Indexed OCR Text

Pages 341-360

على الرفق بالمكلف فقط، لا على / الكراهة الشرعية. ثم الاستدلال [٨/١٧٨ب]
على الكراهة بالرد المذكور، عليه سؤال، وهو أن يقال: إن الرد
لمجموع الأمرين وهو صيام النهار، وقيام الليل، فلا يلزم ترتبه على
أحدهما. نبه عليه / الشيخ تقي الدين (١).
الخامس عشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((وذلك مثل معنى قوله
صيام الدهر)) قيل: إنه مؤول عندهم على أنه مثل أصل صيام الدهر
*: هوذلك
مثل صيام
الدهر
من غير تضعيف [(٢)] فإن [(٣)] التضعيف مرتب على الفعل الحسي
الواقع [في] (٤) الخارج، والحامل على هذا التأويل أن القواعد
تقتضي أن المقدر لا يكون كالمحقق، وأن الأجور تتفاوت [(٥)]
[بتفاوت](٦) المصالح، أو المشقة في [الفعل] (٧) فكيف يستوي من
(١) انظر: إحكام الأحكام (٤٠٤/٣).
(٢) في إحكام الأحكام (٤٠٩/٣) زيادة (للحسنات)، وقال الصنعاني فيه:
قوله ((من غير تضعيف للحسنات))، لأنه لو اعتبر التضعيف لكان صوم
الستة بثلاثة الآف حسنة وستمائة حسنة لأن الحسنة بعشر أمثالها، وعلى
تقدير تحريم صومه لا حسنة لصائم أصلاً، والأقرب عندي أنه وُّلو لم يرد
التشبيه. الآيتان بقدر عدد الحسنات الحاصلة لمن صام الثلاثة البيض
أو رمضان؟ وستّاً من شوال بأنه يحصل له من الحسنات هذا العدد، ولا
دليل فيه على صوم الدهر ولا نفيه. فتأمل. اهـ.
(٣) في المرجع السابق زيادة (ذلك).
(٤) في الأصل (على)، وما أثبت من ن ب د.
(٥) زيادة في ن ب د وإحكام الأحكام (بحسب).
(٦)
في ن ب د (تفاوت).
(٧) في المرجع السابق (العمل).
٣٤١

فعل الشيء بمن قُدر فعله له، فلأجل ذلك قيل: إن المراد أصل
الفعل في التقدير، لا الفعل المرتب عليه التضعيف في التحقيق،
وهذا البحث يأتي في مواضع، ولا يختص بهذا [الفعل] (١)، ومن هنا
يمكن أن يجاب عن الاستدلال بهذا اللفظ، وشبهه على جواز صوم
الدهر(٢)، من حيث إنه ذكر الترغيب في فعل هذا الصوم، ووجه.
الترغيب أنه مثَّل بصوم الدهر، ولا يجوز أن تكون جهة الترغيب عن
جهة [النهي] (٣).
قال الشيخ تقي الدين(٤): وسبيل الجواب أن [النهي](٥) - عند
من قال به - متعلق بالفعل الحقيقي [وجهة] (٦) الترغيب هنا حصول
الثواب على الوجه التقديري، فاختلفت جهة الترغيب وجهة:
(١) في المرجع السابق (الموضع).
(٢) قال الصنعاني في الحاشية (٤١٠/٣): قوله: ((على جواز صوم الدهر»،
بل على أفضليته، ووجه الدلالة أنه لما قال (﴾ (فكأنما صام الدهر» دل ..
على أن صوم الدهر أفضل مما شبه به، وأنه أمر مطلوب.
قال الحافظ في الفتح (٢٢٣/٤): وتعقب بأن التشبيه في الأمر المقدر
لا يقتضي جوازه فضلاً عن استحيابه، وإنما المراد حصول الثواب على
تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوماً، ومن المعلوم أن المكلف
لا يجوز له صيام جميع السنة فلا يدل التشبيه على أفضلية المشبه من كل
وجه. اهـ.
(٣) في المرجع السابق (الذم).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (٤١١/٣).
(٥) في المرجع السابق (الذم).
(٦). في المرجع السابق (ووجه).
٣٤٢

[النهي](١). وإن كان هذا الاستنباط الذي ذُكر لا بأس به، ولكن
[الدليل الدال](٢) على كراهة صوم الدهر أقوى منه دلالة، والعمل
[بالأقوى](٣) واجب، والذين أجازوا صومه حملوا النهي على [من
عجز عنه أو اقترن به](٤) لزوم تعطيل مصالح راجحة [عليه](٥)
أو متعلقة بحق الغیر کالزوجة مثلاً.
السادس عشر: يؤخذ من الحديث أن الشخص لا يعمل إلاَّ ما لا يعمل إلاّ
ما يستطيع
المداومة عليه
یستطیع الدوام عليه، ويراعي في ذلك حق الله - تعالى - وحق نفسه
وحق غيره، ويؤخذ منه أيضاً بذل الوسع في الاجتهاد في العبادات
على حسب الطاقة، وأداء غيرها من الحقوق ومراعاة تحصيل
الحسنات .
السابع عشر: يؤخذ منه استدراج الشيخ المربي أتباعه في استدراج
العربي أتباعه
في العبادات
عبادات الصوم والصلاة وغيرها من الأخف إلى الأثقل، ولتتمرن /
نفوسهم عليها، من غير كراهة ولا ملل يؤدي إلى الترك بالكلية،
وهذه سنَّة الله - عز وجل - في وحيه ورسوله وَله.
الثامن عشر: يؤخذ منه مراعاته للأنبياء - عليه وعليهم أفضل
الصلاة والسلام - في الاتباع حيث ذكرهم الله - تعالى - في كتابه
مراعاته
للأنبياء
(١) في المرجع السابق (الذم).
(٢) في المرجع السابق (الدلائل الدالة).
(٣) في المرجع السابق (بأقوى الدليلين).
(٤) في المرجع السابق (ذي عجز أو مشقة، أو ما يقرب من ذلك من).
(٥) في المرجع السابق (على الصوم).
٣٤٣

وأمره بالاقتداء بهم في قوله: ﴿فبهداهم اقتده﴾(١) الذين من
[١/١/١٧٩] جملتهم / في الذكر داود ◌َّ* وفي رواية مسلم: ((فصم صوم داود
نبي الله، فإنه كان أعبد الناس)) وفي رواية له ((كان يصوم يوماً ويفطر
يوماً، ولا يفر إذا لاقى)).
کرم الله تعالى
في تضعيف
الحسنات
التاسع عشر: فيهبيان كرم الله تعالى في تضعيف الحسنة بعشر
أمثالها. وأما السيئات فلا تضاعف، بل جزاء السيئة مثلها إن لم
يقترن بفعلها انتهاك حرمة شخص أو مكان / أو زمان، فإن اقترن
بفعلها شيء من ذلك كانت مضاعفة: كالمعاصي من أقارب الأولياء
والعلماء أو فيهم وفي الأشهر الحرم وفي الأزمنة الفاضلة والمواضع
الشريفة وبجوار الأولياء والصالحين.
العشرون: فيه الشفقة على الأتباع والتخفيف عنهم، وأمرهم
بإعطاء النفس حقها من الراحة، وغيرها من الأكل والنوم خصوصاً إذا
نوى بذلك امتثال الأمر، فإن جميعه يكون طاعة وعبادة من الآمر
والمأمور.
الشفقة على
الأنبــاع
(١) سورة الأنعام: آية ٩٠.
٣٤٤

الحديث الثاني
٣٧/٢/١٩٨ - وعنه أيضاً قال: قال رسول الله وَل: ((إن
أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود،
كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوماً،
ويفطر يوماً) (١).
الكلام علیه من وجوه :
أولها: معنى أحب إلى الله أكثره ثواباً، وأعظمه أجراً وتقديره
بما ذكر(٢).
(١) البخاري (١١٣١)، وأطرافه في الفتح (١٦/٣)، ومسلم (١١٥٩)،
وأبو داود (٢٤٤٨) في الصوم، باب: في صوم يوم وفطر يوم، وابن ماجه
(١٧١٢)، والنسائي (١٩٨/٤)، وله في الكبرى (١١٨/٢)، والبيهقي في
مشكل الآثار (١٠٠/٢)، وفي شرح المعاني (٣٤٢/١)، والدارمي
(٢٠/٢)، وأحمد في المسند (١٦٠/٢)، وانظر أيضاً: تحقيق أحمد
شاكر، حيث أحال على جميع مواضعه في المسند (٦٤٧٧) (١٨٨/٩).
(٢) الحب صفة لله سبحانه فهو يحب الطاعات وأهلها ((إن الله يحب
الصابرين»، وأيضاً يحب المتقين، وما أشبه ذلك. فهي صفة يجب إثباتها
الله - عز وجل - على ما يليق بجلاله من غير تحريف ولا تأويل ولا تشبيه =
٣٤٥

ثانيها: تقدم الكلام على الصوم في الحديث قبله واضحاً
فأغنى عن إعادته.
قيام كل الليل
ثالثها: تقدم الكلام على قيام كل الليل أيضاً فيه، وأما قيام.
بعضه فسنَّة ثابتة، وأفضل قيامه في النصف الأخير، وأي وقت قام
منه كان آتياً بالسنَّة، وكان فاعله ممن يجافي جنبه عن المضاجع،
حتى ورد ذلك في حق من قام بين المغرب والعشاء لكن القيام بين
المغرب والعشاء لا يسمى تهجداً، بل التهجد في عرف الشرع من قام
بين فعل العشاء ونومه وطلوع الفجر. ووسط الليل أفضل من الأول
والأخير، وإن كانت الصلاة آخر الليل مشهودة، لأن الغفلة فيه أكثر
وأفضل / من هذا السدس.
أفضـل
أوقات القيام
الرابع والخامس: كما كان داودٌ يفعله، ومن أطلق من
أصحابنا أن الثلث الأوسط أفضل، فمراده هذا الثلث ووجه كونه
أفضل ما في نومه من السدس الأخير من مصلحة الإِبقاء على النفس
واستقبال صلاة الصبح وأذكار النهار بنشاط، والذي تقدم في الصوم.
من المعارض وارد هنا من أن زيادة العمل تقتضي زيادة الفضيلة،
[٨/١٧٩ب] والكلام فيه كالكلام في الصوم من تفويض مقابلة / المصالح
والمفاسد إلى صاحب الشرع، ومن مصالح القيام على ما في هذا
الحديث أنه أقرب إلى عدم الرياء في العمل، فإن من نام السدس
الأخير فإن نفسه تكون مجموعة غير منهوكة القوى، لا يظهر عليها
أثر العمل عند من يراه، وقد قيل: إن عدم النوم في السحر يصفر
==
ولا تعطيل على ما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله وَله.
٣٤٦

الوجه، ومن يخالف هذا يجعل قوله - عليه الصلاة والسلام / -
مخصوصاً بحالة أو فاعلٍ.
واعلم أن بعض من تكلم [على](١) هذا [الحديث](٢) ادعى أن
قوله: ((وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه)). يحتمل
وجهين بناء على أن ((الواو)) لا ترتب أن ينام النصف الأول، ثم يقوم
السدس الرابع والخامس. ثم ينام الأخير، وأن يكون العكس، ثم
نقل الأول عن مذهب الفاروق، والثاني عن مذهب الصديق، ولا
نسلم له ذلك، والاحتمال الأول متعين، والثاني هفوة.
(١) زيادة من ن ب د.
(٢) في ن ب د (الكتاب).
٣٤٧

الحديث الثالث
٣٧/٣/١٩٩ - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:
أوصاني خليلي وَ و بثلاث: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي
الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام)» (١).
الكلام علیه من وجوه:
إعراب (صيام)
أحدها: قوله صيام هو مخفوض، وكذا ما بعده على البدل من:
ثلاث، ويجوز الرفع على إضمار المبتدأ، والأول أولى.
نوع الإضافة
ثانيها: قوله: ((أوصاني خليلي)) هو إضافة تشريف، وقد سلف
الكلام عليها في آخر كتاب الطهارة فراجعه .
ثالثها: فيه الحث على هذه الخصال الثلاث لقرينة الإِيصاء
الحث على
هذه الخصال
الثلاث
(١) البخاري (١١٧٨، ١٩٨١)، ومسلم (٧٢١)، والطيالسي (٢٣٩٢)،
والبيهقي (٣٦/٣، ٤٧) (٢٩٣/٤)، وابن خزيمة (١٢٢٢، ١٢٢٣)،
وأحمد (٤٥٩/٢)، والدارمي (١٨/٢)، والنسائي (٢٢٩/٣) (٢١٨/٤)،
ووقع فيها رواية شاذة، وهي في طريق الحسن البصري ((غسل الجمعة بدل
صلاة الضحى)). انظر: إرواء الغليل (١٠١/٤)، وأبو داود (١٤٣٢) في
الصلاة، باب: الوتر قبل النوم.
٣٤٨

بها، وفي البخاري: ((لا أدعهن))، ووصى - عليه الصلاة والسلام -
[بها](١) أيضاً أبا الدرداء، كما أخرجه مسلم (٢)، وأبا ذر، كما
أخرجه النسائي(٣)، وفي المحافظة عليها التمرين للنفس على النوافل
المعينة من الصوم والصلاة، لكي يدخل في الواجب [منها] (٤)
بانشراح واسترواح، ولينجبر بها ما يقع فيه من نقص. وفيه أيضاً
إذهاب السيئات، فإن الحسنات / يذهبن السيئات، وتضعيف
الحسنات كما نبه عليه في الحديث السابق. فكأن صومها يعدل صيام
[الدهر](٥)، ولعل الحكمة فيه تحصيل العلم بالفرق بين أن يصوم
الشهر تقديراً وتحقيقاً.
رابعها: اختلف في تعيين هذه الأيام الثلاثة، ففسره جماعة من تعيين هذه
الصحابة والتابعين بأيام البيض، منهم عمر بن الخطاب، وابن
الثلاثة الأيام
مسعود، وأبو ذر، وبه قال أصحاب الشافعي، كما حكاه عنهم
النووي في ((شرح مسلم))(٦).
لكن قال الروياني في ((البحر)»: وإن صام ثلاثة غير أيام البيض
فمستحب أيضاً، وهو كما قال.
واختار النخعي: آخر الشهر.
(١) في ن ب (بهذا).
(٣) النسائي (٢١٨/٤)، وأحمد (١٧٣/٥).
(٢)
مسلم (٧٢٢).
(٤) في ن ب د (منهما).
(٥) في ن ب د (الشهر).
(٦) شرح مسلم (٥٢/٨).
٣٤٩

واختار آخرون: ثلاثة أيام من أوله منهم الحسن،
و [اختارت] (١) عائشة وآخرون: صيام السبت والأحد والأثنين من
شهر، ثم الثلاثاء والأربعاء، والخميس من الشهر الذي بعده.
[ ١/١/١٨٠]
واختار آخرون: الاثنين والخميس وفي / حديث رفعه ابن:
عمر أول اثنين في الشهر وخميسان [بعده](٢)، وعن أم سلمة أول
خميس، والاثنان بعده ثم الاثنان.
وقيل: أول يوم من الشهر والعاشر/ والعشرون، وبه عمل
أبو داود، وروي أنه صيام مالك بن أنس.
وروي عنه: کراهة صوم أيام البيض.
وقال ابن شعبان: أول يوم من الشهر والحادي عشر والحادي
والعشرون.
خامسها: قوله ((وركعتي الضحى»(٣) فيه دلالة على استحبابها،
(١) في ن ب (واختار).
(٢) زيادة من ن ب د.
(٣) إنها تجزىء عن الصدقة، قال له: ((يصبح على كل سلامى من أحدكم
صدقة إلى أن قال: ويجزىء من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى)).
وأيضاً أنها من الغنائم الباردة وأن وقت فعلها غالباً ما يكون الناس في
غفلة عن العبادة ولذا فإن فاعلها ينتصر على نفسه وشيطانه ويفوز برضى
ربه. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: بعث رسول الله (8# سرية فغنموا
وأسرعوا الرجعة، فتحدث الناس بقرب مغزاهم، وكثرة غنيمتهم، وسرعة
رجعتهم، فقال رسول الله وآله: «ألا أدلكم على أقرب منهم مغزى وأكثر
غنيمة، وأوشك رجعة؟ من توضأ ثم غدا إلى المسجد لسبحة الضحى، =
٣٥٠

وهو إجماع، وإنما نقل التوقف فيها عن ابن مسعود(١)، وابن
عمر (٢)، وقد جاء في الحث عليها أحاديث كثيرة قد أفردها
فهو أقرب منهم مغزى وأكثر غنيمة وأوشك رجعة)). أخرجه أحمد
(١٧٥/٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٧/١).
إنها سبب لكفُّية الله لعبده، قالِ لّ فيما يرويه عن ربه: ((إن الله
-عز وجل - يقول: يا ابن آدم اكفني أول النهار بأربع ركعات اكفك بهن
آخر يومك)». أخرجه أحمد من رواية عقبة بن عامر (١٥٣/٤)، وصححه
الألباني في الترغيب (٢٧٨/١)، أن بصلاتها مع انتظار طلوع الشمس في
المسجد يدرك الإنسان فضل حجة وعمرة تامة تامة، كما وردت بذلك
الأحاديث.
(١) روى عبد الرزاق في مصنفه (٨٠/٣)، أن عبد الله بن مسعود كان لا يصلي
الضحى، فعن قيس بن عبد قال: ((اختلفت إلى ابن مسعود سنة فما رأيته
مصلياً صلاة الضحى)). وحكى الإمام في المجموع (٥٣١/٣)، عنه: أنه
كان يرى صلاة الضحى بدعة - وهذا يخالف ما رواه ابن أبي شيبة عنه،
أنه رأى قوماً يصلونها فأنكر عليهم، وقال: إن كان ولا بد ففي بيوتكم -
فهو بهذا أجازها، ولكن على صفة تخالف ما شاهده هو، وأنكر عليهم
بسببه. إما لكونهم يصلونها جماعة، أو غير ذلك. كما سيأتي في التعليق
بعده .
(٢) كان ابن عمر إذا سئل عن سبحة الضحى قال: لا آمر بها، ولا أنهي عنها،
ولقد أصيب عثمان وما أدري أحداً يصليها، وإنها لمن أحب ما أحدث
الناس إليَّ. أخرجه عبد الرزاق (٤٨٦٨/٨، ٤٨٦٩)، وصححه الحافظ
في الفتح (٥٢/٣).
وأخرج البخاري (١١٧٥) عن مورق العجلي، قال: قلت لابن عمر
- رضي الله عنهما -: أتصلي الضحى؟ قال: لا، قلت: فعمر؟ =
٣٥١

..-
بالتصنيف الحاكم أبو عبد الله الحافظ، وقد قيل: إنها الصلاة
الوسطى، كما ذكرته في الحديث الخامس من باب المواقيت، وروى
ابن أبي شيبة(١) في هذا الحديث: ((وأن أصلي الضحى فإنها صلاة.
الأوابين))، وقد [ذكرت] (٢) حديثين في تعيين ما يقرأ فيها من الشرح
الصغير لمنهاج النووي فراجعه منه(٣).
قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فالنبي؟ قال: لا أخاله.
=
قال ابن حجر في الفتح (٥٣/٣): وفي الجملة ليس في أحاديث ابن عمر
هذه ما يدفع مشروعية صلاة الضحى، لأن نفيه محمول على عدم رؤيته،
لا على عدم الوقوع في نفس الأمر، أو الذي نفاه صفة مخصوصة كما
سيأتي نحوه في الكلام على حديث عائشة، قال عياض وغيره: إنما أنكر
ابن عمر ملازمتها وإظهارها في المساجد وصلاتها جماعة، لا أنها مخالفة
للسنة.
(١) ابن أبي شيبة (٤٠٨/٢). وورد بلفظ آخر عنه: ((لا يحافظ على صلاة
الضحى إلَّ أواب. قال: وهي صلاة الأوابين)). أخرجه ابن خزيمة
(٢٢٨/٢)، والحاكم (٣١٤/١) في صحيحهما، ووافقه الذهبي وذكره
الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٣٩/٢)، وابن عدي في الكامل
(٣٢٠٥/٦)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣٦٦/١)، وحسنه المنذري
في الترغيب (٤٦٦/١)، والألباني في ابن خزيمة وفي صحيح الجامع
(٢١٧/٦)، وورد من رواية علي عند ابن أبي شيبة (٤٠٨/٢).
(٢) في ن ب (ذكر) . .
(٣) قال البيهقي في السنن الصغرى (٤٨٨/١): وفي حديث ابن لهيعة بإسناده
عن عقبة بن عامر قال: ((أمرنا رسول الله وطر أن نصلي ركعتي الضحى
بسورتيهما، بالشمس وضحاها، والضحى)». شعب الإيمان والدر المنثور
(٥٢٧/٦)، وفتح الباري (٥٥/٣)، ذكره وسكت عنه.
٣٥٢

وصح أنهما أعني ركعتي الضحى تجزىء عن الصدقات التي
تصبح في كل يوم على مفاصل ابن آدم، وهو ثلاثمائة مفصل وستون
كما أخرجه مسلم(١)، ولا شك أن عدد ركعات صلاة الضحى له
أكثر، وأقل وأوسط وأكثره ثمان، وقيل: اثني عشر ركعة(٢)، وبه
جزم في ((المنهاج)) تبعاً ((للمحرر))، وهذا الحديث بيان لأقلها، وهو
ركعتان والوسط ما بينهما، وله [درجات](٣) منها أربع.
ولا شك في سنية صلاة الضحى كما قررناه، وعدم مواظبته استحباب
- عليه الصلاة والسلام - لا يدل على عدم استحبابها، فإن
الاستحباب يقوم بدلالة القول، وليس من شرط الحكم أن تتضافر
عليه الأدلة، بل ما واظب / رَ # عليه تترجح مرتبته على هذا وعلى ما
لم يواظب عليه ظاهر.
صلاة
الضحى،
وعدد ركعاتها
نعم قال الماوردي من الشافعية(٤): أنه لما صلاها يوم الفتح
ثمان ركعات أنه آخر [مما](٥) روي عنه من فعلها، وأنه واظب على
(١) مسلم في صلاة المسافرين (٧٢٢)، وأبو داود في الصلاة، باب: صلاة
الضحى (٢٦/٢، ٢٧) (٣٦٢/٤)، وأحمد في المسند (١٦٧/٥،
١٦٨).
(٢) انظر: كتاب الصلاة والتهجد لابن الخراط (٢٤٨)، وتحفة المنهاج إلى
أدلة المنهاج لابن الملقن (٤١١/١)، والسنن الصغرى (٤٨٨/١)، وفتح
الباري (٥٤/٣).
(٣) زيادة من ن ب د.
(٤) الماوردي في الحاوي الكبير (٢٨٦/٢).
(٥) في ن ب د (ما).
٣٥٣

ذلك إلى أن مات، وفيما قاله نظر، لأن أبا داود(١) روى عن
(١) مسلم (٧١٩)، وأبو داود (١٢٤٢) في الصلاة، باب: صلاة الضحى،
والترمذي (٤٧٤)، وأخرج أيضاً الحديث (١٥٧٩، ٢٧٣٤)، وفي
الشمائل (١٥٦)، وابن ماجه (١٣٧٩) من رواية عبد الله بن الحارث.
انظر: فتح الباري (٥٦/٣).
وجمع ابن القيم ـ رحمنا الله وإياه - في زاد المعاد (٣٣٦/١) الأقوال في
صلاة الضحى فبلغت ستة:
الأول: مستبحة، واختلف في عددها، فقيل: أقلها ركعتان، وأُکثرها اثنتا
عشرة، وقيل أكثرها ثمان، وقيل كالأول، لكن لا تشرع سنًّا ولا عشرة،
وقيل كالثاني لكن لا تشرع سنًّا، وقيل ركعتان فقط، وقيل أربعاً فقط،
وقيل لا حد لأکثرها.
القول الثاني: لا تشرع إلاَّ لسبب، واحتجوا بأنه ﴾ لم يفعلها إلاَّ بسبب،
واتفق وقوعها وقت الضحى، وتعددت الأسباب: فحديث أم هانىء في
صلاته يوم الفتح كان بسبب الفتح، وأن سنَّ الفتح أن يصلي ثمان
ركعات، ونقله الطبري من فعل خالد بن الوليد، لما فتح الحيرة، وفي
حديث عبد الله بن أبي أوفى أنه وصل# صلَّى الضحى حين بشر برأس.
أبي جهل، وهذه صلاة شکر کصلاته يوم الفتح، وصلاته في بیت عتبان
إجابة لسؤاله أن يصلي في بيته مكاناً يتخذه مصلى، فاتفق أن جاءه وقت
الضحى، فاختصره الراوي فقال: ((صلَّى في بيته الضحى))، وكذلك
حديث بنحو قصة عتبان مختصراً. قال أنس: ((ما رأيته صلَّى الضحى إلاَّ
يومئذ)، وحديث عائشة: ((لم يكن يصلي الضحى إلاّ أن يجيء من
مغيبه))، لأنه كان ينهي عن الطروق ليلاً فيقدم أول النهار فيبدأ بالمسجد
فيصلي وقت الضحى.
القول الثالث: لا تستحب أصلاً، وصح عن عبد الرحمن بن عوف أنه لم
يصلها وكذلك ابن مسعود.
٣٥٤

عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي ◌َّه
صلى الضحى غير أم هانىء، فإنها أخبرت بها يوم فتح مكة، ولم يره
أحد صلاهن بعد .
سادسها: النوم على الوتر تقدم الكلام عليه في الحديث الثاني النوم على وقر
من باب الوتر، [وهل](١) يقدمه أو يؤخره؟ وقد صح من حديث جابر
الفرق بين من يثق من نفسه القيام آخر الليل فيؤخره وبين من لم يثق
فيقدمه، كما أخرجه مسلم في صحيحه، فعلى هذا تكون وصيته
- عليه الصلاة والسلام - هذه مخصوصة بمن حاله كحال
القول الرابع: يستحب فعلها تارة وتركها تارة بحيث لا يواظب عليها،
=
وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، والحجة فيه حديث أبي سعيد: ((كان
النبي ◌َل يصلي الضحى حتى لا نقول يدعها، ويدعها حتى نقول
لا يصليها)) أخرجه الحاكم، وعن عكرمة: ((كان ابن عباس يصليها عشراً
ويدعها عشراً))، وقال الثوري عن منصور: ((كانوا يكرهون أن يحافظوا
عليها كالمكتوبة))، وعن سعيد بن جبير: إني لأدعها وأنا أحبها مخافة أن
أراها حتماً عليَّ.
القول الخامس: تستحب صلاتها والمواظبة عليها في البيوت، أي للأمن
من الخشية المذكورة.
القول السادس: أنها بدعة صح ذلك من رواية عروة عن ابن عمر، وسئل
أنس عن صلاة الضحى فقال: ((الصلوات خمس)»، وعن أبي بكرة أنه
رأى أناساً يصلون الضحى فقال: (ما صلاها رسول الله وَ لهٍ ولا عامة
أصحابه».
انظر أيضاً: فتح الباري (٥٤/٣، ٥٥)، والفتح الرباني (١٩/٥، ٤٠).
(١) في ن ب (وهو).
٣٥٥

[١/١٨٠/ ب]
الوصية
بالمندوبات
أبي هريرة ومن وافقه.
سابعها: يؤخذ من الحديث / استحباب وصية العالم أصحابه
بالمندوبات وفعلها .
شرعية الوتر
ثامنها: فيه شرعية الوتر، وقد / سلف في بابه الخلاف في
وجوبه، والكلام عليه واضحاً.
٣٥٦

الحديث الرابع
٣٧/٤/٢٠٠ - عن محمد بن عباد بن جعفر قال: سألت
جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: ((نهى رسول الله وَلقر عن
صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم))(١).
زاد مسلم: ((ورب الكعبة)).
الکلام علیه من وجوه :
الأول: في التعريف براويه وقد سلف في باب الجنابة،
والراوي عنه هو: محمد بن عباد تابعي قرشي مخزومي مكي ثقة
قليل الحديث.
وقوله: زاد مسلم(٢) ((ورب الكعبة)) الذي في مسلم ((ورب هذا
البيت» فكأنه نقله بالمعنى.
(١) البخاري في الصوم (١٩٨٤)، ومسلم (١١٤٣)، وابن ماجه (١٧٢٤)،
والدارمي (١٩/٢)، والبيهقي (٣٠١/٤)، والحميدي (١٢٢٦)، وأحمد
(٢٩٦/٣، ٣١٢)، ويعبد الرزاق (٨٧٠٨)، وأبو يعلى (٢٢٠٦)، وعنده
عن ابن عمر (٥٧٠٩)، وأبي هريرة (٦٤٣٣)، والنسائي في الكبرى
(٢/ ١٤٠) مع الزيادة.
(٢) وأيضاً في النسائي. أما عزوه إلى مسلم ((ورب الكعبة))، فوهم منه
- رحمنا الله وإياه ــ بل في النسائي.
٣٥٧

المراد بالنهي
وأقوال العلماء
في ذلك
الثاني: المراد بالنهي إفراده بالصوم كما سيأتي في الحديث
الذي بعده مبيناً، وفي رواية للبخاري ((يعني أن ينفرد بصومه)) وبه قال
من الصحابة أبو هريرة وسلمان، وهو الصحيح من مذهب الشافعي
وأصحابه، وروى المزني في جامعه الكبير عنه قولاً أنه لا يكره إلاَّ
لمن[(١)] إذا صامه منعه عن الصلاة التي لو كان مفطراً لفعلها.
نضال وقال ابن الصباغ(٢): حمل الشافعي أحاديث النهي على من.
كان الصوم يضعفه ويمنعه / من الطاعة.
وقال الماوردي(٣): مذهب الشافعي أن معنى نهي الصوم فيه
أنه يضعف عن حضور الجمعة والدعاء فيها، فكل من أضعفه الصوم
عن حضورها كان مكروهاً، وإلَّ فلا بأس. وقد داوم رسول الله ◌َّ
على ضوم شعبان، ومعلوم أن فيه جمعات كان يصومها، وكذلك
رمضان. قال: فعلم أن معنى تهي الصوم فيه ما ذكرناه.
وقال الغزالي في ((الإِحياء): يستحب الصوم في الأيام الفاضلة
في الأسبوع ثم ذكر الاثنين والخميس والجمعة. ولعله أراد الجمعة
مع الخمیس .
(١) في ن ب د زیادة (كان).
٠١٠٠٦
(٢) هو أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الواحد، فاضل جليل، قال فيه ابن
العربي: ثقة، فقيه، حافظ، ذاكر توفي في المحرم سنة أربع وتسعين.
وأربعمائة. المنتظم (١٢٥/٩)، وكشف الظنون (١٨١١)، وطبقات ابن
الصلاح:(٤٠١/١) .....
(٣) الحاوي الكبير (٣٤٩/٣).
٣٫٥٨

وقال مالك(١): لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه، ومن
يقتدي به ينهي عن صومه، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل
العلم [يصومه] (٢) وأراه كان يتحراه.
وقد قيل: إن الذي [كان](٣) يتحرى صومه محمد بن
المنكدر، وقيل: صفوان بن سليم، حكاها أبو عمرو (٤).
وهذا رأي من مالك خالفه فيه غيره، والسنة قاضية على من
خالفها - والنهي ثابت من غير نسخ له، فتعين القول به -.
قال الداودي من أصحابهم: ولم يبلغ مالك هذا الحديث ولو
بلغه لم يخالفه. أي فإنه يقول: كلٌّ مأخوذ من قوله ومتروك، إلاَّ
صاحب هذا القبر. يشير إلى النبي وَله.
وأما الفاكهي منهم فقال: في هذا العذر عندي بُعدّ شهرة هذا
الحديث وانتشاره.
وقال القاضي عياض: أخذ بظاهر هذا الحديث الشافعي
ولعل / قول مالك إليه يرجع، لأنه إنما قال: وصومه / حسن.
ومذهبه معلوم في كراهة تخصيص يوم بالصوم. وهذا محتمل من
معنى [ما](٥) جاء في الحديث الآخر: لا تخصوه بصيام. عند
[١/١/١٨١]
(١) الموطأ (٣١١/١).
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) في ن ب (لا).
(٤) انظر: الاستذكار (٢٦٠/١٠، ٢٦١).
(٥) في ن ب ساقطة.
٣٥٩

بعضهم [وإنما] (١) حكى مالك عن من حكى صومه، وظن أنه كان
يتحراه، ولم يقل مالك: إني أرى هذا، ولا أحبه، أعني تحريه.
فيحمل أنه مذهبه. وهذا تأويل بعيد. وقد انصف الفاكهي منهم
فقال: إنه قريب من التعسف. وظاهر قول مالك أو نصه وقوة سياقه
يقتضي عدم كراهة صومه منفرداً بلا إشكال. و[قد](٢) أشار الباجي:
منهم إلى أن مذهب مالك يحتمل قولة أخرى له في صيام يوم
الجمعة. فوافق الحدیث. وهذا ليس ببعيد، كما قال الفاکھي.
وقال الداودي في كتاب (النصيحة)) ما معناه: إن النهي إنما هو
عن تحریه واختصاصه دون غيره.
وأنه متى صام معه يوماً آخر [وقد](٣) خرج عن النهي. وقد
يرجح ما قاله قوله في الحديث السالف: ((لا تخصوا يوم الجمعة.
بصيام من بين الأيام ولا ليلة الجمعة بقيام / من بين الليالي»(٤).
وقد اختلف العلماء في علة النهي على أقوال:
أحدها: [أنه يوم عيد](٥) فلا ينبغي صيامه. وروى الحاكم في
علة النهي
وأقوال العلماء
في ذلك
(١) في ن ب (وإني).
في ن ب ساقطة ..
(٢)
(٣) في ن ب (فقد).
(٤) مسلم (١١٤٤)، والبيهقي (٣٠٢/٤)، وابن خزيمة (١١٧٦)، والحاكم
(٣١١/١)، والنسائي في الكبرى (١٤١/٢)، من رواية أبي هريرة،
ورُوي عن أبي الدرداء عند أحمد (٤٤٤/٦)، والنسائي في الكبرى
(٢ / ١٤٢).
(٥) في الأصل بياض.
٣٦٠