Indexed OCR Text

Pages 301-320

[عن](١) الميت، وأنه لا يصام عن الحي، وإنما الخلاف في
الميت(٢).
قلت: وفي الصلاة وجه غريب حكاه الجيلي، نعم في
البخاري(٣): ((من مات وعليه نذر)): ((أن ابن عمر أمر من ماتت أمها
وعليها صلاة أن تصلي [عنها](٤))(٥).
(١) في ن ب (على).
(٢) إكمال إكمال المعلم (٢٦٢/٣)، والمجموع (٣٧١/٦).
(٣) البخاري: كتاب الأيمان والنذور، باب: من مات وعليه نذر
(٥٨٣/١١).
(٤) في الأصل (علیھا)، وما أثبت من ن ب د.
(٥) ومن رواية ابن عباس أيضاً وصله مالك في الموطأ (٢/ ٤٧٢). قال ابن
حجر في الفتح (١١ / ٥٨٤):
تنبيه: ذكر الكرماني أنه وقع في بعض النسخ: ((قال صلِّ عليها))، ووجه
بأن «على» بمعنى ((عن) على رأي قال: أو الضمير راجع إلى قباء.
سئل شيخ الإسلام - رحمنا الله وإياه - (٢٦٩/٢٥): عن الميت في
أيام مرضه أدركه شهر رمضان، ولم يكن يقدر على الصيام، وتوفي
وعليه صيام شهر رمضان، وكذلك الصلاة مدة مرضه، ووالديه بالحياة،
فهل تسقط الصلاة والصيام عنه إذا صاما عنه وصليا؟ إذا أوصى، أو لم
یوص؟
فأجاب: إذا اتصل به المرض، ولم يمكنه القضاء، فليس على ورثته إلاَّ
الإطعام عنه. وأما الصلاة المكتوبة، فلا يصلُ أحد عن أحد، ولكن إذا
صلى عن الميت واحد منهما تطوعاً، وأهداه له، أو صام عنه تطوعاً
وأهداه له، نفعه ذلك، والله أعلم.
٣٠١

وقال ابن أبي عصرون(١) : ليس في الحديث ما يدل على أن
ثوابها لا يصل إليه، ولا في القياس ما يمنع منه. وروي في الصلاة
عن الوالدين أخبار لم تشتهر .
(١) هو عبد الله بن محمد بن هبة الله أبو سعيد التميمي الموصلي وكان مولده:
في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، وتوفي في شهر رمضان.
سنة خمس وثمانين وخمسمائة، الروضتين (٦٧٣/٢)، والكامل
(٤٢/١٢)، والدارس (٣٩٩/١، ٤٠٣).
٣٠٢

الحديث الثامن
٣٦/٨/١٩٣ - عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -
قال: جاء رجل إلى النبيِ وَله، فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت
وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟! فقال: ((لو كان على أمك دين
أكنت قاضيه [عنها؟](١))، قال: نعم. قال: ((فدين الله أحق أن
یقضی(٢)».
وفي رواية جاءت امرأة إلى رسول الله صل﴾ فقالت:
يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟
فقال: ((أرأيت لو كان على أمكِ دين فقضيتيه، أكان ذلك يؤدي
عنها))؟ قالت: نعم، قال: ((فصومي عن أُمكِ))(٣).
(١) في الأصل ساقطة، وما أثبت من ن ب.
(٢) البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨) تعليقاً.
(٣) البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨)، والترمذي (٧١٧)، وابن ماجه
(١٧٥٨)، والبغوي (١٧٧٤)، والدارقطني (١٩٥/٢)، والبيهقي
(٢٥٥/٤)، وأحمد (٢٢٤/١، ٢٢٧، ٢٥٨، ٣٦٢)، وأبو داود
(٣٣١٠)، في الإِيمان، باب: ما جاء فيمن مات وعليه صيام صام عنه
وليه، والنسائي (٢٠/٧)، بألفاظ متقاربة.
٣٠٣

الكلام عليه من وجوه، والتعريف براويه سلف في باب
الاستطابة :
المراد بالسائل
والسائلة
الأول: الرجل المذكور وأمه وكذا أم المرأة لا أعلم أسماءهم
بعد البحث الشدید عن ذلك.
وأما المرأة فقال ابن طاهر في إيضاحه: [هي)] (١) غايثة
أو غاثية (٢) يعني بتقديم المثناة أو المثلثة.
[١/١٧١/ب]
وقال / ابن منده في مستخرجه: سهل بن عبادة كان مستفتياً
ورجل وامرأة كانا مستفتيين.
النيابة في
الصوم يشمل
النذر وغيره
والأدلة على
ذلك
الثاني: مقتضى الرواية الأولى عدم تخصيص جواز النيابة
بصوم النذر. فإن فيه إطلاق القول بموت أمه وعليها صوم شهر من
غير تقييد بنذر، وهو أحد [قولي](٣) الشافعي كما سلف في الحديث
قبله، خلافاً لما قاله أحمد من الصوم عنه في النذر والإطعام عنه في
قضاء رمضان، ووجه الدلالة من وجھین.
أحدهما: أنه - عليه الصلاة والسلام - ذكر الحكم غير مقيد
بعد سؤال السائل مطلقاً عن واقعة يحتمل أن يكون وجوب الصوم
فيها عن نذر، ويحتمل أن تكون عن غيره فيرجع ذلك إلى القاعدة
الأصولية وهي أنه - عليه الصلاة والسلام - إذا أجاب بلفظ غير مقيد
(١) زيادة من ن ب د.
(٢) هكذا في المخطوط: والذي في إيضاح المشكل لابن طاهر (١٤٠)، غائنة
أو غاينة. انظر: فتح الباري (٦٥/٤)، وأسد الغابة (٢١١/٧)، والإصابة
(٤٤/٨).
(٣) في ن ب (قول) ..
٣٠٤

عن سؤال وقع، عن صورة محتملة أن يكون الحكم فيها مختلفاً، أنه
يكون الحكم / فيها شاملاً للصور كلها، وهو الذي قال فيه الشافعي
وغيره ترك الاستفصال [في] (١) قضايا الأحوال مع قيام الاحتمال،
ينزل منزلة العموم في المقال. وقد استدل الشافعي بمثل هذا،
وجعله كالعموم.
الثاني: أنه - عليه الصلاة والسلام - علل قضاء الصوم بعلة
عامة للنذر وغيره وبينه بالقياس على الدين، وذلك لا يختص بالنذر
في كونه حقًّا واجباً. والحكم يعم بعموم علته. وقد استدل القائلون
بالقياس في الشريعة بهذا الحديث من حيث إنه - عليه الصلاة
والسلام - قاس وجوب أداء حق الله - تعالى - على وجوب أداء
حق العباد. وجعله من طريق الأحق، فيجوز لغيره القياس، لقوله
- تعالى -: ﴿فَأَتَّبِعُوهُ﴾(٢) لا سيما وقوله - عليه الصلاة والسلام -
((أرأيت)) إرشاد وتنبيه على العلة التي هي كشيء مستقر في نفس
المخاطب.
وأما الرواية الثانية: ففيها ما في الأولى من دخول النيابة في
الصوم، والقياس على حقوق الآدميين، إلاّ أنه ورد التخصيص فيها
بالنذر.
وقد يتمسك بها من يرى التخصيص بصوم النذر. إما بأن يدل
دليل على أن الحديث واحد فيتبين من بعض الروايات أن الواقعة
المسؤول عنها واقعة واحدة، وهي النذر فيسقط الوجه الأول
(١) في ن ب د (عن).
(٢) سورة الأنعام: آية ١٥٣ .
٣٠٥

السالف: وهو الاستدلال بعدم الاستفصال، إذا تبين عين الواقعة،
إلاّ أنه قد يبعد هذا التباين بين الروايتين. فإن في إحداهما: أن
السائل رجل، وفي الثانية امرأة. وقد تقرر في علم الحديث أنه
يعرف / كون الحديث واحداً باتحاد سنده ومخرجه وتقارب ألفاظه.
[١/١/١٧٢] وعلى كل حال فيبقي الوجه الثاني: وهو / الاستدلال بعموم العلة.
على عموم الحكم، كيف ومعنا عموم آخر، وهو الحديث السالف : .
((من مات وعليه صيام صام عنه وليه)) فيكون التنصيص على مسألة
صوم النذر مع ذلك العموم راجعة إلى مسألة أصولية. وهي: أن
التنصيص على بعض صور العام لا يقتضي التخصيص، وهو المختار.
في علم الأصول.
النيابة في
الاعتكاف
والصلاة
الثالث: [شبه](١) بعض الشافعية المتأخرين بأن نقيس
الاعتكاف والصلاة على الصوم في النيابة. وحكاه بعضهم وجهاً في
الصلاة، كما أسلفناه في الحديث قبله. فإن صح ذلك فقد يستدل
بعموم التعليل.
قضاء الدين
عن الميت
الرابع: في الحديث قضاء الدين عن الميت، وهو إجماع، ولا
فرق بين أن يقضيه عنه وارثه أو غيره، فيبرأ به قطعاً قال القرطبي.
والحديث مشعر بأن القضاء على الندب لمن طاعت به نفسه، لأنه
لا يجب على ولي الميت أن يؤدي [من] (٢) ماله عن الميت ديناً
بالاتفاق، لكن / من تبرع به انتفع به الميت وبرئت ذمته. قال:
ويمكن أن يقال: إن مقصود الشرع إن ولي الميت إذا عمل العمل
(١) في جميع النسخ (شبب)، ولعلها ما أثبت.
(٢) في ن ب ساقطة.
٣٠٦

بنفسه من صوم أو حج أو غيره فصیره للمیت انتفع به الميت، ووصل
إليه ثوابه ويعتقد ذلك بشبهة قضاء الصوم عنه بقضاء الدين. والدين
إنما يقضيه الإنسان عن غيره مما [حصله](١) لنفسه، ثم بعد ذلك
یقضیه عن غيره أو یهبه له.
الخامس: فيه أيضاً تقديم دين الله - تعالى - على دين الآدمي
إذا تزاحما: كدين الزكاة ودين الآدمي، ولم يمكن الجمع بينهما،
لضيق التركة عن الوفاء لكل منهما. وقد يستدل لتقديم الزكاة بقوله:
((فدين الله أحق أن يقضى)) وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال للشافعي.
تقدیم دین الله
على دين
الآدمي وأقوال
العلماء في
ذلك
أصحها: تقديم دين الله - تعالى - .
والثاني: تقديم دين الآدمي، لأنه مبني على الشح والمضايقة.
والثالث: هما سواء فيقسم بينهما.
السادس: فيه أيضاً جواز سماع كلام الأجنبية في الاستفتاء
ونحوه من مواضع الحاجة.
السابع: فيه أيضاً صحة القياس وقد أسلفناه.
الثامن: فيه أيضاً جواز صوم القريب عن الميت، وقد أسلفناه،
واعتذر القاضي عياض عن مخالفة مذهبهم لهذه الأحاديث في الصوم
عن الميت والحج بأنها مضطرية، حيث رُوِيّ تارة أن السائل رجل
وتارة امرأة، وتارة صوم شهر وتارة / صوم شهرين. وهذا عذر
باطل، كما قاله النووي في ((شرح مسلم)). قال: وليس في الحديث
اضطراب، بل يحمل على أن السائل تارة رجل وتارة امرأة، وتارة / [٨/١٧٢ب]
(١) في الأصل (جعله)، وما أثبت من ن ب د.
٣٠٧

عن شهر وتارة عن شهرين. قال: ويكفينا في صحته احتجاج مسلم
به في صحيحه.
قلت: وكذا البخاري أيضاً [وإن كان النووي أقر القاضي على
هذه المقالة في كتاب النذر] (١) وروي رواية أخرى أن عليها صوم
خمسة عشر يوماً .
التاسع: فيه أيضاً أنه يستحب للمفتي أن ينبه على وجه الدليل
إذا كان مختصراً واضحاً وبالسائل إليه حاجة أو يترتب عليه مصلحة
لأنه - عليه الصلاة والسلام - قاس على دين الآدمي تنبيهاً على وجه.
الدليل، وهو أشرح الصدر المستفتي، وأطيب لنفسه، وأدعى لإِذعانه
للأحكام من غير وجود حرج في نفسه.
العاشر: فيه أيضاً الجواب بنعم إذا كان حقًّا.
الحادي عشر: فيه تقريب العلم إلى أذهان السائلين بعبارة
مفهومة عندهم، لیکون أقرب إلى سرعة فهمهم للمسؤول عنه.
(١) زيادة من ن ب د.
٣٠٨

الحديث التاسع
٣٦/٩/١٩٤ - عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله
عنه -، أن رسول الله وَّالجهل قال: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا
الفطر)) / (١).
الكلام عليه من وجوه، والتعريف براويه سلف في الجمعة:
الأول: تعجيل الفطر والحض عليه لأمور.
حكمة تعجيل
الفطر
أحدها: منصوص عليه، وهو ما رواه أبو داود والنسائي وابن
ماجه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي ◌ُّلو قال:
((لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى
يؤخرون))(٢). قال الحاكم(٣): صحيح على شرط مسلم، وصححه
(١) البخاري (١٩٥٧)، ومسلم (١٠٩٨)، ومالك في الموطأ (٢٨٩/١)،
والترمذي (٦٩٩)، وابن ماجه (١٦٩٧)، والبغوي (١٧٣٠)، والبيهقي
(٢٣٧/٤)، والدارمي (٧/٢)، وأحمد (٣٣٠/٥، ٣٣٤، ٣٣٦، ٣٣٧،
٣٣٩٠)، والطبراني (٥٩٨١، ٥٩٩٥).
(٢) أبو داود (٢٣٥٣) في الصيام، باب: ما يستحب من تعجيل الفطر، وابن
ماجه (١٦٩٨)، وأحمد (٢/ ٤٥٠)، والبيهقي (٢٣٧/٤)، وابن أبي شيبة
(١١/٣)، وابن خزيمة (٢٠٦٠)، والنسائي في الكبرى (٢٥٢/٢).
(٣) الحاكم (٤٣١/١).
٣٠٩

ابن حبان(١) أيضاً، فجعل وا له العلة في التعجيل مخالفة أهل الكتاب
في التأخير .
ثانيها: مستنبط، وهو أنه - عليه الصلاة والسلام -، إنما
حض على التعجيل للفطر لئلا يزاد في النهار من الليل، فيكون زيادة
في الفرض.
ثالثها: أن ذلك أرفق للصائم.
الثاني: كون الناس تفعله بخير، وأن الدين لم يزل ظاهراً
بتعجيله في الرواية التي ذكرناها لما فيه من إظهار السنَّة، فإن الخير
كله في متابعتها، والشر كله في مخالفتها، وكانت الصحابة - رضي
الله عنهم - إذا خذلوا في أمر فتشوا على ما تركوا من السنَّة، فإذا
وجدوه علموا أن الخذلان إنما وقع بترك تلك السنَّة، فلا يزال أمر
الأمة منتظماً وهم بخير ما حافظوا على سنَّة تعجيل الفطر، وإذا
أخروه کان علامة على فساد يقعون فيه.
الثالث: ((ما)) من قوله - عليه الصلاة والسلام - : / ((ما
عجلوا الفطر)» مصدرية ظرفية والتقدير مدة تعجيلهم الفطر.
إعراب «ما» في
قوله: (ما
عجلوا الفطر»
استحباب
تعجيل الفطر
بعد الغروب
الرابع: / في الحديث دلالة واضحة على استحباب تعجيل
الفطر بعد تحقق الغروب، وقد اتفق العلماء عليه، وفيه الرد على
[١٧٣/ ١/أ] الشيعة الذين يؤخرون الفطر إلى ظهور النجم، ولعل المراد بالحديث
الرد علیهم، ويؤيده أن في صحیحی الحاکم وابن حبان من حديث
سهل بن سعد أيضاً مرفوعاً: ((لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر
(١) ابن حبان (٣٥٠٣).
٣١٠

بفطرها النجوم)» (١). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين،
والمراد: بتعجيل الفطر تناول المأكول والمشروب، وإلاّ فهو قد
أفطر بالغروب.
قال القاضي أبو الطيب: الفطر يحصل بالغروب أكل أو لم
یأکل.
قال الشافعي: في الأم(٢)، ولو أخر بعد الغروب فإن كان يرى
الفضل من ذلك كرهت ذلك له لمخالفة الأحاديث، وإلاّ فلا بأس،
لأن الصوم لا يصلح في الليل.
الخامس: يؤخذ من الحديث كراهة الوصال، وسيأتي قريباً ما كراهة الوصال
فيه .
السادس: يؤخذ منه أيضاً تقديم الفطر على الصلاة، لأنه أبلغ تقديم الفطر
في التعجيل(٣) .
على الصلاة
السابع: فيه أيضاً الحث على اتباع السنَّة وترك مخالفتها وأن الحث على
فساد الأمور [بتركها] (٤).
اتباع السنة
(١) الحاكم (٤٣٤/١)، وابن حبان (٣٥١٠)، وابن خزيمة (٢٠٦١)،
وصححه الألباني فيه.
(٢) انظر: مختصر المزني (٧٥)، والمجموع (٣٥٩/٦).
(٣) وقد ورد فيه حديث عن أنس - رضي الله عنه - قال: ((ما رأيت
رسول الله ﴿ قط صلى صلاة المغرب حتى يفطر ولو على شربة من ماء)).
أخرجه ابن خزيمة (٢٠٦٣)، والبزار (٩٨٤)، والحاكم (٤٣٢/١)،
والبيهقي (٢٣٩/٤).
(٤) في الأصل بياض.
٣١١

الحديث العاشر
:
٣٦/١٠/١٩٥ - عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -
قال: قال رسول الله وَلته: ((إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من
ها هنا فقد أفطر الصائم)» (١).
الكلام عليه من وجوه، والتعريف براويه [سلف](٢) في أول
الكتاب :
الإشارة إلى
جهة المغرب
والمشرق
الأول: الإِشارة في الأول إلى جهة المشرق وفي الآخر إلى
جهة المغرب، وهما متلازمان في الوجود؛ إذ لا يقبل الليل إلاّ إذا
أدبر النهار، وقد ينفكان في الحس في بعض المواضع، بأن يكون في
جهة المغرب ما يستر البصر عن الغروب، ويكون المشرق بارزاً بأن
يكون في واد بحيث لا يشاهد الغروب. فيعتمد إقبال الظلام وإدبار
(١) البخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠)، والترمذي (٦٩٨)، وأبو داود
(٢٣٥١) في الصيام، باب: متى يحل فطر الصائم، والنسائي في الكبرى
(٢٥٢/٢)، وابن الجارود (٣٩٣)، والبغوي في السنَّة (١٧٣٥)،
والبيهقي (٢١٦/٤)، وابن خزيمة (٢٠٥٨)، وأحمد (٢٨/١، ٣٥)،
والحميدي (٢٠).
(٢) في ن ب (السلف).
٣١٢

الضياء، وجاء في رواية في هذا الحديث [وغابت الشمس](١) وهي
ملازمة للإقبال والإِدبار، لكنها تخرجه [عما](٢) ذكرنا فيهما.
الثاني: ((اللام)) في (([الصائم](٣)) للجنس قطعاً، وهذا يرد قول اللام في قوله:
من يقول: إن الاسم المشتق لا يكون جنساً عامًا.
(الصائم))
الثالث : الإفطار هنا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون المعنى فقد حل له الإفطار حينئذ بعد أن معنى: (أفطر
كان حراماً، وصار في حكم المفطر، وإن لم يأكل ويؤيده أنه جاء في
الصائم»
صحيح أبي عوانة: ((فقد حل الفطر)). والغروب على هذا علم على
حل الإفطار.
الثاني: أنه بالغروب صار مفطراً حكماً لاحساً: كالعيد
والتشريق/ .
[٨/١٧٣ب]
[وعبارة](٤)/ الراغب في ((مفرداته))(٥): الفطر: ترك الصوم.
فالمعنى دخل في الفطر كما يقال: أصبح إذا دخل [(٦)] وقت الصبح
وأمسى وأظهر كذلك. وتكون الفائدة فيه أن الليل غير قابل للصوم،
وأنه بنفس دخوله خرج الصائم من الصوم، ويكون فيه بيان امتناع
(١) موجودة في صحيح البخاري (١٩٦/٤).
(٢) في ن ب د (على ما).
(٣) في ن ب (الصيام).
(٤) زيادة من ن ب د.
(٥) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (٣٨٢).
(٦) في الأصل زيادة (في)، والتصحيح من ن ب د.
٣١٣

الوصال بمعنى الصوم الشرعي، فلا يكون من أمسك حسّاً صائم
شرعاً، بل [هو](١) مفطر شرعاً، وفي ضمن ذلك إبطال فائدة
الوصال شرعاً، إذ لا يحصل به ثواب الصوم، بل قال بعضهم:
لا يجوز الإمساك بعد الغروب، وهو كإمساك يوم الفطر ويوم النحر.
وقال بعضهم: هو جائز، وله أجر الصائم، واحتجوا بأن
الأحاديث الواردة في الوصال فيها ما يدل على أن النهي عن الوصال
تخفيف ورفق، وفي بعضها: نهاهم عن الوصال رحمة لهم، كما
سيأتي.
قال لزوجته:
أنت طالق إن
أفطرت على
حار أو بارد
فروع: تتعلق بما نحن فيه: وقع ببغداد أن رجلاً قال لامرأته:
أنت طالق، إن أفطرت على حار أو بارد. فاستفتى فيها [ابن الصباغ
فقال: يحنث لأنه لا بد له من فطره على أحدهما واستفتى] (٢) فيها
الشيخ أبو إسحاق فقال: لا يحنث لأنه يصير مفطراً بدخول الليل
للحديث المذكور.
قال ابن العربي في ((القبس)»(٣): وهذا صريح مذهب
الشافعي، لأنه يعلق الأيمان بالألفاظ دون المقاصد، والأول مقتضى
مذهب مالك، لأنه يعلقها بالمقاصد.
(١) زيادة من ن ب د.
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) القبس شرح موطأ مالك بن أنس لابن العربي (٢٧٩/٢)، مع اختلاف
يسير بالألفاظ، طبقات الشافعية للسبكي (١٢٦/٥)، نقلاً عن ابن العربي
وإلى تعليق السبكي عليها.
٣١٤

وقال ابن أبي جمرة: في / ((أقليد التقليد)): والقولان قائمان
من المدونة.
والثاني: وهو اعتبار المقاصد عليه أكثر مسائلها، وفي الرافعي
في الطلاق [أنه](١) لو قال لامرأته: أنت طالق إن أفطرت بالكوفة.
وكان يوم الفطر بها لكنه لم يأكل في يومه، ولم يشرب، فقياس
قولنا: إنه لا يحنث، لأن الإفطار عبارة عن تناول المأكول
والمشروب، وأنه ممسك عنه. وإنه لو حلف لا يُعَيِّدَ بالكوفة، فأقام
بها يوم العيد، ولم يخرج إلى العيد يحنث، ويحتمل أن لا يحنث.
وفي ((فتاوى الغزالي)): أنه لو حلف لا يفطر، فمطلق هذا
[ينطلق](٢) إلى الأكل والوقاع ونحوها، ولا يحنث بالردة والجنون
والحیض ودخول الليل.
وفي (شرح العجلي)) أنه رأى في بعض التصانيف: لو حلف
بالطلاق أن يصوم يوم النحر لم يصح، وطلقت المرأة ولزم الحنث
إن أمسك، وفي وقته وجهان:
أحدهما: إلى أن يمضي اليوم كله.
والثاني: في الحال.
الرابع: يستفاد من الحديث بيان وقت الصوم، وتحدیده،
والرد على أهل الكتاب / وغيرهم من الشيعة الذين قالوا: لا يفطر
بيان وقت
الصوم
[١٧٤ /١/١]
(١) زيادة من ن ب د.
(٢) في ن ب د (ينصرف).
٣١٥

حتى تظهر النجوم، وأن الأمر الشرعي أبلغ من الحسي، وأن العقل
لا يقضي على الشرع، بل هو قاضٍ عليه حيث جعل دخول الليل
فطراً شرعاً، والبيان يذكر اللازم والملزوم جميعاً. فإن اللازم يلزم
منه وجود الملزوم، ولا ينعكس فإنه - عليه الصلاة والسلام - ذكر
إقبال الليل وهو لازم، وإدبار النهار وهو ملزوم الفطر للإيضاح
والبيان .
٣١٦

الحديث الحادي عشر
٣٦/١١/١٩٦ - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -
قال: نهى رسول الله ﴿ عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال:
((إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقى))(١).
رواه أبو هريرة(٢) وعائشة(٣) وأنس(٤) ولمسلم عن أبي سعيد
(١) البخاري (١٩٦٢)، ومسلم (١١٠٢)، ومالك (٣٠٠/١)، وأبو داود
(٢٣٦٠).
(٢) البخاري (١٩٦٥، ١٩٦٦، ٦٨٥١، ٧٢٤٢، ٧٢٩٩)، ومسلم (١١٠٣)،
وأحمد (٢٣١/٢، ٢٤٤، ٢٥٣)، والدارمي (٨/٢)، والبغوي (١٧٣٦)،
وابن خزيمة (٢٠٦٨)، وابن أبي شيبة (٨٢/٣)، والبيهقي (٢٨٢/٤).
(٣) البخاري (١٩٩٤)، ومسلم (١١٠٥)، وأحمد (٨٩/٦، ٩٣، ١٢٦،
٢٤٢، ٢٥٨)، وأبو يعلى (٤٣٦٧، ٤٣٧٨، ٤٥١٣)، والمقصد العلي
(٥٠٥)، وذكره ابن حجر في المطالب العالية (٩٤٤)، ومجمع الزوائد
(١٥٤/٣).
(٤) البخاري (١٩٦١، ٧٢٤١، ٧٢٩٩)، ومسلم (١١٠٤)، والترمذي
(٧٧٨)، والبغوي (١٧٣٩)، وأحمد (١٧٠/٣، ٢٣٥، ٢١٨، ١٢٤،
٢٠٠)، وابن خزيمة (٢٠٧٠)، وأبو يعلى (٢٨٧٤، ٢٩٧٢، ٣٠٥٢،
٣٠٩٩، ٣٢١٥، ٣٢٨٢)، والبيهقي (٢٨٢/٤)، والدارمي (٨/٢)، وابن =
٣١٧

الخدري(١): ((فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر)).
الكلام عليه من وجوه، والتعريف براويه ومن ذكر بعده سلف
معرفاً:
عزو رواية أبي
سعيد إلى
مسلم
فالأول: في باب الاستطابة، والرابع فيها أيضاً، والثاني،
والثالث في الطهارة، والخامس في الصلاة، وحديث أبي هريرة
وعائشة وأنس. اتفق الشيخان على إخراج حديثهم، ولعله ذكر رواية
هؤلاء بعد حديث ابن عمر لتقرير النهي وتأكيده حيث إن كلّ منهم
متأخر التحمل عنه وَلقر والرواية، وذلك دليل على استقرار حكم
النهي وعمومه، وأما عزوه الزيادة الأخيرة إلى رواية مسلم فهو سبق
قلم، فإني لم أرها فيه، وعبد الحق عزاها إلى أفراد البخاري، وكذا
صاحب ((المنتقى)) في أحكامه(٢)، وكذا المصنف في عمدته الكبرى
عزاها إلى البخاري فقط(٣).
: الوجه الأول: حقيقة الوصال / أن يتَّصل صوم اليوم الأول
باليوم الثاني من غير فطر بينهما، فلا يتناول ذلك الفطر وقت
حقيقة الوصال
=
أبي شيبة (٨٢/٣).
(١) البخاري (١٩٦٧)، ومالك في الموطأ (٣٠١/١)، والدارمي (٧/٢، ٨)،
والحميدي (١٠٠٩) وابن خزيمة (٢٠٧٣)، والبغوي (١٧٣٧)، وأحمد
(٢٣٧/٢، ٢٤٤، ٢٥٧، ٤١٨)، وأبو داود (٢٣٦١)، وعبد الرزاق
(٧٧٥٥).
(٢) المنتقى (١٧٩/٢).
(٣) انظر: كتاب تصحيح العمدة للزركشي، عدد (٧٥، ٧٦ ص ١٠٥)،
تحقيق د. الزهراني، في مجلة الجامعة الإسلامية.
٣١٨

السحر، ولا يكون ذلك وصالاً، لكنه - عليه الصلاة والسلام -
قال: (فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحرة، وذلك يقتضي
تسميته وصالاً، فيكون صورة لا معنى، فيحمل على مواصلة ترك
الفطر وعدم تعجيله لا على مواصلة الصوم المنهى عنه، فإن الليل
غير قابل للصوم إجماعاً، وهذه الإباحة مشروطة بأن لا يفوت بها
حقّاً ولا واجباً.
قال ابن الصلاح: ويزول الوصال بما يزيل به [صور](1) الصوم
من ماء وغيره، هذا هو المعروف، ولا يتوقف على الأكل كما وقع
في الوسيط.
الثاني: الحكمة في النهي عنه الملل [المترتب](٢) عليه الحكمة في
والتعرض للتقصير في بعض وظائف / الدين من إتمام الصلاة،
النهي عنه
ووظائفها وغيرها من وظائف العبادات المشروعة / في ليله ونهاره، [١/١٧٤/ب]
أو ترك الصوم بالكلية أو إبطاله، ولهذا المعنى نهى في الصوم عن
الفصد والحجامة، ومنع من القبلة ونحوها فيه، من حيث إن ذلك
يؤدي إلى إبطاله وإفساده، وما أدى إلى الفساد فهو فاسد، وإبطال
العبادة: إما ممنوع على مذهب بعض الفقهاء وهو من يوجب إتمام
المندوب. وإما مكروه، وكيف ما كان [فَعِلة](٣) الكراهة موجودة إلاّ
أنه تختلف رتبها، فإن أجزنا الإفطار كان رتبة هذه الكراهة أخف من
رتبة الكراهة في الصوم الواجب [قطعاً، وإن منعناه فيحتمل
(١) في ن ب د (ضرر).
(٢) في الأصل ون د (المترتب)، وما أثبت من ن ب.
(٣) في الأصل و ن ب (فعله)، وما أثبت من ن د.
٣١٩

استواؤهما](١) في الكراهة لاستوائهما في الوجوب، ويحتمل افتراقهما.
لاختلافهما في الإيجاب بأصل الشرع، وبإيجاب الشخص دون
الشرع، ويؤيده صحة النهي عن النذر مع وجوب الوفاء بالمنذور، فلو
كان مطلق الوجوب مما يقتضي مساواة المنذور بغيره من الواجبات،
لکان فعل الطاعة بعد النذر أفضل من فعلها قبله، لأنه حينئذ يدخل
تحت قوله - تعالى - فيما صح عن رسول الله # فيما رواه عن ربه.
- تعالى(٢) -: ((وما تقرب عبدي إليَّ يمثل أداء ما افترضته عليه))،
ويحمل(٣) على أداء ما افترض بأصل الشرع، لأنه لو حمل على العموم
لكان النذر وسيلة إلى تحصيل الأفضل، فكان يجب أن يكون مستحبّاً،
وهذا على إجراء النهي عن النذر على عمومه.
قال ابن العطار في شرحه: ولم يقل أحد باستحباب النذر، بل
اتفقوا على كراهته، وهو عجيب. فقد جزم القاضي حسين والمتولي
والغزالي والرافعي: بأنه قربة.
الثالث: قوله عليه الصلاة والسلام: ((إني لست كهيئتكم)) أي
مثلكم، كما جاء مفسراً في الرواية الأخرى ((إني لست مثلكم)).
ويقال: فلان حسن الهيئة / بفتح الهاء وكسرها.
الرابع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((إني أطعم وأسقى))،
فيه أقوال:
معنى قوله
*: إني
كهيتكم،
معنى: فإني
أطعم وأسقى)
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) من رواية أبي هريرة عند البخاري (٦٥٠٢).
(٣). في ن ب زيادة (ما).
٣٢٠
: