Indexed OCR Text
Pages 521-540
تعظيمها / وأما الشافعية فجزموا بالكراهة. والحديث الصحيح السالف ((لا تصلوا إليها)) ظاهر في التحريم، وكذا هذا أيضاً وغيره من الأحاديث(١). (١) اقرأ تراجم باب: ((ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟)) وباب: ((ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أو ثاناً تعبد من دون الله)) والترجمة من قبلهما، وباب: ((ما جاء في حماية المصطفى ﴿ جناب التوحيد وسدّه كل طريق يوصل إلى الشرك)) .. من فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (٢١٨، ٢٨٠)، فإن فيها علم وفِقْه لمن وفقه الله للهداية وسلوك صراطه المستقيم. ٥٢١ الحديث الثالث عشر ٣٢/١٣/١٦٩ - عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -". عن النبي وَلو قال: ((ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية»(١). الكلام عليه من اثني عشر وجهاً: والتعريف براويه سلف في باب المواقيت. معنى قوله: (ليس من) الأول: معنى قوله: «ليس منا)» ليس من أهل سنتنا ولا من المهتدين بهدينا، وليس المراد به الخروج من الدين جملة؛ إذ المعاصي لا يكفر بها عند أهل السنَّة كما أسلفنا ذلك في الحديث العاشر، اللهم إلاَّ أن يعتقد حل ذلك فإنه يكفر. وأما سفيان الثوري فقال: بإجرائه على ظاهره من غير تأويل؛ لأن إجراءه كذلك أبلغ في [الانزجار](٢) عما يذكر في الأحاديث التي (١) البخاري (١٢٩٤، ١٢٩٧، ١٢٩٨، ٣٥١٩)، ومسلم (١٠٣)، والترمذي (٩٩٩)، في الجنائز، باب: ما جاء في النهي عن ضرب الخدود وشق الجيوب عند المصيبة، والنسائي (٢٠/٤)، وابن ماجه (١٥٨٤)، والبغوي (١٥٣٣)، وابن حبان (٣١٤٩)، وابن الجارود (٥١٦)، وأحمد (٤٣٢/١، ٤٥٦، ٤٦٥، ٣٨٦، ٤٤٢)، والبيهقي (٦٣/٤، ٦٤). (٢) في الأصل (الأمر)، وما أثبت من ن ب د. ٥٢٢ صيغتها ((ليس منا)) أو ((فعل كذا)). الثاني: خص ((الخدود بالضرب)) دون سائر الأعضاء / لأنه علة تخصيص الواقع منهن عند المصيبة، ولأن أشرف ما في الإِنسان الوجه، فلا الخـدود بالضرب يجوز امتهانه وإهانته بضرب ولا تشويه ولا غير ذلك مما يشينه، وقد أمر الضارب باتقاء الوجه(١). الثالث: ((الخدود)) جمع خد، وليس للإنسان إلاَّ خدان، وهذا - والله أعلم - من باب قوله - تعالى -: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾(٢). وقالت العرب: شابت مفارقه، وليس له إلاَّ مفرق واحد، فكأنهم سموا كل موضع من المفرق مفرقاً، ومثله شق الجيوب. الرابع: لما تضمن ضرب الخدود وعدم الرضا بالقضاء تحريم ضرب والقدر، ووجود الجزع، وعدم الصبر، وضرب الوجه، الذي نهي الخدود عن ضربه من غير اقتران مصيبة كان فعله حراماً مؤكداً للتحريم كما أسلفناه . تعـريـف (((الجيب» الخامس: ((الجيوب)) جمع جيب وهو ما يشق من الثوب ليدخل فيه الرأس نازلاً به إلى العنق والرقبة أو يقطع، ومنه قوله - تعالى -: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ ﴾﴾(٣) أي قطعوا. (١) الحديث الوارد بذلك: إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه فإن الله - عز وجل - خلق آدم على صورته)) واللفظ الآخر: ((لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن)). (٢) سورة طه: آية ١٣٠. (٣) سورة الفجر: آية ٩. ٥٢٣ [١/١٢٧/ب] [ مكرز ] وشق الجيوب: قطعها وإفسادها به في / غير محله، وحُرِّمَ ذلك لما فيه من إظهار السخط، كما قدمناه مع ما فيه من إضاعة المال والرياء بذلك وقد برىء # من الشاقة في الحديث السالف. السادس: ((الجاهلية)) ما قبل الإسلام /، وكل فعل خالف فعل الإِسلام وما قرره الشرع هو جاهلي، وفاعله من الجاهلية حيث خالف الإِسلام فيه . تعـريـف ((الجاهلية» السابع: دعوى الجاهلية تطلق على أمرين. الأول: ما كانت العرب تفعله عند القتال من الدعوى. الثاني: وهو المراد هنا ما كانت تفعله عند موت الميت برفع الصوت وغيره: واجبلاه واسنداه واسيداه وامرمل النسوان ومؤتم الولدان ومخرب العمران. ويدخل ذلك تحت لفظ الصالقة في الحديث السالف، وما كانت تدعو الناس إلى المآتم والنعي وما أشبه ذلك. فالمراد بها إذن النياحة والندب، وهو ذکر صفاته وشمائله. ومحاسنه في زعمهم، وهي في الشرع قبائح ورفع الصوت بها نياحة وبدون رفعه ندب. وفي الحديث الآخر: إن النياحة من أفعال الجاهلية(١) وفي سنن أبي داود بإسناد ضعيف ((لعن الله النائحة (١) لحديث أبي مالك الأشعري أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((أربع في أمتي من أمر الجاهلية ثم قال والنياحة)). لحديث أخرجه مسلم (٩٣٤)، والبغوي (١٥٣٣)، وأحمد (٣٤٢/٥، ٣٤٣، ٣٤٤)، والبيهقي (٦٣/٤)، والحاكم (٣٨٣/١)، وعبد الرزاق (٦٦٨٦)، وأيضاً حديث أبي هريرة: («ثلاث من عمل الجاهلية لا يتركهن أهل الإسلام: النياحة)). الحديث لمسلم (٦٧)، وابن الجارود (٥١٥)، وغيرهم. ٥٢٤ والمستمعة))(١). ومذهب العلماء كافة أنها حرام. وخالف بعض المالكية، فقال: ليست بحرام، وإنما الحرام ما كان معه شيء من أفعال الجاهلية: كشق الجيب ونحوه مستدلاً بحديث أم عطية أنه - عليه الصلاة والسلام -: ((لما أخذ البيعة عليهن أن لا ينحن قالت: يا رسول الله! إلَّ آل فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم. فقال ((إلاَّا آل فلان)»(٢). فالجواب عنه من أوجه: أحدها: أنه خاص بها جزم به النووي(٣) ولم يرتضه القرطبي. ثانيها: أنه کان قبل تحریم النیاحة وهو فاسد. الجواب عما ورد من استثناء الـوع ثالثها: أن يكون قوله ((إلَّ آل فلان)) إعادة لكلامها على وجه الإِنكار والتوبيخ، كما قال للمستأذن حين قال: أنا، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((أنا، أنا)) منكراً عليه، ويؤيد هذا رواية النسائي (١) أبو داود في الجنائز (٢٩٩٩)، باب: في النوح (٢٩٩٩)، والبغوي (١٥٣٦). (٢) البخاري (٤٨٩٢، ٧٢١٥)، ومسلم (٩٣٦)، والنسائي (١٤٨/٧، ١٤٩)، والحاكم (٣٨٣/١)، وابن أبي شيبة (٣٨٩/٣)، وأحمد (٤٠٧/٦، ٤٠٨)، والطبراني (١٣٣/٢٥، ١٣٦)، وابن حبان (٣١٤٥)، والبيهقي (٤/ ٦٢). (٣) انظر: شرح مسلم (٢٣٨/٦). ٥٢٥ في حديث بمعنى حديث أم عطية: ((لا إسعاد في الإِسلام)) (١) وحديث قصة نساء جعفر (٢) جوابه الوجه الثاني من هذه الأوجه. الثامن: في هذا الحديث تحريم هذه المذكورات والسكون إلى أوامر الله - تعالى - ورسوله - عليه أفضل الصلاة والسلام - في جميع الحالات. تحريم المذكورات في الحديث تحريم ضرب الوجه [التاسع](٣): فيه تحريم ضرب الوجه، لأنه إذا حرم البعض فالكل بطريق الأولى، مع أن في الوجه ما هو أفضل من الخد. العاشر: / فيه تحريم إفساد المال أو تنقيصه خصوصاً عند السخط والجزع. تحريم إفساد المال [١٢٨ / ١/١] تحریمما کانت تفعله الجاهلية عند المصائب الحادي عشر: / فيه تحريم ما كانت الجاهلية تفعله، لأنه إذا حرم مثل ما ذكر عند المصائب مع أن فاعل ذلك كالمكره عليه طبعاً فغيره من الأمور الاختياريات من فعلهم الذي قرر الشرع عدم فعلها أولى بالتحريم. الثاني عشر: في رواية لمسلم في كتاب الإِيمان ((أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية)) بلفظ ((أو)) وروايته هنا كما في الكتاب / فتحمل رواية ((الواو)) على رواية ((أو)). (١) أحمد (١٩٧/٣)، والنسائي (٤ /١٦)، وعبد الرزاق (٦٦٩٠)، وابن حبان (٣١٤٦). (٢) البخاري (١٢٩٩، ١٣٠٥، ٤٢٦٣)، ومسلم (٩٣٥)، والنسائي (٤/ ١٤ ، ١٥)، وأبو داود (٣١٢٢) فى الجنائز، باب: الجلوس عند المصيبة، وأحمد (٢٧٦/٦، ٢٧٧)، والبيهقي (٥٩/٤). (٣) في ن ب د (التاسع) ... إلخ الأوجه. ٥٢٦ الحديث الرابع عشر ١٤/١٧٠/ ٣٢ - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَله: ((من شهد الجنازة حتى يُصلَّى عليها، فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن، فله قيراطان)). قيل: وما القيراطان؟ قال: ((مثل الجبلين العظيمين))(١). ولمسلم: ((أصغرهما مثل أحد))(٢). الکلام عليه من وجوه : أحدها: معنى: ((شهد)»: حضر، كما قدمت مثله في باب صلاة العیدین . (١) في بعض الصحاح والمسانيد: ((عظيمين)). انظر: البخاري (٤٧، ١٣٢٣، ١٣٢٥)، ومسلم (٩٤٥)، والنسائي (٧٦/٤)، وأبو داود (٣١٦٨) في الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنائز وتشييعها، والترمذي (١٠٤٠) في الجنائز، باب: ما جاء في فضل الصلاة على الجنازة، وابن ماجه (١٥٣٩)، والبيهقي (٤١٢/٣)، وأحمد (٢٣٣/٢، ٢٨٠، ٢٧٣، ٣٢١)، وابن حبان (٣٠٧٨)، وابن الجارود (٥٢٦). (٢) مسلم (٩٤٥)، وأبو داود (٣١٦٨) في الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنائز وتشبيعها، والترمذي (١٠٤٠) في الجنائز. ٥٢٧ معنى: القيراط والـدائق) [الثاني](١): ((القيراط)) اسم لمقدار معلوم في العرف وهو جزء من أربعة وعشرين جزءاً وهو في أصل اللغة نصف دانق. والدانق: سدس درهم، وذلك ثمان حبات وثلث حبة، وثلث خمس حبة . وأصله: قِرّاط بالتشديد لأن جمعه قراريط فأبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء مثل دينار أصله دِنّار بالتشديد أيضاً (٢). قال القرطبي: وقد يراد بالقيراط الجزء مطلقاً ويكون عبارة عن الحظ والنصيب ألا ترى أنه قال أصغرهما مثل أحد. مقداره من الثواب قلت: وبه صرح القاضي حسين من الشافعية فقال: القيراط مقدار من الثواب يقع على القليل والكثير. فبين في هذا الحديث أنه مثل أحد فيكون تمثيلاً بجزء من الأجر ومقدار منه / وهو من مجاز التشبيه، تشبيهاً للمعنى العظيم بالجسم العظيم ونحوه. قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((اللهم لك الحمد ملء السموات وملء الأرض))(٣) الحديث. ثم لا يلزم أن يكون هذا القيراط هو المذكور في حديث ((من اقتنى كلباً إلاَّ كلب صيد أو زرع أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط)» (٤). وفي رواية ((قيراطان)) بل ذلك قدر معلوم (١) في ن ب د (ثانيها) ... إلخ الأوجه. (٢) لسان العرب (١١/ ١١٤). (٣) حديث ابن أبي أوفى - رضي الله عنه -. انظر: مسلم (٤٧٦) في الصلاة، والنسائي (١٩٨/١)، وأحمد (٣٥٤/٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٨٤)، والطيالسي (٢٥٦/١)، وابن حبان (٩٥٦). (٤) زيادة من ن ب د. ٥٢٨ ١ يجوز أن يكون مثل هذا أو أقل أو أكثر. [بل ينبغي أن يكون القيراط في الأجر أعظم منه في نقصه لأنه من قبيل المطلوب تركه والأول من قبيل المطلوب فعله وهو الصلاة و((حضور الدفن وعادة)» الشارع تعظيم الحسنات وتخفيف مقابلها كرماً منه](١). قوله: «أصغرهما مثل أحداً ثالثها: قوله: ((أصغرهما مثل أحد)) هل الصغر راجع إلى الأول أم الثاني - الله أعلم بذلك - ولا يرجح قيراط الصلاة بكونها فرض كفاية لكون الدفن كذلك. ورواية البخاري الآتية دافعة لذلك، فإنها فيها جعل القيراطين على السواء، نعم قد يرجح بأن [أفضل](٢) عبادات [البدن](٣) الصلاة. وفي رواية لمسلم أيضاً ((كل قيراط / مثل أحد))(٤). [١/١٢٨/ب] وفي رواية للترمذي ((أحدهما أو أصغرهما مثل أحد)»(٥) ثم قال: حسن صحيح. وفي رواية للبخاري: ((من تبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معه حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر (١) في الأصل (أكثر)، والتصحيح من ن ب د. (٢) زيادة من ن ب د. (٣) البخاري (٥٤٨٠، ٥٤٨١، ٥٤٨٢)، ومسلم (١٥٧٤)، والترمذي (١٤٨٧، ١٤٨٨)، والنسائي (١٨٧/٧، ١٨٨، ١٨٩)، وأحمد (٤/٢، ٢٧، ٣٧، ٤٧)، والبغوي (٢٧٧٥)، والبيهقي (٩/٦)، ومالك (٩٦٩/٢)، وابن حبان (٥٦٥٣). (٤) انظر التعليق (١) و (٢). (٥) المصدر السابق. ٥٢٩ بقيراطين كل قيراط مثل أحد ومن صلى عليها ثم يرجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط))(١) تفرد البخاري بقوله: ((إيماناً واحتساباً)) /. وفي رواية للحاكم في مستدركه في فضائل أبي هريرة عنه مرفوعاً: ((من تبع جنازة فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان. القيراط أعظم من أحد))(٢). ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . وفي مسند الإمام أحمد من حديث الحجاج بن أرطأة عن عدي بن ثابت، عن زربن حبيش، عن أبي بن كعب مرفوعاً: ((والذي نفس محمد بيده لهو في الميزان أثقل من أحد))(٣). (١) المصدر السابق. (٢) المستدرك (٥١٠/٣). (٣) أحمد في المسند الفتح الرباني (١٩٨/٧)، وابن ماجه (٤٩٢/١). قال: في الزوائد: في إسناده الحجاج بن أرطأة. وهو مدلس فالإسناد ضعيف. مع اختلاف في اللفظ فيما بينهما ولا تأثیر للمعنى، وله شاهد من حديث البراء بن عازب عند النسائي (٥٤/٤)، وأنس بن مالك. قال الهيثمي في: المجمع (٣٣/٣): وفي إسناد أحدهما محتسب وفي الآخر روح بن عطاء، وكلاهما ضعيف - أقول: وقد تحرف في المجمع إلى ((محسب)) .. فليتنبه له - وأصله في مسند أبي يعلى (١٣٣/٧، ١٨٥) الطبراني في :.. الأوسط. انظر: الفتح الرباني (١٩٨/٧)، وأيضاً من حديث ابن عمر في المعجم الكبير، والمجمع (٣٣/٣). قال ابن حجر في الفتح (١٩٦/٣): تكملة: وقع لي حديث الباب من رواية عشرة من الصحابة غير أبي هريرة وعائشة: من حديث ثوبان عند مسلم، والبراء، وعبد الله بن مغفل عند النسائي، وأبي سعيد عند أحمد، = ٥٣٠ ورأيت في السنن الصحاح لابن السكن الحافظ [من حديث](١) أبي هريرة مرفوعاً: ((من أوذن بجنازة فأتى أهلها فعزاهم كتب الله له قيراطين فإن شيعها كتب الله له قيراطين. فإن صلى عليها كتب الله له ثلاثة قراريط، فإن شهد دفنها كتب الله له أربعة قراريط. القيراط مثل أحد))(٢). رابعها: مقصود الحديث أن من صلى على جنازة كان له مقدار معنى الحديث عظيم من الثواب والأجر فإن اتبعها بعد أن صلى عليها حتى تدفن كان له حظان عظيمان من ذلك، إذ قد عمل عملين. الصلاة وكونه معها / حتی تدفن. فإن قيل: فظاهر قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان)» ما يقتضي أن القيراطين يحصلان بشهودها وهو اتباعها ودفنها، فيكون حينئذ له بالصلاة والاتباع والدفن ثلاثة قراريط . وابن مسعود عند أبي عوانة، وأسانيد هؤلاء الخمسة صحاح ومن حديث = أبي بن كعب عند ابن ماجه، وابن عباس عند البيهقي في الشعب، وأنس عند الطبراني في الأوسط وواثلة بن الأسقع عند ابن عدي، وحفصة عند حميد بن زنجويه في فضائل الأعمال وفي كل أسانيد هؤلاء ضعف ... إلخ کلامه. (١) في الأصل (عن)، والتصحيح من ن ب د. (٢) قال في الفتح الرباني (١٩٨/٧): رواه البزار وفيه معدي بن سليمان صحح له الترمذي ووثقه أبو حاتم وغيره. وقال ابن حجر في تلخيص الحبير (١٣٥/٢): ومعدي فيه مقال، وانظر: مجمع الزوائد (٣٣/٣). ٥٣١ ۔۔ فالجواب: أن هذا مردود برواية البخاري السالفة التي أوردناها، فإنها صريحة في أن المجموع بالصلاة والاتباع وحضور الدفن قيراطان. وبه صرح جماعة من العلماء منهم: أبو الحسن: علي بن عمر القزويني، وابن الصباغ من الشافعية. ومثل هذا ما جاء في الصحيح: ((من صلى العشاء الآخرة في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله)) (١). وقيل: في هذا حصول قيام كل الليل بالصبح خاصة، وهو المتبادر إلى الذهن . : وأجاب: ابن الصباغ عن الرواية الأولى بأن معناها: ومن تبعها فله قيراطان بالمجموع. قال ونظيره قول الله - تعالى -: ﴿﴿ قُلْ أَبِّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿فِيَّ أَرْبَعَةٍ أَيَّامٍ﴾ أي تمام أربعة ثم قال: ﴿فَقَضَدُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ﴾(٢) . فائدة: في الصحيحين: / عن نافع أن ابن عمر حين بلغه حديث أبي هريرة بعث إلى عائشة فسألها فصدقته. قال ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة(٣). [١/١/١٢٩] حرص الصحابة على الخير (١) مسلم (٦٥٦)، وأبو داود (٥٥٥) في الصلاة، باب: في فضل صلاة الجماعة، والترمذي (٢٢١) في الصلاة، باب: ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة، وأبو عوانة (٤/٢)، وأحمد (٥٨/١، ٦٨)، وابن حبان (٢٠٦٠)، والبيهقي في السنن (٦٠/٣، ٦١)، وعبد الرزاق (٢٠٠٨). (٢) سورة فصلت: آيات ٩، ١٠، ١٢. (٣) البخاري (١٣٢٣، ١٣٢٤)، ومسلم (٩٤٥)، وأبو داود (٣١٦٩) في = ٥٣٢ قوله: (حتى يفرغ من دفنها» خامسها: قوله - عليه الصلاة والسلام - : ((حتى تدفن)) وفي لفظ في الصحيحين ((حتى يفرغ من دفنها)» / فيه دليل على أن القيراط الثاني لا يحصل إلاّ لمن دام معها من حين صلى إلى أن فرغ من دفنها. وهذا أصح الأوجه عندنا. وثانيها: يحصل إذا ستر الميت في القبر باللبن وإن لم يلق عليه التراب . وثالثها: أنه يحصل بمجرد الوضع في اللحد وإن لم يلق عليه التراب، حكاه السرخسي في ((أماليه)). وقال: إنه أضعفها. ويحتج له برواية مسلم: ((حتى توضع في اللحد)) وفي أخرى: ((في القبر)). ويتأول بالفراغ من دفنها جمعاً بين الروايات. سادسها: في قوله - عليه الصلاة والسلام - : ((من شهد شرط حصول الجنازة حتى يصلى عليها)» ما يؤذن بما ورد في بعض الروايات وهو القيراط الثاني اتباعها من عند أهلها، وأنه المراد بشهودها حتى يصلى عليها ولا شك أن من صلى عليها مجرداً حصل له قيراط، لكن قيراط من شهدها [من](١) عند أهلها حتى صلى عليها أكمل، وكذلك قيراط من تبعها حتى يفرغ من دفنها أكمل ممن حضر الدفن والفراغ منه دون الاتباع. لكن قال النووي في القطعة التي له على صحيح البخاري في رواية البخاري يعني التي أسلفناها. الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنائز وتشييعها، والنسائي (٧٧/٤)، = وأحمد (٣٨٧/٢)، والبيهقي (٤١٢/٣، ٤١٣)، وابن حبان (٣٠٧٩)، والطيالسي (٢٥٨١). (١) في ن ب ساقطة. ٥٣٣ تنبيه: على أن القيراط الثاني مقيد بمن اتبعها وكان معها في جمیع الطریق حتى تدفن، فلو صلى وذهب إلى القبر وحده، ومکث حتى جاءت الجنازة بعد ذلك، وحضر الدفن لم يحصل له القيراط / وكذا لو حضر الدفن، ولم يصلِ، أو تبعها ولم يصلِ فليس في الحديث حصول القيراط له، لأنه إنما جعل القيراط لمن تبعها بعد الصلاة، ولكن له أجر في الجملة. وأما إذا كان مع الجنازة جمع كثير تقدم إنسان أو جماعة في أول الناس أو تأخروا فإن كانوا بحيث ينسبون إلى الجنازة ويعدون من مشيعيها حصل لهم القيراط الثاني وإلاَّ فلا هذا كلامه. وكذا قال في ((شرح المهذب)): إن الفضل لمن هو معها لا لمن شیعها إلى المقبرة، فإن ذلك لا یکون له ثواب متبعها لأنه ليس معها ثم استدل برواية البخاري السالفة. وكره أشهب اتباعها والرجوع قبل الصلاة إلاَّ لحاجة. تنبيهات: أحدها: قال في ((الروضة))(١): تبعاً للرافعي لا يتقدم الجنازة إذا تقدم الجنازة إلى المقبرة إلى المقبرة فإن تقدم لم یکره. وفي ((الرعاية))(٢) في مذهب أحمد: أنه يكره التقدم إلى موضع الصلاة دون المقبرة. ۔۔ (١) انظر: الروضة (١١٥/٢). (٢) انظر: الفروع (٢٦٢/٢). ٥٣٤ قال الرافعي: بعد أن ذكر أنه لا يكره أن يتقدمها إلى المقبرة وهو بالخيار إن شاء قام منتظراً لها وإن شاء قعد وتبعه في الروضة. وقال / في ((شرح المهذب))(١): ثبت في الصحيحين وغيرهما [٨/١٢٩ ب] أنه - عليه الصلاة والسلام - أمر بالقيام لمن مرت به جنازة حتى تخلفه أو توضع(٢) وأمر من معها أن لا يقعد عند القبر حتى توضع. قال الشافعي وجمهور الأصحاب: / هذان القيامان منسوخان. وقال جماعة من أصحابنا: يكره القيام لها إذا لم يُرد المشي معها، وخالف صاحب ((التتمة))، فقال: إنهما مستحبان، واختاره النووي، لأنه صح الأمر بالقيام ولم يثبت في القعود إلاَّ حديث علي(٣) - رضي الله عنه - ولا نسخ فيه، لأنه يحتمل القعود لبيان الجواز. ثانيها: الانصراف عن الجنازة أربعة أقسام. أحدها: أن ينصرف عقب الصلاة فله قيراط. ثانيها: أن يتبعها حتى توارى ويرجع قبل إهالة التراب. ثالثها: أن يقف إلى الفراغ من القبر وينصرف. (١) المجموع شرح المهذب (٢٨٠/٥). (٢) البخاري (١٣٠٧)، ومسلم (٩٥٨)، وأبو داود (٣١٧٢) في الجنائز، باب: القيام للجنازة، وابن ماجه (١٥٤٢)، وابن حبان (٣٠٥١)، وأحمد (٤٤٥/٣، ٤٤٦، ٤٤٧)، والطحاوي (٤٨٦/١). (٣) الموطأ (٢٣٢/١)، وأبو داود (٣١٧٥) في الجنائز، باب: القيام للجنازة، وابن حبان (٣٠٥٤)، والبغوي (١٤٨٧)، والبيهقي (٢٧/٤). ٥٣٥ رابعها: أن يقف بعده عند القبر ويستغفر للميت ويدعو له بالتثبيت وهذا أقصى الدرجات في الفضيلة وحيازة القيراط الثاني. تحصل الثالث ولا تحصل للثاني على الأصح، كما أسلفنا واختار الإِمام الحصول. وقال أشهب في ((المجموعة)): له الانصراف قبل أن تقبر إذا بقي معها حتى من يلي ذلك. وهو ظاهر، لأنه لا إثم عليه والحالة هذه، لكن فاته القيراط الثاني. ثالثها: قال بعض العلماء: إذا حضر الدفن وبينه وبين القبر حائل يمنع المشاهدة فإن عد حاضراً حصل له القيراط الثاني. وإلاّ فلا . ينصرف من تبع الجنازة بلا استئذان الوجه السابع: في إطلاق هذا الحديث وغيره إشارة إلى أنه لا يحتاج المنصرف من اتباع الجنازة / بعد دفنها إلى استئذان وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو المشهور عن مالك [لأن الإذن لمن له الإمساك وليس لهم الإمساك](١). وحكى ابن عبد الحكم عنه أنه لا ينصرف إلاَّ بإذن وهو قول جماعة(٢). (١) في ن ب ساقطة. (٢) لورود ذلك في بعض الأحاديث وفيها ضعف منها حديث أبي هريرة - رضي الله عنه ـ مرفوعاً ((من تبع جنازة فحمل من علوها وحثا في قبرها وقعد حتى يؤذن له رجع بقيراطين)) إسناده ضعيف وحديثه الآخر ((أميران وليسا بأميرين: الرجل يكون مع الجنازة يصلي عليها فليس له أن يرجع حتى يستأذن وليها)» وهذا منقطع موقوف أخرجه عبد الرزاق. ٥٣٦ مكان المشي من الجنازة الثامن: قد يستدل بلفظ الاتباع في رواية البخاري التي أسلفناها من يقول: المشي وراء الجنازة أفضل من أمامها، وهو مذهب الأوزاعي وأبي حنيفة وقول علي بن أبي طالب. وقال جمهور الصحابة والتابعين ومالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء: المشي أمامها أفضل. وقال الثوري وطائفة: هما سواء. ولا فرق عند الشافعية بين الراكب والماشي. به صرح الرافعي في [شرحیه](١). وقال في ((شرح المسند»: الأفضل للراكب أن يكون خلفها بلا خلاف، وكأنه قلد الخطابي(٢) فإنه كذا ادعى، وفيه حديث صححه الحاكم على شرط البخاري من حديث المغيرة بن شعبة(٣) وهو رأي الثوري . التاسع: رواية البخاري المذكورة دالة على أن الشواب شرط آخر لنيل الثواب (١) في ن ب (شرحه). (٢) انظر: معالم السنن (٣١٦/٤). (٣) ولفظه: «الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلي عليه)). انظر: الترمذي (١٠٣١)، وأبو داود (٣١٨٠) في الجنائز، باب: المشي أمام الجنائز، والنسائي (٥٥/٤)، وابن ماجه (١٤٨١)، والحاكم (٣٥٥/١، ٣٦٣)، وصححه الحاكم على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، وأحمد (٢٤٨/٤، ٢٤٩، ٢٥٢)، وابن حبان (٣٠٤٩)، والطيالسي (٧٠١، ٧٠٢)، والبيهقي (٨/٤). ٥٣٧ [١٣٠/أ/أ] المذكور، إنما يحصل لمن تبعها إيماناً واحتساباً فإن / حضورها على ثلاثة أقسام: احتساب. ومكافأة. ومخافة. فالأول: هو الذي يجازى عليه الأجر ويحط الوزر كما هو ظاهر هذا الحديث. الثاني: لا يبعُدُ ذلك في حقه . والثالث: الله أعلم بما فيه . العاشر: إن قلت: لِمَ كان الجزاء / على الجنازة قيراط دون غيره. سبب كون الجزاء علىٍ الجنازة قيراطاً فالجواب: من وجهين : الأول: أن ذلك جرى مجرى العادة بتقليل الأجر على القليل من العمل، إذ لا كبير مشقة على الإِنسان في الصلاة على أخيه و دفنه . ۔۔ الثاني: أنه أقل ما يقع به الإجارة في ذلك الوقت على الأعمال لكثرة المستأجرين وقلة الأعمال لزهد الناس في عمل الدنيا وقلة رغبتهم فيها . وجواب ثالث: أنه أكثر ما يحتاج إليه الإنسان في ذلك الوقت وبه تقع الكفاية . جبل أحد، وشرفه الحادي عشر: ((أحد)» هو الجبل المعروف الذي بجنب المدينة - زادها الله شرفاً وفضلاً - . فإن قلت: ما خصوصية التمثيل به دون غيره. ٥٣٨ فالجواب: من وجهين محتملين: أحدهما: أنه أعظم جبال المدينة إن كان الواقع كذلك. ثانيها: لتعلق بركته وَ ل﴿ بقوله: ((أحد جبل يحبنا ونحبه))(١). استحباب شهود الميت الثاني عشر: في الحديث استحباب شهود الميت من حين غسله وتكفينه واتباعه بالصلاة عليه إلى حين يفرغ من دفنه، ولا شك أن النفوس لما كانت لاهية بالحياة الدنيا وزينتها شرع لها ما يلهيها عن ذلك لشهود الجنائز ورغبت في ذلك بالأجور [والثواب ليكون أتقى لها وأزكى وأبعد لها عما اشتغلت به، فينبغي أن يستعمل في ذلك](٢) كله الآداب الشرعية من السكينة والوقار وعدم الجبرية والاستكبار / والحديث فيما يلهي عن ذلك من المحظور والمباح شرعاً في ظاهره وباطنه، ولا يغفل عما يجب عليه في ذلك کله. الثالث عشر: فيه وجوب الصلاة على الميت ودفنه وفيه التخصيص على الاجتماع لهما والتنبيه على عظيم ثوابهما، وهي مما خص الله - تعالى - بها هذه الأمة، كما قال - عليه الصلاة والسلام -: ((إن الله أعطاكم شيئين لم يكونا لأحد من الأمم قبلكم: صلاة المؤمنين عليكم ... )) الحديث. وجوب الصلاة على الميت (١) البخاري (٤٠٨٣، ٢٨٨٩)، ومسلم (١٣٩٣)، والترمذي (٣٩٢٢)، وابن ماجه (٣١١٥)، ومالك (٢٩٣/٢)، وأحمد (١٤٠/٣)، وابن حبان (٣٧٢٥). (٢) في ن ب ساقطة. ٥٣٩ الرابع عشر: فيه التنبيه على عظيم فضل الله - تعالى - فيما فضل الله سبحانه وتعالى شرعه للنفوس، وما رتبه من الأجور على ما شرعه لها لمصلحتها الدنيوية والأخروية. أداء حق الموتى الخامس عشر: فيه آداء حقوق الموتى بالصلاة والتشييع وحضور الدفن. السادس عشر: فيه التنبيه على ما الإنسان صائر إليه تنبيه الإنسان على ما هو صائر إليه ومشاهدته، ليعلم أنه راجع إلى الله - تعالى - ومتصرف فيه، [١٣٠//ب] لا يملك لنفسه شيئاً فيستيقظ: ((فالكيس من دان / نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله))(١) خاتمة: قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبد المجيد بن أبي رواد عن مروان بن سالم عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((إن أول ما يجازى به العبد المؤمن بعد الموت أن يغفر لجميع من تبع جنازته))(٢) [قال](٣) (١) الترمذي (٢٤٥٩)، والحاكم (٥٧/١) (٢٥١/٤). (٢) المنتخب لعبد بن حميد (٥٣٩/١)، وذكره الخطيب في تاريخه (٨١/١١) من حديث أبي هريرة: ((أول كرامة المؤمن أن يغفر لمشيعيه)»، والحديث ضعيف وقد أشار المصنف - رحمنا الله وإياه - إلى ذلك. انظر: كشف الخفاء (٣٠٨/١)، وتنزيه الشريعة (٣٧٠/٢)، واللآلى المصنوعة (٤٣٠/٢)، والنوافح العطرة (٧٩)، ونوادر الأصول (٧٨) وقد ساقه بدون حکم عن أنس. (٣) زيادة من ن ب د. ٥٤٠