكية ومن قال بقولهم في إلحاقهم اليمين مع الشاهد في باب الاستحقاق، فإن الحديث ما دل إلاَّ على أحدهما. الخامسة: فيه دلالة على توجه اليمين مطلقاً وإن كان الحق مما تفصيل الدعاوى فيمن تثبــت يشاهد ويمين أو شاهدين لا يثبت إلاّ بشاهدین کالنكاح ونحوه. وقد قيل إن کل دعوى لا تثبت إلَّ بشاهدين فلم يقم عليها بينة أو أقام شاهداً واحداً فإنها لا توجب ويمين يميناً ولا غيرها وكل دعوى تثبت بشاهدين ويمين فإن اليمين يتوجه فيها(٣). (١) في المرجع السابق المناظرة. (٢) في المرجع السابق زيادة: نافع بالنسبة إلى النظر، وللأصوليين في أصل هذا الكلام بحث، ولم ينبّه على هذا حق التنبيه، - أعني اعتبار مقاصد الكلام - وبسط القول فيه إلاَّ أحد مشايخ بعض مشايخنا من أهل المغرب. وقد ذكره قبله بعض المتوسطين من الأصوليين المالكيين في کتابه في الأصول، وهو عندي. (٣) جاء من رواية عشرين من الصحابة منهم ابن عباس ولفظه: ((أن رسول الله ول قضى بالشاهد واليمين)). رواه مسلم من رواية أبي هريرة، وجابر. ٢٩١ السادسة: فيه إن الخصم إذا قال في خصمه كلاماً يلزم منه مسائلته بالقسم بالله أن لا يقرره وإنما يذكر له الوعيد على ذلك. السابعة: فيه أيضاً بناء الإِحكام على الظاهر والله متولي السرائر. تخويف المدعى والمدعى عليه الثامنة: فيه أيضاً إن الحاكم أو المفتي إذا ذكر حكما يستوفي من قبل الحاكم شروطه فإنه عليه الصلاة والسلام ذكر كون الاقتطاع بغير حق وكونه [١٨٩/ هـ/ب] مال معصوم وكون الحالف فاجراً في يمينه، ثم ذكر ما / يترتب عليه وهو غضب الله - نعوذ بالله - وهذا الحكم مشروط بعدم التوبة ۔ [١/١/٢١٧] الشرعية فإن تاب بشرطها زال ذلك / . ٢٩٢ الحديث السابع ٧٢/٧/٣٨١ - عن ثابت بن الضحاك الأنصاري رضي الله عنه أنه بايع رسول الله ◌َ و تحت الشجرة، وأن رسول الله وَ الر قال: (من حلف على يمين بملة غير الإِسلام، كاذباً متعمداً، فهو كما قال. ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة. وليس على رجل نذر فيما لا يملك)»(١) . وفي رواية: ((لعن المؤمن كقتله)). وفي رواية: ((ومن ادعى دعوى كاذبةً ليتكثر بها، لم يزده الله [عز وجل](٢) إلا قلة)). الكلام علیه من وجوه: أحدها: هذه الرواية الأخيرة هي من أفراد مسلم كما نبه عليه عبد الحق. (١) البخاري (١٣٦٣)، ومسلم (١١٠)، والنسائي (٥٥/٧، ٦، ١٩)، وأبو داود (٣٢٥٧)، والترمذي (١٥٤٣)، وابن ماجه (٢٠٩٨)، وابن الجارود (٩٢٤)، والحميدي (٨٥٠)، وأحمد (٣٣/٤، ٣٤)، والبيهقي (٢٣/٨) (٣٠/١٠)، وأبو يعلى (١٥٣٥)، والطيالسي (١١٩٧). (٢) في هـ ساقطة. ٢٩٣ ثانيها: في التعريف براويه وفيه اضطراب ذكرته فيما أفردته من الكلام على رجال هذا الكتاب فراجعها. الأحكام المراد بالحلـف ثالثها : في أحكامه وفيه مسائل: الأولى: الحلف بالشيء حقيقة هو القسم به، وإدخال بعض حروف القسم عليه كقوله: ((والله، والرحمن))، وقد يطلق على التعليق بالشيء يمين كقول الفقهاء: حلف بالطلاق على كذا، ومرادهم تعليق الطلاق به، وهو مجاز لمتابعة اليمين في اقتضاء الحث أو المنع، والأقرب هنا هذا لأجل قوله: ((كاذباً متعمداً)) والكذب يدخل القضية الأخبارية التي يقع مقتضاها تارة، وتارة لا یقع. وأما قولنا: ((والله)) وما أشبهه: فليس الإخبار بها عن أمر خارجي. وهو الإنشاء - أعني: إنشاء القسم - فتكون صورة هذا اليمين على وجهين : أحدهما: أنه معلق بالمستقبل كأن فعلت كذا فهو يهودي، أو نصراني. وثانيها: إنه يتعلق بالماضي، كقوله: إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني، فأما الأولى فلا تتعلق به الكفارة عندنا وعند المالكية، خلافاً للحنفية، وقد يتعلق الأولون بهذا الحديث فإنه لم يذكر كفارة، وجعل المرتّب على ذلك قوله: ((هو كما قال)). وأما الثاني: فلا كفارة فيه عندنا وعند المالكية ولا يكفر بذلك أيضاً إلاَّ أن يقصد التعظيم. وفيه خلاف عند الحنفية فقيل إنه لا يكفر اعتباراً بالمستقبل. ٢٩٤ وقيل: يكفر لأنه تنجيز معنى، كما إذا قال: ((هو يهودي)) قال بعضهم: والصحيح أنه لا يكفر فيها، إن كان يعلم أنه يمين. وإن كان عنده أنه يكفر بالحلف، فقوله بملة غير الإسلام يعم جميع الملل كاليهودية والنصرانية وغيرها. الثالثة: الكذب عند أصحابنا المتكلمين هو الإخبار عن الشيء تعريف الكذب على خلاف ما هو عمداً كان أو سهواً. وخالفت المعتزلة فشرطوا فيه العمد. وهذا الحديث وغيره يرد قولهم فإنه عليه الصلاة والسلام قيده بالعمد لأنه قد يكون سهواً يسبق لسانه فلا يكون كما قال. قال القاضي عياض (١) /: وقيد التعمد من زيادات سفيان [١/٢١٧/ب] الثوري وهي زيادة حسنة إن كان المتعمد الحلف بها مطمئن القلب بالإِيمان وهو كاذب في تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه، فإن قاله معتقداً لتعظيمها واعتقد اليمين بها لكونها حقاً فهو كافر كما اعتقد فيها. الرابعة: قوله عليه الصلاة والسلام: ((ومن قتل نفسه بشيء مجانية العقوبة عذب به يوم القيامة)). هو من باب مجانسة العقوبات الأخروية في الآخرة للجنايات الدنيوية، ويؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإِثم. لأن نفسه ليست ملكاً له، وإنما هي لله تعالى فلا يتصرف فيها إلاَّ بما أُذن. قال القاضي عياض (٢): وفيه دلالة لمالك ــ ومن قال بقوله - على أن القصاص من القاتل بما قتل به محدَّداً كان أو غير محدد، (١) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٢١٩/١). (٢) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٢١٨/١). ٢٩٥ خلافاً لأبي حنيفة، اقتداءً بعقاب الله تعالى لقاتل نفسه في الآخرة. ثم ذكر حديث اليهودي، وحديث العرنيين، ونازعه الشيخ تقي الدين في أخذ ذلك من هذا الحديث، وقال: إنه ضعيف جداً لأن أحكام الله تعالى لا تقاس بأفعاله. وليس كل ما فعله في الآخرة بمشروع لنا في الدنيا، كالتحريق بالنار، وإلساع الحيات والعقارب، وسقي الحميم المقطُّع للأمعاء. [١٩٠/هـ/أ] وبالجملة فما لنا طريق / إلى إثبات الأحكام إلاّ نصوص تدل عليها، أو قياس على المنصوص عن القياسيين، ومن شرط ذلك أن يكون الأصل المقيس عليه حكماً. أما ما كان فعلاً لله تعالى فلا، وهذا ظاهر جداً، وليس ما نعتقده فعلاً لله تعالى في الدنيا أيضاً بالمباح لنا. فإن الله تعالى يفعل ما يشاء بعباده ولا حكم عليه. وليس لنا أن نفعل بهم إلاَّ ما أذن لنا فيه، بواسطة أو بغيرها. الخامسة: التصرفات الواقعة قبل الملك للشيء على وجهين: أنواع التصرفات قبل الملك أحدهما: تصرفات التنجيز كما لو أعتق عبد غيره، أو باعه، أو نذر نذراً متعلقاً به. فهذه تصرفات لاغية اتفاقاً، إلا من شذ في العتق خاصة، حیث قال یعتق علیه إذا کان موسراً، وقيل: إنه رجع عنه . ثانيها: التصرفات المتعلقة بالملك کتعليق الطلاق بالنكاح مثلاً، فهذا مختلف فيه، فالشافعي يلغیه کالأول، ومالك وأبو حنيفة يعتبرانه، ومشهور مذهب مالك باعتباره إذا خص دون ما إذا عمم. وقد يستدل للشافعي بهذا الحديث وما يقاربه ومخالفوه يحملونه على التنجيز، ٢٩٦ أو يقولون بموجب الحديث، فإن التنفيذ إنما يقع بعد الملك، فالطلاق - مثلاً - لم يقع قبل الملك، فمن هاهنا يجيء القول بالموجب . قال الشيخ: وهاهنا نظر دقيق في الفرق بين الطلاق - أعني تعليقه بالملك - وبين النذر في ذلك، فتأمله. قلت: لعله إن الوفاء بالنذر قربة بل هو في أصله قربة على أحد الآراء / فيه بخلاف أصل الطلاق فإنه أبغض الحلال إلى الله فلا يلزم [١٨/٢١٨] الطلاق المعلق. بخلاف النذر المعلق. قال الشيخ: واستبعد قوم تأويل الحديث وما يقاربه بالتنجيز من حيث إنه أمر ظاهر جلي لا تقوم به. فائدة: يحسن حمل اللفظ عليها وليست جهة هذا للاستبعاد يقويه فإن الأحكام كلها في الابتداء كانت متيقنة وفي إثباتها فائدة متجددة، وإنما حصل الشيوع والشهرة لبعضها فيما بعد ذلك، وذلك لا ينفي حصول الفائدة عند تأسيس الأحكام. السادسة: اللعن الإبعاد عن الرحمة وقطعه عنها والقتل هو معنى(اللعن)) الموت والقطع عن التصرفات، فقوله عليه الصلاة والسلام: ((ولعن المؤمن كقتله» إما أن يكون كقتله في أحكام الدنيا، أو في أحكام الآخرة، لا يمكن الأول لأن قتله يوجب القصاص، ولعنه لا يوجب ذلك. وأما الثاني: فإما أن يراد بها التساوي في الإِثم، أو في العقاب، وكلاهما مشكل الآن والإِثم يتفاوت بتفاوت مفسدة الفعل، ٢٩٧ وليس إذهاب الروح في المفسدة كمفسدة الأذى باللعنة. وكذلك العقاب يتفاوت بحسب تفاوت الجرائم، قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وذلك دليل على التفاوت في العقاب والثواب، بحسب التفاوت في المصالح والمفاسد، فإن الخيرات مصالح، والمفاسد شرور. نبه على ذلك الشيخ في (شرحه))(١)، ثم نقل عن القاضي عن المازري(٢) أن الظاهر من الحديث التشبيه في الإِثم وهو تشبيه واقع لأن اللعنة قطع عن الرحمة والموت قطع عن التصرف. قال القاضي: وقيل لعنته يقتضي قصده بإخراجه من جماعة المسلمین ومنعهم منافعه ویکثر عددهم به كما لو قتله. وقيل: لعنته تقتضي قطع منافعه الأخروية عنه، وبعده منها بإجابة لعنته. فهو كمن قُتل في الدنيا، وقطعت عنه منافعه فيها. وقيل: معناه استواؤهما في التحريم. قال الشيخ: وأقول هذا يحتاج إلى تلخيص ونظر. أما ما حكاه عن الإِمام من أن الظاهر من الحديث تشبيه في الإثم، وكذلك ما حكاه ـ من أن معناه استواؤهما في التحريم - فهذا يحتمل أمرين: : أحدهما: أن يقع التشبيه والاستواء في أصل التحريم والإِثم. والثاني: أن يقع في مقدار الإثم. فأما الأول فلا ينبغي أن يحمل عليه، لأن كل معصية - قلّت ۔۔ (١) إحكام الأحكام (٤ /٤١٢). (٢) المعلم بفوائد مسلم (٣٠٦/١). ٢٩٨ أو عظمت - فهي مشابهة أو مستوية مع القتل في أصل التحريم فلا يبقى في الحديث كبير فائدة، مع أن المفهوم منه تعظيم أمر اللعنة بتشبيهها بالقتل. وأما الثاني فقد بينا ما فيه من الإِشكال. وهو التفاوت في المفسدة بين إزهاق الروح وإتلافها، وبين / الأذى باللعنة. [١/٢١٨/ب] وأما ما حكاه عن / الإِمام - من قوله إن اللعنة قطع عن [١٩٠/هـ/ب] الرحمة، والموت قطع عن التصرف - فالكلام عليه أن نقول: اللعنة تطلق على نفس الإبعاد الذي هو فعل الله تعالى. وهو الذي يقع فيه التشبيه . والثاني: أن تطلق اللعنة على فعل اللاعن وهو طلبه لذلك الإِبعاد بقوله: ((لعنه الله)) مثلاً، أو بوصفه للشخص بذلك الإِبعاد بقوله: ((فلان ملعون)»، وهذا ليس بقطع عن الرحمة بنفسه، ما لم تتصل به الإِجابة، فيكون حينئذٍ تسبباً إلى قطع التصرف، ويكون نظيره التسبب إلى القتل. غير أنهما يفترقان في أن التسبب إلى القتل - بمباشرة الحزِّ وغيره من مقدمات القتل - مفض إلى القتل بمطرد العادة، فلو كان مباشرة اللعن مفضياً إلى الإبعاد الذي هو اللعن دائماً لاستوى اللعن مع مباشرة مقدمات القتل، وزاد عليه. وبهذا يتبين لك الإِيراد على ما حكاه القاضي، من أن لعنته له تقتضي قصد إخراجه عن جماعة المسلمين كما لو قتله، فإن قصده إخراجه لا يستلزم إخراجه، كما يستلزمه مقدمات القتل، وكذلك أيضاً ما حكاه من أن لعنته تقتضي قطع منافعه الأخروية عنه بإجابة دعوته، ٢٩٩ إنما يحصل ذلك بإجابة دعوته، وقد لا تجاب في كثير من الأوقات، فلا يحصل انقطاعه عن منافعه، كما يحصل بقتله. ولا يستوي القصد إلى القطع بطلب الإِجابة، مع مباشرة مقدمات القتل المفضية إلى من مطرد العادة ويحتمل ما حكاه القاضي عن الإِمام وغيره - أو بعضه - أن لا يكون تشبيهاً في حكم دنيوي ولا أخروي بل يكون تشبيهاً لأمر وجودي بأمر وجودي كالقطع. والقطع - مثلاً في بعض ما حكاه - ، أي: قطعه عن الرحمة أو عن المسلمين بقطع حياته، وفيه بعد ذلك نظر، والذي يمكن أن يقرر به ظاهر الحديث - في استوائهما من الإِثم - أنا نقول: لا نسلم أن مفسدة اللعنة مجرد أذاه، بل فيها - مع ذلك - تعريضه الإجابة الدعاء فيه، بموافقة ساعة لا يُسأل الله فيها شيئاً إلاَّ أعطاه، كما دل عليه الحديث من قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا ساعة))(١)، الحديث. وإذا عرّضه باللعنة لذلك ووقعت الإِجابة، وإبعاده من رحمة الله، كان ذلك أعظم من قتله، لأن القتل تفويت الحياة الفانية قطعاً، والإبعاد من رحمة الله أبعد ضرراً بما لا يحصى، وقد يكون أعظم الضررين على سبيل الاحتمال متساوياً أو مقارباً لأخفها على سبيل [١٨/٢١٩) التحقيق. ومقادير / المصالح والمفاسد وأعدادهما أمر لا سبيل للبشر إلى الاطلاع على حقائقه، هذا آخر كلامه. : (١) أخرجه مسلم (٣٠٠٩). ٣٠٠