Indexed OCR Text

Pages 461-480

غَجِدْ لَهُ عَزْمَا ◌َِ﴾(١) أي جزماً.
معنى :
العزيمة»
[(٢)]: فقولها: ((ولم يعزم علينا))، أي: لم يؤكد علينا في
المنع من اتباع الجنائز ما اؤكد علینا في غيره، فلم نؤمر فیه بعزيمة،
والعزيمة دالة على التأكيد كما قررناه، فكأنها قالت: كره لنا اتباع
الجنائز من غير تحريم.
وهذا يخالف ما حدَّبه الإمام فخر الدين العزيمة في
(«المحصول))(٣) من قوله: العزيمة هي جواز الإقدام مع عدم المانع
بخلاف الرخصة، فيدخل فيه أكل الطيبات ولبس الناعمات وليس
[من العزائم وفيها جواز الإقدام مع عدم المانع. وهذا القول مخالف
للحديث، ولما دل عليه الاستعمال اللغوي من إشعار العزم
بالتأكيد / كما أسلفناه.
[١٢١ /١/ أ]
وحدها القرافي: بطلب الفعل الذي لم يشتهر فيه مانع شرعي.
قال: ولا يمكن أن يكون المباح من العزائم] (٤)، فإن العزم هو
الطلب المؤكد فيه .
قال الفاكهي: وهذا الحد يدخل فيه الواجبات وليس
(١) سورة طه: آية ١١٢. قال صاحب التعريفات للجرجاني على هذه الآية:
أي لم يكن له قصد مؤكد في الفعل بما أمر به، وفي الشريعة اسم لما هو
أصل المشروعات غير متعلق بالعوارض.
(٢) في الأصل زيادة (الثالث)، وهي ساقطة من ن ب د.
(٣) المحصول (١٥٤/١).
(٤) في ن ب ساقطة .
٤٦١

[يحتمل](١) فيما يظهر، ومن الأصوليين من خص العزيمة بالواجب
وبه جزم الغزالي في ((المستصفى))(٢) والآمدي في ((الأحكام)) (٣)،
و ((منتهى السول)»(٤)، وابن الحاجب في ((مختصره الكبير)).
فقالوا: العزيمة بما لزم العباد بإيجاب الله - تعالى -،
وكأنهم احترزوا بإيجاب الله - تعالى - عن النذر.
الثالث: وردت أحاديث في التشديد / في اتباع النساء
أو بعضهن الجنائز أكثر مما يدل عليه هذا الحديث، كالذي جاء عن
فاطمة - رضي الله عنها -. رواه أبو داود(٥)، والنسائي(٦)، وضعفه
اتباع النساء
للجنائز وأقوال
العلماء في
ذلك
(١) في الأصل (بجيد).
(٢) (٦٢/١).
(٣) (١٣١/١).
(٤) (١٢٩/١)، وانظر: كتاب السبب عند الأصوليين - د.الربيعة، للاطلاع
على تعريف العزيمة عند الأصوليين (١١٢/١).
(٥) (٣١٢٣) في الجنائز، باب: في التعزية.
(٦) (٢٧/٤) في الجنائز، باب: النعي، وقال النسائي (٢٨/٤) في أحد
رواته: ربيعة بن سيف ضعيف، والبيهقي (٧٧/٤، ٧٨)، والحاكم
(٣٧٤/١) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه،
ووافقه الذهبي فقال: ((على شرطهما)) وهو عجيب منهما، فإن ربيعة بن
سيف لم يخرج له الشيخان ولا أحدهما، وقد استدرك ابن دقيق العيد.
ذلك على الحاكم، فيما نقله الشوكاني في نيل الأوطار (١٦٥/٤) قال:
((قال ابن دقيق العيد: وفيما قاله الحاكم عندي نظر فإن راويه ربيعة بن
سيف لم يخرج له الشيخان في الصحيح شيئاً فيما أعلم))، والحديث أشار
إليه ابن حجر في الفتح (١٤٥/٣). انظر كلام ابن القيم على الحديث في =
٤٦٢

عبد الحق والنووي(١)، وحسنه ابن القطان، وصححه ابن حبان(٢)،
فإما أن يكون لعلو منصبها، وحديث أم عطية هذا في عموم النساء
أو يكون الحديثان محمولين على اختلاف حالات النساء وهذه
المسألة فيها مذاهب: فأجاز مالك(٣) لهن اتباع الجنائز وكرهه للشابة
[مع] (٤) الأمر المستنكر، وخالفه غيره من أصحابه فكرهه مطلقاً
لظاهر النهي.
وعندنا: أنه مكروه وليس بحرام لهذا الحديث، ونقله النووي
في ((شرح المهذب)) (٥) عن جماهير العلماء فإن اقترن باتباعهن لها
محرم، أو جرَّ [إلى](٦) مفسدة، فينبغي الجزم بأنه حرام شديد
التحريم، وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول الشيخ نصر المقدسي.
لا يجوز للنساء اتباع الجنائز، أو يكون المراد بذلك كراهة التنزيه
وإلاَّ فهو شاذ، وعادتهن بمصر يجتمعن ولا يصلين على الجنازة، بل
يتبعنها لا لمعنى شرعي أصلاً، بل ربما ينحن ويبكين، فالوجه
تعليقه على أبي داود (٣٤٧/٤) قال: وقد طعن غيره في هذا الحديث،
=
وقالوا: هو غير صحيح، لأن ربيعة بن سيف - هذا - ضعيف الحديث،
عنده مناكير. اهـ. ولم ينسبه إلَّ إلى ابن أبي حاتم ولم يتعقب هذا الكلام
بشيء. انظر: تعليق أحمد شاكر على المسند (٨٠/١٠).
(١) في المجموع شرح المهذب (٢٧٧/٥، ٣٧٨).
(٢) (٣١٧٧).
(٣) المدونة الكبرى (١٨٨/١).
(٤) في ن ب د (وفي).
(٥) المجموع شرح المهذب (٣١٠/٥، ٣١١).
(٦) زيادة من ن ب د.
٤٦٣

منعهن. [ونقل العبدري عن مالك أنه يكره إلاَّ أن يكون الميت ولدها
أو والدها / أو زوجها أو كانت ممن يخرج مثلها لمثله](١).
ونقل القاضي عياض عن جمهور العلماء: أنهم قالوا بمنعهن
من اتباعها وأجازه علماء المدينة.
ونقل الفاكهي أيضاً: أن مذهبه اتباع المرأة جنازة ولدها
ووالدها وزوجها وأخيها، إذا كان ذلك مما يعرف أنه يخرج مثلها
على مثله وإن كانت شابة، وكراهة الخروج على غيرها، ولا ممن
لا ينكر عليها الخروج عليهم من قرابتها.
قال ابن حبيب: ويكره خروج النساء في الجنائز وإن كنَّ غير
نوائح ولا بواكي في جنائز أهل الخاصة من ذوي القرابة، وغيرهم.
قالوا: وينبغي للإِمام أن يمنعهن من ذلك فقد ((أمر له بطرد امرأة
رآها في جنازة فطردت حتى لم يرها))(٢)، وقال لنساء رآهن ينتظرن
[١٢١// ب] جنازة: أتغسلنه؟. قلن: لا. قال: أتحملنه فيمن يحمله؟ /
قلن: لا. قال: فتدخلن قبره فيمن يدخله؟ قلن: لا. قال: فارجعن
مأزورات غير مأجورات(٣).
(١) زيادة من ن ب د.
(٢) ذكره في مجمع الزوائد (٣١/٣).
(٣) ابن ماجه (١٥٧٨)، وساقه البغوي (٤٦٥/٥) بلفظ التضعيف، وقال
البوصيري في مصباح الزجاجة (٤٤/٢): ((هذا إسناد اختلف فيه من أجل
دينار، وإسماعيل بن سلمان. وأورده ابن الجوزي في العلل (٤٢٠/٢)
من هذا الوجه، ورواه البيهقي (٧٧/٤)، ومجمع الزوائد (٣١١٣).
وانظر: ترجمته في ميزان الاعتدال (٢٣٢/١).
=
٤٦٤

قلت: هذا الحديث رواه ابن ماجه من حديث علي بإسناد
ضعيف لأجل إسماعيل بن سلمان الأزرق الذي في إسناده.
قال ابن حبيب: وكان الحسن(١) / يطردهن، فإذا لم يرجعن
لم يرجع ويقول لا ندع حقّاً لباطل.
وكان مسروق: يحثي في وجوههن التراب ويطردهن، فإن
رجعن وإلاّ رجع(٢).
وقال النخعي: كانوا إذا خرجوا بالجنائز أغلقوا الأبواب على
النساء(٣).
وقال ابن عمر(٤): ليس للنساء في الجنائز نصيب.
وقال بعض / متأخري المالكية: الصواب اليوم الأخذ بقول
ابن حبيب لأن خروجهن يؤدي إلى فتنة وفساد كبير فينبغي للإِمام أن
يمنعهن من ذلك(٥).
ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده من حديث أنس بن مالك (٤٠٥٦،
=
٤٢٨٤). و (مأزورات) أصلها موزورات ولكنه اتبع مأجورات، أي لما
قابلوا الموزورات بالمأجورات قلبوا الواو همزة ليأتلف اللفظان ويزدوجا.
(١) عبد الرزاق (٤٥٧/٣)، وابن أبي شيبة (٢٨٥/٣).
(٢) ابن أبي شيبة (٢٨٤/٣)، وعبد الرزاق (٤٥٧/٣).
(٣) ابن أبي شيبة (٢٨٤/٣)، وعبد الرزاق (٤٥٦/٣).
(٤) المراجع السابقة.
(٥) قال شيخ الإِسلام في الفتاوى (٣٤٣/٢٤): وأما المسألة المتنازع فيها:
فالزيارة المأذون فيها، هل فيها إذن للنساء، ونسخ للنهي في حقهن؟
أو لم يأذن فيها، بل هن منهيات عنها؟ وهل النهي فهي تحريم؟ أو تنزيه؟ =
٤٦٥

في ذلك للعلماء ثلاثة أقوال معروفة، والثلاثة أقوال في مذهب الشافعي،
وأحمد أيضاً، وغيرهما. وقد حکې في ذلك ثلاث روايات عن أحمد وهو
نظير تنازعهم في تشييع النساء للجنائز، وإن كان فيهم من يرخص في
الزيارة دون التشييع، كما اختار ذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم.
فمن العلماء من اعتقد أن النساء مأذون لهن في الزيارة، وأنه أذن لهن كما
أذن للرجال، واعتقد أن قوله ◌َله: «فزوروها فإنها تذكركم الآخرة)»
خطاب عام للرجال والنساء، والصحيح أن النساء لم يدخلن في الإذن في
زيارة القبور لعدة أوجه - نذكرها باختصار وتصرف - :
أحدها: أن قوله {وَل: ((فزوروها)) صيغة تذكير، وصيغة التذكير إنما تتناول
الرجال بالوضع.
الثاني: أن يقال: لو كان النساء داخلات في الخطاب لاستحب لهن زيارة
القبور، كما استخب للرجال عند الجمهور، لأن النبي # علل بعلة:
تقتضي الاستحباب، وهي قوله: ((فإنها تذكركم الآخرة»، إلى أن قال:
- فلو كانت زيارة القبور مأذوناً فيها للنساء لاستحب لهن كما استحب
للرجال - إلى أن قال - وما علمنا أن أحداً من الأئمة استحب لهن زيارة
القبور ولا كان النساء على عهد النبي 8# وخلفائه الراشدين يخرجن إلى
زيارة القبور كما يخرج الرجال. والذين رخصوا في الزيارة اعتمدوا على
ما يروى عن عائشة - رضي الله عنها - أنها زارت قبر أخيها
عبد الرحمن. وهذا يدل على أن الزيارة ليست مستحبة للنساء، كما
تستحب للرجال إذ لو كان كذلك لاستحب لها زيارته، كما تستحب.
للرجال زيارته، سواء شهدته أو لم تشهده وأيضاً فإن الصلاة على الجنائز
أوكد من زيارة القبور، ومع هذا فقد ثبت في الصحيح أن النبي وتژ نهى
النساء عن اتباع الجنائز، وفي ذلك تفويت صلاتهن على الميت، فإذا لم
يستحب لهن اتباعها لما فيها من الصلاة والثواب، فكيف بالزيارة؟
=
٤٦٦

الوجه الثالث: أن يقال: غاية ما يقال في قوله وَلقر: ((فزوروا القبور))
=
خطاب عام، ومعلوم أن قوله ويتاجر: ((من صلى على جنازة فله قيراط، ومن
تبعها حتى تدفن فله قيراطان)) هو أدل على العموم من صيغة التذكير، فإن
لفظ: ((من)) يتناول الرجال والنساء باتفاق الناس، ـ إلى أن قال ــ ثم قد
علم بالأحاديث الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول، لنهي النبي ◌ٍَّ لهن
عن اتباع الجنائز سواء كان نهي تحريم أو تنزيه، فإذا لم يدخلن في هذا
العموم، فكذلك في ذلك بطريق الأولى، وكلاهما من جنس واحد، فإن
تشييع الجنازة من جنس زيارة القبور، قال - تعالى -: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ
مِنْهُمْ ثَمَاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِيْءٍ﴾ فنهى نبيه وَ له عن الصلاة على المنافقين،
وعن القيام على قبورهم - إلى أن قال - فإذا كان النساء لم يدخلن في
عموم اتباع الجنائز، مع ما في ذلك من الصلاة على الميت، فلأن
لا يدخلن في زيارة القبور التي غايتها دون الصلاة عليه بطريق الأولى،
بخلاف ما إذا أمكن النساء أن يصلين على الميت بلا اتباع، كما يصلين
عليه في البيت، وإذا قيل إن مفسدة الاتباع للجنائز أعظم من مفسدة
الزيارة، لأن المصيبة حديثة، وفي ذلك أذى للميت، وفتنة للحي
بأصواتهن وصورهن. قيل: ومطلق الاتباع أعظم من مصلحة الزيارة
- إلى أن قال ـ وقول القائل: مفسدة التشبيع أعظم: ممنوع، بل إذا
رخص للمرأة في الزيارة كان ذلك مظنة تكرير ذلك، فتعظم فيه المفسدة،
ويتجدد الجزع، والأذى للميت، فكان ذلك مظنة قصد الرجال لهن
والافتتان بهن كما هو الواقع في كثير من الأمصار، فإنه يقع بسبب زيارة
النساء القبور من الفتنة والفواحش والفساد ما لا يقع شيء منه عند اتباع
الجنائز، وهذا كله يبين أن جنس زيارة النساء أعظم من جنس اتباعهن وأن
نهي الاتباع إذا كان نهي تنزيه لم يمنع أن يكون نهي الزيارة نهي
تحريم ... إلخ.
=
٤٦٧

الفرق بين نھي
التحريم،
ونهي التنزيه
الرابع: يستفاد من الحديث التفرقة بين نهي التنزيه والتحريم
لقولها: ((نهينا ولم يعزم علينا)) وذلك في عرف الصحابة بالنسبة إلى
العلم.
وأما بالنسبة إلى العمل: فلم يفرقوا فيه بل قالوا: يجتنبون
المكروه تنزيهاً وتحريماً مطلقاً إلاَّ لضرورة بيان من اعتقادٍ أو إلجاء
إلى ارتكاب محرم فيفعلون المكروه تنزيهاً خلوصاً من المحرم. ومن
استقرى فعلهم وقولهم، وقواعد الشرع وجد الأمر كذلك.
وقال المحب الطبري في ((أحكامه)): يحتمل أن يكون معنى.
الحديث ولم يعزم علينا في اتباعها كما عزم على الرجال فيكون
النھي نهي تحریم وبه استدل كثير على ذلك(١).
يحتمل كون
النهي للتحريم
الوجه الرابع: أن يقال قد جاء عن النبي 18 من طريقين: أنه لعن
=
زوارات القبور، وبلفظ: ((لعن زائرات القبور» من حديث أبي هريرة ومن
حديث ابن عباس: ((لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد
والسرج))، وانظر كلامه على هذا الحديث في الفتاوى (٣٤٨،
٢٤/٣٥٦)، وانظر كلام ابن القيم على هذا الحديث في تهذيب السنن.
(٣١٠٦)، وحاشية الروض لابن قاسم (١٤٦/٣).
(١) قال ابن القيم في تهذيب السنن (٤/ ٣٥٠) على قول أم عطية: ((ولم يعزم
علينا))، إنما نفت فيه وصف النهي، وهو النهي المؤكد بالعزيمة، وليس
ذلك شرطاً في اقتضاء التحريم، بل مجرد النهي كاف، ولما نهاهنَّ
انتهين، لطواعيتهن لله ولرسوله، فاستغنين عن العزيمة عليهن، وأم عطية
لم تشهد العزيمة في ذلك النهي، وقد دلت أحاديث لعنه الزائرات على
العزيمة، فهي مثبتة للعزيمة، فيجب تقديمها، وبالله التوفيق.
٤٦٨

الحديث الثامن
٣٢/٨/١٦٤ - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن
رسول الله وَّ* قال: ((أسرعوا بالجنازة، فإن تك / صالحة، فخير
تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم))(١).
الكلام عليه من أحد عشر وجهاً :
الأول: من قال الجنازة بالفتح للميت وبالكسر للنعش كما
قدمنا أول الباب يتعين عنده هنا قراءة قوله ((أسرعوا بالجنازة)) بالفتح
لأن المقصود الإسراع(٢) بالميت لا النعش ويدل على ذلك آخر
الحديث .
ضبـ
(الجنازة)
(١) البخاري (١٣١٥)، ومسلم (٩٤٤)، والترمذي (١٠١٥) في الجنائز، وابن
ماجه (١٤٧٧) في الجنائز، باب: ما جاء في شهود الجنازة، وأبو داود
(٣١٨١) في الجنائز، باب: الإسراع بالجنازة، والنسائي (٤١/٤، ٤٢)،
وابن الجارود (٥٢٧)، ومالك (٢٤٣/١) فى الجنائز، باب: جامع الجنائز
موقوفاً، ورفعه أحمد (٤٨٨/٢)، والحميدي (١٠٢٢)، وأحمد
(٢٤٠/٢، ٢٨٠)، والبغوي (١٤/١١)، وابن حبان (٣٠٤٢)، والبيهقي
(٢١/٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤٧٨/١). مع اختلاف في
ألفاظ الحديث بين متن العمدة وصحيح البخاري.
(٢) في ن ب زيادة (هنا).
٤٦٩

المراد
بالإسراع بها
الثاني: المراد بالإسراع هنا الإسراع بالميت كما قلناه فيتضمن
الأمر بحمله إلى قبره وهو فرض كفاية.
وقيل: المراد به الإسراع بتجهيزه بعد موته لئلا يتغير والأول
أظهر وعليه الجمهور.
قال النووي(١): والثاني باطل مردود بقوله - عليه الصلاة
والسلام - فشر تضعونه عن رقابكم.
وقال القرطبي: لا يبعد أن يكون كل واحد منها مطلوباً إذ
مقتضاه مطلق الإِسراع فإنه - عليه الصلاة والسلام - لم يقيده بقید.
[١٢٢ /١/١]
وقال الفاكهي: ما رده النووي / جمود على ظاهر لفظ
الحديث وإلاَّ فيحتمل حمله على المعنى فإنه قد يعبر بالحمل على
الظهر أو العنق عن المعاني دون الذوات فيقال: حمل فلان على
ظهره أو على عنقه ذنباً أو نحو ذلك ليكون المعنى في قوله - عليه
الصلاة والسلام -: ((فشر تضعونه عن رقابكم)) إنكم تستريحون من
نظر مَنْ لا خير فيه أو من مجالسته ونحو ذلك فلا يكون في الحديث
دليل على رد قول هذا القائل ويقوى هذا الاحتمال أن كل حاضري
الميت لا يحملونه، إنما يحمله القليل منهم لا سيما اليوم، فإنما
يحمله في الغالب من لا تعلق له به.
کون الخطاب
للرجال
الثالث: الخطاب بالإسراع للرجال فإن النساء يضعفن عن /
الحمل، وربما انكشف منهن بعض أبدانهن.
(١) شرح مسلم (١٣/٧).
٤٧٠

الرابع: الإسراع بالميت مطلوب لكن بشرط أن لا يكون على شرط الإسراع
هيئة مزرية ولا يؤدي إلى انفجاره أو سقوطه ونحو ذلك وقد بين
- عليه الصلاة والسلام - الحكمة من الإسراع بقوله: ((فإن تك
صالحة)) إلى آخره وكره بعضهم الإسراع بها وهو محمول على
الإسراع المحذور.
فرع: لا تؤخر لزيادة مصلين ولا لانتظار أحد غير الولي فينتظر
لأجله إن لم يخف تغيرها.
الخامس: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((فإن تك)) هو في
الموضعين بحذف النون الخفيفة لكثرة الاستعمال، والأصل: تكون
فدخل الجازم فأسكن النون فاجتمع ساكنان الواو والنون فحذفت
الواو لالتقاء الساكنين، ثم حذفت النون لما ذكرناه من كثرة
الاستعمال كما قالوا: لا أدر فحذفوا الياء كذلك كما تقدم في باب
صلاة الاستسقاء.
لا تؤخـر
الجنازة لكثرة
المصلين
حذف النون من
قوله: (نك))
السادس: ((خير)) و((شر)): فيه إعرابان.
إعراب (خير
وشرا
الأول: أن يكونا مبتدأين والخبر محذوف أي فلها خير / ولها
شر. وساغ هنا الابتداء بالنكرة لكون فاء الجزاء وليتهما، فهما من
باب قولهم: إن مضى عير فعير في الرباط.
الثاني: أن يكونا خبرين محذوفي [المبتداء](١) والتقدير:
فهي، وهي أي ذات خير وذات شر، وأما الجملتان اللتان بعدهما
وهما ((تقدمونها)) و ((تضعونه)) فصفة لهما.
(١) موضع هذا الحديث في المفهم (٣/ ١٥٨٣، ١٥٨٤)، وهذا الكلام ساقط
من المطبوع.
٤٧١

إكرام أهل
الخير
والصلاح إذا
ماتوا
السابع: فيه إكرام أهل الخير والصلاح إذا ماتوا بالمبادرة إلى
الوصول إلى جزاء ما قدموه من الأعمال الصالحة وجزاؤها من فضل
الله ورحمته(١).
تقليل مصاحبة
أهل الشر
الثامن: فيه تقليل مصاحبة أهل الشر إلَّ فيما شرع بسببهم من
بعد موتهم لبعدهم عن رحمة الله، فلا مصلحة في مصاحبتهم، وكذا
ينبغي اجتناب مصاحبة أهل البطالة وغير الصالحين (٢).
معنى قوله:
(فخير
تقدمونها إليها
التاسع: معنى قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((فخير
تقدمونها إليه)) أي ما أعد الله لها من النعيم المقيم وقوله ((فشر
تضعونه عن رقابكم)) معناه أنها بعيدة من الرحمة فلا مصلحة لكم في
مصاحبتها وملابستها .
حكم القبر من
أحكام الآخرة
[١/١٢٢/ ب]
/ العاشر: استدل به الأصبهاني على أن حكم القبر من أحكام.
الآخرة، ولا يوصل إلى معرفة ذلك إلَّ بالخبر، ليس للعقل فيه.
مدخل.
الحادي عشر: عورض هذا الحديث بحديث آخر فيه النهي عن
الإسراع ويجمع بينهما على تقدير صحته بحمل النهي على الإسراع
المحذور (٣).
الجمع بين هذا
الحديث، وما
عارضه
(١) في الأصل (الابتداء)، وما أثبت من ن ب د.
(٢) انظر: شرح مسلم (١٣/٧).
(٣) أخذه من قوله وسير: ((وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم)).
٤٧٢

الحديث التاسع
٣٢/٩/١٦٥ _ عن سمرة بن جندب - رضي الله عنه - قال:
(صليت وراء النبي ◌َّير على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها))(١).
الكلام عليه من تسعة أوجه:
أولها: في التعريف براويه هو سمرة بن جندب - بفتح / الدال ترجمة (سمرة
وضمها - ابن هلال الفزاري حليف الأنصار، ووقع في نسبه في
بن جدبه
[تهذيب](٢) الكمال ثلاثة أوهام، نبهت عليها فيما أفردته من الكلام
على رجال هذا الكتاب فراجعها منه، وهو من بني ذبيان، كنيته:
(١) البخاري (٣٣٢، ١٣٣١، ١٣٣٢)، ومسلم (٩٦٤) في الجنائز،
والترمذي (١٠٣٥) في الجنائز، باب: ما جاء أين يقوم الإِمام من الميت
للصلاة عليه، وأبو داود (٣١٩٥) في الجنائز، باب: أين يقوم الإمام من
الميت إذا صلَّى عليه، والنسائي (١٩٥/١) في الحيض، باب: الصلاة
على النفساء (٤/ ٧٠، ٧١، ٧٢) في الجنائز، باب: الصلاة على الجنازة
قائماً، وابن ماجه (١٤٩٣) في الجنائز، باب: ما جاء في أين يقوم الإِمام،
وابن الجارود (٥٤٤)، والبيهقي (٣٣/٤، ٣٤)، وابن حبان (٣٠٦٧)،
والطيالسي (٩٠٢)، وابن أبي شيبة (٣١٢/٣)، والطحاوي (٤٩٠/١)،
والطبراني (٧/ ٦٧٦٣).
(٢) زيادة من ن ب.
٤٧٣

:
أبو سعيد، وقيل: أبو سليمان، وقيل: غير ذلك، نزل البصرة
وسكنها ثم انتقل إلى الكوفة، واشترى بها داراً في بني أسد، له
صحبة ورواية، وكان من الحفاظ المكثرين، روى عنه ابنه سعيد
وسليمان وغيرهما واستُخْلِفَ على البصرة وعلى الكوفة، وكان
شديداً على الحرورية، مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين في آخر
خلافة معاوية، وقيل: تسع. وقيل: ستين سقط في قدر مملوءة ماء.
حارًّا كان يتعالج بالقعود عليها من شيء به، فسقط فيها فمات، فكان
ذلك تصديقاً لقوله - عليه الصلاة والسلام - له ولأبي هريرة وثالث
معهما: ((آخركم موتاً في النار)) (١) وقال - رضي الله عنه -: ((كنت
على عهد رسول الله * غلاماً فكنت أحفظ عنه وما يمنعني من القول
إلَّ أن هاهنا رجالاً هم أسن مني)) /، روى له عن النبي وَل مائة
حديث وثلاثة وعشرون حديثاً، اتفقا منها على حديثين وانفرد
البخاري بحديثين ومسلم بأربعة .
لفظة (وراء»
من الأضداد
ثانيها: لفظة: ((وراء)) من الأضداد(٢) فإنها قد تكون بمعنى
قدام، ومنه قوله - تعالى -: ﴿وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَلِكُ﴾(٣) الآية، أي
أمامهم وهو مشترك أيضاً. فإن الوراء أيضاً ولد الولد (٤)، فإن قُطع
(١) انظر: سير أعلام النبلاء (١٨٤/٣).
(٢) انظر: كتاب الأضداد للأصمعي (٢٠)، والأضداد لأبي حاتم السجستاني.
(٩٥، ٨٢)، وابن السكيت (١٧٥)، ولسان العرب (٢٦٤/١٥).
(٣) سورة الكهف: آية ٧٩.
(٤) قال ابن الجوزي - رحمنا الله وإياه ـ في نزهة الأعين النواظر (٦٠٨)
الوراءُ: ظرف من ظروف المكان. ومثله: الخلف. ومقابله: الأمامُ =
٤٧٤

عن الإِضافة بني كسائر الظروف.
قال الأخفش: يقال: لقيته من وراء فترفعه على الغاية إذا كان
غير مضاف وتجعله اسماً وهو غير متمكن كقولك من قبل ومن بعد
وأنشد:
إذا أنا لم أؤمن عليكِ ولم يكن
لقاؤك إلاَّ من وراءُ وراءٌ
قال: ووراء مؤنث و کذلك قدام ولم يؤنث من الظروف غيرهما
قالوا: في تصغيرها وُرَيِّئَةٌ، وقديدمة وإنما أدخلت الهاء في تصغيرها
وإن كان تصغير ما زاد على ثلاثة أحرف / لا تلحقه التاء للفصل بين [١/١/١٢٣]
والقدّام. والوراء: ولد الولد وذكر بعض المفسرين أن الوراء في القرآن
=
على خمسة أوجه:
أحدها: الخلف. ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿فَتَبَدُوهُ وَرَآءَ
ظُهُورِهِمْ﴾، وفي هود: ﴿وَأَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ وهذا على سبيل
المثال.
والثاني: الدنيا ومنه قوله تعالى في الحديد: ﴿ أَرْجِعُوا وَرَآءَكُمْ فَلْتَِّسُوا نُورًا﴾ .
والثالث: ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ فَلِكٌ﴾، وفي إبراهيم: ﴿مِّنِ وَرَآَبِهِ،
ـثّم﴾.
والرابع: بمعنى سوى. ومنه قوله تعالى في النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآهُ
ذَلِكُمْ﴾، وفي المؤمنين: ﴿فَمَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ الْعَادُونَ
﴾.
والخامس: بمعنى ((بعد)). ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿ وَيَكْفُرُونَ بِمَا
وَرَآءَهُ﴾، وفي مريم: ﴿ وَ إِّ خِفْتُ الْمَوَلِى مِن وَرَآءِى﴾، أي من [بعدي،
يعني]: بعد موتي وفي البروج: ﴿وَلَّهُ مِنْ وَرَآَيْهِمْ تُحِيطٌ لَا﴾، أي: من بعد
أعمالهم محيط بهم للانتقام منهم.
٤٧٥

المذكر والمؤنث إذ لو تركت التاء لالتيس بالمذكر وعكسهما أسماء
ثلاثية [(١)] لم يلحق تصغيرها الهاء نحو حرب ودرع وعرب وهي
أحد عشر اسماً فتقول حريب ودريع وعريب وكذلك بقيتها.
إبهام هذه
المرأة
ثالثها: هذه المرأة المبهمة في هذا الحديث هي أم کعب، كما
رواه مسلم (٢) في صحيحه، وأغرب بعض الشراح فعزى ذلك إلى
رواية النسائي(٣) في سنته وهو / قصور منه.
تعريف
«النفاس)
رابعها: ((النفاس)) بكسر النون هو الدم الخارج بعد الولد،
مأخوذ من النفس وهو الدم أو من التنفس وهو التشقق والانصداع،
وأنه يخرج عقب النفس، وليس هذا مراداً بقوله: ((ماتت في نفاسها))
بل المراد: ماتت قبل خروج الولد في نفاسها، وعلى هذا تأوله بعض
من منع القيام على جنازة المرأة في وسطها، وقال: إنما قام - عليه
الصلاة والسلام - وسط هذه المرأة من أجل جنينها حتى يكون
أمامه، وقد أوضحت الكلام على مادة: نفس في لغات المنهاج من
باب الغسل، فراجع ذلك منه.
خامسها: قوله: ((فقام وسطها)) هو بسكون السين، هكذا
الرواية فيه وكذا قيده الحفاظ، وقيده بعضهم بالفتح أيضاً، وعلى
الإسكان اقتصر النووي في ((شرح مسلم)) (٤).
ضبط
((وسطها)
(١) في ن ب د زيادة (مؤنثة).
(٢) (٩٦٤).
(٣) (١٩٥/١) (٧٠/٤، ٧١، ٧٢).
(٤) انظر: شرح مسلم (٣٢/٧).
٤٧٦

قال القرطبي(١): وهو الصواب فإن الساكن ظرف، والمفتوح
اسم، فإذا قلت: حفرت وسط الدار [بتراً كان معناه حفرت في الجزء
المتوسط منها، ولا تقول حفرت وسط الدار](٢) بالفتح إلاَّ أن تعم
الدار بالحفر.
وأما القاضي عياض (٣): فقال: ضبط بالسكون والوجه عندي
الفتح، وهو مقتضى ما قاله أهل اللغة فإنهم قالوا: جلست وسط القوم
بالإِسكان أي بينهم، وجلست وسط الدار بالفتح، فكل موضع صلح
فيه بين فهو وسط بالإِسكان وإن لم يصلح / فيه بين فهو وسط بالفتح.
قال الجوهري(٤): وربما سكن وليس بالوجه، ويستحيل تقدير
بين في الحديث لأن بين لا تضاف إلاَّ إلى شيئين فصاعداً، تقول:
المال بين زيد وعمرو. ولا يصح بين زيد، وأما قوله - تعالى - :
﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾(٥) فإنما أضيف إلى ذلك وإن كان مفرداً لوقوع
الإِشارة به إلى شيئين وهما الفروضة والبكارة، وأما قوله
- تعالى -: ﴿لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِه٤ِ﴾(٦)، فلما في ((أحد)) من
معنى العموم [ويدل على أن فيها معنى العموم] (٧) قوله - تعالى -:
(١) المفهم (١٦٠٩/٣).
(٢) زيادة من ن ب د، وموجودة في المفهم.
(٣) انظر: مشارق الأنوار (٢٩٥/٢).
(٤) انظر: مختار الصحاح (٢٩٩)، وقد سبق التعليق عليه.
(٥) سورة البقرة: آية ٦٨.
(٦) سورة البقرة: آية ٢٨٤.
(٧) زيادة من ن ب د.
٤٧٧

﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنَّهُ حَجِزِينَ (ِنْ﴾﴾(١) فنعت أحدٍ حاجزين، وغلِط من
ادعى أن التقدير بين أحد [واحد](٢) وأن الثاني حذف لدلالة الأول
عليها .
كونها مانت في
تقاسها وصف
غير معتبر
سادسها: كون هذه المرأة ماتت في نفاسها، هو وصف غير
معتبر بالاتفاق، وإنما هو حكاية أمر وقع، وهذا مما يدل على تحري
الصحابة وشدة تحرزهم فيما ينقلونه - رضي الله عنهم - .
وأما وصف كونها امرأة: فهل هو معتبر أم لا؟ من الفقهاء من
ألغاه، وقال: يقام عند وسط الجنازة مطلقاً، ذكراً كان أو أنثى.
[١/١٢٣/ب] ومنهم من خص ذلك / بالمرأة كي يسترها عن الناس (٣).
وقيل: كان قبل إيجاد الأنعشة والقباب.
وأما الرجل: / فعند رأسه لئلا ينظر إلى فرجه وهو مذهب
الشافعي وأحمد وأبي يوسف.
وقال ابن مسعود: بعكس هذا.
وذكر عن الحسن(٤): التوسعة في ذلك، وبها قال أشهب وابن
شعبان من أصحاب مالك.
(١) سورة الحاقة: آية ٤٧.
(٢) زيادة من ن ب د.
(٣) انظر للاطلاع على أقوال الفقهاء في هذه المسألة: القوانين الفقهية (٩٥)،
والمبسوط (٦٩/٢)، ومغني المحتاج (٣٤٨/١)، والمغني (٥١٧/٢)،
والفقه الإسلامي وأدلته (٤٩٦/٢)، وبداية المجتهد (٢٢٨/١)، وحاشية
الروض (٧٩/٣)، والمجموع (١٧٣/٥).
(٤) الاستذكار (٢٨١/٨).
٤٧٨

وقال أصحاب الرأي: يقوم فيها حذاء الصدر (١).
موضع القيام
من المرأة
وعند المالكية: قول أنه يقف عند منكبها(٢) وعند وسطه،
وقول ثان عكسه، حكاه صاحب الإكمال.
وروى ابن غانم(٣) عن مالك: نحو مذهب الشافعي في المرأة،
وسكت عن الرجل. وروى صاحب ((الجواهر)) قولاً آخر عنه: أنه
يقف فيهما جميعاً [وسطهما. وحكى غيره قولاً آخر أنه يقف فيهما
جميعاً عند] (٤) صدرهما.
وقال الزناتي ((شارح الرسالة)): لا فرق في ذلك كله بين أن
یکون نعشهما مستوراً أم لا .
وقال بعضهم: الخلاف إذا لم يكن مستوراً. فإن كان وقف
حيث شاء .
(١) استدلوا على ذلك بأن الصدر موضع القلب، وفيه نور الإيمان فيكون
القيام عنده إشارة إلى الشفاعة لإِيمانه، فإذا قام عند صدر الرجل فكذا
المرأة، ويقوم عند صدر المرأة ليكون أبعد عن عورتها الغليظة.
(٢) استدل على ذلك بما روى إبراهيم النخعي قال: ((كان ابن مسعود - رضي
الله عنه - يستقبل القبلة فإن كان رجلاً قام عند وسطه، وإن كانت امرأة
قام عند منكبيها)). المدونة (٧١٥٩/١)، وبلغة السالك (١٩٨/١)،
وأخرجه ابن أبي شيبة (٣١٣/٣).
(٣) هو أبو محمد عبد الله بن عمر بن غانم القيرواني قاضي أفريقية وفقيهها
ولد سنة ١٢٨هـ، وتوفي سنة (١٩٠). انظر: شجرة النور الزكية (٦٢)،
والأعلام للزركلي (١٠٩/٤).
(٤) في ن ب ساقطة.
٤٧٩

قلت: وقد روى أبو داود(١) والترمذي(٢) وابن ماجه(٣) ما يرفع
الخلاف عن أنس ((أنه صلَّى على رجل فقام عند رأسه، وعلى امرأة،
وعليها نعش أخضر فقام عند عجيزتها)) فقال له العلاء / بن زياد:
يا أبا حمزة! هكذا كان رسول الله * يصلي على الجنازة؟ قال نعم.
قال الترمذي : حديث حسن.
وما حكاه الصيدلاني من أصحابنا: أن أنساً وقف عند صدره
غلط صريح فاجتنبه .
وقول بعض أصحابنا: بمقتضاه شاذ، لا يعرج عليه،
ولا يلتفت إليه، وهذا الحديث الذي أوردناه يدل على أن مشروعية
مقام الإِمام كذلك، وهو يبطل التأويل السالف مقامه - عليه الصلاة
والسلام - وسط هذه الجنازة، إنما كان من أجل جنينها، حتى يكون
أمامه، بل كان ذلك لأنه حكم بمشروعية ذلك.
(١) أبو داود (٣١٩٤).
(٢) الترمذي (١٠٣٤)، والبيهقي (٣٣/٤)، وأحمد (١١٨/٣، ٢٠٤).
(٣) ابن ماجه (١٤٩٤). قال ابن حجر في الفتح (٢٠١/٣): ولهذا أورد
المصنف الترجمة مورد السؤال، وأورد عدم التفرقة بين الرجل والمرأة،
وأشار إلى تضعيف ما رواه أبو داود والترمذي: ثم ساق الحديث.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله - في تعليقه عليه: وأخرجه
أحمد وابن ماجه ولفظهما ولفظ الترمذي: «عند رأس الرجل ووسط
المرأة» وإسناده جيد، وهو حجة قائمة على التفرقة بين الرجل والمرأة في
الموقف، ودليل على أن السنَّة الوقوف عند رأس الرجل ووسط المرأة،
والله أعلم. انظر: المسند (١١٨/٣، ٢٠٤)، والفتح الرباني (٧/ ٢٤٣).
٤٨٠