Indexed OCR Text

Pages 381-400

واستدل لذلك، وكذا المازري(١) بحديث صفية حيث رخص لها في
تركه لما حاضت قالا: ففهم منه أنه ليس على جهة الوجوب وهو
عجيب منهما لأن عدم الوجوب في حقها خرج بالنص المذكور،
ونقله ذلك عن الجمهور يعارضه أن النووي في (شرح مسلم))(٢) نقل
وجوبه عن أكثر العلماء منهم الحسن البصري وحماد والحكم
والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وخالف مالك أيضاً في لزوم الدم. قال القرطبي (٣): وهو سقوط طواف
الصحيح. ثم استدل بحديث صفية السالف، وقد علمت استناد ذلك الحائض
الوداع عن
في حقها فإنه لا وجوب عليها فلا دم.
الثالث: الحديث دال أيضاً على سقوطه عن الحائض وهو
مذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة. وحكى ابن
المنذر عن عمر وابنه، وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - وجوبه من
حديث إنهم أمروها بالمقام له (٤)، قال القرطبي: وهو خلاف شاذ،
وهذا الحديث مع حديث صفية السالف حجة عليهم وهو مقتضى
التخفيف عنها وفي ((صحيح البخاري)) عن ابن عباس رخص للحائض
أن تنفر إذا فاضت. قال: وسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفر ثم
سمعته بعد يقول إنه - عليه الصلاة والسلام - أرخص لهن(٥).
(١) المعلم بفوائد مسلم (١٠٦/٢).
(٢) (٧٩/٩).
(٣) المفهم (٤٢٧/٣).
(٤) ذكره النووي في شرح مسلم (٧٩/٩).
(٥) سبق تخريجه، وأما حديث ابن عمر فأخرجه ابن خزيمة (٣٠٠١)، =
٣٨١

فائدة: حائض بحذف الهاء أفصح من حائضه بإثباتها .
الرابع: إنما يعتد بطواف الوداع إذا أراد الخروج بعد قضاء
[١٦/أ/ب] نسكه وجميع أشغاله. نعم لو تشاغل بعده بأسباب الخروج كشراء/
زاد ونحوه لم يحتاج إلى إعادته في الأصح، ولو أقيمت الصلاة
فضلاها لم يعده.
فرع: الخارج إلى التنعيم لأجل العمرة لا وداع عليه عند
الشافعي ومالك خلافاً للثوري، قال الفاكهي: وكذا الخارج إلى
الجعرانة لأجلها فيه هذا الخلاف.
على من يجب
طواف الوداع؟
فائدة: الأقرب في الرافعي أن طواف الوداع ليس من
المناسك، وإنما يؤمر به من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر، وكذا
دونها على الأصح في ((شرح المهذب))(١) للنووي مكياً كان أو أفاقياً
تعظيماً للحرم ويستثنى من ذلك ما ذكرنا آنفاً في الخارج للتنعيم
للعمرة، وكذا للجعرانة لها، وكذا من أحرم من مكة، ثم غدا إلى
الموقف فإنه مستجب في حقه كما نص عليه في البويطي وتابعه
الأصحاب.
والترمذي (٩٤٤)، وابن ماجه (٣٠٧١)، والحاكم (٤٦٩/١، ٤٧٠)،
=
والطحاوي (٢٣٥/٢)، والطبراني (١٣٣٩٣).
(١): المجموع شرح المهذب (٢٨٥/٨)، وانظر: إلى الأقوال حيث ساقها ابن
عبد البر في الاستذكار مفصلة (١٨٢/١٢، ١٨٤)، (١٣ /٢٦٥،
٢٦٦).
٣٨٢

الحديث العاشر
٥٠/١٠/٢٦٨ - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -،
قال: ((استأذن العباس رسول الله وبر، أن يبيت بمكة ليالي منى من
أجل سقابة العباس، فأذن له))(١).
الكلام علیه من وجوه :
أحدها: الاستئذان طلب الأذن كما سلف في الحديث الرابع
من باب فضل الجماعة ووجوبها والتعريف بحال العباس سبق
مختصراً في الحديث الخامس من كتاب الزكاة(٢).
الثاني: كانت السقاية للعباس - رضي الله عنه - في الجاهلية،
وكانت قبله في يد قصي بن كلاب، ثم ورثها ابنه عبد مناف، ثم
ورثها ابنه عبد المطلب، ثم ورثها ابنه العباس فأقره وَّر عليها وهي
له ولعقبه إلى يوم القيامة.
(١) البخاري في أطرافه (١٦٣٤)، ومسلم (١٣١٥)، وأبو داود (١٩٥٩) في
المناسك، باب: يبيت بمكة ليالي منى، والنسائي في الكبرى (٤٦٢/٢)،
وابن ماجه (٣٠٦٥)، والبغوي (١٩٦٩)، وابن خزيمة (٢٩٥٧)، وابن
الجارود (٤٩٠)، وأحمد (١٩/٢، ٢٩)، والدارمي (٧٥/٢).
(٢) (٧٣/٥) من هذا الكتاب المبارك.
٣٨٣

قال بعضهم: وفي ذلك إشارة إلى أن الخلافة تكون في
ولده.
:
معنى «السقاية»
والسقاية: إعداد الماء للشاربين بمكة يذهب أهلها القائمون بها
ليلاً يستقوا الماء من زمزم ويجعلوه في الحياض مسبلاً للشاربين
وغيرهم.
: قال الطبري: ويجعلون فيه سويقاً والمشهور أنهم ينبذون فيه
التمر كما ثبت في الصحيح(١) ومشروعية هذه السقاية من باب إكرام
الضيف واصطناع المعروف، قال أصحابنا: والشرب منها مستحب ..
الأول: فيما يستنبط منه من الأحكام.
الثاني(٢): استئذان الكبار والعلماء فيما يطرأ من المصالح
والأحكام وبدار الكبير أو العالم إلى الأذن عند ظهور المصلحة من
غير توقف .
وجوب الميت
في منى ليالي
الثالث: أن المبيت ليالي مني نسك من مناسك الحج،
الشّريقّ وواجباته حيث أذن رسول في ترك المبيت للعباس من أجل سقايته
فاقتضى ذلك الأذن لهذه العلة المخصوصة وأن الإِذن لم يتعد إلى
غيرها نعم رعاة الإِبل كذلك كما سيأتي.
وقد اختلف العلماء في وجوب مبيت ليالي منى والشافعي
قولان :
(١) مسلم (١٣١٦).
(٢) هكذا في المخطوط.
٣٨٤

أحدها: أنه واجب، وبه قال مالك وأحمد، وصححه
النووي(١) للاتباع / .
[١٧ / ٢/أ]
والثاني: أنه سنة وبه قال ابن عباس والحسن وأبو حنيفة ومال
إليه الرافعي فقال يشبه ترجيحه ووجوب الدم بتركه مبني على هذا
الخلاف ولا يحصل المبيت إلاَّ بمعظم الليل على أظهر قولي
الشافعي وله قول آخر أنه يحصل بساعة حكاه النووي في ((شرح(٢)
مسلم)»، وحكى في أصل ((الروضة))(٣) بدله أن الاعتبار بوقت طلوع
الفجر.
الثالث: ترك المبيت لأجل السقاية ولا يختص ذلك بالسقاية
الموجودة إذ ذاك بل لو أحدثت أخرى كان للقائم بشأنها ترك
المبيت، وهذا هو الصحيح.
وقال بعض الشافعية: تختص بسقاية العباس وهو جمود على
الظاهر، وجمود عن المعنى.
الرابع: اختصاص السقاية بالعباس وأتفق العلماء على أن
الحکم لا يختص به .
واختلفوا في اختصاصها بآله بعده والأصح: عدم الاختصاص
بل كل من تولى السقاية كان له هذا.
(١) شرح مسلم (٩/ ٦٣).
(٢) شرح مسلم للنووي (٩ / ٦٢، ٦٣).
(٣) الروضة (١٠٤/٣، ١٠٥)، ونصه فيه أظهرهما: معظم الليل، والثاني:
المعتبر كونه حاضراً حال طلوع الفجر.
٣٨٥

وقيل: تختص ببني هاشم من آل العباس وغيرهم.
الخامس: يلحق بأهل السقاية رعاة الإِبل كما صح في حديث
آخر خارج الصحيح(١) وألحق أصحابنا بها من له مال يخاف
ضياعه(٢)، أو أمر يخاف فوته أو مريض يحتاج أن يتعهده.
وعند المالكية من خاف على ماله الضيعة أو نحوه يلزمه هدي.
---
(١) ولفظه: ((أن النبي ◌َّ* رخص للرعاء في البيتوتة، وأن يرموا يوماً ويدعوا
يوماً)، أخرجه أبو داود في الحج (١٩٧٥)، باب: رمي الجمار،
والترمذي (٩٥٥)، والنسائي (٢٧٣/٥)، وابن ماجه (٣٠٣٧)، وصححه:
ابن خزيمة (٢٩٧٩)، والحاكم (٤٧٨/١)، والمنتقى (٤٧٨)، والبيهقي
(١٥٥/٥)، وأحمد (٤٥٠/٥)، والموطأ (٤٠٨/١)، والبغوي (١٩٧٠).
(٢) ورد عند أبي داود (١٩٥٨) بعد سياق الإسناد: أنه سمع عبد الرحمن بن
فروخ يسأل ابن عمر، قال: أنا نتبايع بأموال الناس، فيأتي أحدنا مكةً
فيبيت على المال، فقال: أما رسول الله وَ ﴿ فبات بمنى وظل.
.وهو أيضاً لابن عباس: كان يقول لا بأس إذا كان للرجل متاع بمكة يخشى
عليه أن يأتي - لعلها ينأى - عن منى ..
٣٨٦

الحديث الحادي عشر
٥٠/١١/٢٦٨ - وعنه قال: جمع النبي ◌َّل بين المغرب
والعشاء بجمع، [لكل](١) واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما،
ولا (٢) إثر واحدة منهما))(٣).
الكلام عليه من وجوه :
الأول: هذا اللفظ الذي ذكره المصنف هو للبخاري بزيادة لفظ الحديث
عند الخاري
وإسقاط، أما الزيادة فهي لفظة ((كل)) بعد قول [إثر](٤).
وأما الإسقاط: فهو اللام في ((لكل واحدة منهما)).
(١) في متن العمدة (كل).
(٢) في إحكام الأحكام ومتن العمدة زيادة (على).
(٣) البخاري في أطرافه (١٠٩١)، ومسلم (١٢٨٨)، والترمذي (٨٨٨)،
والنسائي (٢٦٠/٥) (٢٩١/١)، وفي الكبرى (٤٠٣٠)، وأبو داود
(١٩٢٨) في الحج، باب: الصلاة بجمع، وابن ماجه (٣٠٢١)، والدارمي
(٥٨/٢)، وابن خزيمة (٢٨٤٩)، ومالك (١٩٦/٣٢١/١)، والبيهقي
(١٢٠/٥، ١٢١)، وأحمد (٢/٢، ٣)، والبغوي (١٩٣٨).
(٤) في المخطوطة التي بين يدي لا توجد، هذه الزيادة أيضاً ولا توجد في متن
العمدة .
٣٨٧

ومسلم ذكره بألفاظ :
لفظ الحديث
عند مسلم
: أحدها: أنه ـ- عليه الصلاة والسلام - صلَّى المغرب والعشاء
بالمزدلفة جميعاً(١).
ثانيها: جمع بين المغرب والعشاء بجمع [ليس] (٢): بينهما
سجدة والمراد بها الركعة .
ثالثها: أنه صلاها بإقامة بجمع.
رابعها: جمع بين المغرب والعشاء بجمع وإقامة واحدة.
الثاني: ((جمع)) بإسكان الميم اسم للمزدلفة، ولماذا سميت
بذلك فيه أقوال:
سب تسمية
مزدلفة بـ((جمع))
أحدها: لاجتماع الناس بها.
ثانيها: لاجتماع آدم وحواء قاله الطبري(٣).
ثالثها: للجمع فيها بين المغرب والعشاء قاله الوقدي وجزم به
صاحب المطالع.
الثالث: ((معنى لم يسبح بينهما)) لم يصل. نافلة ومنه الحديث
(١) مسلم (٧٠٣).
(٢) في المخطوطة غير واضحة ومقطوعة الكلمة ((من))، وما أثبت في صحيح
مسلم.
(٣) وهو مروي عن ابن عباس كما أشار إليه صاحب النظم المستعذب في
تفسير غريب المهذب (٢٠٩/١)، وقاله صاحب المصباح المنير
(١٠٨/١)، ومختار الصحاح (٥٣).
٣٨٨

((واجعلوا صلاتكم معهم سبحة))(١). أي نافلة وسميت الصلاة سبحة
وتسبيحاً لما فيها من تعظيم الله تعالى وقد تقدم الكلام على هذه
المادة في الحديث الأول من باب استقبال القبلة(٢).
الرابع: في أحكام الحديث وفوائده:
[١٧ / أ/ ب]
صلاة المغرب
ليلة جمع حتى
الأول: جواز جمع التأخير بمزدلفة وهي/ ((جمع)) لأنه - عليه جواز تأخير
الصلاة والسلام - كان وقت المغرب بعرفة [فلم يجمع بينهما
بالمزدلفة](٣) إلَّ وقد أخر المغرب. وهذا الجمع مجمع عليه لكن بصلها
ويصلهما مع
اختلفوا: في سببه هل هو النسك أو السفر، وفائدة الخلاف تظهر في أن العشاء جمعاً
من ليس مسافراً سفراً يُجمع فيه، هل يجمع بين هاتين الصلاتين أم لا؟
فذهب أبو حنيفة إلى الأول، ومن وافقه من أصحاب الشافعي
والصحيح من مذهب الشافعي ولم ينقل صريحاً أنه - عليه الصلاة
والسلام - كان يجمع بين الصلاتين في طول سفره ذلك، فإن كان لم
يجمع في نفس الأمر فيقوي أن الجمع للنسك. لأن الحكم المتجدد
عند تجدد أمر يقتضي إضافة ذلك الحكم إلى ذلك الأمر، وإن كان
قد جمع: إما بأن يرد في ذلك نقل خاص، أو يؤخذ من حديث ابن
عمر أنه - عليه الصلاة والسلام -: ((كان إذا جد به السير جمع بين
المغرب والعشاء))، فقد تعارض في هذا الجمع سببان السفر،
(١) أخرجه أحمد في المسند (٣٧٩/١، ٣٩٩، ٤٢٤، ٤٥٥)، وابن ماجه
(١٩٦/١)، وأبو داود (١٦٥/١) من رواية ابن مسعود.
(٢) (٤٧٨/٢، ٤٧٩) من هذا الكتاب المبارك.
(٣) في الأصل (فما جمع) وبقية الكلام زيادة من إحكام الأحكام.
٣٨٩

والنسك فيبقى النظر في ترجيح الإِضافة إلى أحدهما، على أن في
الاستدلال بحديث ابن عمر على هذا الجمع نظر، من حيث إن السير
لم یکن مجدّاً في ابتداء هذه الحرکة، لأنه - عليه الصلاة - كان نازلاً
عند دخول وقت صلاة المغرب، وأنشأ الحرکة بعد ذلك، فالجد إنما
يكون بعد الحركة، أما في الابتداء فلا، وقد كان يمكن أن تقام
المغرب بعرفة. ولا يحصل جد السير بالنسبة إليها، ولا يتناول
الحديث ما إذا كان الجد والسير موجوداً عند دخول وقتها فهذا أمر
محتمل.
واختلف العلماء أيضاً فيما إذا أراد الجمع بغير مزدلفة، كما
لو جمع في الطريق أو بعرفة جمع تقديم، والأحاديث الصحيحة تدل
صريحاً على جوازه بعرفة والخلاف فيه هو بسبب النسك أو السفر
والذين عللوا الجمع بالسفر يجيزون الجمع مطلقاً.
والذين يعللونه بالنسك قالوا: لا يجمع إلَّ بالمكان الذي جمع
فيه الشارع إقامة لوظيفة النسك على الوجه الذي فعله، وهو مذهب
أبي حنيفة وغيره من الكوفيين، ومذهب ابن حزم أيضاً.
وقال مالك: لا يجوز أن يصليها قبل المزدلفة إلاّ من به أو بدابته
عذر، فله أن يصليها قبلها بشرط كونه بعد مغيب الشفق وبعدم الوجوب
[] (١) جماعات من الصحابة والتابعين، وقاله الأوزاعي والشافعي
وأبو يوسف وأشهب و [](٢) أصحاب الحديث.
(١) في الأصل الكلمة (مبتورة)، وأقرب معنى لها ((قاله)).
(٢) الكلمة غير واضحة.
٣٩٠

فرع: قال الشافعي والأصحاب يصلي حط الرحل بأن [ ](١)
كما فعل رسول الله ◌َالچ .
تنبيه: أطلق أكثر الأصحاب القول بتأخير هاتين الصلاتين/ إلى [١/١/١٨]
المزدلفة، وقال: جماعات يؤخرها ما لم يخف وقت الاختيار
للعشاء، فإن خيف لم تؤخر بل يجمع بالناس في الطريق، ونقله
صاحب ((الشامل)) وغيره عن نص الشافعي في ((الإِملاء)). قال النووي
في ((شرح المهذب)): ولعل إطلاق الأكثرين يحمل على هذه موافقة
لنص الشافعي.
الثاني: شرعية الإقامة لكل واحدة من صلاتي الجمع، ولم مشروعية الإقامة
يتعرض للآذان لها وثبت في صحيح من حديث جابر (٢) الطويل "إنه
لكل صلاة
صلاها بأذان واحد وإقامتين))، وفي رواية له من حديث ابن عمر:
((بإقامة واحدة)) وقد أسلفناها، والأولى مقدمة عليها لأن مع راويه
زيادة علم، ولأنه أعني بنقل حجته - عليه الصلاة والسلام -
وضبطها أكثر من غيره، فكانت أولى بالاعتماد والقبول.
وتحمل الرواية الثانية على أن المراد أن كل صلاة لها إقامة
جمعاً بين الروايات.
ومذهب الشافعي الصحيح أنه يؤذن للأولى منهما، ويقيم لكل
واحدة، وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وعبد الملك بن الماجشون
والطحاوي.
(١) الكلمة غير واضحة.
(٢) في البخاري (١٥٥٧)، وصحيح مسلم (١٢١٨)، وأحمد (٢١٧/٣)،
والنسائي (٢٠٢/٥).
٣٩١

وقال مالك يؤذن للثانية أيضاً وهو محكي عن عمر وابن مسعود.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: أذان وإقامة واحدة.
وقال القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر: يصلي كل
واحدة بإقامة بلا أذان.
وقال النووي: يصليها جميعاً بإقامة واحدة، وحكى أيضاً عن
ابن عمر .
لا تستحب
الناقلة بين
الصلاة
المجموعتين
الثالث: عدم التنفل بين الصلاتين المجموعتين، ويعبر عن
ذلك بوجوب الموالاة بينهما وهو مستحب في جمع التأخير، واجب
في جمع التقديم عند الشافعية، وقال ابن حبيب المالكي: له أن
يتنفل بينهما، فمن أراد أن يستدل بالحديث على عموم جواز التنفل.
بين صلاتي الجمع فلمخالفه أن يقول: هو فعل والفعل بمجرده
لا يدل على الوجوب، ويحتاج إلى ضميمة أمر آخر إليه، ومما يؤكده.
- أعني كلام المخالف أنه عليه الصلاة والسلام - لم يتنفل بعدهما،
كما في الحديث، مع أنه لا خلاف في جواز ذلك، فيشعر ذلك بأن
ترك التنفل لم يكن لما ذكر من وجوب الموالاة، وقد صح في:
الصحيح أنه فصل بين هاتين الصلاتين بإناخة كل إنسان بعيره في:
منزله، وهو يحتاج إلى مسافة من الوقت، ويدل على جواز التأخير.
في جمع التأخير وهو الصحيح من مذهب الشافعي.
الرابع: عدم صلاة النفل في السفر وهو المشهور من مذهب
مالك لكنها دلالة بعدم الفعل، وهي بمجردها لا تدل على عدم
الاستحباب بل يدل على تأخير فعل النفل في ذلك الوقت.
٣٩٢

ومذهب الشافعي استحباب السنن الراتبة فيه.
الخامس: ثبت في ((صحيح مسلم)) في حديث جابر الطويل أنه
لما جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة ((ولم يسبح بينهما شيئاً [١٨/أ/ ب]
اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر، حين تبين له الصبح)،
وهذا الحديث نص في عدم إحياء تلك الليلة بالصلاة، وكذا رواية
المصنف، ((ولم يسبح بينهما، ولا على إثر واحدة منهما)) لكن
استحبه ابن حبيب المالكي والسری في ((منسکه)).
٣٩٣

٥١ - باب المحرم يأكل من صيد الحلال
ذكر فيه - رحمه الله - حديث أبي قتادة، والصعب بن جثّامة
- رضي الله عنهما -:
الحديث الأول
٥١/١/٢٦٩ - عن أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه -
أن رسول الله وَل خرج حاجاً، فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم،
فيهم أبو قتادة وقال: «خذوا ساحل البحر، حی نلتقي)) فأخذوا ساحل
البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم، إلَّ أبا قتادة، لم يحرم، فبينما
هم يسيرون، إذ رأوا حمر وحش، فحمل أبو قتادة على الحمر، فعقر
منها أتاناً، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل لحم صيد، ونحن
محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها فأدركنا رسول الله وَلتر، فسألناه
عن ذلك؟ قال: ((منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟))
قالوا: لا. قال: ((فكلوا ما بقي من لحمها))(١).
(١) البخاري في أطرافه (١٨٢١) (١٨٢٤) في جزاء الصيد، باب: لا يشير
المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال. ومسلم (١١٩٦) في الحج، =
٣٩٤

وفي رواية: ((هل معكم منه شيء))؟ فقلت: نعم. فناولته
العضد. فأكلها(١).
الكلام علیه من وجوه:
الأول: التعريف براويه وقد سلف في باب الاستطابة .
الثاني: في ألفاظه :
((الطائفة)): تقدم الكلام عليها في باب صلاة الخوف.
(الساحل)): شاطىء البحر قال ابن دريد(٢): وهو مقلوب وإنما
الماء سحله .
((والبحر)): يجمع على أبحر، وبحار، وبحور، وهو الماء معنى البحر
الكثير ملحاً كان أو عذباً فممن نص على ذلك ابن سيده في
(المحكم))(٣). قال: وقد غلب على الملح حتى قل في العذب
وصرفوه على معنى الملوحة .
وقال القزاز: إذا اجتمع الملح والعذب سموا باسم الملح أي
)(٤). قال: ويسمى
١٩
بحرين ومنه قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرِيْنِ يَلْكَفِيَانِ
باب: تحريم الصيد للمحرم، وابن ماجه (٣٠٩٣)، والترمذي (٨٤٨)،
=
والنسائي (١٨٥/٥)، ومالك (٣٥١/١)، والدارقطني (٢٩١/٢)،
والدارمي (٣٨/٢)، والبيهقي (٣٢٢/٥)، وأحمد (٣٠٦/٥، ٣٠٧،
٣٠١)، وابن الجارود (٤٣٥).
(١) البخاري في الهبة (٢٥٧٠)، باب: من استوهب شيئاً من أصحابه.
(٢) المخصص (٢٠/٩).
(٣) المخصص (١٥/٩)، ولسان العرب (٣٢٣/١).
(٤) سورة الرحمن: آية ١٩.
٣٩٥

بذلك لسعته من قولهم تبحر الرجل في العلم أي اتسع، قال: قال
أهل اللغة: وكيف تقلبت حروف (ب ح ر) دلت على الاتساع كبحر
ورحب وحبر ونحو ذلك.
وقال الأزهري(١): سميت الأنهار بحاراً لأنها مشقوقة في
الأرض شقاً ومنه سميت البحيرة.
وقوله: ((فأحرموا كلهم إلاَّ أبا قتادة)) جاء في رواية لمسلم:
((فأهلوا بعمرة غيري)).
وقوله: ((إذا رأوا حمر وحش)) كذا هو ثابت في الصحيحين
وفيهما أيضاً: ((وإذا أنا بحمار وحشي فحملت عليه)).
وقوله: ((فعقر منها أتانا)) أي جرح. و ((الأتان)): هي الأنثى من
الحمر.
معنى «العضد)
و ((العضد)) الساعد، قال الجوهري(٢): وهو من المرفق إلى
الكتف وفيه لغات: عضد - بضم الضاد وكسرها - وعضد بفتح
[١٩/أ/ أ] العين وكسرها مع سكون الضاد / وبضمها حكاه ابن السيد في
((مثلثه))(٣) وزاد بن عديس عن ابن سيده عضد بفتح الضاد على وزن
(١) تهذيب اللغة (٣٧/٥)، وذكره في لسان العرب (٣٢٣/١).
(٢) تهذيب اللغة (٤٥١/١).
(٣) قال ابن السيد البطليوسي في مثلثه (٢٩٥/٢): والعَضِدُ والعضُدُ بكسر
الضاد وضمها. ما بين المرفق والمنكب وفيه ست لغات: عَضُدٌ، بضم
العين وسكون الضاد وعُضُدٌ بضم العين والضاد. وعِضْدٌ بكسر العين
وسكون الضاد. عَضِدٌ بفتح العين وكسر الضاد خاصة.
وانظر: (٣٥٣/٢) ذكر فيه ثلاث لغات.
٣٩٦

حمل حكى ذلك اللبلي.
فائدة: في الصحيح أيضاً ((الرجل)) بدل ((العضد)) وفي رواية
((الذراع)) رواها سعيد ويجمع بينهما بتعدد الواقعة(١).
الثالث: إن قيل كيف ترك أبو قتادة الأحرام مع كونه خرج الجواب عن ترك
أبو قتادة الإحرام
للنسك ومر بالميقات وقد تقرر بأنه لا يجوز لمن أراد الحج والعمرة
أن يجاوز الميقات غير محرم؟ وأجيب بوجوه.
أولاها: ما أشار إليه أول الحديث من أنه أرسل إلى جهة
أخرى لكشف عدوٌ لهم بجهة الساحل سيعلمه فكان الالتقاء معه بعد
مضي مكان الميقات(٢).
وفي صحيح ابن حبان(٣) ((أنه بعثه على الصدقة)) كما
سيأتي.
وأضعفها: أنه لم يكن مريداً للحج ولا للعمرة.
وأبعدها: أن المواقيت لم تكن وقتت بعد.
يليه في البعد أن أهل المدينة أرسلوه إلى النبي صل
ليعلمه أن بعض العرب عزم على غزو المدينة فإن في
(١) ذكر ابن حجر في الفتح - رحمنا الله وإياه - (٣٠/٤) هذه الروايات،
وفي بعض الروايات مبهمة كما في قوله: ((وإن عندنا فاضلة)).
(٢) ذكره في الاستذكار (٢٧١/١١).
(٣) ابن حبان (٣٩٧٦)، والبزار (١١٠١)، والطحاوي (١٧٣/٢)، وذكره
الهيثمي في المجمع (٢٣٠/٣)، وقال: رواه البزار ورجاله ثقات.
سيأتي.
٣٩٧

الصحيح(١): ((أنه كان مع رسول الله وَل حتى إذا كان ببعض طريق
مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم فرأى حماراً))
الحديث(٢).
(١) البخاري (٢٩١٤).
(٢) قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (٢٣/٤) على قوله: ((فأحرم
أصحابه ولم يحرم))، الضمير لأبي قتادة بينه مسلم: ((أحرم أصحابي ولم
أحرم)»، وفي رواية علي بن المبارك: ((وأنيئنا بعدو بغيقة فتوجهنا
نحوهم))، وفي هذا السياق حذف بينته رواية عثمان بن موهب عن
عبد الله بن أبي قتادة وهي ما بعد بابين بلفظ: ((أن رسول الله وَّ خرج
حاجاً فخرجوا معه فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة فقال: ((خذوا ساحل
البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلاَّ
أبا قتادة))، إلى أن قال : - فجهز طائفة من أصحابه فيهم أبو قتادة إلى
جهتهم ليأمن شرهم فلما أمنوا ذلك لحق أبو قتادة وأصحابه بالنبي وَه
فأحرموا، إلاَّ هو فاستمر هو حلال لأنه إما أنه لم يجاوز الميقات، وإما
أنه لم يقصد العمرة، وبهذا يرتفع الإِشكال الذي ذكره أبو بكر الأثرم قال:
كنت أسمع أصحابنا يتعجبون من هذا الحديث ويقولون: كيف جاز
لأبي قتادة أن يجاوز الميقات وهو غير محرم؟ ولا يدرون ما وجهه،
قال: حتى وجدته في رواية. من حديث أبي سعيد فيها: ((خرجنا مع
رسول الله وَ ﴾ فأحرمنا، فلما كنا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة وكان
النبي ◌َّل بعثه في وجه)) الحديث. قال: فإذا أبو قتادة إنما جاز له ذلك
لأنه لم يخرج يريد مكة. قلت: وهذه الرواية التي أشار إليها تقتضي أن
أبا قتادة لم يخرج مع النبي ◌َّ من المدينة، وليس كذلك لما بيناه ثم
وجدت في صحيح ابن حبان والبزار من طريق عياض بن عبد الله عن
أبي سعيد قال: ((بعث رسول الله وَليل أبا قتادة على الصدقة وخرج =
٣٩٨

الرابع: هذا الخروج كان عام الحديبية(١) كما ثبت في
الصحيحين وفي الصحيح أيضاً: ((خرج رسول الله وَ الر حاجاً وأحرمنا زمن هذا
الخروج لمكة
رسول الله وَّه وأصحابه وهو محرمون، حتى نزلوا بعسفان)) فهذا سبب
=
آخر، ويحتمل جمعها، والذي يظهر أن أبا قتادة، إنما أخر الإِحرام لأنه
لم يتحقق أنه يدخل مكة فساغ له التأخير - وقد استدل بقصة أبي قتادة
على جواز دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يرد حجاً ولا عمرة، وقيل
كانت هذه القصة قبل أن يؤقت النبي ◌ّله المواقيت - أقول وقد ضعفه
ابن الملقن .
وأما قول عياض ومن تبعه - أقول وقد ذكره ابن الملقن وتعقبه ــ إن
أبا قتادة لم يكن خرج مع النبي وَّر من المدينة، وإنما بعثه أهل المدينة
إلى النبي ◌َّ يعلمونه أن بعض العرب قصدوا الإِغارة على المدينة، فهو
ضعيف مخالف لما ثبت في هذه الطريق الصحيحة طريق عثمان بن
موهب. اهـ.
(١) قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (٢٩/٤) على قوله: ((خرج
حاجاً)). قال الإِسماعيلي هذا غلط، فإن القصة كانت في عمرة، وأما
الخروج إلى الحج فكان في خلق كثير، وكان كلهم على الجادة لا على
ساحل البحر، ولعل الراوي أراد خرج محرماً فعبر عن الإحرام بالحج
غلطاً، قلت: لا غلط في ذلك بل هو من المجاز السائغ، وأيضاً فالحج
في الأصل قصد البيت فكأنه قال: خرج قاصداً للبيت، ولهذا يقال للعمرة
الحج الأصغر. ثم وجدت الحديث من رواية محمد بن أبي بكر المقدمي
عن أبي عوانة بلفظ: خرج حاجاً أو معتمراً)، أخرجه البيهقي فتبين أن
الشك فيه من رواية أبي عوانة، وقد جزم يحيى بن أبي كثير بأن ذلك
كان في عمرة الحديبية وهذا هو المعتمد. اهـ. انظر: الاستذكار
(١١/ ٢٧٢).
٣٩٩

معه)) ومراده بالحج العمرة كما جاء في روايته الأخرى: ((فأهلوا
بعمرة غيري))(١) وفي الصحيح(٢) أيضاً: ((أنه - عليه الصلاة
موقع البغيقة) والسلام ـ حُدث أن عدوا بغيقة(٣) فتوجهنا نحوهم)) وهو موضع من
بلاد بني غفار بين مكة والمدينة، وقيل: هو قليب ماء(٤) لبني ثعلبة،
موقع التعهن، وفيه أن أبا قتادة لحق برسول الله وَ له بقرب تعهن(٥) وهو قائل(٦)
(١) مسلم (١١٩٦): (٦٢).
(٢) مسلم (١١٩٦) (٥٩).
(٣) هو بفتح الغين المعجمة بعدها ياء ساكنة ثم قاف مفتوحة ثم هاء: قال
السكوني: هو ماء لبني غفار بين مكة والمدينة. انظر: فتح الباري
(٤/ ٢٣)، ومعجم البلدان (٤/ ٢٢١).
(٤) وقال يعقوب: هو قليب لبني ثعلبة يصب فيه ماء رضوي ويصب هو في
البحر. المراجع السابقة.
(٥) تعهن: بكسر المثناة وبفتحها بعدها عين مهملة ساكنة ثم هاء مكسورة ثم
نون، ورواية الأكثر بالكسر، وبه قيدها البكري في معجم البلاد ... إلخ.
انظر: فتح الباري (٢٥/٤).
:
(٦) قوله: ((قائل»، قال النووي في شرح مسلم (١٢/٨): روى بوجهين
أصحهما وأشهرهما قائل بهمزة بين الألف واللام من القيلولة ومعناه تركته
بتعهن وفي عزمه أن يقيل بالسفيا ومعنى ((قائل» يقيل ولم يذكر القاضي في
شرح مسلم وصاحب المطالع والجمهور غير هذا بمعناه.
والوجه الثاني: أنه ((قابل)) بالباء الموحدة، وهو ضعيف وغريب وكأنه
تصحيف وإن صح معناه ((تعهن موضع مقابل للسقيا)). قال ابن حجر في
الفتح (٢٥/٤) فعلى الأول الضمير في قوله: ((وهو)) للنبي وَل﴾، وعلى
... الثاني الضمير للموضع وهي تعهن، ولا شك أن الأول أصوب وأكثر
فائدة . .. إلخ.
٤٠٠