Indexed OCR Text

Pages 501-520

قال القرطبي(١): وإنما اعتنى هؤلاء الأئمة بتحقيق الرواية في
هذا الحرف، لأن أمر الخشبة الواحدة يخف على الجار المسامحة (٢)
بخلاف الجمع.
الرابع: الجِدَارُ، والجُدُرُ: الحائط قال الجوهري(٣): وجمع ضبط الجدار
الجدارِ: جُدُر، وجمع الجِدْرِ [جُدْران](٤).
في الصحيح يرد على عبد الغني بن سعيد إلاَّ إن أراد خاصاً من الناس
کالذین روی عنهم الطحاوي فله اتجاه. اهـ.
(١) المفهم (٢٩١١/٥)، مختصراً قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه ـ- في
الفتح (١١٠/٥)، على باب: لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في
جداره، قال: كذا لأبي ذر بالتنوين على إفراد الخشبة، ولغيره بصيغة
الجمع وهو الذي في حديث الباب، قال ابن عبد البر: روى
اللفظان في الموطأ والمعنى واحد لأن المراد بالواحد الجنس. أهـ.
وهذا الذي يتعين للجمع بين الروايتين، وإلاّ فالمعنى قد يختلف باعتبار
أن أمر الخشبة الواحدة أخف في مسامحة الجار بخلاف الخشب
الكثير. اهـ.
أقول وبالله التوفيق ومنه العون والتسديد: فكلام ابن عبد البر في التمهيد
(٢٢١/١٠)، قد روى اللفظان جميعاً في الموطأ عن مالك وقد اختلف
علينا فيها الشيوخ في موطأ يحيى على الوجهين جميعاً، والمعنى
واحد، لأن الواحد يقوم مقام الجميع في هذا المعنى إذا أتى بلفظ
النكرة عند أهل اللغة العربية. اهـ. ولعل ابن حجر ساقه بالمعنى فليتنبه
لذلك.
(٢) في ن هـ زيادة بها.
(٣) انظر: مختار الصحاح (٤٨).
(٤) في ن هـ جدرات وما أثبت من الأصل ومختار الصحاح.
٥٠١

رجوع الضمير
في ابهاء اعنها؟
الخامس: الضمير في ((بها)) وبعده في ((عنها)) عائد إلى غير
مذكور لفظاً بل معنى وهي السنة، أي: فوالله لأرمين، بهذه السنة،
وألزمكم العمل بها.
وقال القاضي حسين والإِمام من أصحابنا: قيل: أراد لأكلفنكم
ذلك، ولأضعن جذوع الجار بين أكتافكم قصده به المبالغة، وقالا:
إن ذلك جرى منه حين ولي مكة أو المدينة. وجاء في سنن
أبي داود(١): ((فنكسوا رؤوسهم، فقال: ما لي أراكم قد
أعرضتم؟ ... )) الحديث.
السادس: ((أكتافكم)) هو بالمثناة فوق، أي: بينكم، ورواه
بعض رواة الموطأ(٢): ((بالنون))، ومعناه أيضاً بينكم.
والكتف: الجانب ومعنى الأول، أي: أصرح بينكم وأوجعكم
[٨٩/أ/ أ] بالتقريع / بها كما يضرب الإِنسان بالشيء بين كتفيه.
وفي رواية في بعض نسخ مسلم، وعليها شرح القرطبي (٣):
(بين أظهركم)) وفي رواية لأبي عمر (٤): («بين أعینکم وإن کرهتم)"
السابع: في أحكام الحدیث:
الأول: مراعاة حق الجار في كل شيء، حتى في دخول الضرر
في ملكه.
(١) سبق تخريجه ت (١) ص ٤٩٨ .
(٢) في التمهيد (٢٢١/١٠)، وكذلك اختلفوا علينا في: ((أكتافكم)».
و((أكنافكم))، والصواب فيه إن شاء الله: وهو الأكثر التاء. اهـ.
(٣) المفهم (٢٩١٢/٥).
(٤) الاستذكار (٢٣:١/٢٢)، والمفهم (٢٩١٢/٥).
٥٠٢

الثاني: تقديم حق الشرع على حظ النفس في الأملاك.
الثالث: قبول الشرع وإن كرهته النفس والانشراح له من غير
[١٠١/ هـ/ أ]
إعراض / عنه.
الرابع: عدم منع الجار من وضع خشبة على حائط جاره عارية
إذا كانت خفيفة لا تضر.
واختلف العلماء في هذا المنع هل هو للتحريم أو الكراهة؟ حكم منع الجار
من وضع خشبه
وفيه قولان للشافعي.
أحدهما: وهو نصه في القديم، وفي البويطي أيضاً، وهو من
الجديد أنه للتحريم(١).
وثانيهما: أنه للتنزيه (٢)، وحمل الحديث - إذا كان بصيغة
(١) قال البيهقي - رحمنا الله وإياه - في معرفة السنن (٣٧/٩)، وأما حديث
الخشب في الجدار، فإنه حديث صحيح ثابت لم نجد في سنن
رسول الله وَلقر ما يعارضه، ولا تصح معارضته بالعمومات.
* وقد نص الشافعي في القديم والجديد على القول به، ولا عذر في
مخالفته، وبالله التوفيق. اهـ.
(٢) قال الصنعاني - رحمنا الله وإياه - في إحكام الأحكام (١٤٨/٤)، على
قوله: ((أنها لا تجب)) ــ أي: بمعنى أنها للتنزيه -، قالوا: إذ لو كان
واجباً لما أطبقوا على خلافه ولا أعرضوا حين حدثهم، قال النووي: كان
العمل في ذلك العصر على خلافه إذ لو كان واجباً لما أعرض الصحابة
عنه، ولا أعرضوا حين حدثهم، ومثله قال المهلب، قال الحافظ ابن
حجر في الفتح (١١١/٥): لا أدري من أين له أن المعرضين كانوا
صحابة؟ ولم لا يجوز أن يكونوا غير فقهاء؟ بل هو المتعين، إذ لو كانوا
صحابة أو فقهاء لم يواجههم بذلك، وقد قوى الشافعي في القديم القول
بالوجوب بأن عمر قضى به ولم يخالفه أحد، الخ ...
٥٠٣

النهي - على التنزيه - وإذا كان بصيغة الأمر - على الاستحباب،
وهذا القول هو الصحيح من مذهب مالك أيضاً، وبه قال:
((أبو حنيفة(١) والكوفيون وعزى إلى الأكثرين. وبالأول قال أحمد
(١) قال ابن عبد البر - رحمنا الله وإياه - في الاستذكار (٢٢٥/٢٢، ٢٢٦).
واختلف الفقهاء في معنى هذا الحديث:
فقال منهم قائلون: معناه الندب إلى بر الجار، والتجاوز له والإحسان
إليه، وليس ذلك على الوجوب.
وممن قال ذلك؛ مالك، وأبو حنيفة، وأصحابهما.
ومن حجتهم قوله بَله: ((لا يحل مال امرىء مسلم إلاَّ عن طيب نفسٍ
منه)» .
وذكر ابن عبد الحكم، عن مالك، قال: ليس يقضى على رجل أن يغرز
خشبة في جداره لجاره، وإنما نرى أن ذلك كان من رسول الله(8* على
الوصاية بالجار.
قال: ومن أعار صاحبه خشبة يغرزها في جداره، ثم أغضبه، فأراد أن
ینزعها، فليس له ذلك، وأما إن احتاج إلى ذلك بأمر نزل به، فذلك له.
قال: وإن أراد أن ینیع داره، فقال: انزع خشبك فليس ذلك له .
قال أبو حنيفة، وأصحابه: معنى الحديثالمذكور الاختيار، والندب في
إسعاف الجار وبرِّه - إذا سأله ذلك - وهو مثل معنى قوله ملة: ((إذا
استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد، فلا يمنعها»، وهذا معناه عند
الجميع الندب على حسب ماي راه الزوج من الصلاح والخير في ذلك.
وقال ابن القاسم: سئل مالك عن حديث النبي ومثل: (لا يمنعن أحدكم
جاره أن يغرز خشبة في جداره» .
قال مالك: ما أرى أن يقضي به، وما أراه إلاَّ من وجه المعروف من
النبي آپڼ .
٥٠٤

وأبو ثور وأصحاب الحديث(١): لظاهر قول أبي هريرة وإشعاره
قال ابن القاسم: وسئل مالك عن رجل كان له حائط، فأراد جاره أن يبني
=
عليه سترة يستتر بها منها؟
قال: لا أرى ذلك له إلاّ بإذن صاحبه.
وقال آخرون: ذلك على الوجوب إذا لم تكن في ذلك مضرَّة بيِّنة على
صاحب الجدار.
وممن قال بهذا: الشافعي، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور،
وداود بن علي، وجماعة أهل الحديث؛ لنهي رسول الله يَالقر أن يمنع
الجار جاره من ذلك، ألا ترى أن أبا هريرة رأى الحجة فيما سمعه من
رسول الله بَّر على ما أرى من ذلك، وقال: والله لأرمين بها بين أكتافكم،
وهذا بيِّن في حمله ذلك على الوجوب عليهم، ولو كرهوا، ولولا أنه فهم
فيما سمع من النبي ◌َّ معنى الوجوب ما كان ليوجب عليهم غير
واجب. اهـ.
(١) وقال أيضاً: (٢٢٦/٢٢، ٢٢٧).
وهو مذهب عمر بن الخطاب، قضى به على محمد بن مسلمة للضحاك بن خليفة .
وقضى بمثل ذلك لعبد الرحمن بن عوف على جد يحيى بن عمارة
الأنصاري .
والقضاء بالمرفق خارج بالسنَّة عن معنى قوله: ((لا يحل مال امرىء مسلم
إلاّ عن طيب نفس منه))؛ لأن هذا معناه التمليك، والاستهلاك، وليس
المرفق من ذلك؛ لأن النبي ◌َّ* قد فرق في الحكم بينهما فغير واجب أن
يجمع ما فرق رسول الله څ.
وحكى مالك أنه كان بالمدينة قاضٍ يقضي به يسمى «المطّلب».
وروى ابن نافع أنه سئل عن معنى قول رسول الله وَال#: ((لا يمنع أحدكم
جاره أن يغرز خشبة في جداره)) هل ذلك من رسول الله وَلّ على وجه
الوصاية بالجار أم يقضي به القضاة؟
٥٠٥
=

بالوجوب.
وقوله: (ما لي أراكم عنها معرضين) إلى آخره يقتضي
التشديد، ولحوق المشقة فيه، والكراهة لهم، لأنهم فهموا من
الحديث الندب دون الإيجاب، فرده عليهم، وبعض من انتصر للثاني
أعاد الضمير في جداره إلى الجار، أي إذا وضع خشبة على جدار
نفسه، ليس لجاره منعه وإن تضرر بمنع الضوء ونحوه فيكون(١)
موافقاً للأصول، ورجح بأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور.
واختار الروياني: التفصيل من أن يظهر بعيب فاعله أم لا،
وإنما يجبر على القول بشروط محل الخوض فيها كتب الفروع فإنه
أليق بها، وقد ذكرتها في ((شرح المنهاج)) وغيره ولله الحمد.
الخامس: تبليغ العلم لمن [لم] (٢) يرده ولا استدعاه إذا كان
من الأمور المهمة وإقامة الحجة على المخالف ليرجع.
فقال: أرى ذلك أمراً دل الناس عليه، وأمروا به في حق الجار.
=
قيل: أفترى أن يقضي به القضاة؟
قال: قد كان المطلب يقضي به عندنا، وما أراه إلاَّ دليلاً على المعروف،.
وإني منه لفي شك . اهـ.
(١) قال ابن حجر في الفتح (١١١/٥)، بعد سياقه: ولا يخفى بعده، وقد
تعقبه ابن التين بأنه إحداث قول ثالث في معنى الخبر، وقد رده أكثر أهل
الأصول، وفيما قال نظر لأن لهذا القائل أن يقول: هذا مما يستفاد من
عموم النهي لا أنه المراد فقط، والله أعلم. اهـ.
(٢) في ن هـ لا.
٥٠٦

الحديث الثالث عشر
٥٨/١٣/٣١٠ - عن عائشة - رضي الله عنها - أن
رسول الله وَّ قال: (من ظلم قِيدَ شبر من الأرض: طُوِّقَهُ [](١) من
سبع أرضين)(٢) .
الکلام علیه من وجوه:
الأول: في ألفاظه: ((الظلم)) [لغة] (٣) وضع الشيء في غير معنى الظلم
موضعه .
(وقيد): بكسر القاف وإسكان الياء، أي قدر شبر يقال: قيد، ضبط الفيدا
وقاد وقیس، وقاس، بمعنى واحد.
[وقيده](٤) بالشبر للمبالغة والتنبيه على ما زاد عليه فإنه أولى
(١) في الأصل زيادة (الله).
(٢) البخاري (٢٤٥٣)، ومسلم في كتاب المساقاة باب تحريم الظلم وغصب
الأرض (٥٠/١١/٤ - النووي)، والبيهقي في السنن (٦ /٩٨، ٩٩)،
وأحمد (٦٤/٦، ٧٩، ٢٥٢).
(٣) في ن هـ ساقطة.
(٤) في ن هـ ساقطة.
٥٠٧

--
منه، ونظيره قوله - عليه الصلاة والسلام - في حديث آخر: ((وإِن
كان قضيباً من أراك)).
المراد بالتطويق
وفي معنى: ((طوقه))، قولان:
أحدهما: جعل له الطوق في عنقه كالغل كما قال تعالى:
﴿﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَلُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرُالَُّمَّ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمَّ
[٨٨/ أ/ ب] سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ﴾(١) / وبه جزم الشيخ تقي الدين(٢) وصححه
البغوي(٣) .
الثاني: أنه يطوق إثم ذلك، ويلزمه كلزوم الطوق في العنق،
وفيه قول ثالث: أنه يحمل مثله في سبع أرضين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ
يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ (٤) ويكلف إطاقة ذلك، ويطول الله عنقه.
كما جاء في غلظ جلد الكافر وعظم ضرسه(٥).
وفيه قول رابع: أن يخسف به في مثل الطوق بها، ويؤيده
رواية البخاري(٦) من حديث ابن عمر: ((خسف به يوم القيامة إلى
(١) إحكام الأحكام (١٤٩/٤).
(٢) شرح السنة (٢٢٩/٨).
(٣) سورة آل عمران: آية ١٦١.
(٤) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله حتيلات .
((ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث)) مسلم
(٢٨٥١)، في صفة الجنة، والترمذي (٢٥٨٢)، وأحمد (٣٢٨/٢)،
والبغوي (١٥/ ٢٥٠).
(٥) البخاري أطرافه (٢٤٥٤)، والفتح (١٠٣/٥).
٠٠
٥٠٨

سبع أرضين)).
وفيه قول خامس: أنه يجمع كل ذلك عليه .
قال القرطبي(١): وقد دل على ذلك ما رواه [الطبراني](٢) في
هذا الحديث [وقال](٣) كلفه [الله] (٤) حمله حتى يبلغ سبع أرضين ثم
يطوقه يوم القيامة حتى يقضي بين [ ](6) الناس))،
و ((الأرضون)): بفتح الراء والإِسكان قليل شاذ حكاه
(١) المفهم (٢٩١٤/٥).
(٢) في النسخ (الطبري)، وما أثبت حسب مصدر الحديث فلعله خطأ من
النساخ. الحديث في معجم الطبراني الكبير بألفاظ.
منها: عن يعلى بن مرة، قال: سمعت رسول الله صل* يقول: ((أيما رجل
ظلم شبراً من الأرض، كلفه الله أن يحضره حتى يبلغ سبع أرضين، ثم
يطوقه يوم القيامة حتى يفصل بين الناس))، والطبراني (٦٩٢/٢٢)،
والمسند (٧١٧٣/٤ وابن حبان (٥١٦٤).
ومنها: ((من أخذ أرضاً بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر))،
وابن أبي شيبة (٦٦٥/٦)، وابن حبان في الثقات (٤٨/٤)، والطبراني
(٦٩١/٢٢).
* ((من ظلم من الأرض شبراً فما فوقه، كلف أن يحمله يوم القيامة حتى
يبلغ الماء، ثم يحمله إلى المحشر))، الطبراني (٦٩٥/٢٢).
* ((من سرق شبراً من الأرض أو أنملة جاء يحمله يوم القيامة إلى أسفل
الأرضين))، الطبراني (٦٩٣/٢٢).
(٣) في المفهم: قد.
(٤) زيادة من ن هـ والمفهم.
(٥) في المفهم وهـ زيادة (الله).
٥٠٩

:
الجوهري(١) وغيره وجمعت بالواو والنون وإن فقدت الشروط جبراً
لها لما نقصها من ظهور علامة التأنيث إذ لم يقولوا أرضه كما جمعوا
سنين بالواو والنون عوضاً من حذف لامها.
الثاني: هذا الحديث مصرح بأن الأرضين [سبع](٢) طباق وهو
موافق لقوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾(٣). وأما تأويل
المثلية على الهيئة والشكل فخلاف الظاهر، وكذا قول من قال المراد
بالحديث سبع أراضين من سبع أقاليم لا إن الأرضين سبع طباق،
وهو بعيد كما ذكرته في شرح الخطبة .
وأبطلوه بأنه لو كان كذلك لم يطوق الظالم الشبر من هذا
الأقليم شيئاً من أقليم آخر، أي لأن الأصل في العقوبات المساواة
بخلاف طبقات الأرض، فإنها تابعة لهذا الشبر في الملك، فمن ملك
شيئاً من هذه الأرض ملكه وما تحته من الطباق نعم عندنا خلاف في
أن المعدن الباطن وهو ما لا يخرج إلاّ بعلاج كذهب وفضة: هل
يملك بالحفر والعمل في الموات بقصد التملك والأظهر من قولي
الشافعي المنع .
والثاني: تملك إلى القرار ولا خلاف عندنا أنه لو أحيا مواتاً
فظهر فيه معدن ملكه لأنه من أجزاء الأرض بخلاف الركاز، فإنه
مودع فيها.
(١) مختار الصحاح (١٣).
(٢) زيادة من ن هـ.
(٣) سورة الطلاق: آية ٢٢.
٥١٠

قال القاضي عياض: وقد جاء في غلظ الأرضين وطباقهن وما
بینھن حدیث لیس بثابت.
الثالث: في أحكامه :
الأول: تحريم الظلم والغصب وتغليظ عقوبته.
الثاني: / إمكان غصب الأرض وهو مذهب الشافعي [١٠١/هـ /ب]
والجمهور.
وقال أبو حنيفة: لا يتصور غصبها.
الثالث: أن بعض العقوبات يكون من جنس المعاصي في
الصورة أو أزيد للتنفير عن المعصية ولا يخفى أن هذه العقوبة مقيدة
بعدم التوبة من هذه / المعصية فأما من تاب منها بشروطها فلا تطوق [١/١/٨٩]
عليه .
الرابع: فيه أيضاً التنبيه على أن من ملك أرضاً ملكها إلى
قرارها كما يملك الهواء تبعاً للملك وقد أسلفنا ذلك [ ](١)،
والخلاف ثابت عند المالكية أيضاً فيما إذا ملك أرضاً هل يملك ما
فيها من معدن أو كنز حكاه القرطبي(٢).
فقيل: نعم.
وقيل: هو للمسلمين.
الخامس: استدل بهذا الحديث الداودي على أن السبع
(١) في هـ زيادة (لك).
(٢) المفهم (٢٩١٥/٥).
٥١١

الأراضين لم يفتق بعضها من بعض قال: لأنه لو فتق بعضها من بعض
لم يطوق منه ما ينتفع به غيره(١). وفيما ذكره نظر، لأن لفظ السبع
عدد وهو مقتضي الانفصال المعدود بعضه من بعض.
(١) انظر: المرجع السابق.
٥١٢

٥٩ - باب اللقطة
هي بفتح القاف على المشهور، كما أسلفته في الحديث الثاني
من باب حرمة مكة مع باقي اللغات الأربع فيها فراجعه من ثم. وذكر
المصنف في الباب(١) حديثاً واحداً وهو:
٥٩/١/٣١١ - عن زيد بن خالد الجهيني - رضي الله عنه -
قال: ((سئل رسول الله وَل عن [لقطة] (٢) الذهب، والورق؟ فقال:
اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة، فإنه لم تعرف، فاستنفقها
ولتكن وديعة عندك، فإن جاء صاحبها يوماً من الدهر فأداها إليه،
وسأله عن ضالة الإبل؟، فقال: مالك ولها؟ دعها. فإن معها
حذاءها [وسقاءها](٣) ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها،
وسأله عن الشاة؟ فقال: خذها. فإنما هي لك، أو لأخيك،
أو للذئب))(٤).
(١) في ن هـ زيادة الأول.
(٢)
مكرره في ن هـ.
(٣) زيادة من ن هـ.
(٤) البخاري (٢٣٧٢)، ومسلم في كتاب اللقطة (٢٠/١١/٤، ٢٥) النووي،
والترمذي (١٣٧٢، ١٣٧٣)، وابن ماجه (٢٥٠٤)، والنسائي في الكبرى =
٥١٣

الكلام علیه من وجوه :
تراجم الحديث
عند البخاري
الأول: هذا الحديث بوب عليه البخاري أبواباً (ضالة
الإِبل)(١)، (ضالة الغنم)(٢) (إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة،
فهي لمن وجدها)(٣) [إذا [جاء] (٤) بعدها](٥) [من عرفها ولم يدفعها
إلى السلطان](٦).
والسياق الذي ذكره المصنف هو لمسلم.
وقال عن ((اللقطة الذهب والورق))، بدل من: ((لقطة الذهب
والورق))، وكذا هو في بعض النسخ وبعض الشروح وروايات
البخاري بمعناه، ولم يذكر ((الذهب والورق)).
(٤١٩/٣)، وأبو داود (١٧٠٤)، ومالك ففي الموطأ (٥٧٩/٢)، وابن:
=
الجارود (٦٦٧)، والحميدي (٣٥٧/٢)، والبيهقي في السنن (١٨٥/٦،
١٨٦)، والدارقطني (٢٣٥/٤)، والبغوي في شرح السنة (٣٠٨/٨،
٣١٣)، وابن أبي شيبة (١٩١/٥).
(١) البخاري (٢٤٢٧)، والفتح (٨٠/٥).
(٢) الفتح (٨٣/٥)، ح (٢٤٢٨).
(٣) الفتح (٨٤/٥)، ح (٢٤٢٩)،
(٤) زيادة من ن هـ.
(٥) هذا باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه، لأنها وديعة عنده.
الفتح (٩١/٥)، ح (٢٤٣٦).
(٦) باب من عرف اللقطة ولم يدفعها إلى السلطان. الفتح (٩٣/٥)،
ح (٥٤٣٨).
٥١٤

وذكر عن يحيى بن سعيد أحد رواة الحديث الشك في رفع
قوله: (ولتكن وديعة عندك))، وفي رواية لمسلم: ((فإن جاء صاحبها
فعرف عفاصها وعددها ووكاءه فأعطها إياه، وإلاّ فهي لك))، وفي
رواية له: ((عرّفها سنة فإن لم تعرف فاعرف عفاصها ووكاءها، ثم
فکها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه))(١) .
(١) قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (٨٣/٥)، على قوله: ((ثم
عرفها سنة، يقول يزيد: إن لم تعرف استنفق بها صاحبها))، أي: ملتقطها
وكانت وديعة عنده: ((قال يحيى هذا الذي لا أدري أهو في الحديث
أم شيء من عنده))، أي: من عند يزيد، والقائل يقول يزيد هو يحيى بن
سعيد الأنصاري. والقائل: ((قال)) هو سليمان، وهما موصولان باللاسناد
المذكور والغرض أن يحيى بن سعيد شك هل قوله: ((ولتكن وديعة عنده))
مرفوع أو لا، وهذا القدر المشار إليه بهذا دون ما قبله الثبوت ما قبله في
أكثر الروايات، وخلوها عن ذكر الوديعة. وقد جزم يحيى بن سعيد برفعه
مرة أخرى، وذلك فيما أخرجه مسلم عن القعنبي والاسماعيلي من طريق
يحيى بن حسان كلاهما عن سليمان بن بلال عن يحيى فقال فيه: «فإن
لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك)) وكذلك جزم برفعها خالد بن
مخلد، عن سليمان بن ربيعة عند مسلم، والفهمي عن سليمان، عن
يحيى وربيعة جميعاً عند الطحاوي، وقد أشار البخاري إلى رجحان
رفعها فترجم بعد أبواب: ((إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه،
لأنها وديعة))، قال عليه في الفتح (٥/ ٩١)، أورد فيه حديث زيد بن
خالد، من طريق إسماعيل بن جعفر عن ربيعة، وليس فيه ذكر الوديعة
فكأنه أشار إلى رجحان رفع رواية سليمان بن بلال الماضية قبل خمسة
أبواب وقد تقدم بيانها، وقال ابن بطال: استراب البخاري بالشك المذكور
فترجمه بالمعنى، وقال ابن المنير: أسقطها لفظاً وضمنها معنى لأن قوله : =
٥١٥

التعريف بزید
الجهني
الثاني: في التعريف براويه، وهو زيد بن خالد الجهيني
- بضم الجيم - من جُهينة(١) وهي قبيلة من قضاعة، واسمه: زيد بن:
ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة نزلوا الكوفة والبصرة.
[٨٩/ أ/ ب] ينسب إليها / خلق كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقولي:
اسمه زيد بن ليث، قاله السمعاني(٢) لكن اعترض ابن الأثير: عليه
وقال: جهينة هو ابن زيد.
وزيد هذا أعنى بن خالد مدني صحابي مشهور وكنيته ..
أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو طلحة، ويقال: أبو محمد. وروى
أيضاً عن عثمان وغيره وعنه ابنه خالد ومولاه أبو عميرة وسعيد بن
المسيب وغيرهم، له أحاديث عدتها أحد وثمانون حديثاً اتفقا على
خمسة وانفرد مسلم بثلاثة .
مات بالمدينة، وقيل: بالكوفة
وقيل: بمصر سنة ثمان وسبعين.
وقيل: سنة ثمان وسبعين عن خمس وثمانين سنة وكان معه
لواء جهينة يوم الفتح (٣).
«فإن جاء صاحبها فأدها إليه)» يدل على بقاء ملك صاحبها خلافاً لمن
=
أباحها بعد الحول بلا ضمان. اهـ.
(١) انظر: اللباب (٣١٧/١)، والأنساب السمعاني (١٣٤/٢)، ولب اللباب
في تحرير الأنساب (٢٢٥/١).
(٢) الأنساب (١٣٤/٢)، واللباب (٣١٧/١).
(٣). انظر: أسد الغابة (٢٢٨/٢).
٥١٦

الثالث: هذا السائل قال الصعبي: في كلامه على رجال هذا
الكتاب فيما رأيته بخطه أنه بلال بن رباح المؤذن ولم أر من تعرض
له سواه [ثم رأيته بعد في كتاب بن بشكوال(١)
(١) غوامض الأسماء المبهمة (٨٤٢)، قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه ـ- في
الفتح (٨٠/٥)، على قوله: ((جاء إعرابي)) في رواية مالك عن ربيعة
((جاء رجل))، وزعم ابن بشكوال وعزاه لأبي داود وتبعه بعض المتأخرين
أن السائل المذكور هو بلال المؤذن، ولم أر عند أبي داود في شيء من
النسخ شيئاً من ذلك، وفيه بعد أيضاً لأنه لا يوصف بأنه أعرابي، وقيل:
السائل هو الراوي، وفيه بعد أيضاً لما ذكرناه ومستند من قال ذلك ما رواه
الطبراني من وجه آخر عن ربيعة بهذا الاسناد فقال فيه: («أنه سأل
النبي (*)) لكن رواه أحمد من وجه آخر عن زيد بن خالد فقال فيه: ((أنه
سأل النبيِ وَله: أو أن رجلاً سأل)) على الشك وأيضاً فإن في رواية ابن
وهب المذكورة عن زيد بن خالد «أتى رجل وأنا معه»، فدل هذا على أنه
غيره، ولعله نسب السؤال إلى نفسه لكونه كان مع السائل. ثم ظفرت
بتسمية السائل وذلك فيما أخرجه الحميدي والبغوي وابن السكن
والبارودي والطبراني، كلهم من طريق محمد بن معن الغفاري عن ربيعة،
عن عقبة بن سويد الجهني، عن أبيه قال: ((سألت رسول الله صلصله عن
اللقطة فقال: ((عرفها سنة ثم أوثق وعاءها))، فذكر الحديث وقد ذكر
أبو داود طرفاً منه تعليقاً ولم يسق لفظه. وكذلك البخاري في تاريخه وهو
أولى ما يفسر به هذا المبهم لكونه من رهط زيد بن خالد. وروى
أبو بكر بن أبي شيبة والطبراني من حديث أبي ثعلبة الخشنى، قال:
(«قلت يا رسول الله الورق يوجد عند القرية. قال: عرفها حولاً» الحديث
وفيه سؤال عن الشاة والبعير وهو في أثنا حديث طويل أخرج أصله
النسائي، وروى الإسماعيلي في ((الصحابة))، من طريق مالك بن عمير، =
٥١٧

](١).
وفي صحيح البخاري: ((أن أعرابياً سأل)) / .
[١٠٢/هـ/ أ]
الرابع: في ألفاظه .
قوله: ((سئل عن اللقطة الذهب والورق)) هو بالألف واللام في
((اللقطة)) غير مضافة والذهب والورق بدل منها كما قدمته عن رواية
مسلم.
قال الأزهري(٢): وأجمع الرواة على تحريك ((اللقطة)) هنا وإن
كان القياس التسكين.
ضبط (اللقطة)
عن أبيه أنه «سأل رسول الله و لو عن اللقطة فقال: إن وجدت من يعرفها
=
فادفعها إليه)) الحديث وإسناده واه جداً، وروى الطبراني من حديث
الجارود العبدي قال: ((قلت يا رسول الله اللقطة نجدها))، قال: ((أنشدها
ولا تکتم ولا تغیب)) الحديث. اهـ.
أقول سماه ابن حجر في الفتح (١٨٦/١)، بأنه عمير والد مالك
:
- واقتصر عليه -، وانظر: مقدمة فتح الباري (٢٥٢، ٢٨٣، ٢٨٤)،
وتلخيص الحبير (٧٣/٣).
قال الصنعاني في سبيل السلام (١٢٣/٣)، ولم يقم برهان على تعيين
الرجل. اهـ.
(١) زيادة من ن هـ.
(٢) في الزاهر (٢٦٤)، وقال: واجمع عليه أهل اللغة بدل ((واجمع الرواة)»،
: وقال ابن باطيش - رحمنا الله وإياه - : في الإِنباء عن غريب المهذب
والأسماء (٤٣٥/١) اللَّقْطَةُ: بضم اللام وفتح القاف: هو الشيء الذي
يلتقط، وعن الخليل: أنه الذي يُلقطُ الشيءَ، واللقْطَةَ بسكون القاف:
ما يلتقط، والأول أشهر. اهـ.
٥١٨

و ((العفاص))، و((الوكاء)): بكسر أولهما وبعد العين فاء، ثم ضبط «العفاص»
وفالوكاء»
صاد مهملة، وهو الوعاء من جلد وغيره(١).
والوكاء: ممدود. الخيط الذي تشد به.
قال القاضي عياض: ووهم بعضهم فقصره والصواب:
الأول: عند أهل اللغة، وإنما أمر بمعرفتها ليعرف صدق
واصفها من كذبه، ولئلا تختلط بماله ويستحب تقييدها بالكتابة خوف
النسيان .
وعن ابن داود من الشافعية: إن معرفتهما قبل حضور
المالك مستحب. وقال المتولي: يجب معرفتهما عند
الالتقاط(٢).
فرع: يعرف أيضاً الجنس والقدر وكيل المكيال وطول الثوب
وعرضه ودقته وصفاقته.
(١) قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (٨١/٥)، وقيل له العفاص:
أخذاً من العفص وهو الثنى لأن الوعاء يثنى على ما فيه وقد وقع في زوائد
المسند لعبد الله بن أحمد، من طريق الأعمش في حديث: (أبي))
وخرقتها بدل عفاصها، والعفاص: أيضاً الجلد الذي يكون على رأس
القارورة، وأما الذي يدخل فم القارورة من جلد أو غيره فهو الصمام
بكسر الصاد المهملة قلت: فحيث ذكر العفاص مع الوعاء فالمراد الثاني،
وحيث لم يذكر العفاص مع الوعاء فالمراد به الأول. اهـ.
(٢) قال ابن حجر في الفتح (٨١/٥)، واختلف في هذه المعرفة على قولين
للعلماء أظهرهما الوجوب لظاهر الأمر، وقيل يستحب وقال بعضهم:
يجب عند الالتقاط، ويستحب بعده. اهـ.
٥١٩

وقوله: ((ثم عرفها سنة))، إتيان ((ثم))(١) هنا يدل على المبالغة.
وشدة التثبت في معرفة العفاص، والوكاء إذا كان وضعها للتراخي
والمهلة فكأنه عبارة عن قوله: لا تعجل وتثبت في عرفان ذلك نبه
علیه الفاکھي .
وقوله: ((فإن لم تعرف فاستنفقها)) الأمر باستنفاقها أمر إباحة
(١) وقال أيضاً: (٨١/٥).
قوله: (عرفها سنة ثم أعرف عفاصها ووكاءها) في رواية العقدي عن
سليمان بن بلال الماضية في العلم ((اعرف وكاءها، وقال عفاصها)»
ولمسلم من طريق بشير بن سعيد عن زيد بن خالد «فاعرف عفاصها
ووعاءها وعددها)) زاد فيه العدد كما في حديث أبي بن كعب. ووقع في
رواية مالك كما سيأتي بعد باب «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة»
ووافقه الأكثر. نعم وافق الثوري ما أخرجه أبو داود من طريق عبد الله بن
يزيد مولی المنبعث بلفظ: «عرفها حولا، فإن جاء صاحبها فادفعها إليه،
وإلاّ اعرف وكاءها وعفاصها ثم اقبضها في مالك)) الحديث. وهو يقتضي
أن التعريف يقع بعد معرفة ما ذكر من العلامات. ورواية الباب تقتضي أن
التعريف يسبق المعرفة، وقال النووي في شرح مسلم (٢٣/١٢) يجمع
بينهما بأن يكون مأموراً بالمعرفة في حالتین، فیعرف العلامات أول ما
يلتقط حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها كما تقدم، ثم بعد ترعيفها سنة
إذا أراد أن يتملكها فيعرفها مرة أخرى تعرفاً وافياًل محققاً، ليعلم قدرها
وصفتها فيردها إلى صاحبها. قلت: ويحتمل أن تكون ((ثم)) في الروايتين
بمعنى الواو فلا تقتضي ترتيباً ولا تقتضي مخالفاً يحتاج إلى الجمع،
ويقويه كون المخرج واحد والقصة واحدة، وإنما يحسن ما تقدم أن
لو كان المخرج مختلفاً فيحمل على تعدد القصة، وليس الغرض إلاّ أن
يقع التعرف والتعريف مع قطع النظر عن أيهما أسبق. اهـ.
٥٢٠