Indexed OCR Text
Pages 441-460
وقيل: في قوله - تعالى -: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُ حَاضِرِى اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾(١). قال الماوردي: كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم، إلاَّ قوله - تعالى - : ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ فإن المراد به الكعبة. قلت: وإلاَّ قوله - تعالى -: ﴿وَعَمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾(٢) أيضاً، وأما قوله - تعالى -: ﴿فَلَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ... ﴾(٣) الآية فالمراد به مكة مع الحرم وما حولها، وقوله - تعالى - : ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٤) فنقل النووي في ((تهذيبه))(٥) عن المفسرين أن المراد به مكة. وحكى أبو شامة في مصنفه ((نور المسرى في تفسير آية الإسراء)) فيه أربعة أقوال: هذا أحدها: وثانيها: أن المراد نفس الكعبة . وثالثها: أن المراد نفس المسجد الذي فيه الكعبة. رابعها: أن المراد به جميع الحرم، وأما قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لا تشد الرحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد))(٦)، إلى آخره (١) سورة البقرة: آية ١٩٦ . (٢) سورة التوبة: آية ١٩. (٣) سورة التوبة: آية ٢٨. (٤) سورة الإسراء: آية ١ . (٥) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٥٢). (٦) من رواية أبي سعيد الخدري عند البخاري أطرافه في الفتح (٥٨٦)، = ٤٤٣ فالمراد المسجد وما حوله. خامسها: في الحديث لزوم النذر للقربة، وقد يستدل بعمومه للزوم الوفاء بکل منذور . سادسها: فيه أيضاً صحة النذر من الكافر وهو وجه في مذهب الشافعي [ورأي البخاري وابن جرير و] (١) المشهور. أنه لا يصح وهو مذهب الجمهور، لأن النذر قربة. والكافر ليس من أهلها .. والحديث مؤول على أنه أمر أن يأتي باعتكاف يوم شبيه بما نذر لئلا. يخل بعبادة نوى فعلها، فأطلق عليه أنه منذور لشبهه به وقيامه مقامه في فعل ما نواه من الطاعة. وعلى هذا يكون قوله: ((أوف بنذرك)) من مجاز الحذف أو من مجاز التشبيه، لكن ظاهر الحديث خلافه. فإن دل أقوى من هذا الظاهر على أنه لا يصح اعتكاف الكافر احتيج إلى هذا التأويل وإلاّ فلا. وأجابوا أيضاً: إنه يحمل الأمر على الاستحباب، لكن ظاهر [ ٢٢٣ / ١] الأمر الوجوب،/ كيف ونص الشافعي على كراهة الابتداء بالنذر، لصحة النهي عنه، مع وجوب الوفاء به قطعاً، ولا يصح بالنية. ومسلم (٩٧٥/٢)، والترمذي (٣٢٦)، وابن ماجه (١٤١٠)، والحميدي = (٧٥٠)، وأحمد (٧/٣، ٤٥، ٧٨، ٥٣، ٩٣). ومن رواية أبي هريرة عند البخاري (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧)، وابن: ماجه (١٤٠٩)، والحميدي (٩٤٣)، وأبو داود (٢٠٣٣) في المناسك، باب: إتيان المدينة، والنسائي (٣٧/٢)، وعبد الرزاق (٩١٥٨)، وأحمد .(٢٣٤/٢، ٢٣٨). (١) زيادة من ن ب د. ٤٤٤ وحدها، بل لا بد فيه من القول معها، وبهذا يرد على قول ابن العربي في قبسه(١): لما كان عمر(٢)، نذره في الجاهلية فأسلم أراد أن يكفر ذلك بمثله في الإِسلام، فلما [أراده](٣) ونواه سأل النبي ◌َ﴾(٤)، فاعلمه أنه لزمه، قال: وكل عبادة أو عمل ينفرد به العبد عن غيره(٥) بمجرد النية [العازمة] (٦) الدائمة كالنذر في العبادات، والطلاق في الأحكام وإن لم يتلفظ بشيء من ذلك. هذا لفظه، وليس بظاهر [أيضاً](٧) بل الظاهر من كلام عمر - رضي الله عنه - مجرد الإِخبار بما وقع في الجاهلية مع الاستخبار عن لزومه [وعدم لزومه](٨) وليس فيه ما يدل على نية في الإسلام ولا إرادة تنزلنا أنه نواه. فجواب: ما سلف وقد قال ابن بشير من المالكية: لم يختلف أن العبادات لا تلزم إلاَّ بالقول أو بالنية والدخول فيها وهو الشروع. قلت: وتأول بعضهم قوله: «في الجاهلية» أي ونحن بمكة قبل فتحها، وأهلها جاهلية فلا يكون ناذراً في الكفر وهو بعيد أيضاً. (١) القبس (٢/ ٥٣٠). (٢) في القبس رضي الله عنه. (٣) ليست موجودة في القبس. (٤) في القبس زيادة (عنه). (٥) في المرجع السابق زيادة (يلزمه). (٦) في المرجع السابق (العارضة). (٧) زيادة من ن ب د. (٨) زيادة من ن ب د. ٤٤٥ سابعها: فيه أيضاً عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف، كما قررناه في الحديث الأول مع الجواب عن رواية نذر اعتكاف اليوم، والمشترط للصوم أوَّل قوله: ليلة بيوم، فإن الليلة تغلب في لسان العرب، على اليوم يقولون: صمنا خمساً. والخمس تنطلق على الليالي، ولو انطلق على الأيام لقيل: خمسة. فأطلقت الليالي وأراد الأيام، أو يقال: المراد ليلة بيومها. ثامنها: فيه أيضاً سؤال العلماء عما يجهل من العلم. تاسعها: فيه أيضاً سؤالهم عما كان من السائل في حال كفره. عاشرها: فيه وجوب البيان على من سئل عن علم وعدم کتمانه . خاتمة: روى أبو داود(١) أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: (١) أبو داود (٢٣٦٦) في الصيام، باب: الاعتكاف، وضعفه المنذري لأن في إسناده عبد الله بن بديل، وساق كلام ابن عدي، والدارقطني في السنن (٢٠٠/٢). وقال ابن حجر في الفتح (٢٧٤/٤): وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر صريحاً لكن في إسنادها ضعيف وقد أخرجها أبو داود والنسائي، من طريق عبد الله بن بديل وهو ضعيف، وقد ذكر ابن عدي والدارقطني أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار، ورواية من روی يوماً شاذة، وقد وقع في رواية سليمان بن بلال الآتية بعد أبواب - ٢٠٤٣ - ((فاعتكف ليلة)) فدل على أنه لم يزد على نذره شيئاً وأن الاعتكاف لا صوم فيه وأنه لا يشترط له حد معين اهـ. وضعفه أيضاً الغساني في تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني (٢١٥)، والبيهقي في المعرفة (٣٩٤/٦)، والدارقطني في العلل = ٤٤٦ لعمر: ((اعتكف وصم)) لكن تفرد بها عبد الله بن بديل، كما قاله ابن عدي والدارقطني وضعفاه، ووهم ابن حزم، فادعى جهالته، وهو غريب، فهو معروف العين والحال. وقد أخرج له البخاري تعليقاً، ووثقه ابن معين وابن شاهين وابن حبان، ثم وهم أخرى أفظع من هذه، فقال: لا يعرف هذا الخبر من مسند عمرو بن دينار [أصلاً وما يعرف لعمرو بن دينار](١) عن ابن عمر حديثاً مسنداً، إلاَّ ثلاثة ليس هذا منها. قال: فسقط الخبر لبطلان سنده. قلت: لعمرو بن دينار في الصحيح عن ابن عمر نحو عشرة أحاديث، فما هذا الكلام؟! ٠ (٢٦/٢). = وقال العلامة أحمد شاكر - رحمنا الله وإياه - في تعليقه على تهذيب السنن (٣٥٠/٣). ليس عبد الله بن بديل من الضعف بالمنزلة التي يصورها كلام المنذري، ففي التهذيب (١٥٥/٥): قال ابن معين: صالح. وقال ابن عدي: له ما ينكر عليه الزيادة في متن أو إسناده. وذكره ابن حبان في الثقات (٢١/٧). قلت: وابن شاهين في تاريخ أسماء الثقات برقم (٦٤٧)، ولم يذكره البخاري ولا النسائي في الضعفاء، فهذا أقل حاله أن يكون حديثاً حسناً، وتقبل زيادته. اهـ. (١) زيادة من ن ب د. ٤٤٧ الحديث الرابع ٣٩/٤/٢١٠ - عن صفية - رضي الله عنها - قالت: ((كان. [٢٢٣ / ب] / النبي # معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني - وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد -، فمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله ول# أسرعا، فقال: النبي ◌َّل: ((على رسلكما، إنها صفية بنت حيي))، فقالا: سبحان الله! يا رسول الله! فقال: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرّاً - أو قال شيئاً -))(١). وفي رواية: أنها جاءت تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي وَلقر معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة .. ثم ذكره بمعناه. (١) البخاري أطرافه في الفتح (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥)، وأبو داود. (٢٤٧٠) في الصيام، باب: المعتكف يدخل البيت لحاجته، وفي (٤٩٩٤) في الأدب، باب: في حسن الظن، وابن ماجه (١٧٧٩)، والدارمي (٢٧/٢)، وابن خزيمة (٢٢٣٣، ٢٢٣٤)، والبغوي (٤٢٠٨)، والبيهقي (٣٢١/٤، ٣٢٤)، وأحمد (٣٣٧/٦)، وعبد الرزاق (٨٠٦٥). ٤٤٨ الكلام عليه من وجوه : أحدها: صفية هي أم المؤمنين أم يحيى بنت حيي - بضم الحاء - وحُكِيَ كسرها ابن أخطب بن سعية - بفتح السين وإسكان العين المهملتين ثم مثناة تحت ثم هاء - وصحَّفه الصعبي في رجال هذا الكتاب فقال: سفينة: كذا رأيته بخطه، وتبعه الفاكهي في شرحه، فإنه قرأه على مصنفه، وهي من بني إسرائيل من بنات هارون بن عمران أخي موسى - عليهما الصلاة والسلام -، وهما من سبط لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن. التعريف بأم المؤمنين صفية - رضي الله عنها - وأمها برة بنت سموأل، وهي أخت رفاعة بن سموال. سباها رسول الله ◌َ# عام خيبر في شهر رمضان سنة سبع من الهجرة، ثم أعتقها وتزوجها، ولم تبلغ خمس عشرة، وجعل عتقها صداقها، وذلك من خصائصه . قال أبو عمر: عند أكثر الفقهاء. قال أبو عبيدة: وتزوجها في شوال أي بنى بها، وكانت قبله عند سلام بتخفيف اللام، كما ضبطه الشيخ تقي الدين - ابن مِشْكم شاعر ففارقها، فتزوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق، وهو شاعر فقتل يوم خيبر. قال الجاحظ: في كتاب ((الموالي)) ولدَ صفية بنت حيي مائة نبي ومائة ملك، ثم صيرها الله - تعالى - أمة لنبيه اَلند. قال ابن عبد البر: وكانت فاضلة عاقلة حليمة، روت عن ٤٤٩ النبي وَلقة عشرة أحاديث، اتفقا منها على هذا الحديث، ولم يذكر الحميدي في جمعه لها غيره، روى عنها ابن أخيها وجماعة. ورأى [٢٢٤ / أ] النبي ◌َّلله بوجهها أثر خضرة قريباً من عنقها، / فسألها، فقالت: رأيت في المنام قمراً أقبل من يثرب حتى وقع في حجري. فذكرت ذلك لزوجي كنانة. فقال: أتحبين أن تكوني تحت هذا الملك الذي يأتي من المدينة. وضرب وجهي هذه الضربة، وفي رواية قالت صفية لأهلها: رأيت كأني وهذا الذي يزعم أن الله أرسله وملك يسترنا بجناحه. فردوا عليها رؤياها، وقالوا لها في ذلك قولاً شديداً، وقد أوضحت ترجمتها في رجال هذا الكتاب أكثر من هذا، وذكرت فيه خمسة أقوال في وفاتها. أحدها: سنة خمسين في خلافة معاوية في رمضان. وفاتها ثانيها : سنة ست وثلاثين في خلافة علي، وضعفه النووي. ثالثها : سنة اثنين وخمسين. رابعها : سنة عشرين. خامسها: سنة إحدى وعشرين ودفنت بالبقيع - رضي الله عنها - . الثاني: الرجلان المبهمان في هذا الحديث لم أر من تعرض لبياتهما إلَّ ابن العطار في شرحه، فإنه قال: قيل إنهما أسيد بن حضير، وعباد بن بشر صاحبا المصباحين. الثالث: قولها: ((ليقلبني)) هو بفتح أوله أي يصرفني إلى منزلي، يقال: قلبه يقلبه، وانقلب إذا انصرف ، قال - تعالى - : معنى: (ليقلبني) ٤٥٠ ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (®)﴾(١) وكان أبو هريرة يقول لمعلم الصبيان: اقلبهم أي اصرفهم إلى منازلهم. الرابع: قوله: ((على رسلكما)) هو بفتح الراء وكسرها، فقيل معنى: «على رسلكما» هما بمعنى من التؤدة وترك العجلة أي اثبتا ولا تعجلا. وقيل: بالكسر التؤدة، وبالفتح اللين والرفق والمعنى متقارب، وجزم الفاكهي بالكسر أي على هيئتكما حتى أخبركما ومنه الحديث(٢): ((إلَّ من أعطى في نجدتها ورسلها)). قال الجوهري(٣): يريد الشدة والرخاء. والرِسّلُ أيضاً: اللبن. وأما الرَسَل - بفتح الراء والسين - فالقطيع من الإِبل والغنم. الخامس: [وقولهما] (٤): ((سبحان الله!» هو تنزيه الله ومعناه هنا استعظام الأمر وتهویله. السادس: قوله - عليه الصلاة والسلام - : «يجري من ابن آدم معنى: ابچري من ابن آدم؟ مجرى الدم»، فيه قولان: أحدها: أنه على ظاهره، وأن الله - تعالى - جعل له قوة وقدرة في الجري في باطن الإنسان مجاري دمه . والثاني: [أنه على الاستعارة لكثرة أعوانه ووسوسته، فكأنه لا یفارق الإنسان کما لا يفارقه دمه. (١) سورة العنكبوت: آية ٢١. (٢) سنن النسائي (١٢/٥)، وانظر: لسان العرب (٢١٢/٥)، مادة: رسل. (٣) مختار الصحاح (١٠٧). (٤) في الأصل (قوله ((*)، والتصحيح من ن ب د. ٤٥١ السابع](١): أم سلمة - رضي الله عنها -: تقدم الكلام على ترجمتها في باب الجنابة مستوفى فراجعه منه. وأسامة بن زيد يأتي التعريف به في باب دخول مكة. الثامن: في الحديث دلالة على أحكام يحضرنا منها اثني عشر حكماً: ما يؤخذ من الحديث من الأحكام أحدها: جواز خروج المرأة ليلاً. ثانيها: جواز زيارتها المعتكف. ثالثها : جواز التحدث / معه. [٢٢٤ / ب ] جواز خروج المعتكف في الأمور المباحة رابعها: جواز اشتغال المعتكف بالأمر يعرض له، سواء كان مندوباً أو مباحاً، وعند المالكية حكاية قولين فيما إذا قل الاشتغال بالعبادة وصلاة الجنازة وأداء الشهادة والحكم، فإن كثر فلا يفعله بالاتفاق، کما نقله الباجي منهم. خامسها: تأنيس الزائر بالمشي معه، ويتأكد ذلك في المضيف عند خروجه لا سيما إذا دعت الحاجة إلى ذلك کالليل. سادسها: جواز خروج المعتكف من المسجد فيما لا [غاية به](٢)، كذا استدل به بعضهم، وهو عجيب. فالرواية الثانية تثبت جواز خروج المعتكف فيما فيه غاية (١) في ن ب ساقطة. (٢) في المخطوط الكلمة (عتابه). قال ابن حجر في الفتح (٤/ ٢٨٠): واستدل به لأبي يوسف ومحمد في جواز تمادي المعتكف إذا خرج من مكان اعتكافه لحاجته وأقام زمناً يسيراً زائداً عن الحاجة ما لم يستغرق أكثر اليوم. ودلالة فيه، لأنه لم يثبت أن منزل صفية كان بينه وبين = ٤٥٢ الغاية في مشيه معها إلى باب المسجد فقط، وإن كان الخروج من المسجد للمعتكف للحاجة الشرعية جائز قطعاً. قال الفاكهي: فعلى هذا يكون مرور الرجلين في المسجد دون الطريق . قلت: لا يلزم ذلك. وقد ترجم البخاري على هذا الحديث بما قلناه فقال: ((باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد))(١) ثم ذكره . سابعها: التحرز مما يقع في الوهم من نسبة الإِنسان إليه مما لا ينبغي، وأن لا يؤثم الناس بسببه فإنه - عليه الصلاة والسلام - أكرم الخلق على الله، ومع هذا خشي على الرجلين وسوسة الشيطان، يقذف شيئاً في قلوبهما، فيكون مؤدياً إلى الكفر أو هو کفر . وقد نقل الشيخ تقي الدين(٢): عن بعض العلماء أنه لو وقع ببالهما شيء لكفرا، ولكن أراد تعليم أمته، وهو كما قال إذا اعتقداه أو ظناه. قال - تعالى -: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣)﴾ وإلاّ لمجرد خطوره بالبال من غير استقرار، ففيه وقفة، لأنه أمر غير مقدور على دفعه، اللهم إلاَّ أن يخص ذلك بهذا الجناب الشريف . المسجد فاصل زائد، وقد حد بعضهم اليسير بنصف يوم وليس في الخبر = ما يدل عليه. اهـ. (١) البخاري في الفتح (٢٧٨/٤). (٢) إحكام الأحكام (٤٥٢/٣) بزيادة. ٤٥٣ ٠ وما نقله الشيخ تقي الدين عن بعض العلماء أراد به الشافعي. - رضي الله عنه - فإن سفيان بن عيينة. قال للشافعي: ما فقه هذا الحديث؟ فقال: إن كان القوم اتهموا رسول الله وَ* كانوا بتهمتهم إياه كفاراً، لكن النبي ◌َ التر أدب من بعده من أمته فقال: إذا كنتم هكذا، فافعلوا هكذا لئلا يظن بكم ظن السوء. فقال سفيان بن عيينة: جزاك الله خيراً ما يجيئنا منك إلاَّ ما نحب. هذا كلامه(١). قال الشيخ تقي الدين: وهذ متأكد في حق العلماء. ومن يُقْتَدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلاً يوجب ظن السوء بهم، وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، وقد قال العلماء: ينبغي للحاكم أن يبين وجه الحكم للمحكوم عليه إذا خفي، وذلك من باب نفي التهمة بالنسبة إلى الجور في الحكم. قلت: أو من باب وجوب البيان وإزالة اللبس. [ ٢٢٥ / ١] ثامنها: / فيه أيضاً دلالة على هجوم خواطر الشيطان على النفس، وما كان من ذلك غير مقدور على دفعه، لا يؤاخذ به لقوله - تعالى -: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾(٢)، وقوله - عليه الصلاة والسلام - في الوسوسة التي يتعاظم الإنسان أن يتكلم بها: (١) انظر: مناقب الشافعي للبيهقي (٣٠٩/١، ٣١٠)، وأدب الشافعي لابن أبي حاتم (٦٨، ٧٠)، وحلية الأولياء (٩٢/٩)، وتوالي التأسيس لابن حجر (٧٥). (٢) سورة البقرة: آية ٢٨٦. ٤٥٤ ((ذلك محض الإِيمان))(١)، وقد فسروه بأن التعاظم لذلك محض الإِيمان لا نفس الوسوسة . قال الشيخ تقي الدين: وكيف ما كان ففيه دلالة على أن تلك الوسوسة لا يؤاخذ بها، نعم. في الفرق بين الوسوسة التي لا يؤاخذ بها، وبين ما يقع شكّاً إشكال(٢) انتهى. (١) إشارة إلى ما أخرجه مسلم وأبو داود من حديث أبي هريرة: ((إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذلك صريح الإيمان)). وفي رواية: ((الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة)). ومثله من رواية ابن مسعود عند مسلم، وفيه: ((ذلك محض الإيمان». (٢) قال الصنعاني - رحمنا الله وإياه - في حاشية إحكام الأحكام (٣/ ٤٥٤) قوله: ((نعم في الفرق بين الوسوسة التي لا يؤاخذ بها وبين ما يقع شكّاً: إشكال». لعله يقال الوسوسة مبادىء الشك، فإن دفعها العبد بما أرشده إليه ◌َ﴿ في دفعها اندفعت وعذر عنها، فأخرج أبو داود وابن السني وابن المنذر عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله و #9 يقول ((يوشك الناس أن يتساءلوا بينهم حتى يقول قائلهم: هذا الخلق خلق الله، فمن خلق الله؟ فإذا قالوا ذلك، فقولوا: «الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد»، ثم ليتفل عن يساره ثلاثاً وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم)، وأخرج أبو بكر ابن أبي داود في كتابه ذم الوسوسة عن معاوية بن أبي طلحة قال: كان من دعاء النبي ◌َّر: ((اللهم اغمر قلبي من وساوس ذكرك، واطرد عني وساوس الشيطان)) وإن ترك الاستعاذة وما ذكر من التلاوة، صار ذلك شكّاً وعوقب عليه، وبالجملة الوساوس تطرق القلب، فإن استرسل العبد معها قادته إلى الشك، وإن قطعها بالذكر والاستعاذة ذهبت عنه. اهـ. ٤٥٥ انتهى الجزء الخامس ويليه : الجزء السادس وأوله كتاب الحج ويتبعه بقية الأجزاء ٤٥٨ ((ذلك محض الإيمان))(١)، وقد فسروه بأن التعاظم لذلك محض الإِيمان لا نفس الوسوسة. قال الشيخ تقي الدين: وكيف ما كان ففيه دلالة على أن تلك الوسوسة لا يؤاخذ بها، نعم. في الفرق بين الوسوسة التي لا يؤاخذ بها، وبین ما یقع شكّاً إشكال(٢) انتھی. (١) إشارة إلى ما أخرجه مسلم وأبو داود من حديث أبي هريرة: ((إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذلك صريح الإيمان)). وفي رواية: ((الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة)). ومثله من رواية ابن مسعود عند مسلم، وفيه: «ذلك محض الإيمان)) . (٢) قال الصنعاني - رحمنا الله وإياه - في حاشية إحكام الأحكام (٤٥٤/٣) قوله: ((نعم في الفرق بين الوسوسة التي لا يؤاخذ بها وبين ما يقع شكّاً: إشكال)». لعله يقال الوسوسة مبادىء الشك، فإن دفعها العبد بما أرشده إليه * في دفعها اندفعت وعذر عنها، فأخرج أبو داود وابن السني وابن المنذر عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله * يقول ((يوشك الناس أن يتساءلوا بينهم حتى يقول قائلهم: هذا الخلق خلق الله، فمن خلق الله؟ فإذا قالوا ذلك، فقولوا: ((الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد»، ثم ليتفل عن يساره ثلاثاً وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم»، وأخرج أبو بكر ابن أبي داود في كتابه ذم الوسوسة عن معاوية بن أبي طلحة قال: كان من دعاء النبي وَلير: ((اللهم اغمر قلبي من وساوس ذكرك، واطرد عني وساوس الشيطان)) وإن ترك الاستعاذة وما ذكر من التلاوة، صار ذلك شكّاً وعوقب عليه، وبالجملة الوساوس تطرق القلب، فإن استرسل العبد معها قادته إلى الشك، وإن قطعها بالذكر والاستعاذة ذهبت عنه. اهـ. ٤٥٥ وقد أخطأ من جعل الوسوسة نفسها دليلاً على خير الإنسان والعناية به، وإنما الخير والعناية يقع بدفعها. تاسعها: فيه أيضاً كمال شفقته بأمته - عليه الصلاة والسلام - من حيث إنه لما خشي عليهما شر الشيطان بادر إلى دفعه عنهما باليقين وقد وصفه الله - تعالى - في كتابه بكونه رحيما فقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ (١)، وقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ زَّحِيمٌ . ١٢٨ عاشرها: فيه جواز التعجب: بسبحان الله! والتعجب بها [يقع] (٢) على أوجه: أحدها: لتعظيم الأمر وتهويله كما سلف. ثانيها: للحياء من ذكره. ثالثها: كون المحل ليس قابلاً للأمر، ومن تتبع الأحاديث النبوية وجد ذلك. الحادي عشر: فيه أيضاً الأمر بالتؤدة وترك العجلة في الأمور إذا لم تدع إليه الضرورة . الثاني عشر: فيه أيضاً جواز خطاب الرجال الأجانب إذا كان مع المخاطب زوجة أو أحدٌ من محارمه خصوصاً إذا دعت إلى المخاطب حاجة شرعية من بيان حكم أو دفع شر ونحوهما. وإن كان ذلك لا يكون نقصاً للمروءة، ومن أحكامه أيضاً: الاستعداد للتحفظ من الشيطان ومکائده، فإنه یتمکن منه کما وصفه الشارع، (١) سورة الأحزاب: آية ٤٣. (٢) زيادة من ن ب. ٤٥٦ ومن كانت هذه حاله، فليس له خلاص منه إلاّ بالالتجاء إلى المعبود حمانا الله منه بمنه وكرمه(١). (١) في ن ب وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل في اليوم المبارك يوم الخميس الثالث عشر شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين ومائة وألف العبد الفقير إلى الله - تعالى -. ولمن رأى عيباً فسده وجميع المسلمين. وفي ن ب آخره: نجز الجزء الثاني من شرح العمدة لشيخنا الإِمام العالم العلامة سراج الدين عمر بن الشيخ الإمام العالم العلامة أبي الحسن علي الأنصاري الشافعي متعنا الله ببقائه على يد كاتبه ومالكه إبراهيم بن محمد بن علي الشهير بإمام الكاملية غفر الله له ولوالديه ولمن قرأ فيه ودعا له بالمغفرة وجميع المسلمين آمين آمين آمين، ونقلتها من أصل المصنف الذي بخطه ختم الله له بالصالحات وجميع المسلمين يتلوه بالثالث كتاب الحج إن شاء الله أعاننا الله على إكماله بمحمد(*) وآله وصحبه وسلم وذلك بتاريخ مساء يوم الأحد سادس شعبان المكرم سنة تسعين وسبعمائة للهجرة النبوية، لعبد الله أفندي حجازي زاده. قالوا التحى قلت ذا منكم معارضه بظاهر اللفظ والمعنى يناقضه بل إنما الشهد لما حل في فم دبت له النمل فاسودت عوارضه وقد تم بحمد الله قراءة هذا الجزء والتعليق عليه عند أذان مغرب يوم الخميس ١٤١٤/١٠/١٢ هـ، غفر الله لي ولوالدي ولمؤلفه وناسخه ولمن اطلع عليه ودعا بالمغفرة لنا وله ولجميع المسلمين. (*) هذا توسل بدعي عفى الله عنا وعنهم فلینبه له. ٤٥٧ انتهى الجزء الخامس ویلیه الجزء السادس وأوله كتاب الحج ويتبعه بقية الأجزاء ٤٥٨ فهرس الجزء الخامس الموضوع الصفحة كتاب الزكاة ٣٣ - باب الزكاة تعریف الزكاة لغة، وسبب تسميتها بذلك ٧ تعریف الزكاة شرعاً، وحکمتها ١٠ ١٠ الأموال الزكوية ١٠ مقدار النصاب ١١ الحديث الأول: حديث عبد الله بن عباس، وقول رسول الله رَ﴿ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن .. ١٢ عدم ذكر الصوم والحج في حديث معاذ . ١٢ فائدة قوله: ((وستأتي قوماً أهل کتاب) ١٤ البدء في الدعوة بالتوحيد ١٥ ما يكون به مسلماً ١٥ لا يكفي التلفظ بشهادة أن لا إله إلاّ الله ١٦ ٤٥٩ وجوب الزكاة في العروض خلافاً لداود الموضوع الصفحة اليهود ليسوا عارفين بالله ١٧ ١٩ هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ حكم الوتر ٢٠ نقل الزكاة عن بلد المال ٢١ ٢٢ مكان مصرف صدقة الفطر ٢٢ نقل الكفارة والنذر والوصية ٢٣ إرسال معاذ بالصدقة إلى عمر من اليمن ٢٥ إعطاء الزكاة لصنف واحد ٢٦ الإِمام أو نائبه يتولى قبض الزكاة تؤخذ من صاحب الزكاة قهراً إذا منعها ٢٦ إعراب ((إياك)) تعريف: ((الكريمة» الحكمة في منع الساعي من أخذ الكرائم الدعوة قبل القتال ٢٩ ٢٩ بعث السعاة ٢٩ وصية الإِمام لنوابه ٢٩ وجوب اجتناب الظلم ٣٠ الدعاء على الظالم ٣٠ قبول خبر الواحد الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري، ٣٢ وقوله : «لیس فیما دون خمس ذود صدقة. ٣٢ تعریف الأوقية ومقدارها ٤٦٠ ٢٦ ٢٧ ٢٧