Indexed OCR Text

Pages 21-40

الحادي عشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((فإنّ هم
أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من
أغنيائهم فترد على فقرائهم)) الضمير في ((فقرائهم)) و ((أغنيائهم)) يعود
إلى المسلمين أم إلى كل ناحية منهم. فإن نظرنا إلى عموم الحكم
جعلنا الضمير عائداً إلى جميع المسلمين، وإن نظرنا إلى خصوصية
المبعوث إليهم أهل اليمن رددناه إلى الناحية، فيختص الحكم بهم،
لكن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر.
[ولولا](١) المناسبة الموجودة في باب الزكاة لقطعنا بعدم اعتبار
خصوصية الناحية، كما هي غير معتبرة في الصلاة قطعاً في الحكم.
[١٣٣ /١/ ١]
وتظهر فائدة هذا الكلام وهو عود / الضمير إلى ما زاد في نقل الزكاة عن
جواز نقل الزكاة وعدمه عن بلد المال[(٢)] وفيه خلاف:
بلد المال
فعند أبي حنيفة: يجوز.
وقد استدل به الخطابي(٣) وغيره من الشافعية: على المنع
وهو الأصح عند جمهورهم وهو مذهب مالك وأحمد.
قال الشيخ تقي الدين(٤): وفيه عندي ضعف، لأن الأقرب أن
المراد: وتؤخذ من أغنيائهم من حيث إنهم مسلمون، لا من حيث
إنهم من أهل اليمن، وكذلك الرد على فقرائهم، وإن لم يكن هذا هو
الأظهر فهو / محتمل قويّاً.
(١) زيادة من ن ب د هـ.
(٢) في الأصل كلمة غير واضحة، وهي غير موجودة في النسخ الأخرى.
(٣) انظر: معالم السنن (١٩٩/٢).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (٢٧٦/٣).
٢١

قلت: ولا دلالة فيه أيضاً على منع النقل، لأن من منع النقل
استثنى منه الإِمام والساعي كما هو ظاهر الأحاديث. وقد نقلها معاذ
إلى عمر كما سيأتي. قال النووي في ((شرح المهذب))(١): وهو
الراجح ويستثنى مسألة ثالثة ذكرتها في ((شرح المنهاج)) فليراجع منه.
فرع: لو خالف ونقل فالأصح عندنا أنه لا يجزيه.
والأصح عند المالكية: الإِجزاء خلافاً لسحنون، وعندهم لو
بلغ الإِمام أن ببعض البلاد حاجة شديدة جاز له نقل بعض الصدقة
المستحقة بغيره إليه. وهل العبرة مكان المال وقت تمام الحول،
فيفرق الصدقة عنده إذ هو سبب [الوجود](٢) أو مكان المالك إذ هو
المخاطب بذلك؛ فيخرجها في ذلك لأصحابهم قولان:
الأول: هو مذهب الشافعي.
وأما صدقة الفطر: فإنما ينظر فيها إلى موضع / المالك فقط
على المذهبين.
مكان مصرف
صدقة الفطر
نقل الكفارة
والنذر
والوصية
فرع: يجوز عندنا نقل الكفارة والنذر والوصية على المذهب،
لأن الأطماع لا تمتد إليها امتدادها إلى الزكاة والأوقاف الجارية على
الفقراء المساكين أو من يعرض لحكمها في ذلك، وهي رتبة بين
رتبتين لأن الأطماع تمتد إليها كالزكاة، ولكنها غير متعلقة بمال
كالوصية ونحوها، ولا يبعد تصحيح جواز النقل إلاَّ أن يكون الواقف
قد نص علی بلد فلا يُتجاوز.
:
(١) انظر: المجموع (٣٣٢/٥).
(٢) في ن ب د (الوجوب).
٢٢

فائدة: كان معاذ على اليمن من حين بعثه رسول الله بَل، إلى إرسال معاذ
بالصدقة إلى
عمر من اليمن
زمان عمر، فبعث إليه بثلث صدقة الناس، فأنكر ذلك عمر، وقال:
لم أبعثك جابياً ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس
فتردها على فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد[(١)]
[آخذاً](٢) فلما كان العام القابل بعث إليه [بالنصف](٣) فتراجعاً بمثل
ذلك، فلما كان [(٤)] الثالث بعث إليه [بكلها](٥)، وقال ما وجدت
أحداً يأخذ مني شيئاً.
الثاني عشر: في الحديث دلالة على تحريم دفع الزكاة إلى
كافر.
الثالث عشر: فيه أيضاً أنها لا تدفع إلى غني من نصيب
الفقراء.
ومقتضى مذهب الشافعي: أن الغني والفقير من ذلك معتبر / [١٣٣//ب]
برتبة الشخص.
وقد اختلف العلماء في الغني الذي يحرم عليه أخذ الزكاة.
(١) في كتاب الأموال (أحداً).
(٢) في كتاب الأموال (يأخذه مني).
(٣) في كتاب الأموال (بشطر الصدقة).
(٤) في كتاب الأموال (العام).
(٥) في كتاب الأموال (بها كلها)، فراجعه عمر بمثل ما رجعه قبل ذلك،
فقال. لمراجعة ضبط النص والاطلاع عليه. انظر: كتاب الأموال لأبي
عبيد (١٩١٢).
٢٣

فقيل: هو من ملك نصاباً، وهو مذهب أبي حنيفة(١) وبعض
أصحاب مالك، من حيث إنه - عليه الصلاة والسلام - جعله في
الحديث غنيًا وقابله بالفقير، ومن ملك نصاباً فالزكاة مأخوذة منه فهو
غني بهذا / الاعتبار. والغني لا يعطى من الزكاة إلّ في المواضع
الخمسة المستثناة، وليس بالشديد القوة(٢)، كما قاله الشيخ
تقي الدين(٣).
وعند أحمد(٤): إذا ملك خمسين درهماً لم يعط شيئاً من
الزكاة، لحديث ابن مسعود مرفوعاً: ((من سأل وله ما يغنيه، جاءت
يوم القيامة، خدوشاً، أو كدوجاً، في وجهه))، قالوا: يا رسول الله!
وما غناه؟ قال: ((خمسون درهماً، أو حسابها من الذهب)) رواه
أبو داود والنسائي وابن ماجه(٥) ولكن ضعفه ابن الجوزي في تحقيقه
(١) انظر: معالم السنن (٢٢٧/٢).
(٢) عن عطاء بن يسار أن رسول الله * قال: ((لا تحل الصدقة لغني، إلاَّ
لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها
بماله، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين
للغني)). أخرجه مالك في الموطأ (٢٦٨/١)، وأبو داود (١٦٣٥).
(٣) انظر: إحكام الأحكام (٢٧٨/٣).
(٤) معالم السنن (٢٢٦/٢).
(٥) أبو داود (١٦٢٦) في الزكاة، باب: من يعطى الصدقة وحد الغنى،
والنسائي (٩٧/٥)، وابن ماجه (١٨٤٠)، والترمذي (٦٥٠، ٦٥١)،
والبغوي (١٦٠٠)، وأحمد (٣٨٨/١)، والحاكم (١ /٤٠٧)، وسكت
عليه الذهبي، والطحاوي (٢٠/٢)، وأبو يعلى (٥٢١٧)، والطيالسي
(١٧٧/١)، والدارمي (٣٨٦/١)، والحديث ضعيف لضعف حكيم بن =
٢٤

بحکیم بن جبير وغيره.
ولا اعتبار عند الشافعية: بالنصاب، لأنه وَالله قال: ((لا تحل
المسألة إلاَّ لثلاثة فذكر رجلاً أصابته جائحة [اجتاحت](١) ماله فحلت
له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش))(٢)
رواه مسلم في صحيحه، مطولاً ومن لم يجد ما / يكفيه وهو المعتبر
عندهم لم يجد قواماً أو سداداً من عيش.
الرابع عشر: [ظاهره](٣) قد يستدل به من يرى إخراج الزكاة إعطاء الزكاة
لصنف واحد إذ لم يذكر في الحديث إلاَّ الفقراء، وهو مذهب مالك
لصنف واحد
جبير غير أنه لم ينفرد به، بل تابعه زبيد بن الحارث، كما نقله الترمذي
وغيره عن سفيان، المستدرك (٤٠٧/١). وله شاهد من حديث سهل بن
الحَنْظَلِيَّة عند أبي داود في الزكاة (١٦٢٩)، باب: من يعطى الصدقة
وحد الغنى، وأحمد (٤/ ١٨٠، ١٨١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار
(٢٠/٢).
((الخدوش)): يقال: خمشت المرأة وجهها، إذا خدشته بظفر أو حديدة
أو نحوها. و((الكدوح)): الآثار من الخَدْش والعض ونحوه، وإنما قيل
للحمار مُگگَّح، لما به من آثار العضاض.
(١). في ن ب (أجاحت).
(٢) مسلم (١٠٤٤)، وأبو داود (١٦٤٠) في الزكاة، باب: ما تجوز فيه
المسألة، والنسائي (٨٨/٥، ٨٩)، وابن خزيمة (٢٣٦١)، والطيالسي
(١٣٢٧)، وابن حبان (٣٣٩٥، ٣٣٩٦)، والدارمي (٣٩٦/١)، وابن
الجارود (٣٦٧)، وأحمد (٣٧٧/٣، ٦٠/٥)، والحميدي (٨١٩)،
والبغوي (١٦٢٦).
(٣) في ن ب د ساقطة.
٢٥

ومن وافقه(١)، قال الشيخ تقي الدين(٢): وفيه بحث.
الخامس عشر: فيه اهتمام الإِمام بأمر الفقراء في الزكاة.
الإمام أو نائيه
يتولى قبض
الزكاة
السادس عشر: فيه [أيضاً](٣) أن الإِمام أو نائبه هو الذي يتولى
قبض الزكاة لوصفه إياها بكونها مأخوذة من الأغنياء، وكل ما اقتضى.
خلاف هذه الصفة فالحديث ينفيه [والأظهر](٤) عند الشافعية أن
الأفضل الصرف إليه إلاَّ أن يكون جائراً.
تؤخذ من
صاحب الزكاة
قهراً إذامعها
السابع عشر: فيه أيضاً أن صاحب المال إذا امتنع من دفعها
أخذت منه بغير اختياره، حيث قال: ((تؤخذ من أموالهم)) وهذا
الحكم لا خلاف فيه، لكن هل تبرأ ذمته ويجزيه في الباطن، فيه
خلاف وتفصيل لأصحابنا، ذكرته في ((شرح المنهاج)).
إعراب (إياك))
الثامن عشر: قوله - عليه أفضل الصلاة والسلام -: ((فإن هم
أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم)) إياك: منصوب بفعل مضمر
لا يجوز إظهاره، والتقدير: باعد واتق وكرائم أموالهم. وهو من
باب إياك والأسد وأهلك والليل وإشباه ذلك.
(١) وهو مذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة). انظر: كشاف القناع.
(٣٣٥/٢)، والمغني (٦٦٨/٢)، واللباب (١٥٦/١)، وفتح القدير
(١٤/٢)، والقوانين الفقهية (١١٠)، وبداية المجتهد (٢٦٧/١).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٢٧٨/٣). للاطلاع على المسألة مفصلة عندهم.
انظر: مغني المحتاج (١٠٦/٣، ١١٢)، والمهذب (١٧٠/١، ١٧٣)،.
وحاشية الباجوري (٢٩١/١، ٢٩٤).
(٣) زيادة من ن ب د.
(٤) في الأصل (الأفضل)، والتصحيح من ن ب د.
٢٦

قال ابن قتيبة: (ولا يجوز: إياك کرائم» بحذف الواو.
والكرائم جمع كريمة وهي جامعة الكمال[(١)] الممكن في تعريف
حقها من غزارة لبن وكمال صورة أو كثرة لحم أو صوف / وهي
((الكريمة»
[ ١٣٤ /١/١]
النفائس، التي تتعلق بها نفس مالكها، أو يختصها لنفسه، ويؤثرها
کالأكولة .
والرُّبا: هي التي تربي ولدها أو الحديثة / العهد بالنتاج.
والماخض: هي الحامل. وفحل الغنم.
وحزرات المال : - بتقديم الزاي ـ وقيل: بتأخيرها(٢) وهي
التي تحرز بالعين، وترمق لشرفها عند أهلها .
التاسع عشر: الحكمة في منع الساعي ذلك أن الزكاة وجبت الحكمة في منع
مواساة للفقراء في مال الأغنياء فلا يناسب ذلك الإِجحاف بأرباب
الساعي من
أخذ الكرائم
الأموال فسامحهم الشرع بما يظنون به، ونهى الساعي عن أخذه
فيحرم عليه أخذها، بل يأخذ الوسط، ويحرم على رب المال إخراج
شر المال، نعم لو رضي المالك بإخراج الكريمة قبلت منه.
(١) في الأصل زيادة (واو)، والتصحيح من ن ب د.
(٢) في الحديث الذي أخرجه مالك في الموطأ (٢٦٧/١): «لا تأخذ من
حزرات الناس شيئاً))، وأورده ابن الجوزي في غريب الحديث في
موضعين: في باب الحاء مع الراء (٢٠٣/١)، وفي الحاء مع الزاي
(٢٠٩/١)، وأيضاً في النهاية كذلك (٣٦٧/١) (٣٧٧/١). قال أبو عبيدة
الحزرة: خيار المال، وحكى الأزهري: أن حزرات الأموال هي التي
يودها أربابها، وليس كل المال الحزرة ... إلخ.
٢٧

وعندنا وجه: أن الرُّبا (١) لا تؤخذ لأنها لقرب عهدها بالولادة
مهزولة، والهزال عيب .
ووجه آخر: أنه لا تقبل الكريمة إذا تبرع المالك بها للنهي
المذكور، وهما فاسدان، كما أوضحت ذلك في شرح المنهاج مع
فروع متعلقة بذلك / فراجعها منه.
العشرون: قوله - عليه الصلاة والسلام - : ((واتق دعوة.
المظلوم! فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) هذا تنبيه على الامتناع من
جميع أنواع الظلم، وذكر ذلك عقب أخذ الكرائم، حيث إن أخذها
ظلم، وعلل إنفاذ دعوة المظلوم [بعدم الحجاب بينها وبين الله
- تعالى - تأكيداً لتحريم الظلم وتنبيهاً على سرعة عقوبة فاعله،
ودعوة المظلوم](٢) مسموعة لا ترد، وهو معنى عدم الحجاب بينها
وبین الله - تعالی ۔
الحادي والعشرون: الحجاب يقتضي الاستقرار في المكان(٣)
والباري - تعالى - منزه عن ذلك، إلاّ أنه # # كان يخاطب العرب
بما تفهم.
والمراد: أنها مقبولة على كل حال لا أن الباري - جل
وتعالى - حجاباً بحجبه عن الناس. ويحتمل كما قال الفاكهي: أن
(١) أي التي تربي ولدها.
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) يقال: إن الله مستوٍ على عرشه، ولا يحيط به شيء من خلقه، وما فوقه
هواء.
٢٨

يراد بالحجاب هنا المعنوي دون الحسي(١).
والمعنى: أن المظلوم دعوته مقبولة وإن كان عاصياً مخلطاً،
ولا يكون عصيانه وتخليطه حاجباً لدعائه. ومما يؤيد هذا الاحتمال
ما جاء في الصحيح(٢): ((أنى يستجاب له ومطعمه حرام ومشربه
حرام))، الحديث، فعلم أن المطعم الحرام والمشرب الحرام ونحو
ذلك مما يمنع الإِجابة، فأراد أن دعوة المظلوم لا يمنعها شيء
كما منع المطعم والمشرب الحرام من استجابة الدعاء في حق غير
المظلوم.
[١٣٤//ب]
الثاني والعشرون: يؤخذ من الحديث أن السنّة أن الكفار / الدعوة قبل
يدعون إلى التوحيد قبل القتال.
القتال
الثالث والعشرون: يؤخذ منه أيضاً وجوب الزكاة كما سلف.
الرابع والعشرون: يؤخذ منه أيضاً أن الإمام يبعث سعاة عدولاً بعث الماة
أُمناء ثقات علماء يأخذون الزكاة نيابة عن الفقراء.
الخامس والعشرون: يؤخذ منه أيضاً بوصية الإِمام نوابه بما وصية الإِمام
يحتاجون إليه من علمهم من العمل بالأحكام أمرها ونهيها /
لوابه
خصوصاً بما يأمر الرعية.
السادس والعشرون: يؤخذ منه أيضاً وجوب بيان تحريم الظلم وجوب
على الإِمام وغيره من العلماء والأمر باجتنابه وبتقوى الله - تعالى -
اجتناب الظلم
والمبالغة في ذلك وتعريف قبح عاقبته.
(١) يقال: ليس بينها وبين الله مانع، ولا يقال: معنوي ولا حسي.
(٢) مسلم (١٠١٥)، والترمذي (٢٩٨٩).
٢٩

السابع والعشرون: يؤخذ منه أيضاً تحريم جميع أنواع الظلم
كما أسلفناه .
استجابة دعوة
المظلوم
الدعاء على
الظالم
الثامن والعشرون: فيه أيضاً استجابة دعاء المظلوم.
التاسع والعشرون: يؤخذ منه أيضاً جواز الدعاء على الظالم بما:
يسوغ شرعاً.
الثلاثون: يؤخذ منه أيضاً قبول خبر الواحد ووجوب العمل
به .
قبول خبر
الواحد
الزكاة في
أموال اليتامى
قال القاضي عياض(١) /: وفيه دليل على إيجاب الزكاة على
الصبي والمجنون لعموم قوله: ((من أغنيائهم)) وضُعِّفَ بأنهما ليسا
أهلاً للطاعة. فالحديث حجة للمخالف(٢).
واتفقوا: على وجوب العشر فيما أخرجته أرضه(٣). ووجوب
صدقة الفطر عليه .
قال البغوي: وفيه دلالة أيضاً على أن المال إذا تلف قبل
التمكن من الأداء سقطت الزكاة، لأنه أضاف الصدقة إلى الأموال،
(١) الصحيح أن الزكاة تجب في أموال اليتامى لحديث: ((من ولي يتيماً فليتجر
له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة)). وفي رواية: ((ابتغوا في مال اليتامى
لا تأکلها الزكاة)» .
(٢) أخرجه الترمذي والبيهقي. انظر: نصب الراية (٣٣١/٢)، وكانت عائشة
- رضي الله عنها - تخرج الزكاة من أموال اليتامى، وقال عمر - رضي
الله عنه - : ((اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة)).
(٣) أي أرض اليتيم. انظر: الاستذكار (٨٣/٩)، ومعالم السنن (٢/ ٢٠٠).
٣٠

وفيه نظر: لأنها لم تقيد بالوجود(١).
(١) البغوي (٤٧٣/٥)، وقال ابن القاسم في حاشية الروض (١٨٣/٣): أي
فلا تسقط زكاة النصاب الذي تلف بيده، لأنه عين تلزمه مؤونة تسليمه إلى
مستحقه، فيضمنه بتلفه في يده، كعارية ونحوها، سواء فرط أو لم يفرط
وما لم يكن تحت يده تسقط زكاته، وعنه: تسقط إذا لم يفرط، فيعتبر
التمكن من الأداء مطلقاً، واختار الشيخ وجمع: تسقط بتلفه إذا لم يفرط
على كلا الروايتين أما لو أمكنه الأداء فلم يزك لم تسقط، كزكاة الفطر
وكالحج، وقال الموفق: والصحيح تسقط بتلف المال إذا لم يفرط، لأنها
تجب على المواساة فلا تجب مع عدم المال، وفقر من تجب
عليه ... إلخ كلامه. وأيضاً نقل الحافظ كلام البغوي في الفتح
(٢٨٥/٣)، وقال: وفيه نظر، ولم يبينه.
٣١

[١٣٥ /١/١]
/ الحديث الثاني
٣٣/٢/١٧٢ - عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -
قال: قال رسول الله وَالر: ((ليس فيما دون خمس ذود صدقة وليس
فيما دون خمس أواق صدقة ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة))(١).
الكلام عليه من أحد عشر وجهاً:
الأول: التعريف براويه وقد سلف في باب المواقيت.
الثاني: ((الأواق))(٢) جمع أوقيّة - بتشديد الياء -، ويقال في
تعريف الأوقية
ومقدارها
(١) البخاري (١٤٠٥، ١٤٤٧، ١٤٥٩، ١٤٨٤)، ومسلم (٩٧٩)، وأبو داود
(١٥٥٨) في الزكاة، باب: ما تجب فيه الزكاة، ومالك في الموطأ
(٢٤٤/١)، والحميدي (٧٣٥)، والنسائي (١٧/٥)، والشافعي
(٢٣١/١، ٢٣٢)، وابن حبان (٣٢٦٨، ٣٢٧٥، ٣٢٨٢)، وابن خزيمة
(٢٢٦٣، ٢٢٩٨)، والبغوي (١٥٦٩)، وأحمد (٤٤/١، ٤٥،
٦/٣،٧٩)، وأبو يعلى (٩٧٩).
(٢) الأوقية تساوي = ١٢٧ غراماً.
الأوقية أيضاً تساوي = ٤٠ غراماً.
التش نصف الأوقية = ٦٣,٤ غراماً.
الدرهم يساوي = ٣,١٧٥ غراماً.
٣٢

كل جمع إذا كان مفرده مشدداً - بتشديد الياء وتخفيفها - كالأَوَاقِيُّ
والبخاتي والكراسي وما أشبه ذلك. قال ذلك ابن السكيت(١)
والجوهري(٢): وقد ثبت في هذا الحديث في الجمع حذف الياء
فيصير في الجمع للأوقية ثلاث لغات: التشديد والتخفيف والحذف.
والأوقية بضم الهمزة.
وأنكر جمهور أهل اللغة: حذف الهمزة.
وحكى اللحياني: جواز فتح الواو وتشديد الياء، وجمعها
(وقايا)) كضحية وضحايا.
وفي ((مجمع الغرائب)) وزنها: أفعولة والهمزة زائدة، ولكنها
لما لزمت في الواحد والجمع صارت كالأصل، وحقها أن تذكر في
فصل الواو والقاف.
وقيل: اشتقاقها من الأوقة وهو موضع منهبط، يجتمع فيه
الماء .
وقيل: هو من باب وقي يقي.
وأجمع العلماء / من المحدثين والفقهاء واللغويين: على أن
المراد بالأوقية الشرعية: أربعون درهماً، وهي أوقية الحجاز.
النواة يساوي = ١٦ غراماً تقريباً.
=
فيكون نصاب الذهب ٩٦ غراماً، ونصاب الفضة ٦٤٢ غراماً عند
الجمهور، و ٧٠٠ عند الحنفية.
(١) انظر: المشوف المعلم (٨٤).
(٢) انظر: مختار الصحاح (٣٠٥).
٣٣

قال القاضي عياض(١): ولا يصح أن تكون الأوقية والدراهم
مجهولة في زمنه لل وهو يوجب الزكاة في أعداد منها ويقع بها
البياعات والأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. قال: وهذا
يبين أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمان
عبد الملك بن مروان، وأنه جمعها برأي العلماء، وجعل كل عشرة
سبعة مثاقيل وزن الدرهم ستة دوانيق قول باطل. وإنما معنى ما نقل
في ذلك: أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإِسلام، وعلى صفة
لا تختلف، بل كانت مجموعات من ضرب فارس والروم، وصغاراً
وكباراً، وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة ويمنية / ومغربية،
فرأوا صرفها إلى ضرب الإِسلام ونقشه وتصييرها وزناً واحداً،
لا يختلف وأعياناً يستغنى فيها عن الموازين، فجمعوا أكبرها
وأصغرها، وضربوه على وزنهم.
قال القاضي: ولا شك أن الدراهم كانت حينئذ معلومة، وإلاّ
فكيف [كان] (٢) يتعلق بها حقوق الله - تعالى - من الزكاة وغيرها
وحقوق العباد. ولهذا كانت الأوقية معلومة.
الدراهم لم
تكن مجهولة
في عهد
النبي
[١/١٣٥/ب]
وقال أصحابنا: أجمع أهل العصر الأول / على التقدير بهذا
الوزن المعروف، وهو أن الدراهم ستة دوانيق، وكل عشرة دراهم
سبعة مثاقيل. ولم يتغير المثقال في الجاهلية ولا الإِسلام.
واعلم: أن الدراهم كانت في الجاهلية على نوعين مختلفين:
(١) انظر: شرح مسلم (٥٢/٧)، وإكمال إكمال المعلم (١٠٩/٣).
(٢) زيادة من ن ب د.
٣٤

بغلية وطبرية، نوع عليه نقش فارس، والآخر نقش الروم.
فالبغلية نسبة إلى ملك يقال له رأس البغل(١) وهي السود كل
درهم منها ثمانية دوانيق.
والطبرية: نسبة إلى طبرية الشام وزن كل درهم منها أربعة
دوانيق. وهي العتق، فقدر الشرع في الإِسلام الدرهم ستة دوانيق
جمعاً بينهما، ووقع الإِجماع عليه من غير ضرب، وكانوا يتعاملون
بهذا التقدير الشطر من هذه والشطر من هذه عند الإطلاق، ما لم
يعينوا بالنص أحد النوعين. وكذلك كانوا يؤدون الزكاة في أول
الإِسلام باعتبار مائة من هذه ومائة من هذه في النصاب، هكذا قاله
أبو عبيد وغيره(٢) وهي الخمسة الأواقي المذكورة في الحديث، ولم
يخالف في ذلك أحد إلَّ ابن حبيب الأندلسي، فإنه زعم أن كل بلد
يتعاملون بعرفهم في الدراهم، وهو خلاف قول الجمهور، ويعضد
قولهم ما ثبت أنه ( # قال: ((الوزن وزن مكة))(٣) وهذا المقدار هو
(١) في حاشية الأصل: الرأس ثمان حبات وثلث حبة وثلث خمس حبة من
الشعير الخلص. فالدرهم خمسون حبة وخمسا حبات والدرهم سنة
دوانیق.
(٢) كتاب الأموال لأبي عبيد (٦٢٩)، وانظر النص كاملاً فيه.
(٣) أبو داود (٣٣٤٠) في البيوع، باب: قول النبي ◌َكله: ((المكيال مكيال أهل
المدينة))، والنسائي (٥٤/٥)، والزكاة (٢٨٤/٧) في البيوع، والبيهقي
(٣١/٦)، وابن حبان (٣٢٨٣)، والأموال لأبي عبيد (١٦٠٧)،
والطحاوي في مشكل الآثار (٩٩/٢)، والبغوي (٢٠٦٣).
انظر: شرح السنَّة (٦٩/٨)، وفتح الباري (٣١٠/٣، ٣١١).
٣٥

الذي كان أهل مكة يتعاملون به في عصره / - عليه الصلاة
والسلام - فلما تمكن الإِسلام واتسع ضربت الدراهم على ضرب
الإِسلام تحرجاً من تلك النقوش وتحرياً لمعاملتهم الإِطلاقية، فنسب
التقدير إلى من [ضربت] (١) في زمنه ابتداء، وليس كذلك، بل كان
ذلك إظهاراً للضرب لا ابتداء تقدير.
واختلف في زمن من ابتدأ إظهار ذلك.
فقيل: في زمن عمر بن الخطاب.
وقيل: في زمن بني أمية .
الثالث: ((الصدقة)) واحد الصدقات بفتح - الصاد والدال -.
وأما ما هو اسم من أسماء الصداق: ففيه سبع لغات، ذكرتها
في ((شرح المنهاج))(٢).
المراد بالأواقي
الرابع: المراد بالأواقي الخمسة المذكورة الخالصة من الغش،
ولا يشترط كونها دراهم منقوشة، بل السبائك وغيرها حكمها
كذلك، فلو كانت مغشوشة أو بعضها لم يجب فيها شيء حتى يبلغ
من الخالص نصاباً، هذا / مذهبنا وهو المشهور من مذهب مالك ..
وقيل: يعتبر الأكثر فيكون الأقل تبعاً .
(١) في ن ب (ضرب).
(٢) قال ابن القاسم في حاشية الروض (٣٦٣/٦): الصداق بفتح الصاد
وكسرها، وله تسعة أسماء:
ثم عقر، علائق
حباء، وآجر،
صداق، ومهر، ونحلة، وفريضة
التاسع: الصدقة .
٣٦

قال القاضي عبد الوهاب: إلاَّ أن يكون ما لا حكم له كما
يقول أهل الصنعة أنه لا يتأتى الضرب إلاَّ به كالدائق في العشرة وما
أشبهه .
قال الفاكهي: فلو تصور أن يكون جوده أو سكة تجبر ما نقصه
الغش لم يعتبر باتفاق.
وانفرد السرخسي: / من الشافعية بحكاية وجه أنها إذا بلغت [١/١٣٦/أ]
قدراً لو ضمت إليه قيمة الغش من النحاس أو غيره لبلغ نصاباً فإن
الزكاة تجب فيه(١).
الخامس: فيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه على عدم إذا نقص
الوجوب فيما إذا نقص عن النصاب ولو بحبة ونحوها، فإنه يصدق
الصاب
أنها دون خمس أواق، وفيه رد على المالكية، حيث أوجبوا الزكاة
في ذلك، وسامحوا بالنقص اليسير جدّاً الذي تروج معه الدراهم
والدنانير رواج الكامل، هذا نص مالك.
واختلف أصحابه: في مقداره.
فقيل: ما لا يتشاحح فيه في العادة.
وقيل: بأنه المقدار الذي يختلف فيه في الموازين بشرط
جوازها بجواز الموازنة، فإن كثر النقص وجرى مجرى الموازنة،
ففي وجوب الزكاة فيه قولان عندهم فمن اتبع مقتضى اللفظ
أسقطها، ومن اتبع المعنى في الانتفاع بها كالوَازِنَة أوجبها .
(١) انظر: فتح الباري (٣١١/٣)، وأيضاً الخامس والتنبيه.
٣٧

وحُكِيَ عن عمر بن عبد العزيز(١): نقص ثلاثة دراهم وثلث
دينار من نصابهما [لا يسقطها](٢).
وحكى الغزالي: عن مالك وجوب الزكاة على من معه مائةٍ
وخمسون، تساوي مائتين قراضة، ونقد البلد قراضة وأنكر ذلك عليه
بأن أصحابه لا يعرفونه، ولا نقله أحد منهم عنه، / بل صرح
المتأخرون منهم بنفيه، وقالوا: إنما رأوا في الموطأ أنها إذا نقصت
وكانت تجُوزُ بجواز الوازنة وجبت الزكاة(٣). فظنوا النقص في
المقدار والجواز في الفضة، لأنها بارتفاع ثمنها تلحق بالوازنة، وهذا
ظن باطل والمراد أنها ناقصة نقصاً لا يتشاحح الناس في مثله في
العادة [كما سلف] (٤).
فرع: لو نقص النصاب حبة أو نحوها في بعض الموازين وكان
تامّاً في بعضها، فالأصح عند الشافعية لا وجوب للشك في النصاب.
تنبيه: خالف المعري وبشر المريسي الإجماع فاعتبرا العدد
دون الوزن.
السادس: لم يذكر في الحديث الذهب لأن غالب تصرفهم كان
اعتبار العدد
عند بعض
العلماء دون
الوزن
سبب عدم ذکر
الذهب في
الحديث
(١) انظر: الموطأ (٢٥٥/١)، والأم (٤٦/٢).
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) انظر: الاستذكار (٣٩/٩)، قال النووي - رحمنا الله وإياه - في شرح
مسلم (٥٤/٧) متعقباً هذا: ((دليلنا أنه يصدق أنها دون خمس أواق)).
وفيه: ((تروج رواج)) بدل ((تجوز بجواز)). وفي إكمال إكمال المعلم
(١١٠/٣): فإن لم تجز بجواز الوازنة.
(٤) زيادة من ن ب د.
٣٨

بالورق. وقد ذكر الذهب في غير هذا الحديث في «صحيح ابن
حبان)) و ((الحاكم)) وغيرهما وفي ((صحيح البخاري)) من حديث
أنس / ((وفي الرقة ربع العشر)) (١) وهي الفضة.
وقيل: يشمل الذهب أيضاً وقام الإجماع على وجوب الزكاة
في عشرين مثقالاً منه.
وادعى النووي(٢) أن الاستدلال به كاف، وأن الأحاديث
الواردة بتحديد ذلك ضعاف. وفي الثاني: نظر لما ذكرته لك.
والمثقال: أربعة وعشرون قيراطاً.
مقدار المثقال
والقيراط: ثلاث حبات من وسط الشعير مجموعه اثنان
وسبعون حبة بالإجماع.
وحُكِيَ عن الحسن البصري والزهري أنهما قالا /: لا تجب [١/١٢٦/ب]
في أقل من أربعين مثقالاً، لكن الأشهر عندهما الوجوب في عشرين،
كقول العلماء.
(١) البخاري (١٤٤٨)، وأبو داود (١٥٦٧) في الزكاة، باب: في زكاة
السائمة، والنسائي (١٨/٥، ٢٣، ٢٧، ٢٩)، وابن الجارود (٣٤٢)،
ومسند أبي بكر للمروزي (٧٠)، وابن ماجه (١٨٠٠)، والبغوي
(١٥٧٠)، والبيهقي (٨٥/٤، ٨٦)، والدارقطني (١١٤/٢، ١١٦)،
والحاكم (٣٩٠/١)، وابن حبان (٣٢٦٦)، والشافعي (٢٣٥/١، ٢٣٦)،
وأبو يعلى (١٢٧)، وأحمد (١١/١، ١٢)، وابن خزيمة. (٢٢٦١،
٢٢٧٩، ٢٢٨١).
(٢) شرح مسلم (٧/ ٥٣).
٣٩

وحكى القاضي عياض: عن بعض السلف وجوب الزكاة في
الذهب إذا بلغت قيمة مائتين درهم، وإن كان دون عشرين مثقالاً .
قال هذا القائل ولا زكاة في العشرين حتى تكون قيمتها مائتي
درهم(١).
فرع: اختلف العلماء فيما إذا ملك بعض نصاب من الذهب
وبعض نصاب من الفضة هل يضم بعضه إلى بعض بالقيمة(٢).
إذا ملك نصف
تصاب ذهب
ونصف
نصاب فضة
فقال مالك والجمهور كما نقله القرطبي عنهم: يضمان في
إكمال النصاب على اختلاف بينهم.
فمالك وجماعة: يراعون الوزن والضم على الأجزاء لا على
القيم، ويتزلون كل دينار منزلة عشرة دراهم على الصرف القديم (٣).
وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري: يرون ضمها على القيمة في
وقت الزكاة.
وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود: لا يضم مطلقاً.
وذهب آخرون: إلى أنه إنما يضم إذا كمل من أحدهما
(١) انظر: شرح مسلم (٤٩/٧)، وإكمال إكمال المعلم (١١٠/٣).
(٢) قال ابن قاسم في حاشية الروض (٢٤٥/٣) على قوله: ((ويضم الذهب
إلى الفضة في تكميل النصاب)) بالأجزاء قال: كالنصف والربع،
لا بالقيمة، وفاقاً لمالك وأبي حنيفة، وصححه غير واحد، وأنه لا يسع
الناس غيره، لأن الضم بالأجزاء متيقن، ورجع أحمد عن القول بعدم
الضم. اهـ.
(٣) انظر: الاستذكار (٤٠/٩).
٤٠