Indexed OCR Text

Pages 201-220

الحديث الخامس
٤٦/٥/٢٢٥ - عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - ،
قال: ((قدم رسول الله وَل﴿ وأصحابه مكة، فقال المشركون: إنه يقدم
عليكم، قوم قد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي وَّر أن يرملوا
الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعهم أن يرملوا
الأشواط كلها: إلَّ الإِبقاء عليهم))(١).
الكلام علیه من وجوه :
الأول: هذا القدوم كان في عمرة القضاء سنة سبع قبل الهجرة وقت قدوم
النبي ﴾ لمكة
ووقع في كلام القاضي (٢) أن ذلك كان في عمرة الحديبية وهو وهم
فإنه صُد فيها عن مكة إلاَّ أن تأول [الأمر](٣) على إرادة العمرة التي
(١) البخاري (١٦٠٢، ٤٢٥٦)، ومسلم (١٢٦٦)، والنسائي (٢٤٢/٥)،
وأبو داود (١٨٨٦) في الحج، باب: في الرمل، وابن خزيمة (٢٧٢٠)،
والبيهقي (٨٢/٥)، والطحاوي (١٧٩/٢)، وأحمد (٢٢١/١، ٢٩٤،
٣٧٣)، وأبو یعلي (٢٣٣٩)، وقد ورد في روايات أخری عن ابن عباس،
ومن رواية جابر أيضاً
(٢) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٣٨٥/٣).
(٣) في ن هـ (كلامه).
٢٠١

قاضي عليها بالحديبية فاعلمه. وكان في المسلمين ضعف في
أبدانهم [وإنما] (١) رملوا إظهاراً للقوة واحتاجوا إلى ذلك في غيرها
:
بين الركنين اليمانيين لأن المشركين كانوا جلوساً في الحجر
لا يرونهم بين هذين الركنين ويرونهم فيما سوى ذلك فلما حج
- عليه الصلاة والسلام - حجة الوداع في العاشرة رمل من الحجر
إلى الحجر وذلك متأخر فوجب الأخذ به ونسخ ترك الرمل وتبين
بذلك أن المشي بين الركنين اليمانيين في الأشواط الثلاثة منسوخ.
الثاني: معنى: ((وهنتهم)) بتخفيف الهاء أضعفتهم وهو ثلاثي
وقد يقال: رباعیاً.
معنى اوهنتهم)
قال [الفراء](٢): وغيره يقال: وهنه الله وأوهنه، ويقال: وهن
الإنسان ووهنه غيره(٣) يتعدى ولا يتعدى، ويقال: أيضاً وهِن
بالكسر .
حديث النهي عن
تسمية المدينة
الثالث: ((يثرب)): اسم المدينة في الجاهلية واستجد لها في
ويشرب، الإِسلام عدة أسماء سلفت الإشارة إليها منها: المدينة، وطابة،
[١٤/ هـ/ب] وطيبة، وكره ◌َليل تسميتها يثرب / في حديث رواه الإِمام أحمد في
((مسنده))(٤) وفي ((صحيح مسلم)) ((يقولون يثرب وهي المدينة)) يعني
(١) زيادة من ن هـ.
(٢) زيادة من ن هـ.
(٣) في المغرب (٣٧٥/٢) ووهنه الله.
(٤) أخرجه البخاري في فضائل المدينة (١٨٧١)، ومسلم في كتاب الحج
(١٣٨٢)، والموطأ (٨٨٧/٢)، وأحمد (٢٣٧/٢). وفي حاشية ن هـ زيادة:
(روى البزار مرفوعاً من قال -من سمى - المدينة بيثرب فليستغفر الله، هي : =
٢٠٢

أن بعض المنافقين وغيرهم يسميها يثرب وفي هذا الحديث تسمية
المشركين لها بذلك. قال عيسى بن دينار: من سماها بذلك كتبت
عليه خطيئة .
[وسبب الكراهة: أن يثرب مأخوذ من التثريب وهو التوبيخ
والملامة] (١).
وسميت: طابة، وطيبة من الطيب لِحسن لفظها، وكان ــ عليه
الصلاة والسلام -: يحب الاسم الحسن ويكره القبيح.
وتسميتها في / القرآن بيثرب: حكاية عن قول المنافقين [١/٢٦٠/أ]
والذين في قلوبهم مرض.
وقيل: سميت يثرب بأرض هناك. المدينة ناحية منها(٢).
وقال البكري في ((معجمه)): سميت بيثرب بن
طابة)). قال الدارقطني: تفرد به عمر بن صالح الواسطي عن يزيد بن زياد
=
ولا یحتج بیزید.
قلت: أخرجه أحمد في المسند (٢٨٥/٤)، وأبو يعلى (٢٤٨/٣)، وذكره
في مجمع الزوائد (٣٠٠/٣)، وقال: رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله
ثقات. وقد قال الصالحي في فضائل المدينة: إسناده جيد (٦٣).
(١) النص كما في فضائل المدينة للصالحي (٦٤): وسبب الكراهة إما لكون
ذلك مأخوذاً من الثَّرَب بالتحريك، وهو الفساد، أو من التثريب، وهو
المؤاخذة بالذنب، وانظر أيضاً: فتح الباري (٨٧/٣).
(٢) قال الزمخشري في الكشاف (٢٣٠/٣): يثرب اسم المدينة وهي أرض
وقعت المدينة في ناحية منها. اهـ.
٢٠٣

قانية(١) من بني آدم بن سام بن نوح لأنه أول من نزلها.
قلت: ووقع في البخاري (٢) تسميتها يثرب فروى عن
أبي موسى أراه عن رسول الله و لي قال: رأيت في المنام أني أهاجر
من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا
هي يثرب)) وفي ((دلائل النبوة))(٣) للبيهقي أن جبريل سماها بذلك
(١) في الفتح (٨٨/٣) زيادة ( بن مهلايل بن عيل بن عيص بن إرم بن سام بن
نوح) - إلى أن قال ـــ وسقط بعض الأسماء من كلام البكري - كما هو
واضح - .
(٢) أطرافه في البخاري (٣٦٢٢) ومعلقاً في باب: هجرة النبي وَلّ وأصحابه
إلى المدينة، والفتح (٢٢٦/٧).
(٣) البيهقي في الدلائل (٣٥٥/٢)، والطبراني في المعجم (٢٨٢/٧)، وقال
البيهقي: هذا إسناد صحيح وروى ذلك مفرقاً في أحاديث غيره، ونحن
نذكر من ذلك إنشاء الله ما حضرنا، ثم ساق أحاديث كثيرة في الإِسراء
كالشاهد لهذا. قال الحافظ ابن كثير: في تفسيره (١٤/٣). وقد روى هذا
الحديث عن شداد بن أوس بطوله الإِمام أبو محمد عبد الرحمن بن
أبي حاتم في تفسيره عن أبيه عن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي
به، ولا شك أن هذا الحديث أعني الحديث المروي عن شداد بن أوس
مشتمل على أشياء منها ما هو صحيح كما ذكره البيهقي، ومنها ما هو
منكر كالصلاة في بيت لحم، وسؤال الصديق عن نعت بيت المقدس وغير
ذلك، والله أعلم. اهـ.
وإسحاق بن إبراهيم هذا قال: فيه الحافظ في التقريب صدوق يهم كثيراً
وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب.
وقال في مجمع الزوائد (٤٧/١): وفيه إسحاق بن إبراهيم بن العلاء وثقه
يحيى بن معين وضعفه النسائي. اهـ.
٢٠٤

أيضاً، وروى من حديث شداد بن أوس قلنا: يا رسول الله كيف
أسرى بك؟ الحديث. وفيه أن جبريل [عليه الصلاة والسلام](١)
أتدري أين صليت؟ قال: قلت: الله أعلم. قال: صليت بيثرب
صليت بطيبة. قال البيهقي: إسناده صحيح.
[فرع](٢): ((الرمل)): هو إسراع المشي مع تقارب الخطا ولا معنى (الرمل)
يثب وثوباً، يقال: رمل يرمل بضم الميم رملا بفتح الراء وسكون
الميم ورملاناً.
ثم اعلم. أن الرمل من الألفاظ المشتركة أيضاً يقع على جنس
من العروض(٣) وهو القصير منها، وعلى القليل من المطر، وعلى
خطوط تكون في قوائم البقر الوحشية يخالف سائر لونها.
الخامس: ((الأشواط)) هي الطوافات راملاً وأصل الشوط في المرادبـ
الأصل الطلق، يقال: عدا شوطاً أي طلقاً بفتح اللام، والمراد به
(الأشواط)
هنا: الطواف بالبيت من الحجر إلى الحجر ويسمى الطواف كله
والطوفة الواحدة دوراً وفيه ما سيأتي.
وقوله: ((وأن يمشوا ما بين الركنين [إلى اليمانيين] (٤) وسببه
(١) في ن هـ ساقطة.
(٢) في ن هـ (الرابع).
(٣) قال في لسان العرب، مادة: ((رمل)) (٣٢١/٥): الرَّمَل: ضرب من
عروض يجيء على فاعلاتن فاعلاتن. وقال ابن سيده: الرَّمَل من الشعر
كل شعر مهزول غير مؤتَلِف البناء وهو مما تسمى العرب من غير أن
يحدوا في ذلك شيئاً. اهـ. وذكر هذه الألفاظ.
(٤) غير موجودة في لفظ الحديث.
٢٠٥

عدم رؤية المشركين للمسلمين إذ ذاك إذ العلة إنما كانت إظهار
الجلد وإنكار المشركين فيما أدعوه من ضعفهم.
السادس: قوله: ((إلاَّ الإِبقاء)) قال: النووي في ((شرح مسلم))(١)
هو بكسر الهمزة وسكون الباء الموحدة وبالمد أي الرفق بهم، ولم
یزد على ذلك.
وقال القرطبي (٢): رواية ((الإِبقاء)) بالرفع على أنه فاعل.
(يمنعهم)) ويجوز نصبه على أن يكون مفعولاً من أجله، ويكون في
(يمنعهم)) ضمير عائد على النبي ◌َّلتر هو فاعله فتأمله.
سبب مشروعية
الرصيل
السابع: اعلم أن الرمل شرع لحكمة إظهار قوة المؤمنين
إرغاماً للمشركين لإظهار التوحيد للرب جل وعز في امتثال أمره
بحضرتهم وقد زالت الحكمة التي شرع لأجلها وحكمه باق إلى يوم
(١/٢٦٠/ ب] القيامة عند الأمن إلاّ ابن عباس(٣) فإنه قال / إن استحبابه كان ذلك.
الوقت لإظهار القوة للكفار وزال بزوال علته. وليس كما قال فنفعله
الآن تأسياً واقتداء بالشارع كما وقع التأسي بكثير من أفعال الحج
تعبداً كالسعي ورمي الجمار فإن السعي سبب التعبد به قصة هاجر مع
ابنها إسماعيل وتركها إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في ذلك
(١) (١٣/٩).
(٢) المفهم (٣٧٦/٣).
(٣) انظر روايته عند: مسلم (١٢٦٤)، والترمذي (٨٦٣)، وأبو داود (١٨٨٥).
في الحج، باب: في الرمل، وابن ماجه (٢٩٥٣)، والحميدي (٥١١)،
وأحمد (٢٩٧/١، ٢٩٨)، والنسائي (٢٤٢/٥)، وأبو يعلى (٢٣٣٩)،
والبيهقي (٨٢/٥)، وابن خزيمة (٢٧٢٠).
٢٠٦

المكان الموحش منفردين منقطعي أسباب الحياة بالكلية مع ما أظهر
الله تعالى من الكرامة والآية في إخراج الماء لها حين سعى هاجر بين
الصفا والمروة لئلا ترى الألم بإسماعيل عند موضع زمزم وتركها له
هناك وكذلك سبب التعبد برمي الجمار أن إبليس رمى بها في هذه
المواضع عند إرادة الخليل ذبح ولده امتثالاً لأمر الله تعالى في شرعية
ذلك جميعه من الفوائد الكثيرة ما يزيد المتبصر بذكره.
فمنها: تذكر وقائع السلف الكرام للمتأخرين إذ في طيَّ تذكرها
مصالح دينية في أشياء كثيرة.
ومنها: ما كانوا عليه من امتثال الأمر والمبادرة إليه وبذل
الأنفس في ذلك جميعه وبهذه النكتة يظهر لك أن كثيراً من الأعمال
الواقعة في الحج يقال / فيها أنها تعبد وليس كذلك.
[٦٥ / هـ / أ]
ومنها: تعظيمهم باحتمال مشاق امتثال الأوامر والصبر عليه
ووجود عدم المعين عليها والمفند عنها فإن ذلك جميعه باعث لنا على
التأسي والتعظيم وكل ما ذكرناه معنى معقول يبين في أشياء كثيرة.
الثامن: في الحديث دلالة على استحباب الرمل وهو سنة ثابتة مشروعية الرمل
مطلوبة على تكرار السنين وهو مذهب جميع [العلماء](١) من الصحابة
والتابعين فمن بعدهم. وخالف ابن عباس كما سلف وقد بينا الحكمة
والسر فيه ثم أجمع من قال باستحبابه على أنه سنة في الطوافات الثلاث
الأول من السبع إلَّ عبد الله بن الزبير فإنه قال: يسن في السبع فإن تركه
فقد ترك سنة وفاتته الفضيلة ويصح طوافه ولا دم عليه.
(١) في ن هـ ساقطة.
٢٠٧

. :
.وقال الحسن البصري والثوري وابن الماجشون: إذا ترك الرمل
لزمه دم. وکان مالك یقول به .
قال الأبهري. لأنه ترك شيئاً مستحباً وذلك أحوط. ثم رجع
عنه (١)، قال الأبهري: أيضاً لأن ذلك هيئة للعمل فصار كما لو ترك
رفع اليدين في الصلاة.
ثم لا يسن الرمل إلاّ في طواف العمرة وفي طواف واحد في.
الحج ولا يستحب إلاّ في طواف يعقبه سعي ولا يختص بطواف
[١/١/٢٦١] القدوم على الأظهر عند الشافعي وبه قال جماعة من العلماء وفي
الرمل لا یکون
إلاّ في الأشواط
الثلاثة
قول يختص به وإن لم يسعى بعده، ولا يتصور الرمل في طواف
الوداع ولو ترك الرمل في الثلاث الأول من السبع لم يأت به في
الأربع الأواخر لأن السنة فيها المشي على العادة فلا يغيره فلو لم
يمكنه الرمل لزحمة أشار في هيئة مشيه إلى صفة الرامل ولو فات
الرمل بالقرب الزحمة فالرمل مع بعد أولى لأن فضيلة الرمل هيئة
للعبادة في نفسها والقرب من الكعبة هيئة في موضع العبادة لا في
نفسها فكان تقديم ما يتعلق بنفسها أولى وهذا إذا كان لا يرجوا فرجةٍ
أو وقف فإن رجاها وقف ليرمل فيها ولو خاف صدم النساء بأن كن
في حاشية المطاف فالقرب بلا رمل أولى تجوزاً عن مصادمتهن
وملامستهن .
(١) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٣٨٣/٣). وقد ذكر ابن عبد البر - رحمنا
الله وإياه - (١٣٩/١٢): أنه رجع عن القول بتركه دم. وانظر: إلى
الأقوال هذه في الاستذكار.
٢٠٨

واتفق العلماء: على أن الرمل لا يشرع للنساء كما لا يشرع
لهن شدة السعي بين الصفا والمروة كذا نقله النووي في ((شرح
مسلم»(١) وسبقه إليه ابن المنذر.
نعم لو كانت ليلاً في خلوة لم يمنع استحباب الرمل لها كما
قيل بمثله في السعي وإن لم يصرحوا به.
فرع: يخاطب بالرمل المكي أيضاً خلافاً لابن عمر وعند
الشافعي فيه تفصيل محله كتب الفروع.
التاسع: فيه أيضاً أن الرمل لا يشرع بين [الركن](٢) اليماني
والأسود وإنما يشرع المشي وهو قول الشافعي وقد أسلفنا أن ذلك
منسوخ واستقرار استحبابه حول البيت والحجر وهو أشهر قولي
(٣)
الشافعي(٣) .
العاشر: فيه أيضاً إظهار قوة الدين والإِسلام [بحضرة
أعدائه](٤) وإن كان الضعف حاصلاً.
الحادي عشر: فيه أيضاً أن ما شرع لمعنى تستحب المداومة
على فعله تذكراً لنعم الله تعالى وتأسياً كذا استنبط منه وليس بظاهر.
٨
(١) (٧/٩)، ذكره في إكمال إكمال المعلم (٣٨٤/٣).
(٢) في ن هـ ساقطة.
(٣) وفي الحديث عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي وقال: ((رمل من
الحجر إلى الحجر)». أخرجه مسلم (١٢٦٣)، والترمذي (٨٥٧)،
والنسائي (٢٣٠/٥)، وابن ماجه (٢٩٥١)، والدارمي (٤٢/٢)، والموطأ
(٣٦٤/١).
(٤) في ن هـ ساقطة.
٢٠٩

جواز قسمية
الطواف شوط
الثاني عشر: فيه أيضاً جواز تسمية الطواف شوطاً ونقل عن
مجاهد والشافعي كراهته وكراهة تسميته دوراً وإنما يسمى طوفة.
قال القاضي حسين: وسببها أن الشوط هو الهلاك والصحيح
أنه لا كراهة فيه لهذا الحديث لأنها لا تثبت إلاَّ بالشرع ولم يثبت،
ويمنع أن الشوط هو الهلاك بل هو الطلق كما تقدم(١).
الثالث عشر: فيه أيضاً رفق الإِمام بالناس فيما يأمرهم به من
الطاعات للمصالح العامة وأن لا يتجاوز بما يأمرهم به من ذلك إلى
حد المشقة عليهم.
(١) انظر: شرح مسلم (١٣/٩)، وإكمال إكمال المعلم (٣٨٥/٣).
٢١٠

الحديث السادس
٤٦/٦/٢٤٦ - عن [عبد الله بن عمر رضي الله عنهما](١)
قال /: ((رأيت رسول الله وَلو حين يقدم مكة إذا استلم الركن [١/٢٦١/ب]
الأسود - أول ما يطوف يخب ثلاثة أشواط)) (٢).
الکلام علیه من وجوه :
أحدها: الخب والرمل: بمعنى.
ومعنى: ((استلم)) مسح يده [فيه] (٣) مأخوذ من السلام وهو معنى «استلم؟
التحية أو السلام بكسر السين وهي الحجارة.
الثاني: فيه دلالة على استلام الركن والحكمة فيه / كونه على [٦٥/ هـ/ب]
قواعد إبراهيم وفيه الحجر أيضاً، وقد قدمت في الحديث الرابع عن استلام الركن
الحكمة في جواز
القاضي أبي الطيب (٤) أنه انفرد بقوله: يستلم الركن الذي فيه
الحجر أيضاً، وعزاه الشيخ تقي الدين(*) إلى بعض مصنفي الشافعية
(١) في ن هـ (عن ابن عمر).
(٢) البخاري أطرافه (١٦٠٣)، ومسلم (١٢٦١)، والنسائي (٢٢٩/٥،
٢٣٠)، والكبرى له (٢٠٤/٢).
(٣) في ن هـ (عليه).
(٤) ص ١٩١.
(٥) إحكام الأحكام (٥٣٣/٣).
٢١١

المتأخرين وكأنه أراده [قال](١) وله متمسك بهذا الحديث وإن كان
يحتمل أن معنى قوله: ((استلم الركن)) استلم الحجر، وعبر عن
الحجر بالركن فإنه بعضه كما أنه إذا قال: استلم الركن إنما يريد
بعضه، وبهذا جزم النووي في ((شرح مسلم)» (٢) حيث قال: فيه
استحباب استلام الحجر الأسود في ابتداء الطواف، ثم ذكر أن
القاضي أبا الطيب استدل به على استلام الركن أيضاً ثم قال: واقتصر
[جمهور أصحابنا](٣) على أنه يستلم الحجر.
[الثالث] (٤) فيه دلالة أيضاً على البدأة بطواف القدوم عند
وصوله إلى مكة.
[الرابع]: فيه أيضاً استحباب الرمل فيه.
[الخامس]: فيه أيضاً أن استحبابه إنما هو في الطوافات الثلاث
الأول وفي جميعها أعني الثلاث.
السادس: فيه أيضاً جواز تسميتها أشواطاً وقد سلف ما فيه(٥).
(١) زيادة من ن هـ.
-
(٢) شرح مسلم للنووي (٨/٩).
(٣) في ن هـ (الجمهور من أصحابنا).
(٤) في ن هـ (ثالثها، رابعها، خامسها، سادسها).
(٥) ص ٢١٠.
٢١٢

الحديث السابع
٤٦/٧/٢٤٧ - عن عبد الله بن عباس [رضي الله عنهما] (١)
[قال طاف النبي ◌َ*](٢) في حجة الوداع على بعير يستلم الركن
بمحجن(٣).
المحجن: عصا محنية [الرأس] (٤).
الكلام علیه من وجوه :
يقدم عليها أن ابن طاهر قال: أنكر على البخاري ومسلم
إخراجهما لهذا الحديث من حديث ابن وهب عن يونس، عن ابن
شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس لأن الليث بن سعد
(١) في ن هـ ساقطة.
(٢) زيادة من ن هـ.
(٣) البخاري أطرافه في الفتح (١٦٠٧)، ومسلم مع النووي (١٨/٩)،
وأبو داود (١٨٧٧) في المناسك، باب الطواف الواجب، والنسائي
(٢٣٣/٥)، وابن ماجه (٢٩٤٨)، والبغوي (١٩٠٧)، والبيهقي
(٩٩/٥)، وابن الجارود (٤٦٣)، وأحمد (٢١٤/١، ٢٣٧، ٢٤٨،
٣٠٤).
(٤) في ن هـ (الركن).
٢١٣

وأسامة بن زيد وزمعة خالفوا ابن وهب، ورووه عن ابن شهاب بلغه
عن ابن عباس، ورواه ابن أخي ابن وهب عن عمه كذلك، قال:
والاحتياط يقضي لمن أرسله مع أن بعض الحفاظ حكم بإرساله
[ ... ] (١) هذا كلامه، وقد علم ما في تعارض الوصل والإِرسال وأن
الواصل معه زيادة فقدمت.
الوجه الأول: حجة الوداع كانت سنة عشر من الهجرة.
وقت حجة
الوداع وبسبب
تسميتها بذلك
سميت بذلك: لأنه - عليه الصلاة والسلام - ودع الناس
[١/٢٦٢/ أ] فيها، ولم يحج بعد الهجرة غيرها، / وحج قبلها حجة واحدة فيما
ذكره ابن إسحاق، وفي حديث آخر حجتان(٢). وكره بعض العلماء:
(١) في الأصل زيادة (وعد).
(٢) اختلف العلماء هل حج ◌َلي قبل الهجرة أم لا، فعند الترمذي على جابر
- رضي الله عنه - أنه - عليه الصلاة والسلام - حج ثلاث حجج، حجتين.
قبل أن يهاجر إلى آخر الحديث، وقال: هذا حديث غريب من حديث سفيان،
والبخاري لم يعرفه من حديث الثوري. اهـ. مختصراً. انظر: الترمذي
(٨١٥)، وابن ماجه (٣٠٧٦)، ومصباح الزجاجة (٢١١/٣)، والحاكم في
المستدرك (٤٧٠/١) على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وقال صاحب
سفر السعادة: قال جماهير العلماء: على أنه لو حج بعد الهجرة حجة
وتلك حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت في السنة العاشرة من الهجرة.
وأما قبل الهجرة فثبت في جامع الترمذي أنه حج حجتین. ونقل صاحب
المحلى أنه زاد على ثلاث أو أربع لكن لم يحفظ العدد. اهـ.
وقال ابن الأثير: يحج كل سنة قبل أن يهاجر، وقال ابن الجوزي: حج
حججاً لا يعلم عددها إلَّ الله، وهكذا نقل الحافظان ابن حجر والعيني،
والقسطلاني في المواهب وشارحه الزرقاني وشارح سفر السعادة. اهـ.
٢١٤

أن يقال لها حجة الوداع، وهو غلط، والصواب جوازه لهذا الحديث
وغيره من الأحاديث(١). ولم يزل السلف والخلف على جوازه
واستعماله .
الثاني: ((المحجن)) بكسر الميم، وسكون الحاء وفتح الجيم، معنى
وقد فسره المصنف زاد النووي في ((شرح مسلم)) (٢) يتناول بها
(المحجن)
الراكب ما يسقط منه، ويحرك بها بعيرة للمشي.
الثالث: العلة في طوافه - عليه الصلاة والسلام - راكباً لكي سبب طوافٍ
راكباً
يراه الناس مشرفاً فيسألوه ويتعلموا أفعاله ليقتدوا بها كما صرحت به
الأحاديث منها حديث جابر في مسلم(٣)، وفيه عن عائشة قالت:
(طاف النبي ◌َّا في حجة الوداع حول الكعبة على بعير يستلم الركن
كراهة أن يضرب عنه الناس)). على أنه يحتمل أن يكون الضمير في
(عنه)) يرجع إلى الركن. وروى أبو داود(٤) في ((سننه)) من حديث ابن
(١) المجموع شرح المهذب (٢٨١/٨).
(٢) شرح مسلم (١٨/٩)، وأبو داود (١٨٨٠)، باب: الطواف الواجب،
والنسائي (١٧٣/٥)، والكبرى له (٣٩٦/٢)، والمعرفة للبيهقي
(٢٥٩/٦).
(٣) مسلم مع النووي (١٨/٩)، وأبو داود (١٨٨٥)، باب: في الرمل،
والسنن الكبرى (١١٠/٥)، والمعرفة (٢٥٨/٦).
(٤) أبو داود (١٨٠١) في المناسك، باب: الطواف الواجب، قال المنذري:
في إسناده يزيد بن أبي زياد، ولا يحتج به. وقال البيهقي (١٠٠/٥)،
وفي حديث يزيد بن أبي زياد لفظة: لم يوافق عليها، وهي قوله: ((وهو
يشتكي)». انظر: الفتح (٤١٠/٣).
٢١٥

عباس أيضاً أنه - عليه الصلاة والسلام -: ((إنما طاف راكباً لشكوى
عرضت له)). وإلى هذا أشار البخاري(١) في صحيحه وترجم عليه في
(باب: المريض يطوف راكباً)). وذكره من حديث عكرمة عن ابن
عباس أنه - عليه الصلاة والسلام - : ((طاف بالبيت وهو على بعير
كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده و کبر)). لكن حديث ابن
عباس الذي أخرجه أبو داود ضعيف لأنه من رواية يزيد بن أبي زياد
وهو ضعيف.
قال البيهقي(٢): وهذه الرواية تفرد بها يزيد هذا.
قلت: وقال الإِمام الشافعي (٣) - رضي الله عنه -: لا أعلمه
في تلك الحجة اشتكى.
وقيل: إنما طاف راكباً لبيان الجواز.
قال النووي: ويحتمل أنه طاف راكباً لهذه الأمور كلها ..
قلت: احتمال كونه ضعيفاً فيه بعد لما بيناه. قال أبو عمر (٤):
لم يقل أن طوافه لعذر من يوثق بنقله.
أي الطوافات
طّاف راكباً
الرابع: هذا الطواف يحتمل أن يكون طواف الوداع، وأن
[١٦/ هـ/أ] يكون/ طواف القدوم لكن في مسلم من حديث جابر أنه - عليه الصلاة
والسلام - طاف راجلا فليحمل على القدوم. وحديث ابن عباس
(١) الفتح (٤١٠/٣)
(٢) السنن الكبرى (١٠٠/٥).
(٣) الأم (٢ /١٧٤).
(٤) الاستذكار (١٨٨/١٢).
٢١٦

على طواف الوداع(١)، روى ابن حبان(٢)، في ((صحيحه)) من حديث
ابن عمر: طاف رسول الله وَلّر على راحلته القصواء يوم الفتح واستلم
الركن بمحجنه))، فهذه واقعة أخرى وروى الشافعي في ((الأم)) أنه
- عليه الصلاة والسلام -: ((طاف طواف القدوم على عقبيه)) وهذا
يقوى ما أسلفناه.
الخامس: اعترض ابن القطان في كتاب ((الوهم والإِيهام))(٣)
على عبد الحق في ((أحكامه))، فقال: ذكر ((البعير)) وقع في
((أبي داود)) دون ((مسلم)) /، وهذا عجيب فهو في ((صحيح مسلم)) [٢٦٢/ أ/ ب]
كما عزاه إليه عبد الحق وفي «صحيح البخاري)» أيضاً.
السادس: في الحديث دلالة على جواز الطواف راكباً وهو الخلاف في
إجماع. قال مالك: في المريض يطاف به محمولاً ثم يفيق أحب إلى راكباً
حكم الطواف
أن يعيد. نقله أبو عمر (٤) عنه.
وهل يكره لغير عذر؟
ونقل ابن الرفعة عن الماوردي(٥) وغيره نعم.
(١) سبق تخريجهما.
(٢) ابن حبان (٣٨٢٨)، والترمذي (٣٢٧٠)، وابن خزيمة مختصراً (٢٧٨١)،
وأحمد (٣٦١/٢، ٥٢٣)، وأبو داود (٥١١٦)، في الأداب، باب: في
التفاخر بالأحساب.
(٣) بيان الوهم والإيهام حديث رقم (١٢٠، ١٢١).
(٤) الاستذكار (١٨٦/١٢).
(٥) الحاوي الكبير (٢٠١/٥).
٢١٧

ونقل الرافعي عن الأصحاب عدمها ثم قال: وقال الإِمام في
القلب من إدخال البهيمة المسجد ولا يؤمن تلويثها شيء فإن أمكن
الاستياق فذاك، وإلاّ فإدخال البهائم المسجد مكروه، ومقتضى:
ما ذكره في الشهادات التحريم عند غلبة التنجيس والكراهة عند
عدمها .
وقال [القرطبي](١): أجاز قوم طواف من لا عذر له، منهم
ابن المنذر أخذاً بطوافه - عليه الصلاة والسلام - راكباً،
والجمهور على كراهة ذلك ومنعه، متمسكين بظاهر قوله تعالى :
(ج﴾(٢)، وهذا طيف به، ولم يطف،
﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ يِالْبَيْتِ الْعَنِيقِ
وبأن الصحابة اعتذروا عن طوافه - عليه الصلاة والسلام - راكباً،
وبينوا عذره في ذلك، فكان دليلاً: على أن مشروعية الطواف عندهم
أن لا يكون راكباً.
ثم اختلفوا بعد ذلك فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يعيد ما
دام قريباً من ذلك فإن بعد إلى مثل الكوفة ففيه دم(٣)، ولم ير
الشافعي فيه شيئاً.
ونقل الباجي(٤): عن القاضي عبد الوهاب(٥) الكراهة في غير
المعذور فقط .
٠
(١) في ن هـ (الطبري). انظر: المفهم (٣٧٩/٣) بتصرف من المؤلف.
(٢) سورة الحج: آية ٢٩.
(٣) انظر: التمهيد (٩٥/٢).
(٤) المنتقى (٢٩٥/٢).
(٥) الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٤٧٧).
٢١٨

وقال الماوردي(١): الإِجماع على جواز الطواف راكباً بغير
عذر، لكن أبو حنيفة ومالك يوجب الدم والحالة هذه.
ولم يزد الشيخ تقي الدين(٢) في ((شرحه)) على قوله، وقيل: إن
الأفضل المشي وإنما طاف - عليه الصلاة والسلام - راكباً لتظهر
أفعاله فيقتدى بها، قال: وهذا يؤخذ منه أصل كبير، وهو أن المشي
قد يكون راجحاً بالنظر إلى محله من حيث [هو] (٣) فإذا عارضه أمر
[خارج](٤) أرجح منه قدم على الأول من غير أن تزول تلك الفضيلة
الأولى حتى إذا زال ذلك العارض الراجح عاد [ترجح](٥) الأول من
حيث هو هو، وهذا إنما يقوي إذا قام الدليل على أن ترك الأول إنما
هو لأجل المعارض الراجح، وقد يؤخذ ذلك بقرائن ومناسبات وقد
يضعف، وقد يقوى بحسب اختلاف المواضع، وههنا يصطدم أهل
الظاهر مع المتتبعين للمعاني.
فرع: قال الماوردي(٦): لو طاف محمولاً على أكتاف الرجال
من غير عذر فهو مكروه، قال: وركوب الإِبل أيسر حالاً من ركوب
البغال / والحمير.
[٢٦٣ /١/ ١]
(١) الحاوي (٢٠٠/٥)، ولكن بدون ذكر الإجماع.
(٢) إحكام الأحكام (٥٣٤/٣).
(٣) في ن هـ ساقطة.
(٤) في إحكام الأحكام (آخر).
(٥) في إحكام الأحكام (الحكم).
(٦) الحاوي (٢٠١/٥).
٢١٩

السابع: فيه أيضاً جواز استلام الحجر بعود ونحوه إذا عجز
عن استلامه بيده وليس في الحديث تعرض لتقبيله وعدمه، وفي
صحيح مسلم(١) من حديث أبي الطفيل أنه - عليه الصلاة
والسلام - قبله.
قال القاضي عياض(٢): وانفرد مالك عن الجمهور، فقال: في
أحد قوليه لا يقبل، ونقل عن أحمد أيضاً، وعن أبي حنيفة أنه
لا يستلم.
وأصح الأوجه عند الشافعية أن التقبيل بعد الاستلام.
وثانيها: قبله وكأنه ينقل القبلة إليه حكاه في ((الكفاية)).
وثالثها : يتخير.
!
الثامن: فيه أيضاً طهارة البعير ونجوه وعرقه وهو إجماع.
التاسع: فيه أيضاً جواز إدخاله المسجد للحاجة إلى ذلك وقد
أسلفت ما فيه.
العاشر: استدل به من قال: بطهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه،
طهارة بول ما
يؤكل لحمه
والخلاف في وهو مذهب مالك وأحمد لأنه لا يؤمن البول / والروث منه، ولو
[٦٦/ هـ/ب] كان نجساً لما عرض المسجد للنجاسة، وقد منع لتعظيم المساجد ما
هو أخف من هذا . .
وأجاب القائل بالنجاسة، وهو أبو حنيفة والشافعي: بأنه
(١) مسلم (١٢٧٢).
(٢) إكمال إكمال المعلم (٣٨٨/٣).
٢٢٠