Indexed OCR Text
Pages 421-440
في غيره جائز، ومن أطلق عليه أنه مكروه فمعناه أنه خلاف الأولى، ولو كانت كلها حبرة لم يكره، لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان يلبسها يوم الجمع والعيد. ويكره المصبغات وغيرها من ثياب الزينة . ويحرم تكفين الرجل في الحرير بخلاف المرأة، فإنه یکره لها فقط. ذكره مالك وعامة العلماء: التكفين في الحرير مطلقاً. قال ابن المنذر(١): ولا أحفظ خلافه. روایات أخری في كفن النبي خاتمة: ثبت في صحيح مسلم (٢) عن عائشة بعد روايتها لهذا الحديث: ((أما الحلة فإنما يشبه على الناس فيها أنها اشتريت له ليكفن فيها، فتركت وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، فأخذها عبد الله بن أبي بكر فقال: لأحبسها حتى أكفن فيها نفسي، ثم قال: والله لو رضيها الله - عزَّ وجلَّ - لنبيه وَلَّ/ لكفنه فيها، فباعها وتصدق بثمنها))، وفي رواية له: ((أدرج رسول الله وقر في حلة يمانية كانت لعبد الله بن أبي بكر ثم نزعت عنه وكفن في ثلاثة أثواب سحولية يمانية ليس فيها عمامة ولا قميص)). والبيهقي (٢٤٥/٣)، وإسناده صحيح، صححه الحاكم (٣٥٤/١)، = ووافقه الذهبي، والبغوي (٣١٤/٥)، وأحمد (٣٤٢٦)، وقد ورد من حديث سمرة بن جندب عند النسائي (٣٤/٤)، والبيهقي (٤٠٢/٣، ٤٠٣)، وصححه الحاكم (٣٥٤/١، ٣٥٥)، وأقره الذهبي وابن حجر في الفتح (١٠٨/٣). (١) يراجع لما سبق في الأوسط (٥/ ٣٥٢، ٣٦٢). (٢) مسلم (٩٤١). ٤٢١ وفي كفنه - عليه الصلاة والسلام - روايات أخر ذكرتها في تخريجي لأحاديث الرافعي (١)، ولما ذكر الترمذي(٢) حديث عائشة الذي ذكره المصنف، وقال فيه: حسن صحيح، قال: وقد روي في كفن رسول الله سلسلة روايات مختلفة وحديث عائشة أصح الأحاديث التي رويت في كفن رسول الله ◌َيٍ(٣). (١) انظر: الاستذكار (١٧٩/٨، ١٨٥، ٢٠٥، ٢١٦) للاطلاع على جميع ما ورد في ذلك. (٢) الترمذي (٣١٣/٣). (٣) في ن ب د زيادة (عليه أفضل الصلاة والسلام). ٤٢٢ الحديث الخامس ٣٢/٥/١٦٠ - عن أم عطية الأنصارية - رضي الله عنها -، قالت: دخل علينا رسول الله * حين توفيت ابنته فقال: ((اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك - إن رأيتن ذلك - بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافوراً - أو شيئاً من كافور - فإذا فرغتن فآذنني)). فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوه فقال: ((أشعرنها به))، يعني إزاره. وفي رواية: ((أو سبعاً)). وقال: ((ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها)». وأن أم عطية قالت: ((وجعلنا رأسها ثلاثة قرون))(١). الكلام عليه من ثلاثة وثلاثين وجهاً فأكثر. الأول: أم عطية: سلف التعريف بها في باب صلاة العيدين. (١) البخاري (١٦٧، ١٢٥٣، ١٢٥٤، ١٢٥٥، ١٢٥٦، ١٢٥٧، ١٢٥٨، ١٢٥٩، ١٢٦٠، ١٢٦١، ١٢٦٢، ١٢٦٣)، ومسلم (٩٣٩)، والنسائي (٢٨/٤، ٣١)، وأبو داود (٣١٤٢، ٣١٤٦) في الجنائز: باب كيف غسل الميت، وابن ماجه (١٤٥٨)، والترمذي (٩٩٠)، والبيهقي (٣٨٩/٣)، وابن الجارود (٥١٩، ٥٢٠)، وابن حبان (٣٠٣٢، ٣٠٣٣)، وأحمد (٨٤/٥، ٨٥) (٤٠٧/٦، ٤٠٨)، والطبراني (٩٤/٢٥، ٩٥، ٩٦) وفي عدة مواضع منه. ٤٢٣ الثاني: يقال: ((توفي الإِنسان)) و((هلك)) و((مات)) و ((قضى» و((درج)). فـائـة [١١٥ /١/ ١] ويقال: في غير الآدمي ((نفق الحمار)) / ((طفس البرذون)) تنبل البعير (١) ((همدت النار))(٢) / ((قرت الجرح)) إذا مات الدم فيه . المراد بابته الثالث: ابنته ◌َ ﴾ هذه هي زينب، هذا هو المشهور الذي رواه مسلم(٣) في صحيحه، وذكر القاضي عياض عن بعض أهل السير أنها أم كلثوم. قال النووي(٤): والصواب الأول وهو قول الجمهور. وقال المنذري: في القول الثاني نظر، لأنها توفيت ورسول الله وَ﴿ ببدر، وفي هذا النظر الذي ذكره نظر، بل هذه رقية أما أم كلثوم فتوفيت سنة تسع، كما جزم به أبو عمر [وغيره(٥) (١) لسان العرب (١٧٢/٨)، والمنتخب للهنائي (٣٤٤/١). (٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والصحاح. (٣) مسلم (٩٣٩). (٤) شرح مسلم (٣/٧). (٥) قال في فتح الباري (١٢٨/٣) على قوله: ((ابنته)) لم تقع في شيء من روايات البخاري مسماة، والمشهور أنها زينب زوج أبي العاص بن الربيع والدة أمامة التي تقدم ذكرها في الصلاة، وهي أكبر بنات النبي وَّر، وكانت وفاتها فيما حكاه الطبري في الذيل في أول سنة ثمان، وقد وردت مسماة في هذا عند مسلم في طريق عاصم الأحول عن حفصة عن أم عطية قالت: ((لما ماتت زينب بنت رسول الله وَلٍ﴾ قال: ((اغسلنها)) فذكر الحديث، ولم أرها في شيء من الطرق عن حفصة ولا عن محمد مسماة = : ٤٢٤ إلاَّ في رواية عاصم هذه، وقد خولف في ذلك فحكى ابن التين عن = الداودي الشارح أنه جزم بأن البنت المذكورة أم كلثوم زوج عثمان ولم يذكر مستنده، وتعقبه المنذري بأن أم كلثوم توفيت والنبي وقَّ ببدر فلم يشهدها، وهو غلط منه فإن التي توفيت حينئذٍ رقية، وعزاه النووي تبعاً لعياض لبعض أهل السير، وهو قصور شديد فقد أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب ولفظه: ((دخل علينا ونحن نغسل ابنته أم كلثوم»، وهذا الإسناد على شرط الشيخين، وفيه نظر سيأتي في ((باب كيف الإِشعار)) وكذا وقع في ((المبهمات)) لابن بشكوال من طريق الأوزاعي عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت: ((كنت فيمن غسل أم كلثوم)) الحديث، وقرأت بخط مغلطاي: زعم الترمذي أنها أم كلثوم وفيه نظر كذا قال، ولم أر في الترمذي شيئاً من ذلك، وقد روى الدولابي في الذرية الطاهرة من طريق أبي الرجال عن عمرة أن أم عطية كانت ممن غسل أم كلثوم ابنة النبي ◌ّ الحديث فیمکن دعوی ترجيح ذلك لمجيئه من طرق متعددة، ویمکن الجمع بأن تكون حضرتهما جميعاً، فقد جزم ابن عبد البر - رحمه الله - في ترجمتها بأنها كانت غاسلة ووقع لي من تسمية النسوة اللاتي حضرن معها ثلاث غيرها، ففي الذرية الطاهرة أيضاً من طريق أسماء بنت عميس أنها كانت ممن غسلها قالت ومعنا صفية بنت عبد المطلب، ولأبي داود من حديث ليلى بنت قانف بقاف ونون وفاء الثقفية: قالت كنت فيمن غسلها. وروى الطبراني من حديث أم سليم شيئاً يومىء إلى أنها حضرت ذلك أيضاً، وسيأتي قول ابن سيرين: ولا أدري أي بناته: أي في باب كيف الإِشعار من الصحيح، وهذا يدل أنها تسميتها في رواية ابن ماجه وغيره وهو دون ابن سیرین. اهـ. والحديث في تكفينها في خمسة أثواب لا يصح إسناده، لأن فيه نوح بن = ٤٢٥ ](١). قال: وشهدت أم عطية غسلها، أي كما أخرجه أبو داود من حدیث لیلی بنت قانف بنون. قلت: وأم عطية كانت غاسلة للميتات، كما أسلفناه في ترجمتها، فلعلها غسلت الكل. وقال ابن دحية في المولد: وهم ابن فارس حيث قال: إن زواج أم كلثوم بعد رقية . أولاده * فائدة: له * ثمانية من الولد أربعة ذكور القاسم وبه كان يكنى وَّة، عاش سنتين ومات قبل الوحي /، والطيب، ويقال: له عبد الله ولد بعد الوحي، والطاهر: ولد بعد الوحي، وقيل: إنه الطيب، وإبراهيم من مارية ولد سنة ثمان، ومات سنة [عشر](٢)، [وأربع بنات: زينب هذه، ولدت سنة ثلاثين من الفيل، وماتت سنة ثمان](٣) ورقية ولدت سنة ثلاث وثلاثين من الفيل بعد زينب وماتت بالمدينة والنبي وقلقه في غزوة بدر، ولأجل ذلك تخلف عثمان عن بدر، وأم كلثوم قيل : ولدت قبل رقية، وقبل فاطمة، وماتت سنة تسع، وفاطمة ولدت وقريش تبني البيت قبل النبوة بخمس سنين [سنة إحدى وأربعين من الفيل](٤)، حكيم الثقفي وهو مجهول، كما قاله الحافظ ابن حجر وغيره وفيه علة = أخرى بينها الزيلعي في نصب الراية (٢٥٨/٢)، وأحكام الجنائز للألباني (٦٥)، وأبو داود (٣١٥٧). (١) في ن ب ساقطة. (٢). في ن ب (ثمان). (٣) في ن ب ساقطة. (٤) هكذا في المخطوطة لأنها بالتاريخ توافق سنة خمس وثلاثين من عام الفيل على القول أن ولادته ول# عام الفيل. ٤٢٦ وهي أصغر بناته، وماتت بعده لستة أشهر، وقيل: غير ذلك، وكلهم من خديجة إلاَّ إبراهيم، فإنه من مارية التي أهداها له المقوقس من حفن كورة أنصنا (١) وأكبر بنيه القاسم، ثم الطيب والطاهر. قاله ابن هشام، قال: وأكبر بناته رقية ثم زينب ثم أم كلثوم ثم فاطمة. قلت: وقيل أكبر بناته أم كلثوم، وقيل: زينب كما أسلفته، والقاسم والطيب والطاهر ماتوا قديماً. وأما بناته فهاجرن معه وَلتر. الرابع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((اغسلنها ثلاثاً الغل وتراً أو خمساً)) معناه وتراً وليكن ثلاثاً فإن احتجتن إلى زيادة الإِنقاء فليكن خمساً: الخامس والسادس: استدل بقوله: ((اغسلنها)) على وجوب حكم غل الغسل. البيت وبقوله: ((ثلاثاً أو خمساً)) على أن الإِيتار مطلوب في غسل الميت، فإن حصل تعميمه وإنقاؤه بواحدة / كانت الثلاث مأموراً بها ندباً وإن [لم] (٢) يحصل ذلك بواحدة وحصل بالثلاث كانت الثلاث (١) السيرة النبوية لابن هشام (٤/١، ٢٠٦). قال ابن الأثير: ((حفن)) هي بفتح الحاء وسكون الفاء النون قرية من صعيد مصر، ولها ذكر من حديث الحسن بن علي مع معاوية . اهـ وحديثه الذي أشار إليه هو أن الحسن خاطب معاوية في أن يضع الخراج عن أهل حفن حفظاً لوصية رسول الله بهم ورعاية لحرمة الصهر. ((أنصنا)): بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الصاد: مدينة في صعيد مصر ينسب إليها كثير من أهل العلم. (٢) زيادة من ن ب د. ٤٢٧ [١/١١٥/ ب] واجبة وندب / الخمس. قول الأصوليين في إرادة المعنيين المختلفين بصيغة واحدة وقد اختلف أصحاب الأصول في جواز إرادة المعنيين المختلفين بصيغة واحدة فقوله: ((اغسلنها)) صيغة أمر بالغسل، وقوله: ((ثلاثاً) غير مستقل بنفسه، فإذا حصل المقصود بواحدة كان قوله: ((ثلاثاً أو خمساً) غير داخل في صيغة الأمر بأصل الغسل، فيكون المراد به الاستحباب، فالوجوب مراد بالنسبة إلى أصل الغسل والاستحباب بالنسبة إلى الإِيتار عند عدم الحاجة إلى الزيادة على الواحدة أو الثلاث وقد رواه البخاري بلفظ آخر ((اغسلنها، وتراً ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأتين ذلك)) ولم يذكر الواحدة لخروج الحديث على الغالب في الإِنقاء والتعميم، لا على التحديد بعدد، ولهذا جعله ولي مفوضاً إليهن على حسب الحاجة الشرعية، لا مجردة بحسب التشهي، فإن الأمر الوارد من الشرع يصان / عن التشهي خصوصاً إذا كان موصوفاً بصفة لوجود الإسراف في التشهي، فهو من قبيل الإسراف في ماء الطهارة. الزيادة على السبع ووقع لبعض الشراح من المالكية: أنه إذا زيد على ذلك فالانتهاء إلى السبع إذ لا يحتاج إلى الزيادة عليها في الأغلب، وهذا ذهول منه على الرواية التي أوردناها «أو سبعاً أو أكثر من ذلك)). ووقع للشيخ تقي الدين(١) نحوه، فإنه قال وإنهاؤه الزيادة إلى سبعة - في بعض الروايات - لأن الغالب أنه لا يحتاج إلى الزيادة علیها فاستفد ما ذكرته لك. (١) انظر: إحكام الأحكام (٣/ ٢٤٠). ٤٢٨ وقال ابن عبد البر(١): لا نعلم أحداً من العلماء قال بمجاوزة سبع غسلات. السابع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((أو أكثر من ذلك)) إلى آخره هو بكسر الكاف من ذلك لأن الخطاب لمؤنث وإن كان المشار إليه مذكر إذ: القاعدة العربية: أن يجعل أول كلام لمن يسأل عنه وآخره لمن قاعدة: أول الكلام لمن يسأل عنه يخاطبه، فيقول: كيف ذلكَ الرجل يا امرأة، وكيف تلكَ المرأة یا رجل، وأتى - عليه الصلاة والسلام - بالنون الثقيلة لجميع النساء من حيث إن الغسل لا يتعاطاه إلاَّ جماعة منهن لكن نظراً للمصلحة الشرعية قد يكون لواحدة منهن فحسن جمعهن في الرواية وإفراد أم عطية في الخطاب. الثامن: معنى قوله - عليه الصلاة والسلام - : ((إن رأيتن ذلك)»، أي إن رأيتن الزيادة في العدد وعند[(٢)] الاحتياج وليس معناه التخيير والتفويض إلى شهوتهن كما سلف. معنسی: «إن رأیتن ذلك، وقيل: معناه إن رأيتن الغَسل، وما أَبعدهُ وبنى المالكية على ذلك منهم المازري (٣) الخلاف عندهم / في وجوب الغسل فمن قال [١/١١٦/أ] بالثاني قال: إن غسله سنَّة، ومن قال بالأول / قال: إنه واجب وهذا مبني على الخلاف في أن التقييد والاستثناء والشرط إذا تعقب جملاً هل يعود إلى جميعها إلاَّ ما أخرجه الدليل أو إلى أقربهما. (١) التمهيد (٣٧٣/١). (٢) في ن ب زيادة (معنى قوله - عليه السلام -). (٣) المعلم (٤٨٦/١). ٤٢٩ وتعجب بعضهم من النووي(١) في [نقله] (٢) الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية. فإن الخلاف فيه عندهم حكاه المازري(٣) وغيره، وقال القرطبي(٤): الأولى أنه سُنَّة. فرع: ليس عند مالك وبعض أصحابه في غسل الميت تحديد بعدد معین، ولکن ینقی المیت ولا يقتصر مع ذلك علی دون الثلاث، فإن احتيج إلى الزیادة استحب الوتر، وليس لذلك عنده حد. قال القاضي عياض(٥): وإلى هذا يرجع قول الشافعي وغيره من العلماء وكذا إذا احتاج الغاسل إلى أكثر من ذلك لقوله: ((إن رأيتن ذلك))، ونجا أحمد وإسحاق إلى أن لا يزاد على سبع، والرواية التي أسلفناها ترد ذلك. التاسع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((بماء وسدر)) قد يوهم هذا اللفظ أن الماء المختلط بالسدر يجوز التطهير به من غير ماء مطلق، وليس هو ظاهر في امتزاج السدر بالماء حال التطهير، بل يحتمل اجتماعهما في الغسل من غير مزج، ويكون أحدهما وارداً على الآخر، فيزول توهم جواز ذلك .. (٦) وقد احتج به ابن شعبان ومن يجيز غسله بماء الورد وبالماء المضاف. معنى قوله: (بماء سدر) وهل يخلط السدر بالماء؟ (١) شرح مسلم (٣/٧). (٢) في ن ب (نقل). (٣) انظر: المعلم بفوائد مسلم (٤٨٦/١). (٤) المفهم (٣/ ١٥٧٣). (٥) إكمال إكمال المعلم (٧٦/٣). (٦) ما بين النقطتين ذكره في المفهم (١٥٧٤/٣). ٤٣٠ وقال ابن [الفرضي (١)](٢): وإنما يكره غسل الميت بماء الورد ونحوه من ناحية السرف، وإلاَّ فهو جائز، إذ لا يغسل للتطهر، بل هو إكرام للقاء الملكين. والجمهور: على أن غسله بذلك لا يجوز وإن ذلك لا يفهم من الحديث . قال القاضي عياض(٣): ليس قولهم: ((بماء وسدر))، أن يلقي ورقات من السدر في الماء عند كافتهم، بل أنكروه ونسبوا فعله للعامة . وقد ذكر الداوودي نحواً منه قال: يسحق السدر ويرمى في الماء ولكنه عند جمهورهم أن يغسل أولاً بالماء القراح فتتم الطهارة، ثم الثانية بالماء والسدر للتنظيف، ثم الثالثة بالماء والكافور للتطيب والتخفيف، وهذا حقيقة مذهب مالك(٤)، وحكاه ابن حبيب، وقال: يبدأ بالماء والسدر ليقع التنظيف أولاً، ثم بالماء القراح ثانياً. وقال أبو قلابة مثله لكنه قال: ويحسب هذا غسلة واحدة، وهذا جارٍ على قياسات الطهارة. (١) انظر: الفتح (٢٦/٣). (٢) في ن ب (الرضي). (٣) إكمال إكمال المعلم (٧٦/٣). (٤) انظر: الاستذكار (١٩٣/٨). قال ابن العربى - رحمنا الله وإياه -: من قال الأولى بالماء القراح والثانية بالماء والسدر أو العكس والثالثة بالماء والكافور فليس هو في لفظ الحديث. اهـ. وكأن قائله أراد أن تقع إحدى الغسلات بالماء الصرف المطلق لأنه المطهر في الحقيقة، وأما المضاف فلا. اهـ، من الفتح (١٢٦/٣). ٤٣١ [وذهب](١) أحمد (٢): إلى أن الغسلات كلها تكون بالسدر على ظاهر الحديث. وفي حديث(٣) آخر ((كلهن بالماء والسدر))، وقد يكون قولهم غسله بالماء والسدر ليس بأن يلقي السدر فيه كما قالوا، ولكنه يخضخض السدر بالماء حتى تخرج رغوته للغسل / ثم [١/١١٦/ب] يغسل به الميت ويصب الماء من فوق ذلك للتطهير / وأظن هذا مراد الداوودي كسائر ما يزال من النجاسات والأقذار اللزجة بالغاسول فلا يكون غسلاً مضافاً. قلت: والأصح عند الشافعية أن غسلة السدر لا تحسب من الثلاث، لأنه يزيل طهورية الماء بتفاحشه، ولا يحسب ما بعدها أيضاً، لأن الماء إذا أصاب المحل اختلط بما عليه من السدر، فالمحسوب ما يصب عليه من الماء القراح بعد زوال السدر، فيغسل ! بعد زوال السدر ثلاثاً بالقراح(٤). تنبيه: يقوم مقام السدر الخطمي [أو غيره مما يقوم مقامه كالغاسول عند كافة العلماء، كما حكاه القرطبي(٥). قال: وروي عن عائشة(٦) في غسل رأس الميت بالحظمي (١) في ن ب (وهذب). (٢) انظر: الاستذكار (١٣٩/٨). (٣) من رواية ابن عباس ولفظه: ((بماء وسدر)). انظر: الاستذكار (١٩٣/٨)، وروى حديثاً آخر أن النبي و ﴿ غُسُل ثلاث غسلات كلهن بالماء والسدر .. (٤) انظر: فتح الباري (١٢٦/٣). (٥) المفهم (١٥٧٤/٣). (٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٤/٣)، وابن المنذر في الأوسط (٣٣١/٥)، = ٤٣٢ نهي](١). قال الماوردي(٢) من أصحابنا: إن السدر أولى لأنه أمسك للبدن. الحكمة من الكافور العاشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((واجعلن في الأخيرة كافوراً) أي [في] (٣) المرة الأخيرة / والحكمة في الكافور لشدة تبريده وتجفيفه جسد الميت وحفظه له عن سرعة التغير والفساد ولتطيب رائحته للمصلين ومن يحضره [من](٤) الملائكة، ولعل ذلك السبب في جعله في الأخيرة فإنه لو جعل في غيرها من الغسلات قبلها لأذهبه، فلا يحصل المقصود من ذلك، مع ما فيه من إكرام الميت وغيره مما أسلفناه. الحادي عشر: انفرد أبو حنيفة(٥) فقال: لا يستحب استعمال حكم استعمال الكافور. وخالفه الثلاثة والجمهور. وهذا الحديث حجة عليه. الكافور وروي عن النخعي(٦): إنما ذلك في الحنوط لا في الغسل. ولفظ عن الأسود قال: ((سألت عائشة رضي الله عنها أيغسل رأس الميت = بالخطمي؟ فقالت: لا تعفنوا أمواتكم)، وكرهه ابن سيرين. انظر المراجع السابقة. ولكن إذا لم يوجد سدر فيوضع مكانه. كما قاله ابن المنذر في الأسط . (١) في ن ب د ساقطة. (٢) الحاوي (١٧٢/٣). (٣) في ن ب ساقطة. (٤) زيادة من ن ب د. (٥) انظر: الاستذكار (١٩٣/٨). (٦) الاستذكار (١٩٣/٨)، ومصنف عبد الرزاق (٣٩٨/٣، ٤١٩)، وآثار محمد الحسن (٤٤)، وفتح الباري (١٢٩/٣). ٤٣٣ وعزاه القرطبي(١) إلى الأوزاعي. ويمكن أن يتأول من قال هذا في الأخيرة، أي بعد تمامها والظاهر بخلافه. استحباب الطيب الثاني عشر: فيه دلالة على استحباب الطيب وخصوصاً. الكافور، كما قدمناه، فإن لم يجده قام غيره من الطيب مقامه. مواضع الكافور الثالث عشر: نص أصحابنا على أنه يجعل في كل غسلة قليل: من كافور. وفي الأخيرة آكد، واستدلوا بهذا الحديث، وخصه في المهذب بالثالثة والجرجاني بالثانية وهما غريبان. فرعان: الأول: يستثنى من استعمال الكافور في غسله المحرم للحديث الآتي بعده. الثاني: ليكن الكافور قدراً لا يسلب الطهورية فإن كان صُلباً وتفاحش التغير به فالأظهر عندنا أنه لا يؤثر في طهورية غير الميت. وأما فيه فقد نص عليه وتابعوه. وقال القاضي أبو الطيب: ويغير الكافور تغير مجاورة لا مخالطة. وقال السرخسي في ((الأمالي)) من الأصحاب: من قال لا يحسب إذا تغير بالكافور، وتأول الحديث، وكلام الشافعي على [١/١/١١٧] كافور يسير / لا يفحش تغيره. ومنهم من حمله: على ما إذا جعل الکافور في البدن، ثم صب . الماء القراح عليه . (١) المفهم (١٥٧٤/٣). ۔۔ ٤٣٤ ومنهم من قال: هو على إطلاقه، ولا يحسب ذلك عن الفرض . ومنهم من قال: يحسب عنه في غسل الميت خاصة، لأن / مقصوده التنظيف . الرابع عشر: قوله: ((كافوراً أو شيئاً من كافور»، الظاهر أن هذا شك من الراوي: هل قال - عليه الصلاة والسلام - هذا أو هذا؟ فتأمله. قوله: «فإذا فرغتن فآذني؟ الخامس عشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((فإذا فرغتن فآذنني)) أي أعلمني، ويؤخذ منه أنه ينبغي للعالم إذا علم أمراً يتعلق بالمأمورية لا يمكن الائتمار به إلاَّ بالفعل على صورة أن يقيد الأمر والتعليم بغاية لتوضع موضعه، ويؤخذ منه أيضاً وهو الوجه. السادس عشر: أنه ينبغي للمأمور التقيد بالأمر [فوراً](١) التقيد بالأمر وغاية . السابع عشر: ((الحقو)) - بكسر الحاء وفتحها - لغتان، تفسير الحقو والمعروف من كلام العرب الثاني، وقالته هذيل بالأول، كما أفاده القرطبي(٢)، وهو الإِزار / والأصل فيه الخصر معقد الإِزار. وسمي الإِزار: مجازاً لملازمته إياه، وهو من باب تسمية الشيء بما يلازمه، كما قالوا للمزادة راوية، والراوية: اسم للجمل الحامل لها. (١) في ن ب ساقطة. (٢) المفهم (١٥٧٥/٣). ٤٣٥ وجمعه: أحق مثل دلو . وتجمع أيضاً: على أحقّاء كأدلاء. وفي الكثير: حقي [كدلي)] (١). وأصله: حقوقٌ فأداه التصريف إلى حقي. الثامن عشر: معنى ((أشعرنها)) اجعلنه شعاراً لها. معنى: (أشعرنها) والشعار: ما يلي الجسد، والدثار: ما فوقه، سمي شعاراً لأنه يلي شعر الجسد. الحكمة في الإشعار التاسع عشر: الحكمة في إشعارها تبريكها بآثاره - عليه الصلاة والسلام - ففيه التبرك بآثار الصالحين، ولباسهم(٢). العشرون: فيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل. تكفين المرأة في ثوب الرجل صفة الإشعار الحادي والعشرون: اختلف في صفة إشعارها إياه، كما قال (٣) القاضي : فقيل: يجعل لها مئزاراً وهو قول ابن وهب (٤). (١) في ن ب د ساقطة. (٢) قد سبق غير مرة في حاشية هذا الكتاب أن التبرك بآثار الصالحين غير جائز وإنما يجوز ذلك بالنبي ول# خاصة لما جعل الله في جسده وما ماسه من البركة، وأما غيره فلا يقاس عليه لوجهين: أحدهما: أن الصحابة - رضي الله عنه - لم يفعلوا ذلك مع غير النبي ونَ ﴾، ولو كان خيراً لسبقونا إليه. الثاني: أن فعل ذلك مع غيره من وسائل الشرك فوجب منعه، والله أعلم. اهـ، من تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز على الفتح (١٣٠/٣). (٣) إكمال إكمال المعلم (٧٧/٣). (٤) انظر: الاستذكار (١٩٦/٨). ٤٣٦ وقيل: لا تؤزر ولكن تلف فيه، وهو قول ابن القاسم وجماعة من العلماء. قال ابن سيرين(١): المرأة لا تشعر ولا تؤزر. وقال ابن جريج(٢): أشعرنها ألففنها. وقال النخعي(٣): الحقو: فوق الدرع. وقال ابن علية(٤): الحقو: النطاق سبتية طويلة يجمع بها فخذاها تحصيناً لها ثم يلف على عجزها(٥). معنى: (((الميامن) الثاني والعشرون: ((الميامن)) جمع ميمنة وأمره ولو بالبدأة بها على الأصل في استحباب البدأة بالميامن في الطهارة وغيرها من العبادات تيمناً بلفظ اليمين، وتفاؤلاً بأن يكون من أصحاب اليمين. وضوء الميت [١/١١٧/ب] الثالث والعشرون: قوله - عليه الصلاة والسلام - : ((ومواضع الوضوء منها)) هذا أمر بإكرام / مواضع الطهارة من بدنه أيضاً كما أمر بإكرام الميامن، والمعنى فيه شرفها على البدن، فإن البدأة بالشيء يقتضي الاهتمام به، لكن إذا فعل ذلك هل هو وضوء حقيقة أو هو جزء من الغسل خصت به المذكورات من الميامن ومواضع الوضوء تشريفاً؟ فيه كل ذلك محتمل. (١) انظر: مصنف ابن أبي شيبة (٤٠٣/٣)، والاستذكار (١٩٦/٨). (٢) مصنف ابن أبي شيبة (٤٠٣/٣)، والاستذكار (١٩٦/٨). (٣) انظر: الاستذكار (١٩٧/٨). (٤) انظر: الاستذكار (١٩٧/٨). (٥) ذكر ما سبق في المفهم (١٥٧٥/٣). ٤٣٧ ووضوء الميت مستحب عند الشافعي ومالك والجمهور خلافاً لأبي حنيفة، وهو / عند الشافعية في أول الغسل كما في وضوء الجنب . واختلفت المالكية: متى يوضأ؟ فقيل: عند المرة الأولى. وقيل: عند الثانية . وقيل: فيهما حكاهن القرطبي. الأحق بغسل الميتة الرابع والعشرون: استدل بعضهم بهذا الحديث على أن النساء أحق بغسل الميتة من زوجها، وأنه لا يغسلها إلاَّ عند عدمهن، وهو مذهب الحسن(١). وقد يمنع من ذلك حتى يتحقق أن زوج زينب كان : حاضراً إذ ذاك، لا مانع له من غسلها، وأنه لم يفوض الأمر إلى النسوة. وجمهور العلماء: على خلافه وأنه أحق . وذهب الشعبي والثوري وأبو حنيفة: إلى أنه لا يغسلها جملة(٢). (١) انظر: الاستذكار (١٩٧/٨). (٢) فقالوا: تُغْسلُهُ ولا يُغسلُها لأنه ليس في عدةٍ منها. أجيب عنه: بأن هذا لا حجة فيه لأنها في حكم الزوجية ليس في عدة منها بدليل الموارثة، لا في الحكم المبتوتة، واعتلوا أيضاً: بأن لزوجها أن يتزوج أختها، فلذلك لا يُغسلها. وهذا لا ينتقد عليهم بغسلها له. اهـ، من الاستذكار (١٩٩/٨). ٤٣٨ وقال سحنون: الأولياء أحق(١). واختلف أصحابنا في أن النساء أحق بغسل الميتة من زوجها علی وجھین. أصحهما: نعم لأنهن أليق. وأجمع العلماء(٢): على أن [لها](٣) غسل زوجها، وإن كان فيه رواية عن أحمد، والأصح أنها تغسله أبداً، ومحل الخوض في ذلك كتب الفقه، وقد بسطناه فيها ولله الحمد. الخامس والعشرون: استدل بعضهم بهذا الحديث على أنه حكم الغُسل لا يجب الغسل من غسل الميت من حيث إنه موضع تعليم(٤)، فلو من تغيل البيت وجب لذكره، وعدم الوجوب هو الصحيح من مذهب الشافعي(٥) ورواية المدنيين عن مالك(٦) وهو قول أبي حنيفة(٧) وأحمد والصحيح أن للرجل أن يغسل زوجته كما أن لها أن تغسله والأحاديث في ذلك كثيرة منها حديث على حيث غسل فاطمة وحديث أسماء بنت عميس حيث غسلت أبا بكر وقول النبي ◌َّه لعائشة: ((ما ضرك لو مت قبلي، وغسلتك وکفنتك، ثم صلیت عليك ودفنتك)) الحديث. (١) ما سبق ذكره في المفهم (١٥٧٨/٣). (٢) قال ابن عبد البر: ولم يختلف الفقهاء في جواز غسل المرأة لزوجها . اهـ. (٣) في ن ب ساقطة. (٤) ساق هذا المبحث من المفهم (١٥٧٨/٣). (٥) انظر: الاستذكار (٢٠١/٨). (٦) انظر: الاستذكار (٢٠١/٨). (٧) انظر: الاستذكار (٢٠١/٨). ٤٣٩ والجمهور. لكن قال الخطابي(١): لا أعلم أحداً قال بوجوبه. وأوجب أحمد وإسحاق: الوضوء منه. والجمهور: على استحبابه. والحديث المروي فيه من طريق أبي هريرة (٢): ((من غسل ميتاً فليغتسل، ومن مسه فليتوضأ))، (١) انظر: معالم السنن (٣٠٥/٤). (٢) الترمذي (٩٩٣)، وابن ماجه (١٤٦٣)، وأبو داود (٣١٦١، ٣١٦٢)، وأحمد (٢٨٠/٢، ٤٣٣، ٤٥٤، ٤٧٢)، والبيهقي (٣٠٠/١، ٣٠١)، والطيالسي (٢٣١٤)، وابن حبان (١١٦١)، وابن أبي شيبة (٢٦٩/٣)، وابن حزم في المحلى (٢٥٠/١) (٢٣/٢)، وعبد الرزاق (٦١١٠)، والبغوي (٣٣٩)، وقد حسن الحديث الترمذي وصححه ابن القطان، وقال ابن حجر في ((تلخيص الحبير)) (١٣٧/١) وفي الجملة هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسناً . قال البغوي في شرح السنَّة (١٦٩/٢): واختلف أهل العلم في الغُسْل من. غَسْل الميت، فذهب بعضهم إلى وجوبه، وذهب أكثرهم إلى أنه غير واجب، قال ابن عمر وابن عباس: ليس على غاسل الميت غُسل، وروي عن عبد الله بن أبي بكر، عن أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر أنها . غسلت أبا بكر حين توفي، فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت : : إني صائمة، وهذا يوم شديد البرد، فهل عليّ من غسل؟ فقالوا: لا، وقال النخعي وأحمد وإسحاق: يتوضأ غاسل الميت، وقال مالك والشافعي: يستحب له الغسل ولا يجب، ويؤيد قول من حمل الأمر في الحديث على .. الاستحباب ما رواه الخطيب في تاريخه (٤٢٤/٥) عن ابن عمر: كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل. وقال ابن حجر في الفتح (١٢٦/٣): وقيل تعلق هذا الأثر وما بعده بالترجمة من جهة أن المصنف يرى أن المؤمن لا ينجس بالموت وأن = ٤٤٠