Indexed OCR Text

Pages 201-220

أن تكون متجردة. وعن البندنيجي أنه يقال له: انصرف فإن هناك
عورة مکشوفة فإن أصر جاز رمیه.
ومنها: أنه إذا لم يكن في الدار إلَّ صاحبها فله الرمي، إن كان
مكشوف العورة ولا ضمان، وإلا فوجهان.
أصحهما: لا يجوز رميه.
والثاني: يجوز لأن من الأحوال ما يكره الاطلاع عليه.
ومنها: إن الحرم إذا كن في الدار مستترات، أو بيت. فقيل:
لا يجوز قصد عينيه لعدم الاطلاع على شيء.
والأصح: الجواز، لإطلاق الأحاديث، ولأنه لا تنضبط أوقات
الستر والتكشف، فالاحتياط حسم الباب.
ومنها: اشتراط عدم تقصير صاحب الدار في كف نظر الناظر
فإن جعل بابه مفتوحاً أو كانت كوة واسعة في الدار أو ثلمة في
الجدار لم يسدها، فإن كان الناظر مجتازاً لم يجز قصده.
وإن وقف وتعمد، فقيل: يجوز قصده لتعديه النظر،
والأصح: المنع لتفريط صاحب / الدار. وأجرى هذا الخلاف [١٧٨/ هـ/ب]
فيما إذا نظر من سطح نفسه أو نظر المؤذن من المنارة، لكن الأظهر
هنا جواز قصده أو لا تفريط من صاحب الدار وبقيت صور أخرى
محل الخوض فيها كتب الفروع وقد بسطناها فيها ولله الحمد.
قال الشيخ تقي الدين(١): وهذه التصرفات الفقهية إن كانت
(١) إحكام الأحكام (٣٦٢/٤)، وما ذكره من تصرفات الفقهاء استفادة منه مع
تصرف المؤلف فيه بالزيادة والحذف.
٢٠١

داخلة تحت إطلاق الأخبار فهي مأخوذة منها، وما لا فبعضه مأخوذ.
من فهم المعنى المقصود بالأحاديث. وبعضه مأخوذ بالقياس، وهو
قليل فيما ذكرناه. ومن تراجم البخاري على هذا الحديث ((من أخذ
حقه أو اقتص دون السلطان))(١).
قلت: ومن أحكامه حرمة النظر إلى بيت الغير بغير إذنه وإلى
الأجانب.
(١) (٢٢٥/١٢) رقم (٦٨٨٨).
٢٠٢

٧٠ - باب [حد](١) السرقة
[السرقة](٢) بفتح السين وكسر الراء ويجوز إسكان الراء مع معنى السرقة
فتح السين وكسرها، وهي أخذ مال الغير خفية وإخراجه من حرزه،
مأخوذ من المسارقة، ويقال: الذي يسرق الإِبل خاصة الحارث وفي
مكياله المطفف وفي ميزانه المخسر ذكر ذلك ابن خالويه في كتاب
((ليس))(٣) وعدد أنواعاً أخر كثيرة.
واعلم أن الله صان الأموال بإيجاب القطع على سارقها حرمة عناية الله بصيانة
لها ولم يجعل ذلك في غير السرقة كالاختلاس والانتهاب والغصب
الأموال
لأن ذلك قليل بالنسبة إليها ولأنه يمكن استرجاع ذلك باستدعاء إلى
ولاة الأمور ويسهل إقامة البينة عليه بخلاف السرقة فإنه يندر إقامة
البينة عليها [لعظم](٤) أمرها واشتدت عقوبتها لتكون أبلغ في الزجر
عنها .
(١) زيادة من ن هـ وإحكام الأحكام مع الحاشية.
(٢) في ن هـ ساقطة.
(٣) كتاب: ليس في «كلام العرب)) لابن خالويه: هو أبو عبد الله الحسين بن
أحمد بن خالويه الهمذاني المتوفى سنة (٣٧٠).
(٤) في شرح مسلم (١١/ ١٨١) فعظم.
٢٠٣

ولم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع فيها بقدر ما يقطع
فيه حماية للعضو أيضاً وصيانة له فلما هانت بالمخالفة هانت.
وقد أجمع المسلمون على قطع السارق في الجملة وإن اختلفوا
في تفصيله وذكر المصنف رحمه الله في الباب ثلاثة أحاديث:
٢٠٤

الحدیث الأول
١/٣٧٠/ ٧٠ - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن
النبي ◌َل ((قطع في مجن قيمته)).
وفي لفظ: ثمنه ثلاثة دراهم(١).
الكلام علیه من وجوه :
أحدها: ((المجن)) بكسر الميم وفتح الجيم وبالنون الترس معنى (المجن)
مفعل من معنى الاجتنان وهو الاستتار والاختفاء ونحو ذلك، ومنه
الجن. وكسرت ميمه لأنه آلة في الاجتنان، كأن صاحبه يستتر به عما
يحاذره [قال الشاعر:
فكان](٢) جنيٍّ دون [من](٣) كنتُ أتقى
(١) البخاري (٦٧٩٥)، ومسلم (١٦٨٦)، مالك (٦٣٤/٢)، وأحمد (٦/٢،
٨٠، ١٤٣)، (٦٤/٣)، والترمذي (١٤٤٦)، والنسائي (٧٦/٨، ٧٧)،
وفي الكبرى له (٧٣٩٤، ٧٣٩٥، ٧٣٩٦، ٧٣٩٧)، وأبو داود (٤٣٨٦)،
وابن ماجه (٢٥٨٤)، وابن الجارود (٨٢٥)، والدارمي (١٧٣/٢)،
والبيهقي في الكبرى (٤٤٦/٨)، والبغوي في السنة (٣١٣/١٠).
(٢) في الأصل (كان).
(٣) في إحكام الأحكام: ما.
٢٠٥

ثلاث شخوص: كاعبان ومُعصِرُ(١)
الثاني: ((القيمة)) و ((الثمن)) مختلفان في الحقيقة والمعتبر القيمة
وذكر الثمن، إما لتساويهما في ذلك الوقت أو في ظن الراوي:
أو باعتبار الغلبة وإلاّ فلو اختلفت القيمة والثمن الذي اشتراه به مالكه
لم تعتبر إلاَّ القيمة.
الثالثة: اختلف العلماء في النصاب في السرقة، أصلاً وقدراً.
اعتبار النصاب
في السرقة
أما الأصل: فجمهورهم على اعتبار النصاب، وشذ أهل
الظاهر فلم يعتبروه، ولم يفرقوا بين القليل والكثير، وقالوا: بالقطع
فيهما. وحكي أيضاً عن ابن بنت الشافعي والحسن والخوارج لعموم
الآية ولم يخصوه بالأحاديث الصحيحة المفسرة لها نعم الاستدلال
الاشتراطه بهذا الحديث فيه ضعف، فإنه حكاية فعل، لا يلزم من
القطع في هذا المقدار فعلاً عدم القطع فيما دونه نطقاً.
مقدار النصاب
وأما المقدار: ففيه [ثمانية](٢) أقوال:
أحدها: ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار سواء كانت قيمته ثلاثة
دراهم أم أكثر أم أقل ولا يقطع في أقل منه وهو قول كثير من العلماء
من الصحابة والتابعين فمن بعدهم أو الأكثرين منهم عائشة وعمر بن
[٨/٢٠٠ ب] عبد العزيز والأوزاعي والليث والشافعي / وأبو ثور وإسحاق وروي
(١) ساقط من ن هـ، والبيت للشاعر عمر بن أبي ربيعة من قصيدته التي تسمى
قصب السكر .
(٢) في ن هـ (ثلاثة). انظر للاطلاع على هذه الأقوال الاستذكار (١٥٨/٢٤،
١٦٦).
٢٠٦

عن داود أيضاً ودليلهم حديث عائشة الآتي ويقوم ما عدا الذهب
بالذهب.
ثانيها: عشرة دراهم، قاله أبو حنيفة ويقوم ما عدا الفضة
بالفضة وفيه رواية عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده مرفوعاً
((لا تقطع اليد إلاّ في عشرة دراهم)) (١) لكنه ضعيف جداً واختلف عنه
في الدينار إذا لم يبلغ عشرة دراهم هل يعتبر بنفسه أو صرفه.
ثالثها: ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم أو ما قيمة أحدهما
ولا قطع فيما دون ذلك، قاله مالك وأحمد وإسحاق في رواية قال
الشافعي / وحديث عائشة الآتي لا يخالف حديث ابن عمر هذا فإن [١٧٩/ هـ /أ]
الدينار كان اثني عشر درهماً وربعه ثلاثة دراهم أعني صرفه ولهذا
قوِّمت الدية باثني عشر ألفاً من الورق وألف دينار من الذهب وهذا
الحديث يستدل به لمذهب مالك في أن الفضة أصل في التقويم دون
الذهب فإن [المسروق] (٢) لما كان غيرهما، وقوِّم بالفضة دون
الذهب دل على أنها أصل في التقويم، وإلاّ كان الرجوع إلى الذهب
- الذي هو الأصل ــ أولى وأوجب، عند من يرى التقويم به،
والحنفية أجابوا بأن التقويم أمر ظني تخميني، فيجوز أن تكون قيمته
عنده ربع دينار أو ثلاثة دراهم ويكون عند غيره أكثر وضُعف هذا
التأويل بأن ابن عمر لم يكن ليخبر بما يدل على مقدار ما يقطع فيه
إلاَّ عن تحقيق لعظم أمر القطع.
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٩/ ٤٧٤)، وذكره في مجمع الزوائد (٦/ ٢٧٣).
(٢) من ن هـ (الورق)، وما أثبت يوافق إحكام الأحكام.
٢٠٧

رابعها: أنه خمسة دراهم قاله سليمان بن يسار وابن شبرمة
وابن أبي ليلى والحسن في رواية وروي عن عمر أيضاً.
خامسها: أنه أربعة، حكاه القاضي(١) عن بعض الصحابة.
سادسها: إنه درهمین، روي عن الحسن(٢) ..
سابعها: إنه درهم، روي عن عثمان البتي حكاه القاضي عنه
والقرطبي(٣) قال: روي عن عثمان وهو مراده.
ثامنها: إنه أربعون درهماً أو أربعة دنانير، حكي عن النخعي.
والصحيح من هذه المذاهب ما قاله الشافعي وموافقوه لأنه ◌َ و صرح
ببيان النصاب من لفظه وإنه ربع دينار كما سيأتي في الحديث الآتي
من طريق عائشة، وفي الصحيح أيضاً من حديثها ((لا تقطع يد السارق
إلَّ في ربع دينار فصاعداً)(٤) وهذا حصر منه في أنها لا تقطع إلاَّ في
القدر المذكور. وحديث ابن عمر في الكتاب قطع في مجن قيمته
ثلاثة دراهم محمول على أن هذا القدر كان ربع دينار فصاعداً ثم هي
قضية عين لا عموم لها فلا يجوز ترك صريح لفظه عليه الصلاة
[١٨/٢٠٠] والسلام في تحديد النصاب / لهذه الرواية المحتملة بل يجب حملها
على موافقة لفظه ولا بد من ذلك لتوافق صريح تقديره.
(١) روى عن أبي هريرة وأبي سعيد - رضي الله عنهما - كما في مصنف ابن
أبي شيبة (٩/ ٤٧١).
(٢) انظر: تفسير القرطبي (١٦١/٦)، والاستذكار (١٦٦/٢٤).
(٣) المفهم (١٧٣/٥).
(٤) البخاري (٦٧٩٠)، ومسلم (١٦٨٤)، والنسائي (٨١/٨)، وأبو داود
(٤٣٨٣)، والترمذي (١٤٤٥)، وابن ماجه (٢٥٨٥).
٢٠٨

وأما رواية: ((قطع في مجن قيمته عشرة دراهم)) وفي رواية
(خمسة)) فضعيفة لا يعمل بها إذا انفردت، فكيف وقد خالفت صريح
الأحاديث الصحيحة بالتقويم بربع دينار مع أنه يمكن حملها على أنه
كانت قيمته عشرة دراهم اتفاقاً.
وأما الحديث الصحيح: ((لعن الله السارق يسرق البيضة
أو الحبل فتقطع يده))(١) فالمراد به التنبيه على ما هو خير وهو يده في
مقابلة حقير من المال وهو ربع دينار فإنه شارك البيضة في الحقارة
أو أراد جنس البيض وجنس الحبال أو أنه إذا سرق ذلك فلم يقطع
جره ذلك إلى سرقة ما هو أكثر منهما فيقطع فكانت سرقة ذلك سبباً
لقطعها، أو أن المراد إنه [قد] (٢) يسرق ذلك فيقطعه بعض الولاة
سياسة لا قطعاً جائزاً شرعياً.
وأبعد من قال: المراد بيضة الحديد(٣) وحبل السفينة لأن بلاغة بعض من أول
البيضة بيضة
الحديد وحبل
(١) البخاري (٦٧٨٣)، ومسلم (١٦٨٧)، والنسائي (٦٥/٨)، وابن ماجه السفينة
(٢٥٨٣)، والبغوي (٢٥٩٧، ٢٥٩٨)، والبيهقي (٢٥٣/٨)، وأحمد
(٢/ ٢٥٣).
(٢) في ن هـ ساقطة.
(٣) هذا ذكره البخاري والبغوي بعد تخريجهما للحديث عن الأعمش بلفظ:
((كانوا يرون أنه بيضة الحديد، والحبل: كانوا يرون أنه مما يسوى
دراهم. اهـ.
قال الخطابي - رحمنا الله وإياه - في ((إعلامه)) (٢٢٩١).
قلت: تأويل الأعمش هذا غير مطابق لمذهب الحديث ومخرج الكلام فيه،
وذلك أنه ليس بالسائغ في الكلام أن يقال في مثل ما ورد فيه هذا الحديث
من اللوم والتثريب: أخزى الله فلاناً عرض نفسه للتلف في مال له قدر =
٢٠٩

الكلام تأباه لأنه لا يذم عادة من خاطر بيده في شيء له قدر.
تنبيه: القطع له شروط، منها: كون المأخوذ في حرز خلافاً
:
الداود، ومحل الخوض فيها كتب الفروع فإنه أمس به. وكذا كيفية
القطع هل هو من المنكب أو الرسغ أو المرفق فليراجع منه.
والجمهور على أنه من اليد والرجل من المفصل وقال أحمد في
الرجل من شطر القدم.
ومزية، وفي عرض له قيمة. إنما يضرب المثل في مثله بالشيء الوتح الذي
لا وزن له ولا قيمة، هذا عادة الكلام وحكم العرف الجاري في مثله.
وإنما وجه الحديث وتأويله: ذم السرقة وتهجين أمرها وتحذير سوء مغيتها
فيما قل وكثر من المال. يقول: إن سرقة الشيء اليسير الذي لا قيمة له
كالبيضة المذرة، والحبل الخلق الذي لا قيمة له إذا تعاطاها المسترق،
فاستمرت به العادة لم ينشب أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقها، حتى يبلغ
قدر ما يقطع فيه اليد، فتقطع يده. يقول: فليحذر هذا الفعل وليتوقه قبل
أن تملكه العادة ويمرن عليها ليسلم من سوء مغبته ووخيم عاقبته. اهـ.
٢١٠

الحديث الثاني
٧٠/٢/٣٧١ - عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت
رسول الله ◌َ* يقول: ((تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً)) (١).
هذا الحديث هو اعتماد الشافعي في مقدار النصاب، كما الاستدلال في
سلف، وقد روي عن عائشة عن النبي وَ ل* فعلاً وقولاً.
هذا الحديث
على مقدار
النصاب
وهذه الرواية قول، وهو أقوى في الاستدلال من الفعل، لأنه
لا يلزم من قطع السارق في مقدار معين وقع على سبيل الاتفاق
لا يقطع فيما دونه بخلاف القول فإنه دال على اعتبار مقدار معين من
القطع وذلك دال على عدم اعتبار ما زاد عليه من إباحة القطع، لأنه
لو اعتبر في ذلك لم يجز القطع فيما دونه.
وأيضاً فرواية الفعل يدخل فيها ما سلف من التأويل
(١) البخاري (٦٧٩٢)، ومسلم (١٦٨٤)، ومالك (٦٣٤/٢)، وأبو داود
(٤٣٨٣)، والترمذي (١٤٤٥)، والنسائي (٧٧/٨، ٨١)، وفي الكبرى له
(٧٤٠٣، ٧٤٠٤)، وابن ماجه (٢٥٨٥)، والدارمى (١٧٢/٢، ١٧٣)،
وابن الجارود (٨٢٤)، والدارقطني (١٨٩/٣، ١٩٠)، والحميدي
(١٣٤/١)، والبيهقي في السنن (٤٤٣/٨)، والبغوي في السنة (٢٥٩٥).
٢١١

[١٧٩/ هـ/ب] المستضعف / في أن التقويم أمر ظني إلى آخره. نبّه على ذلك
الشيخ تقي الدين(١) قال: وهذا الحديث قوي في الدلالة على
أصحاب أبي حنيفة، فإن صريحه يقتضي القطع في هذا المقدار
الذي لا يقولون بجواز القطع [فيه](٢) .
[٢٠١//ب]
وأما دلالته على الظاهرية ومن قال بقولهم: فليس / من حيث
النطق، بل من حيث المفهوم، وهو داخل في مفهوم العدد(٣)،
ومرتبته أقوى من مرتبة مفهوم اللقب (٤).
(١) انظر: إحكام الأحكام (٣٦٨/٤).
(٢) في المرجع السابق به .
(٣) مفهوم العدد، هو دلالته على ثبوت نقيض حكم المنطوق عند تقييده به أي
بالعدد المسكوت فيما عدا العدد كقوله تعالى: ﴿فَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً﴾ فإنه
يدل على نفي الوجوب عن الزائد على الثمانين كما يدل على وجوبها
بسبب تقييد الوجوب بالعدد المذكور.
(٤) مفهوم اللقب هو تعليق بجامد كفى الغنم زكاة. بمعنى: تعليق الحكم على
أسماء الذوات. فإنه يدل على نفي الزكاة عن غير الغنم. انظر لهما تيسير.
التحرير (١٠٠/١، ١٠١).
٢١٢

الحديث الثالث
٧٠/٣/٣٧٢ - عن عائشة رضي الله عنها: ((أن قريشاً أهمهم
شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله المؤ؟
فقالوا: من يجترئءُ عليه إلاّ أسامة بن زيد حب رسول الله اَلر،
فكلمه أسامة، فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب
فقال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف
تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله:
[لو كانت](١) فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها))(٢).
وفي لفظ: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي وَل
بقطع بدها.
(١) في متن العمدة لو أن.
(٢) البخاري (٣٧٣٢)، ومسلم (١٦٨٨)، وأبو داود (٤٣٧٣، ٤٣٧٤)،
والنسائي (٧٢/٨، ٧٤)، وفي الكبرى له (٧٣٨٢، ٧٣٨٣، ٧٣٨٤)،
وابن ماجه (٢٥٤٧)، والترمذي (١٤٣٠)، وأحمد (١٦٢/٦)، والدارمي
(١٧٣/٢)، وابن الجارود (٨٠٤، ٨٠٥، ٨٠٦)، والبيهقي في الكبرى
(٤٤٢/٨)، والبغوي في السنة (٢٦٠٣)، وعبد الرزاق (٢٠١/١٠)، وابن
أبي شيبة (٤٦٢/٦).
٢١٣

الكلام علیه من وجوه:
اختـلاف
الروايات بين
أهلك»
. وفضــل))
أحدها: هذا اللفظ الأخير هو لمسلم خاصة وفي بعض ألفاظ
البخاري ((ضَل)) بدل («أهلك)) وفي رواية له «أن بني إسرائيل كانوا إذا
سرق الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه)) وفي رواية
لمسلم له: ((إن هذه المخزومية سرقت في غزوة الفتح))، وفي رواية
له: ((أنه عليه الصلاة والسلام تلون وجهه لما كلمه أسامة في أمرها
وأنه قال: يا رسول الله استغفر لي، وأنه لما كان العشي قام فاختطب
فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإنما أهلك)) إلى آخره.
وفيه ((ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة:
فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع
حاجتها إلى رسول الله چ
تعيين السارقة
الوجه الثاني: اسم هذه المخزومية فاطمة بنت الأسود بن
عبد الأسد بن هلال بن عمرو بن مخزوم قاله ابن سعد(١). أسلمت
وبايعت وهي ابنة أخي أبي سلمة عبد الله بن الأسد زوج أم سلمة،
قال ابن سعد: وفي رواية أهل المدينة وغيرهم من أهل مكة أن التي
سرقت فقطع يدها أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد بن هلال
خرجت حجة الوداع فمرت بركب [نزول] (٢) فأخذت عيبة لهم فأتوا
بها النبي ﴾ فقطع يدها.
وقت هذه السرقة
: ثالثها: قد عرفت فيما مضى عن ((صحيح مسلم)) إن هذه
(١) الطبقات (٢٦٣/٨).
(٢) في ن هـ ساقطة.
٢١٤

السرقة كانت في غزوة الفتح وعزاه ابن العطار في ((شرحه)) إلى ((موطأ
ابن وهب)) وعزوه إلى ما ذكرناه أولى، وقد عرفت مما سقناه أيضاً
أن المسروق كان عيبة لهم. وفي ((سنن أبي داود)) وكتاب ((ابن عمر))
أنه كان حلياً، وفي ((سنن أبي داود))(١) أيضاً أنها سرقت قطيفة / من [١٨/٢٠٢]
بيت رسول الله # رواه تعليقاً وأسنده ابن ماجه (٢) من طريق ابن
إسحاق إلى مسعود بن الأسود وفيهما أنها عاذت بزينب، وفي مسلم
أنها عادت بأم سلمة .
الرابع: ((قريش)) قبيلة وهم ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن نسب قبيلة
((قريش)
مدرکة علی المشهور وقيل: ولد إلیاس.
وقيل: ولد مُضر [بن](٣) نزار.
وقيل: ولد فهر بن مالك بن النضر، وفهر لقب له واسمه
قريش ونسبه البيهقي إلى أكثر أهل العلم.
وقيل: إنه قصي بن كلاب حكاه الماوردي(٤) وغيره.
وسموا قريشاً لتقريشهم، أي: تجمعهم على أخذ الأموال، سبب تسمية
وقيل: لشدتهم، وقيل: لأنهم كانوا تجاراً والتجار يقرشون ويفتشون فريش
(١) انظر تخريج حديث الباب.
(٢) انظر تخريج حديث الباب.
(٣) زيادة من ن هـ.
(٤) الحاوي الكبير. أقول: اختار ابن حزم رحمه الله في كتابه جمهرة أنساب
العرب (١٢، ٤٦٤) أن قريش ينتسبون إلى فهر بن مالك بن النضر بن
كنانة بن خزيمة بن مدركة.
٢١٥

عن أموال التجارة. وحكى ابن دحية في ((تنويره)) في ذلك عشرين
قولاً (١).
والنسبة إلى قريش: قرشي، والعباسي: قريشي، فإن أردت
بقريش الحي: صرقته، وإن أردت القبيلة لم تصرفه.
نسب مخزوم
الخامس: ((المخزومية)) نسبة إلى بني مخزوم بن يقظة بن
مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ويقظة وتميم وكلاب إخوة
والمخزومي(٢): في غير هذا نسبة إلى مخزوم بن عمرو وإلى
مخزوم بن مالك، وإلى مخزوم بن صاهلة بطن من هذيل.
السادس: في ألفاظه ومعانيه.
سبب اهتمام
قريش
[١٨٠/هـ/أ]
إنما أهمهم شأنها لما خافوا من لحوق العار الجاهلي في قطع
يدها / وافتضاحهم بين القبائل به وظنوا أن الشفاعة والسعي في
إسقاطه يفيدان فيه، فلما أقسم عليه الصلاة والسلام على أنه
لو سرقت ابنته فاطمة لقطع يدها علموا أن ذلك حتم لا مندوحة عنه.
وإنما قال: ((لو سرقت فاطمة بنت محمد)) لأن اسمها الأخرى فاطمة
كما أسلفناه.
(١) ذكر السبكي في كتابه طبقات الشافعية (١٤٨/٣)، وروى في كتابه هذا أن
ابن عباس - رضي الله عنهما - سئل عن سبب تسمية قريش قريشاً فقال:
قريش حوت في البحر، يغلب الحيتان ويقهرهم، وهو أكبر دواب البحر،
ويصطاد الحيتان وسائر دواب البحر فيأكلها فلذلك سميت قريش قريشاً
"لأنها أغلب الناس وأشجعهم. قلت: ويقال: إن في البحر شيئاً يقال له:
القِرْش، يفترس الآدمي. اهـ. محل المقصود منه.
(٢) انظر: اللباب في تهذيب الأنساب (١٧٩/٣).
٢١٦

((والاجتراء)) التجاسر بطريق الإِدلال.
((والحِب)) بكسر الحاء هو المحبوب، وفيه منقبة ظاهرة له.
((وإنما)) للحصر.
قال الشيخ(١) تقي الدين: والظاهر أنه ليس للحصر المطلق مع
احتمال ذلك، فإن بني إسرائيل كانت فيهم أمور كثيرة تقتضي
الإِهلاك، فيحمل ذلك على حصر مخصوص، وهو الإهلاك بسبب
المحاباة في حدود الله فلا ينحصر ذلك في هذا الحد المخصوص.
((وأيم الله)) معناها: القسم ولا يستعمل إلاَّ مضافاً إلى الله تعالى معنى (أيم اله
وفيها لغات: ((إيم الله)) بكسر الهمزة وفتحها وضم الميم فيه أشهر من
ولغاتهـا
كسرها، و ((إيمن الله)) بكسر الهمزة وفتحها وبزيادة نون في آخرها
و ((إم الله)) بكسر الهمزة وحذف الياء والنون، و((م الله)) بحذف الهمزة
والياء والنون وتثليث الميم، و((م الله)) مثلث الميم أيضاً،
و ((أُومن الله)) بضم الهمزة وسكون الواو وضم الميم والنون. وقد
[٢٠٢//ب]
جمع ابن مالك لغاتها في بيتين فقال / :
همز أيم وأيمن فافتح وإكسر أو أم قل
أو قل مُ أو من بالتثليث قد شكلا
وأيمنُ اختم به الله كلا
أضيف إليه في قسم تبلغ به الأملا
وحكى القاضي(٢) ((لأيمن الله))، و ((ليم الله باللام))، فهذه أربعة
(١) إحكام الأحكام (٤ / ٣٧٣).
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤١٩/٥).
٢١٧

عشر لغة، قيل: هي جمع يمين وألفها ألف قطع وهو مذهب الفراء
والصحيح أنها مفردة وأن ألفها ألف وصل. قال الأزهري(١): وضم
آخره وحكم القسم الخفض [كما ضم لعمرك كأنه ضم يميناً ثانية
فقال: وايمنك ولايمنك عظيمة وعمرك ولعمرك عظيم]. وعن ابن
عباس أن يمين الله من أسمائه تعالى(٢).
السابع في أحكامه وفوائده:
الأول: قطع السارق رجلاً كان [أو](٣) امرأة.
الثاني: تمسك أحمد وإسحاق بالرواية الثانية على أن جاحد
حكم جاحد
المناع المتاع يقطع يده،
وجماهير العلماء وفقهاء الأمصار على أن لا قطع فيه وتأوّلوها
على أن المراد أنها قطعت بالسرقة وذكرت العارية تعريفاً لها ووصفاً
لا أنها سبب القطع جمعاً بينها وبين الرواية الأخرى إنها سرقت وقطعت
بسبب السرقة وهو متعين فإنها قضية واحدة كما ذكره النووي في ((شرح
مسلم)) (٤)، لكن الاختلاف في عين المسروق يورث ريبة في تعددها إلاّ
أن يدعى أن بعض الرواة اقتصر على بعضه وبعضهم على الباقي.
(١) تهذيب اللغة (٥٢٦/١٥) وما بين القوسين العبارة في التهذيب: ((كأنه
أضمر فيها يمين ثان، فقيل: وأيمنك فلأيمنك عظيمة، وكذلك: لعمرك
فلعمرك عظيم» ..
(٢) المرجع السابق.
(٣) زيادة من ن هـ.
(٤) شرح مسلم (١٨٨/١١).
٢١٨

وادعى كثير من الأئمة أن الرواية الثانية أعني رواية الجحد
شاذة فإنها مخالفة لجماهير الرواة والشاذ لا يعمل به ولهذا لم يودعها
البخاري ((صحيحه)) وإنما هي من أفراد مسلم قالوا: وتفرّد بها
معمر .
قال القرطبي(١): وقد تابعه عليها من لا يعتد بحفظه كابن
أخي الزهري ونمطه. قال العلماء: وإنما لم يذكر السرقة في هذه
الرواية لأن المقصود منها عند الراوي ذكر منع الشفاعة في الحدود
لا الإخبار عن السرقة .
الثالثة: جواز الحلف من غير استحلاف وهو مستحب إذا كان
فيه تفخيم لأمر مطلوب، وقد اختلف العلماء في جواز الحلف به
وهذا الحديث دال على جوازه.
الرابعة: المنع في الشفاعة في الحدود، وهو إجماع، بعد حرمة الشفاعة
بلوغه إلى السلطان، أما قبله فهو جائز عند أكثر العلماء إذا لم يكن بلوغها السلطان
في الحدود بعد
المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس، فإن كان لم يشفع فيه، أما
المعاصي التي لا حد فيها وإنما فيها التعزير فيجوز الشفاعة والتشفيع
فيها بالشرط السالف وإن بلغت الإِمام لأنها أهون.
الخامسة: حرمة التشفيع في صاحب الحد إذا بلغ الإمام.
السادسة: تعظيم أمر المحاباة للأشراف في حقوق الله تعالى حرمة المحاباة
وحدوده وأنها سبب الهلاك، وقد نبّه عليه الصلاة والسلام على ذلك عز وجل
في حقوق الله
بهلاك / من قبلنا من الأمم بذلك بالحصر ((بإنهما)) كما سلف.
[٨/٢٠٣ ١]
(١) المفهم (٧٧/٥).
٢١٩

السابع: جواز تعليق القول بتقدير أمر آخر وقد شذ قوم في
المنع من قول: (الو)) فإنه صح ((أنها تفتح عمل الشيطان)) (١) لكن
المنع مؤول على فعل أمر قد فات أو فعل محذور ونحوه.
الثامن: مساواة الشريف وغيره في أحكام الله وحدوده وأن من
راع الشريف فيها يخشى عليه الهلاك.
عدم مراعاة
الأقارب
والأصحاب في
دين الله
التاسع: عدم مراعاة الأهل والأقارب والأصحاب في مخالفة
الدين وقد حث الله تعالى على ذلك بقوله تعالى: ﴿﴿ فَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ
وَالْأَقْرَبِينٌ﴾ (٢) وقوله: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَآبَاؤُكُمْ﴾(٣)، الآية.
وقوله: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، الآية.
العاشر: جواز الحلف باسم الله وهو يمين عندنا بالنية لا عند
الإِطلاق على الأصح لأنه لا يعرفه إلاَّ الخواص، وعن مالك
وأبي حنيفة أنه صريح.
الحادي عشر: استدل به لأحد القولين عند المالكية أنه قال:
((والله لو وقع كذا لفعلت كذا)» ونحو هذا، ومن ذلك لو كنت حاضراً
لك عند مخاصمة أخي لفقأت عينك، هل يكون حانثاً بهذا اللفظ
أم لا؟
(١) سبق تخريجه في كتاب الحج.
(٢) سورة النساء: آية ١٣٥ .
(٣) سورة التوبة: آية ٢٤.
٢٢٠