Indexed OCR Text
Pages 41-60
٦٨ - كتاب القصاص هو بكسر القاف المماثلة مأخوذ من القص، وهو القطع كما ضبط القصاص ومعناه قاله الأزهري(١). ومن اقتصاص الأثر وهو تتبعه كما قاله الواحدي وغيره من المحققين، لأن المقتص يتبع جناية الجاني فيأخذ مثلها. يقال: اقتص من غريمه، واقتص السلطان فلاناً من فلان أي أخذ له قصاصه. ويقال: اقتص فلانٌ فلاناً، طلب منه قصاصه. وذكر المصنف في الباب تسعة أحاديث: والثالث منهن في القسامة، والسادس فيه الدية أيضاً. والسادسُ والسابع فيه الغرة، والثامن فيه الصائل، والتاسع من قتل نفسه. (١) مختار الصحاح مادة (ق ص ص). ٤١ الحدیث الأول ٦٨/١/٣٥٥ - عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلقر: ((لا يحل دم امرىءٍ مسلم يشهد أن لا إله إلَّ الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)»(١). الكلام عليه من وجوه : أولها: هذا الحديث رواه مسلم أيضاً من رواية عائشة (٢)، لكنه من أفراده. وفي رواية له من / حديث ابن مسعود: قام فينا رسول الله وسلم فقال: ((والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله إلاَّ ثلاثة نفر: التارك للإِسلام ... )) وذكر الحديث. وفي رواية للبخاري: ((والمارق من ألفاظ الحديث في الصحيحين وغيرهما [٨/٧ب] (١) البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦)، والترمذي (١٤٠٢)، وابن ماجه (٢٥٣٤)، وأبو داود (٤٣٥٢)، والدارمي (٢١٨/٢)، والبيهقي (١٩/٨، ١٩٤، ٢٠٢، ٢١٣، ٢٨٣)، والطيالسي (٢٨٩)، والبغوي (٢٥١٧)، وأحمد (٣٨٢/١، ٤٢٨، ٤٤٤). (٢) مسلم (١٦٧٦)، والنسائي (٩٠/٧)، والبيهقي (١٩٤/٨)، والدارقطني (٨٢/٣)، وأحمد (١٨١/٦). ٤٢ الدين التارك للجماعة)). وفي رواية للنسائي: ((وإن محصن))، وفيه: ((لا يحل قتل مسلم إلا من إحدى ثلاث خصال: رجل يقتل مسلماً متعمّداً، ورجل يخرج من الإِسلام فيحارب الله ورسوله فيُقتل، أو يُصلب، أو يُنفى من الأرض». ثانيها: في التعريف براويه وقد سلف في باب المواقيت. ثالثها: في ألفاظه ومعانيه. قوله: ((لا يحل دم امرىء مسلم)) هو كناية عن قتله، أي لا یحل إلا باحدی هذه الأمور. وقوله: ((دم امرىء)) فيه حذف مضاف، أي أجزاء دمه. والدم ضبط دم مخفف المیم على المشهور، وأصله دمی کید ولامهما محذوفة حتى من التثنية، وجرى الدميان شاذ، وكذا يديان بيضاوان عندهم محكم لا يقاس عليه . وامرىءٍ: يُقال فيه مر كما سلف في حديث: ((إنما الأعمال بالنيّات)» . وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((يشهد أن لا إله إلاّ الله معنى قوله وأني رسول الله)) هو كالتفسير لقوله: (([مسلم] (١)))، وكذا: إله إلّاله) « يشهد أن لا (المفارق للجماعة))، كالتفسير لقوله: ((التارك / لدينه)). والجماعة [١٥٧/هـ/ب] جماعة المسلمين، وفراقهم بالردة إما بالتكفير بكلمة الكفر أو بالاعتقاد أو بالفعل، ومن خرج عنهم ببدعة أو بغى وكان الخوارج تقاتل حتی یرجع إليهم، وليس بكافر. (١) في ن هـ (امرىء)، وما أُثبت يوافق إحكام الأحكام مع الحاشية. ٤٣ و («الثيب)»: المراد به المحصن، كما في رواية النسائي السالفة. وهو من وطىء في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل. معنى (الإحصـان و ((الإِحصان)»: أصله المنع، وله معانٍ. هذا، وهو الموجب رجم الزاني ولا ذكر له في القرآن إلا في قوله تعالى: ﴿قُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِين﴾(١)، أي محصنين بالنكاح لا بالزنا وبمعنى: العفة، والحرية، والتزوج، والإِسلام، وكلها مذكورة في القرآن. والجامع لأنواع الإِحصان المنع، فكل واحد ممن ذكرنا يمنع ما ینافيه، وقد أوضحت ذلك في كتابي المسمَّى بـ: ((الإشارات إلى ما وقع في المنهاج من الأسماء والمعاني واللغات)). الثيب) و((الثيب)): اسم جنس يدخل فيه الذكر والأنثى. قاله أهل اللغة. قال ابن السكيت: وذلك إذا كانت المرأة قد دخل بها، أو كان الرجل قد دخل بامرأته . لغة في (الزاني) وقوله: ((الزاني)» قال النووي في ((شرح مسلم)»(٢): هو في نسخ (صحيح مسلم)) بغير ياء، وهي لغة صحيحة قُرىء بها في السبع من قوله تعالى: ﴿اَلْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٥)﴾(٣). قال: والأشهر في اللغة إثبات الياء. (١) سورة النساء: آية ٢٤. (٢) شرح مسلم (١٦٤/١١). (٣) سورة الرعد: آية ٩. ٤٤ و ((النفس)»: تُذكَّر وتُؤْنَّث. قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَقَ﴾(١)، وقال: ((بلى قد جاءتك آياتي، [فإن كان مجرداً من الألف واللام فالأكثر الحذف لا](٢). رابعها: في فوائده: الأولى: أن المسلم لا يصير مسلماً إلاَّ بالتلفظ بالشهادتين، فإنه - عليه الصلاة والسلام - جعلهما كالتفسير والوصف للمسلم، وذلك لا يُعرف إلا بالتلفظ والاتصاف. ومن الشافعية من قال: إن. كان ينكر إحداهما وأقر بها حكم بإسلامه وألزم الإقرار بالأخرى، فإن أبى، فمرتدّ. وكذا لو أقر بما ينكره مما هو خاص بشريعتنا، والأصح عند جمهورهم أنه لا بد منها، اللهم إلا أن يعجز عن النطق لخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه كمعالجة المنية أو لغير ذلك. وهل يحتاج معها إلى الإِقرار بعموم الرسالة أو البراءة من كل دين يخالف الإِسلام؟ فيه أوجه: أصحّها: إن كان ينكر عمومها ويخصها بالعرب، فلا بد من الإِقرار أو التبرئة، وإلا فلا، ولو كان كفره بجحود فرض أو استباحة محرم لم يصح إسلامه حتى يأتي بالشهادتين ويرجع عما اعتقده. الثانية: عصمة دم المسلم إلا فيما ذكر النووي(٣)، وهذا الحديث عام، خصَّ منه الصائل ونحوه، فإنه يُباح قتله في الدفع. (١) سورة الزمر : آية ٥٦. (٢) زيادة في الأصل ولا مناسبة لها. (٣) شرح مسلم (١٦٥/١١). ٤٥ وقد يُجاب عن هذا بأنه داخل في المفارق للجماعة، ويكون المراد لا يحل تعمُّد قتله قصداً إلا في هؤلاء الثلاث. الثالثة: إباحة دم الزاني المحصن بصفته المعروفة في الأحاديث الصحيحة، وهو الرجم بالحجارة. الرابعة: وجوب القصاص في النفس بشرطه. قتل المسلم بالنمي والحربي المعاهد الخامسة: أن المسلم يقتل بالذمي والحربي والعبد، لعموم قوله: ﴿اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾(١)؛ وكما في الآية أيضاً قاله أصحاب أبي حنيفة والجمهور على خلافه، ومنهم باقي الأربعة والليث وأنه عموم أريد به الخصوص في المتماثلين، وقد وافقوا على تخصيص تخصيص صور هذا العموم في صور: من العموم بقتل المسلم منها: ما إذا قتل السيد عبده عمداً. ومنها: ما إذا قتل الأب ابنه، ولا حجة لهم في حديث: ((لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده))(٢) [حيث قالوا: التقدير بالمال ولا ذو عهد في عهده] (٣) بكافر حربي، فالذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه لأوجه. إحداها: [لا تسلم] (٤) أن الواو هنا عاطفة، بل استثنائية، فلا يلزم الاشتراك. معنی (الواو، هنا (١) سورة المائدة: آية ٤٥. (٢) ابن حبان (٥٩٩٦). (٣) ن هـ ساقطة. (٤) زيادة من ن هـ. ٤٦ ثانيها: سلَّمنا لكن العطف يقتضي الاشتراك في الأصل دون توابعه كما في قولك: مررت بزيد قائم وعمرو. فإنه لا يلزم منه المرور بعمرو قائماً أيضاً، بل الاشتراك في أصل المرور لا غير، فيقتضي / العطف هنا أنه لا يقتل به المسلم. أما تعيين من يقتل به [٨//ب] الآخر، فلا؛ لأن الذي يقتل به بعض توابع الحكم. ثالثها: / لا نسلم أن معناه بحربي، بل معناه التنبيه على [١٥٨/هـ/ب] التشبيه، فإن ((في)) تكون للتشبيه، فيصير معنى الكلام: ولا يقتل ذو عهد بسبب المعاهدة فيفيدنا ذلك أن المعاهدة سبب يوجب العصمة، وليس المراد به أنه يقتص منه ولا غير ذلك. رابعها: أن معناه نفي الوهم عمن يعتقد أن عقد المعاهدين كعقد الذمة يدوم، فنبه - عليه الصلاة والسلام - على أن أمر ذلك العهد إنما هو في ذلك الزمن خاصة لا يتعدّاه، وتكون ((في)) على هذا للظرفية . [خامسها](١): إباحة دم المرتد بشرطه وهو إجماع في الرجل والجمهور على إلحاق المرأة به. وقال أبو حنيفة (٢): لا تقتل. وقد أوضح البيهقي المسألة في ((خلافياته))(٣)، وضعف حديث ابن عباس بأنها لا تقتل (٤). (١) ن هـ ساقطة سادسها ... إلخ الفوائد. (٢) تحفة الفقهاء (٣/ ٥٣٠). (٣) مختصر الخلافيات (٤ /٤٠٦). (٤) حديث ابن عباس (٤٣٦١)، والنسائي (٧/ ١٠٧). ٤٧ [سادسها](١): إن مخالف الإجماع يكفر فيقتل، وقد نسب ذلك إلى بعض الناس [ ... ](٢)، وقد قدمنا الطريق في التكفير، فالمسائل الإجماعية تارة يصحبها [التواتر] (٣) بالنقل عن صاحب مخالف الإجماع الشرع، كوجوب الصلاة مثلاً. وقد لا يصحبها، [فـ](٤) الأول يكفّر في المسائل الشرعية جاحده، لمخالفته [التواتر](٥)، لا لمخالفته الإجماع. [و](٦) الثاني: لا یکفّر به. قال الشيخ تقي الدين: وقد وقع في هذا المكان من يدعي. الحِذْق في المعقولات، ويميل إلى الفلسفة، فظن أن المخالفة في حدوث العالم من قبيل مخالفة الإِجماع، وأخذ من قول من قال: ((إنه لا يكفر مخالف الإجماع، أن لا يكفّر هذا المخالف في هذه المسألة. وهذا كلام ساقط بالمرة، إما عن عمى في البصيرة، أو [عن] (٧) تعام؛ [لأن](٨) حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإِجماع والتواتر بالنقل عن صاحب الشريعة، فيكفَّر المخالف بسبب مخالفته النقل المتواتر، لا بسبب مخالفة الإجماع. (١) ن هـ (السابعة). (٢) في إحكام الأحكام (٤/ ٣٠٠) زيادة (وليس ذلك بالهين). (٣) زيادة من إحكام الأحكام. (٤) في المرجع السابق (فالقسم). (٥) في إحكام الأحكام (المتواتر). (٦) في المرجع السابق (القسم). (٧) غير موجودة في المرجع السابق. (٨) في هـ (لا عن). ٤٨ [سابعها](١): أن تارك الصلاة كسلاً لا يقتل، لأنه - عليه الخلاف في كفر الصلاة والسلام - حصر دم المرء المسلم في هذه الثلاثة بلفظ النفي تارك الصلاة العام، والاستثناء منه لهذه الثلاثة، وهو قول المزني من أصحاب الشافعي قال: يُضرب ويُحبس حتى يصلي، وهو مشهور مذهب أبي حنيفة، واختاره الحافظ أبو الحسن علي بن المفضّل المقدسي المالكي في قصيدة له مشهورة، أنبأنا بها غير واحد عن شيخ الإسلام تقي الدين القشيري، عن الفقيه المفتي أبي موسى هارون بن عبد الله المهراني، عنه. وأبى معاذاً صالحاً ومآبا خسر الذي ترك الصلاة وخابا أمسى بربك كافراً مرتابا إن كان يجحدها، فحسبك أنه أو كان يتركها لنوع تكاسل [غطى] (٢) على وجه الصواب حجابا فالشافعي ومالك رأيا له إن لم يتب: حَدَّ الحسام عقابا هَمَلاً، ويحبس مرة إيجابا وأبو حنيفة قال يترك مرة تعزيره زجراً له وعقابا والظاهر المشهور من أقواله [ ... ](٣). والرأي عندي: أن يؤدبه الإِمام بكل تأديب يراه صوابا (١) ن هـ ساقطة. (٢) في الأصل ون هـ (غشى)، وما أُثبت من إحكام الأحكام. (٣) في المرجع السابق (إلى أن قال). ٤٩ حتى يلاقي في المآب: حسابا ويكف عنه القتل طول حياته إحدى الثلاث إلى الهلاك ركابا فالأصل عصمته إلى أن يمتطي أو محصن طلب الزنا فأصابًا الكفر أو قتل المكافي عامداً واستشكل إمام الحرمين قتله وقوى بعض المتأخرين إزالة الإِشكال في عدم قتله بقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّ الله وأنِّي رسول الله، ويقيمُوا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)). فوقف العصمة على مجموع ما ذكر والمرتب على أشياء لا تحصل بحصول مجموعها، وينتفي بانتفاء بعضها . قال الشيخ تقي الدين(١): وهذا إن قصد به الاستدلال [١٥٨/هـ/ب] بالمنطوق(٢) / وهو الأمر بالقتال إلى هذه الغاية، فقد [ذهل](٣) وسهى؛ لأنه فرَّق بين المقاتلة على الشيء والقتل عليه، فإن ((المقاتلة)) مفاعلة تقتضي الحصول من الجانبين. ولا يلزم من إباحة المقاتلة على الصلاة إباحة القتل عليها (٤) من الممتنع من فعلها إذا لم يقاتل، ولا إشكال بأن قوماً لو تركوا الصلاة [وقاتلوا عليها قوتِلوا](٥)، [أي بدليل مناظرة عمر الصديق في (١) إحكام الأحكام (٤/ ٣٠٤). (٢) في إحكام الأحكام زيادة (وهو قوله - عليه السلام -: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى ... إلخ))، فإنه يقتضي بمنطوقه الأمر بالقتال ... إلخ)). (٣) في المرجع السابق (وهل). (٤) في ن هـ كلمة غير واضحة. (٥). في المرجع السابق (ونصبوا القتال عليها أنهم يقاتلون). ٥٠ قتال مانعي زكاة المال](١) النظر والخلاف فيما إذا تركها إنسان من غير نَصب قتال: [هل يُقال يُقتل أم لا؟] (٢) فتأمَّل الفرق بين المقاتلة على الصلاة [والقتل](٣) عليها وأنه لا يلزم من إباحة المقاتلة عليها [إباحة القتل عليها](٤) وإن كان أخذ هذا من لفظ آخر الحديث، وهو ترتب العصمة على فعل ذلك، فإنه يدل بمفهومه على أنها لا تترتب على فعل بعضها، [دون المجموع](٥) هان الخطب لأنها دلالة مفهوم، والخلاف فيها معروف مشهور، وبعض من ينازعه في هذه المسألة لا يقول بدلالة المفهوم، ولو قال بها فقد يرجح عليها دلالة المنطوق في هذا الحديث. واعلم أن قتل تارك الصلاة كسلاً وعدمه مبني على تكفيره / [٨/١٦٩/ب] وقد اختلف أصحابنا فیه علی وجھین: قتل تارك الصلاة منې على تكفيره أحدهما: أنه يكفر بذلك، وهو المشهور عن أحمد، وقول المحدثين وبعض المالكية، وحكاه العبدري(٦) عن منصور الفقيه من (١) في المرجع السابق (إنما). (٢) في المرجع السابق (هل يقتل عليها أم لا؟). (٣) زيادة من إحكام الأحكام. (٤) في هـ ساقطة. (٥) في المرجع السابق غير موجودة. (٦) هو علي بن سعيد بن عبد الرحمن بن محرز بن أبي عثمان المعروف بأبي الحسن العبدري له مؤلفات منها مختصر الكفاية كان ظاهري المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي توفي ببغداد يوم السبت سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي (٢٥٧/٥). ٥١ أصحابنا، والشيخ أبي إسحاق في ((خلافياته)) عن أبي الطيب بن سلمة(١)، ونسبه القاضي حسين في باب قتل المرتد إلى أبي جعفر الترمذي (٢)، وابن خربويه(٣)، ووجهه قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة))(٤)، رواه مسلم من حديث جابر. وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)»(٥). رواه الترمذي من حديث بريدة، وصحَّحه؛ وكذا ابن حبان. وقال (١) هو العلامة أبو الطيب محمد بن المفضل بن سلمة بن عاصم الضبي صنف الكتب وله وجوه في مذهب الشافعي منها أنه كفر تارك الصلاة توفي شاباً في المحرم سنة ثمان وثلاثمائة. ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٦١)، ووفيات الأعيان (٢٠٥/٤). (٢) هو محمد بن أحمد بن نصير، أبو جعفر الترمذي. مولده في ذي الحجة سنة مائتين. وتوفي في المحرم سنة خمس وتسعين ومائتين. له مؤلف: (اختلاف أهل الصلاة)) في الأصول. ترجمة طبقات ابن شهبة (٨٢/١)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (١٠)، وطبقات الشافعية السبكي (٢٨٨/١). (٣) هو علي بن الحسين بن حرب بن عيسى أبو عبيد بن حربويه، ولي قضاء واسط ثم مصر، توفي في صفر سنة تسع عشرة وثلاثمائة ترجمته في طبقات ابن شهبة (٩٦/١)، وقد جاء اسمه مصحفاً في شذرات الذهب (٢٨١/٢) (أبو عبيد بن جويرية)، وطبقات ابن هداية (١٥) (جوبويه). (٤) مسلم (١٣٤). (٥) الترمذي (٢٦٢١)، وابن حبان (١٤٥٤)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (٦/١، ٧)، والنسائي (٢٣١/١)، وابن ماجه (١٠٧٩)، وأحمد (٣٤٦/٥، ٣٥٥)، والبيهقي (٣٦٦/٣)، والدار قطني (٢/ ٥٢). ٥٢ الحاكم: صحيح الإِسناد ولا نعرف له علة. قال: وله شاهد على شرطهما، فذكره عن شقيق، عن أبي هريرة قال: ((كان أصحاب رسول الله وَ ل و لا يرون من الأعمال شيئاً تركه كفراً غير الصلاة))(١). وروى هذا الترمذي عن شقيق بإسناد صحيح. وفي صحيح ابن حبان(٢) من حديث ابن عمرو عن رسول الله *: أنه ذكر الصلاة يوماً، فقال: ((من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها، لم يكن له برهان ولا نور ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون، وهامان، وفرعون)). وأصح الوجهين عندهم أنه لا يكفر بذلك، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن فلم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهداً أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة))(٣)، رواه مالك في الموطأ وأبو داود واللفظ له، والنسائي وابن ماجه، وصحَّحه ابن حبان وابن السكن وابن عبد البر. وجه الدلالة: أنه لو كفر لم يدخل تحت المشيئة، وللأحاديث الصحيحة الثابتة بحديث: ((من مات وهو يعلم أن لا إله إلاّ الله دخل (١) الترمذي (٢٦٢٢)، والحاكم (٦/١، ٧). (٢) أحمد (١٦٩/٢)، والدارمي (٣٠١/٢). (٣) مالك (١٢٣/١)، وأبو داود (١٤٢٠)، والنسائي (٢٣٠/١)، وابن ماجه (١٤٠١)، وابن حبان (١٧٣١)، وأحمد (٣١٥/٥)، والدارمي (٣٧٠/١). ٥٣ الجنة))(١) وشبهه، ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويرثون عنه، ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يورث ولم يرث. نعم يقتل حدّاً. وحديث جابر السالف، وكذا حديث بريدة أيضاً يحملان على أنه: شارك الكافر في بعض أحكامه، وهو وجوب القتل، کحديث: «قتال المسلم كفر»، أو على جاحد الوجوب، أو على كفر النعمة، ولأنه عموم دخله التخصيص بحديث عبادة السالف. وإذا قلنا يُقتل، فمتى يُقتل؟ اختلف أصحابنا فيه / على أوجه محل الخوض فيها كتب الفروع [وقد أوضحناها فيه، ولله الحمد](٢). [١٨/١٧٠] (١). مسلم (٢٦)، وأحمد (٦٥/١)، وابن منده (٣٢)، وأبو عوانة (٧/١). (٢) ن هـ ساقطة. ٥٤ الحديث الثاني ٦٨/٢/٣٥٦ - عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَر: ((أول ما يُقضى / بين الناس يوم القيامة في [١٥٩/ هـ/أ] الدماء)»(١). الكلام علیه من وجوه : أحدها: فيه تعظيم أمر الدماء، فإن البداءة إنما تكون بالأهم تعظيم أمر الدماء فالأهم، وهي حقيقة بذلك، فإن الذنوب تعظم بحسب المفسدة الواقعة بها، أو بحسب فوات المصالح المتعلقة بعدمها. [وهدم](٢) البنية الإِنسانية من أعظم المفاسد، فإن الله خلقها في أحسن تقويم، وسخر لها ما في السموات وما في الأرض، بل هو أكبر الكبائر بعد الشرك كما نص عليه الشافعي [ - رضي الله عنه -] (٣)، وهذا إذا (١) البخاري (٦٥٣٣)، ومسلم (١٦٧٨)، والترمذي (١٣٩٦، ١٣٩٧)، والنسائي (٨٣/٧)، وابن ماجه (٢٦١٥، ٢٦١٧)، وأحمد (١/ ٤٤٠، ٤٤١، ٤٤٢)، والبغوي (٢٥٢٠)، وأبو يعلى (٥٢١٥)، والطيالسي (٢٦٩)، والبيهقي (٢١/٨). (٢) في المخطوطتين (وعدم). (٣) زيادة من ن هـ. ٥٥ تجرَّد عن اعتقاد حله في غير محله. الثاني: في سنن أبي داود(١) والنسائي وجامع الترمذي، الجمع بين وقال: حسن من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إن أول ما يحاسب به حديث الباب وبين حديث يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن أول ما يحاسب فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيئاً، قال الرب به يوم القيامة من عمله صلاته عزَّ وجلّ: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم تكون سائر أعماله على هذا». ويجمع بين هذا وبين حديث ابن مسعود السالف بأنه فيما بين العبد وبين ربه تعالى، وحديث ابن مسعود فيما بينه وبين العباد. الثالث: فيه القضاء بين: الناس يوم القيامة، وعلمه - عليه الصلاة والسلام - بأحكام الآخرة واطلاعه عليه كما هو عالم بأحكام الدنيا . (١) أبو داود (٨٦٤)، النسائي (٢٣٢/١)، الترمذي (٤١٣)، أحمد (٢/ ٢٩٠). ٥٦ الحديث الثالث ٦٨/٣/٣٥٧ - عن سهل بن أبي حثمة قال: ((انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر، وهي يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل - وهو يتشحط في دمه قتيلاً - فدفنه، ثم [أتى](١) المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي وَلل، فذهب عبد الرحمن بتكلم، فقال(٢) کبر، کبر - وهو أحدث القوم - فسكت. فتكلما، فقال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم؟ قالوا: وكيف نحلف، ولم نشهد، ولم نر؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يميناً [فقالوا](٣): كيف نأخذ بأيمان قوم كفار؟ فعقله النبي ◌َّ من عنده))(٤). (١) في ن هـ وإحكام الأحكام (قدم). (٢) في المرجع السابق زيادة (النبي ◌َّ). (٣) في المرجع السابق (قالوا). (٤) البخاري (٢٧٠٢)، ومسلم (١٦٦٩)، والنسائي (٨/٨، ١٢)، وأبو داود (٤٥٢٠، ٤٥٢١، ٤٥٢٣)، والحميدي (٤٠٣)، وابن الجارود (٧٩٨، ٨٠٠)، والبغوي (٢٥٤٥، ٢٥٤٦)، والبيهقي (١١٨/٨، ١١٩)، والترمذي (١٤٢٢)، والدارقطني (١١٠/٣)، والموطأ (٨٧٧/٢، ٨٧٨). ٥٧ وفي حديث حماد بن زيد: فقال رسول الله وَلقر: ((يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برُمَّته، قالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: فتبرثكم يهود بأيمان خمسين منهم؟ قالوا: با رسول الله، قومٌ کفار. وفي / حديث سعيد بن عبيد: ((فكره رسول الله أن يبطل دمه، فوداه بمائة من إبل الصدقة)). [١/١١٧/ب] الكلام علیه من وجوه : : وهو قاعدة عظيمة من قواعد الأحكام، وأصل في القسامة ضبط القساعة) : ومعناه وأحكامها، وهي بفتح القاف وتخفيف السين مشتقة من القسم أو الإِقسام، وهي اليمين التي يحلف بها المدعي للدم عند اللوث. قاله أصحابنا وابن فارس(١) والجوهري(٢). وقال الأزهري (٣): هي اسم للأولياء الذين يحلفون على استحقاق دم المقتول. ! نقل الرافعي عن (٤) الأئمة أن القسامة في اللغة: اسم للأولياء، وفي لسان الفقهاء: اسم للأيمان. وهذا النقل عن أهل اللغة ليس قولهم كلهم بل بعضهم كما ذكرنا. والصحيح أنها اسم للأيمان. ثم موضع جريان القسامة أن يوجد قتيل لا يوجد قاتله، ولا (١) مجمل اللغة (٧٥٢) باب القاف والسين وما يثلثهما. (٢) مختار الصحاح ( ق س م ). (٣) تهذيب اللغة (٨/ ٤٢٣) مادة ( ق، س، م). (٤) في الأصل زيادة (القسامة)، وما أثبت من ن هـ. ٥٨ تقوم عليه بينة، ويدعي أهل القتيل قتله على واحد أو جماعة، مع قرينة تشعر بصدق الولي، ويقال له اللوث، فيحلف على ما يدعيه كما سيأتي. الوجه الأول: في التعريف براويه وبالأسماء الواقعة فيه. أما سهل: فسلف التعريف به في باب صلاة الخوف واضحاً. وأما عبد الله بن سهل: فهو أنصاري حارثي، كنيته أبو ليلى، التعريف بعبد الله وهو أخو عبد الرحمن - الآتي ــ قتيل اليهود بخيبر، خرج إليها بن سهل يمتار تمراً بعد العصر، فوُجد مقتولاً قبل الليل. قيل: إنه وُجد في عین قد کسرت عنقه مطروحاً فيها . وفي الصحيح: ((أنه طرح في فقير أو عين)). والفقير: البئر معنى (الفقيرا القريبة القعر، الواسعة الفم. وقيل: الحفيرة: التي تكون حول النخل . وأما محيصة: فهو / بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر [١٥٩/هـ/ب] الياء المثناة تحت مشددة على المشهور، ويجوز إسكانها في لغة. بمحيصة التعـريـف وظاهر كلام الشيخ تقي الدين في ((شرحه))(١) أنها راجحة. وقال النووي في ((شرحه))(٢): اللغتان مشهورتان، وأشهرهما التشديد، وخالف القرطبي فقال في ((مفهمه))(٣) المشهور التخفيف، وهو ابن مسعود بن كعب بن عامر بن عدي بن كعب بن مجدعة بن (١) إحكام الأحكام (٣٠٦/٤). (٢) شرح مسلم (١١/ ١٤٣). (٣) المفهم (٨/٥). ٥٩ -- حارثة بن الحارث بن الخزرج، أنصاري، حارثي، يُعدّ من أهل المدينة، وكنيته أبو سعيد. له صحبة وغزوات وأحاديث، أسلم قبل الهجرة قبل أخيه حويصة، وكان حويصة أسنّ منه، وكان محيصة أنجب وأفضل. وأسلم حريصة على يد أخيه [١/١/١٧١] محيصة، وبعث رسول الله وَل محيصة / إلى فدك يدعوهم إلى الاسلام. ء التعـريـف بحويصة وأما حويصة: فهو بضم الحاء المهملة وفتح الواو وفي الياء التشديد والتخفيف - كما سلف بما فيه -، وكنيته أبو سعيد أيضاً، وهو شقيق محيصةٍ، وكان سبب إسلامه ما ذكره ابن إسحاق في ((مغازيه)) عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة كعب بن الأشرف اليهودي الذي كان يؤذي رسول الله وَ لقوله بشعره ويتبعه ويحرِّض عليه العرب، وهو رجل من بني نَبْهَان من طيء، فلما قتل كعب قال - عليه الصلاة والسلام - : ((من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه))، فوثب مُحَيْصَة بن مسعود على ابن سُبَيْنَةِ - رجل من تجّار يهود كان يُلابسهم ويبايعهم - فقتله، وكان حُوَيِّصةٌ أخوه إذ ذاك لم يسلم، وكان أسن من مُحَيّصَة، فلما قتله جعل حُوَيِّصةُ يضربه، ويقول: أيْ عدُوَّ الله، أقتلته؟ أما واللَّهِ لَرُبَّ شحم في بطنك من ماله. قال محيصة: فقلت له: أما والله لقد أمرني بقتله مَنْ لو أمرني بقتلك لضربْتُ عنقك، قال: واللَّهِ لو أمرك بقتلي لقتلتني، قال: نعم، والله لو أمرني بقتلك لقتلتك، قال: والله إن ديناً بلغ بك هذا لعجب، فأسلم حويصة - وكان ذلك أوَّل إسلامه - ، فقال محيصة : ٦٠