Indexed OCR Text

Pages 501-520

الثالث: تقدم الكلام على لفظ: ((اللهم)) في الباب الذي بعد معنى:
كتاب الطهارة .
أظلمت
نفي!
وقوله: ((ظلمت نفسي)) أي بملابسة ما يوجب عقوبتها أو بما
ينقص حظها .
والظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه ومنه قولهم:
((من أشبه أباه فما ظلم)) أي لم يضع الشبه في غير موضعه.
ومنه المظلومة: الجلد، وهي الأرض التي لم يأتها المطر في
وقته. والظلم في أحكام الشرع على مراتب، أعلاه الشرك، ثم ظلم
المعاصي [وهي] (١) على مراتب.
الرابع: النفس تذكر وتؤنث، قال - تعالى -: ﴿أَنْ تَقُولَ المراد بالنفس
نَفْسُ﴾(٢)، وقال - تعالى -: ﴿بَلَ قَدْ جَآءَتَكَ ءَايَتِىٍ﴾(٣). والنفس
قيل هي الروح، والخلاف في ذلك أعني في أن النفس هي الروح
أم [لا](٤) حتى قيل: إن فيها ألف قول للعلماء(٥). والظاهر أن
المراد هنا بالنفس الذات أي ظلمتها [فوضعت](٦) المعاصي موضع
الطاعات .
(١) في ن ب (وهو).
-
(٢) سورة الزمر : آية ٥٦ .
(٣) سورة الزمر: آية ٥٨.
(٤) في ن ب د زيادة: (شهير).
(٥) انظر: كتاب الروح لابن القيم (٢١٧)، ولوامع الأنوار (٢٨/٢، ٤٥).
(٦) في ن ب (وضعت).
٥٠١

معنی: ((الغفر)
الخامس: [الغفر](١): الستر كما أسلفته في شرح خطبة.
الكتاب .
معنى:
(الذنوب)
السادس: ((الذنوب)) جمع ذنب، وهو الجرم، مثل فليس
وفلوس، فهو [اسم](٢)، والمصدر: أذناب، ولا يكاد يستعمل.
شرعية طلب
تعليم العلم
السابع: في الحديث دليل على شرعية طلب تعلم العلم من
العلماء خصوصاً في الدعوات المتعلقة بالصلوات وإجابة العالم
للمتعلم سؤاله خصوصاً إذا كان المسؤول علماً عمليًّا وافتقاراً
وتوحيداً أو تنزيهاً.
الثامن: [فيه دليل](٣) على أن الإنسان لا يعرى من ذنب
وتقصير كما قال - عليه الصلاة والسلام -: ((استقيموا، ولن
تحصوا))(٤). وقال: ((كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين
عدم عصمة
الإنسان
(١) في الأصل (الغفير)، وما أثبت من ن ب د.
(٢) زيادة من ن ب د.
(٣) في الأصل زیادة (فيه دليل).
(٤) مالك في الموطأ (٣٤/١) في الطهارة، باب: جامع الوضوء بلاغاً،
والتمهيد (٣١٨/٢٤)، وابن ماجه (٢٧٧) في الطهارة، باب: المحافظة.
على الوضوء، والدارمي من طرق (١٦٨/١)، والحاكم في المستدرك.
(١٣٠/١)، وأحمد في المسند (٢٨٠/٥، ٢٨٢، ٢٧٦، ٢٧٧)،
والبغوي (٣٢٧/١)، والبيهقي (٤٥٧/١). قال أبو عمرو بن الصلاح:
وله طرق صحاح ((مساجلة علمية)) (ص ١٧)، والطيالسي (٩٩٦)، وابن
حبان (١٠٣٧)، والطبراني في الكبير (١٤٤٤)، والصغير (٨٨/٢)، وابن.
أبي شيبة (٥/١، ٦).
٥٠٢

التوابون))(١). ولو كان ثم حالة يعرى عن الظلم والتقصير لما طابق
هذا الإِخبار الواقع، ولم يؤمر به، فيؤخذ منه الاعتراف بظلم النفس
وتقصيرها في كل حالة، ثم إن التقصير في طلب معالي الأمور
والتوسل بطاعة الله وتقواه إلى رفيع الدرجات عند الله - تعالى -
لا يبعد أن يصدق عليه اسم الظلم بالنسبة لما يقابله من المبالغة
والتشمير في ذلك.
التاسع: قوله: ((كثيراً)) هو بالثاء المثلثة في أكثر الروايات وفي الجمع بيسٍ
بعض / روايات مسلم بالباء الموحدة فينبغي أن يجمع بينهما كما قاله
النووي في كتبه (٢) للاحتياط على التعبد بلفظه والمحافظة / عليه.
([كثير)
و (كبيراً)
[٤٣/ ب/ب]
[ ٧٤ /١/٥]
العاشرة: قوله: ((لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت)) هو إقراره معنى: الايغفي
بالوحدانية واستجلاب للمغفرة، کما قال تعالی: «علم أنّ له رباً يغفر
الذنوب إلا
أنت
الذنب ويأخذ بالذنب))(٣). وهو كقوله - تعالى -: ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا
فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ ... ﴾(٤) الآية. فأثنى على المستغفرين
(١) الترمذي (٢٥٠١) في صفة القيامة، باب: المؤمن يرى ذنبه كالجبل فوقه،
وابن ماجه (٤٢٥١) في الزهد، باب: ذكر التوبة، والدارمي (٣٠٣/٢)
في الرقاق، باب: في التوبة، وأحمد (١٩٨/٣)، والحاكم (٢٤٤/٤)،
وتعقبه الذهبي بقوله: ((علي فيه لين))، وأبو يعلى (٢٩٢٢).
(٢) في الأذكار (٥٥)، والمجموع (٣/ ٤٧٠).
(٣) البخاري (٧٥٠٧) في كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ
أَنْ يَُدِّلُواْ كَمَ اللَّهُ﴾، ومسلم (٢٧٥٨) في كتاب التوبة، باب: قبول التوبة
من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة.
(٤) سورة آل عمران: آية ١٣٥.
٥٠٣

من ذنوبهم، وفي ضمن ثنائه عليهم بالاستغفار أمر به، فالأمر في:
الآية بالتلويح، وفي الحديث بالتصريح، لأنه قد قيل: إن كل شيء
أثنى الله على فاعله فهو آمر به من جهة المعنى، وكل شيء ذم الله
تعالى فاعله فهو ناه عنه من جهة المعنى.
حسن هذا
الترتيب في هذا
الدماء
تنبيه: ما أحسن هذا الترتيب، فإنه قدم أولاً اعترافه بالذنب،
ثم بالوحدانية، ثم سأل المغفرة بعد ذلك، لأن الاعتراف أقرب إلى:
العفو، والثناء على السيد بما هو أهله [أو حي](١) لقبول مسألته،
وقد جعل تقديم الثناء بين يدي الدعاء: كتقديم هدية الشفيع بين يدي
مسألته، فإنه أقرب إلى القبول.
فائدة(٢): رجح بعضهم قول القائل: اللهم اغفر لي على قوله:
ترجيح قول:
(اللهم اغفر
لي، علی قول:
«أستغفرك
(١) في ن ب (أرجي).
وأتوب إليك)) (٢) قال ابن حجر في الفتح (٤٧٢/١٣) نقلاً عن النووي في كتاب الأذكار
(٣٤٩)، عن الربيع بن خيثم أنه قال: لا تقل: أستغفر الله وأتوب إليه،
فيكون ذنباً وكذباً إن لم تفعل، بل قل: اللهم اغفر لي وتب عليّ. قال
النووي: هذا حسن. وأما كراهية: أستغفر الله وتسميته كذباً، فلا يوافق
عليه، لأن معنى أستغفر الله: أطلب مغفرته، وليس هذا كذباً، قال :.
ويكفي في رده حديث ابن مسعود بلفظ، من قال: ((أستغفر الله الذي
لا إله إلاّ هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من
الزحف)). أخرجه أبو داود في الصلاة (١٥١٧)، باب: الاستغفار»،
والترمذي (٣٥٧٢) في الدعوات، باب: في دعاء الضيف، والحاكم في
المستدرك (٥١١/١) ووافقه الذهبي.
قلت: هذا في لفظ: أستغفر الله الذي لا إله إلاَّ هو الحي القيوم، وأما
وأتوب إليه، فهو الذي عنى الربيع - رحمه الله - أنه كذب، وهو كذلك : =
٥٠٤

أستغفرك وأتوب إليك. لأنه إذا قال ذلك ولم يكن متصفاً به كان
كاذباً وهو ضعيف في هذا الموضع وأمثاله، بل الأولى امتثال الأمر
الوارد في ذلك.
ومثله ما نقل عن بعضهم أنه توقف عن قوله في الدعاء في
صلاة الجنازة: وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له استصغاراً لنفسه أن
تتأهل للشفاعة ثم رجع عنه امتثالاً للأمر.
إذا قاله ولم يفعل التوبة كما قال، وفي الاستدلال للرد عليه بحديث ابن
=
مسعود نظر لجواز أن يكون المراد منه ما إذا قالها وفعل شروط التوبة،
ويحتمل الربيع أن يكون قصد مجموع اللفظين، لا خصوص أستغفر الله،
فیصح كلامه کله، والله أعلم.
قال السفاريني في شرح الثلاثيات (٩٠٣/٢): فالاستغفار التام الموجب
للمغفرة، هو ما قارن عدم الإصرار، كما مدح الله أهله، ووعدهم
المغفرة. قال بعض العارفين: من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته،
فهو كاذب في استغفاره، فأفضل الاستغفار، ما اقترن به ترك الإصرار وهو
حيثئذ توبة نصوح، وأما إن قال بلسانه: أستغفر الله. وهو غير مقلع بلقبه
فهو دعاء مجرد، إن شاء الله أجابه، وإن شاء رده، وربما يكون الإصرار
مانعاً من الإجابة. وأما من قال: هو توبة الكذابين، فمراده أنه ليس بتوبة
كما يعتقده بعض الناس، وهذا حق، فإن التوبة لا تكون مع الإصرار.
وأما إن قال: أستغفر الله وأتوب إليه، فهذا له حالتان:
إحداهما: أن يكون مصرًّا بقلبه على المعصية، فهذا كاذب في قوله:
(أتوب إليه)) لأنه غير تائب، فلا يجوز له أن يخبر عن نفسه بأنه تائب،
وهو غير تائب.
الثانية: أن يكون مقلعاً عن المعصية بقلبه، وفيه خلاف، والصحيح
جوازه.
٥٠۵

ومثله أن بعضهم توقف عن أن يجعل ذكره لا إله إلاَّ الله خشية
من اخترام المنية بين النفي والإِثبات، وجعل ذكره: الله، الله. وكل
هذا بعيد والخير كله في اتباع السنة، بل في شرع ذلك للعبد لبشرى
بتأهيله له، فللَّه الحمد.
الحادي عشر: قوله: ((مغفرة من عندك)) المغفرة لا تكون إلاَّ
من عنده، ففي هذا وجهان:
قوله: ((من
عنـدك
والمغفرة لا
تكون إلاّ من الله
الأول: أن تكون إشارة إلى التوحيد المذكور: كأنه قال:
لا يفعل هذا إلاَّ أنت، فافعله أنت.
الثاني: وهو الأحسن كما قال الشيخ تقي الدين(١): أن يكون
إشارة إلى طلب مغفرة يتفضل بها من عند الله - تعالى - لا يقتضيها
سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره، فهي رحمة من عنده بهذا
التفسير ليس [للعبد فيها سبب](٢) وهذا تبرأ من الأسباب(٣) والإِدلال
(١) إحكام الأحكام (٤٢/٣).
(٢) في ن د (فيها للعبد سبب).
(٣) قال الصنعاني في حاشيته (٤٢/٣): مراد الشارح المحقق أنه ليس الطلب
للمغفرة للإدلال بالأعمال لأن الأعمال، غير معلوم قبولها ولا سلامتها.
عما يعقبها مما يخل بها ويهضم جانب الاعتداد بها. فالمغفرة من عنده.
فضلاً، فالكل من فضل الله - تعالى -، جعل السبب وربط المسبب به
وهداية العبد إليه، كما قال - تعالى -: ﴿ وَمَا كُنَّا لِبْدِىَّ لَوْلاً أَنْ هَدَ تَا آَّهُ﴾،
ولذا قيل:
ما ترى الأسباب ما الأسباب فيها
علقوا الفضل بأسباب التقى
قف هنا إن شئت أو تزداد تيها.
ليس إلاَّ الفضل فيها سبباً
٥٠٦

بالأعمال والاعتقاد [في كونها موجبة للثواب وجوباً عقلياً(١).
وقال ابن الجوزي: / المعنى هب لي المغفرة تفضلاً](٢) وإن [٤٤/ب/أ]
لم أكن أهلاً لها بعملي وهو قريب مما قبله أو هو هو.
الثاني عشر: [قوله: ((وارحمني)) الرحمة من الله - تعالى -
عند المنزهين من الأصوليين عن التشبيه](٣) (٤)، إما نفس الأفعال
التي يوصلها الله - تعالى - من الإِنعام والإِفضال إلى العبد، وأما
إرادة إيصال تلك الأفعال إلى / العبد، فعلى الأول هي من صفات [٥/٧٤/ب]
الفعل، وعلى الثاني هي من صفات الذات.
تنبيهان :
الأول: المراد بالرحمة هنا زيادة الإِحسان على الغفران دفعاً المراد بالرحمة
(١) قال الصنعاني في حاشيته (٤٣/٣) على قوله: ((وجوباً عقليّاً). أقول:
يشير إلى إبطال ما عليه المعتزلة، من وجوب الثواب عقلاً، وليس هذا
محلّ للاستدلال على ذلك، ولا لتعين الحق بمجرد دعوى ليس عليها
دليل بذلك، والأليق بهذا المقام ما حررناه من التبرؤ من الأسباب. انظر:
التعليق السابق ... إلخ.
(٢) زيادة من ن ب د.
(٣) في ن ب ساقطة .
(٤) قوله: ((والرحمة من الله عند المنزهين من الأصوليين)). قال الصنعاني في
حاشيته (٤٣/٣): أقول: الحق في مثل هذا المقام إبقاء الصفات على
حقائقها وظواهرها ... إلخ. وقد مر بنا مبحث صفة الرحمة وما عليه
أهل السنة والجماعة، فارجع إليه، رزقنا الله وإياك علماً نافعاً وعملاً
صالحاً.
٥٠٧

للتكرار، فإن نفس المغفرة: رحمة، ولذلك جاءت الرحمة مكان
[المغفرة](١) في قوله - تعالى -: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾(٢).
الثاني: أخذ من قوله - تعالى -: ﴿يُوُصِيكُمُ اَللَّهُ فِيَّ
أَوْلَادِ عُمٌّ﴾(٣) الآية. أن الله تعالى أرحم بالعبد من أمه وأبيه.
وبيانه أن العادة: أن الإِنسان يوصي على ولده غيره، والله - تعالى -
قد أوصى أبانا علينا، وأما أخذ ذلك من قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ
أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ﴾﴾ فظاهر فإن الوالدين من الراحمين.
التعليل بقوله:
(إنك
أنت ... ]
وموقع قوله:
((أنت )) مما
قبلها
الثالث عشر: قوله: ((إنك أنت الغفور الرحيم)). ((إن)) هنا
للتعليل، و ((أنت)) يجوز أن تكون توكيداً للكاف، ويجوز أن تكون
فصلاً. والصفتان للمبالغة وقعتا حتماً للكلام على جهة المقابلة لما
قبلها، فالغفور: مقابل لقوله: اغفر لي، والرحيم: مقابل لقوله:
وارحمني، وقد وقعت المقابلة هنا للأول بالأول، والثاني بالثاني،
وقد تقع على خلاف ذلك مراعاة للقرب فيجعل الأول للأخير وذلك
على حسب اختلاف المقاصد وطلب التفنن في الكلام، وهو أن
يذكر شيئاً ثم يقصد تخصيصه، فيعيده مع ذلك المخصص [مثل] (٤)
قوله - تعالى -: ﴿فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ [يَا﴾ ثم قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ
شَقُواْ﴾(٥)، فبدأ بالأول لتصدره، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ
(١) في الأصل (الرحمة)، والتصحيح من ن ب د.
(٢) سورة الأعراف: آية ١٥٦ .
(٣) سورة النساء: آية ١١ .
(٤) في ن ب د (نحو).
(٥) سورة هود: آيتان ١٠٥، ١٠٦ .
٥٠٨

وَتَسْوَّذُ وُجُوَةٌ فَأَمَّا الَّذِينَ آَسْوَدَتْ وُجُوهُهُمْ﴾(١) الآية. فبدأ بالثاني قبل الأول
ومما يحتاج إليه في علم التفسير مناسبة مقاطع الآي لما قبلها .
الرابع عشر: هذا الحديث يقتضي الأمر بهذا الدعاء في الصلاة موضع هذا
من غير تعيين لمحله، ولو فعل فيها حيث لا يكره الدعاء [في أي
الدعاء
مكان](٢) جاز. قال الشيخ تقي الدين(٣): ولعل الأولى أن يكون في
أحد موضعين: إما السجود، وإما بعد التشهد أي الأخير فإنهما
الموضعان اللذان أمر فيهما بالدعاء (٤). قال - عليه الصلاة
والسلام -: ((وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء))(٥). وقال في
(١) سورة آل عمران: آية ١٠٦ .
(٢) زيادة من ن ب د.
(٣) إحكام الأحكام (٣٩/٣).
(٤) قوله: ((فإنهما الموضعان اللذان أمرنا فيهما بالدعاء)»، أما محلات الدعاء
في الصلوات التي ورد أنه في كان يدعو فهي سبعة مواضع ذكرها ابن
القيم في زاد المعاد (٢٥٦/١) ويجمعها قولنا:
إذا ما دعا قد خصصوها بسبعة
مواضع كانت في الصلاة لأحمد
وحال ركوع واعتدال وسجدة
عقيب افتتاح ثم بعد قراءة
وبينهما بعد التشهد هذه
مواضع تروى عن ثقات بصحة
انظر كلام المصنف في ص (٤٣٩).
(٥) مسلم (٤٧٩) في الصلاة، باب: النهي عن قراءة القرآن في الركوع
والسجود، وأبو داود (٨٧٦) في الصلاة، باب: في الدعاء في الركوع
والسجود، والنسائي (١٨٨/٢، ١٩٠) في التطبيق، باب: تعظيم الرب
في الركوع، والدارمي (٣٠٤/١)، وابن الجارود (٢٠٣)، والحميدي
(٤٨٩)، والشافعي (٨٢/١)، وعبد الرزاق (٢٨٣٩)، وأحمد =
٥٠٩

التشهد: ((فليتخير من المسألة ما شاء)» (١). قال: ولعله يترجح كونه
فيما بعد التشهد لظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا
المحل. وقال الفاكهي في هذا الترجيح نظر، والأولى الجمع بينهما
في [المحلین](٢) المذكورين.
[٤٤/ب/ب]
قلت: ويؤيد [هذا](٣) ما قاله الشيخ تقي الدين / أن البخاري
في صحيحه(٤) والنسائي(٥) والبيهقي(٦) وغيرهم من الأئمة احتجوا
بهذا الحديث للدعاء في آخر الصلاة. وقال النووي: هو استدلال
صحيح، فإن قوله: في صلاتي تعم جميعها، ومن مظان الدعاء في
الصلاة هذا الموطن، وكذا قال ابن الجوزي في (كشف المشكل):
إن أولی المواضع به بعد التشهد.
[٧٥ /٥/ ١]
قلت: ورجح بعضهم السجود عليه لشرفه عليه / وبالإجماع
علی رکنتیه بخلافه، فإنه مختلف فيه.
(٢١٩/١)، وابن أبي شيبة (٢٤٨/١، ٢٤٩)، والبغوي (٦٢٦)،
=
والبيهقي (١١٠/٢)، وابن حبان (١٨٩٦)، وأبو عوانة (١٧١/٢)، وابن
خزيمة (٥٤٨).
(١) انظر: الحديث الثاني من باب صفة صلاة النبي وَله، التعليق (٢٣،
٢٤، ٢٥).
في ن د (المجلسين).
(٢)
(٣) في ن ب د ساقطة.
(٤) البخاري، (١٤٩)، باب: الدعاء قبل السلام (٨٣٤).
(٥) النسائي (٥٣/٣)، باب: نوع آخر من الدعاء.
(٦) البيهقي (١٥٤/٢)، باب: ما يستحب له أن لا يقصر عنه من الدعاء قبل:
السلام.
٥١٠

الخامس عشر: فيه دليل على الثناء على الله بما وصف به نفسه.
فائدة إذن الله
لعباده بالدعاء
تنبیھان: نختم بهما الكلام على الحديث الأول. قال صاحب
القبس(١): أذن الله - تعالى - في الدعاء لعباده، وعلمه في كتابه وعلى
لسان نبيه لأمته، فاجتمع فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم [١/١/٤٧]
باللغة، والنصيحة / للأمة، فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه.
وقد احتال(٢) الشيطان للناس في هذا المقام، فقيض لهم قوم الدعاء بالوارد
سوء يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالشارع(٣)،
وأشر(٤) ما في الحال أنهم ينسبونها إلى الأنبياء، فيقولون: دعاء
آدم، ودعاء نوح، ودعاء يونس، [فاقتدوا](٥) بنبيكم، واشتغلوا
بالصحيح مما جاء عنه، ويجوز للعالم بالله أن يدعو بغير المأثور
بشرط أن لا يخرج عن التوحيد، والأفضل له التيمن بما صح عنه،
والتبرك بألفاظه الفصيحة المباركة.
قال القرافي: والأصل في هذا من الكتاب العزيز، قوله
- تعالى - حكاية عن نوح: ﴿ إِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِه
عِلّْ﴾(٦)، وهو دال على أن الأصل في الدعاء التحريم إلاَّ ما دل
الدليل على جوازه.
(١) القبس (٤٢١/٢).
(٢) في ن ب زيادة (والنصيحة للأمة).
(٣) في القبس (بالنبي ◌َّر).
(٤) في القبس (وأشد).
(٥) في ن ب ساقطة.
(٦) سورة هود: آية ٤٧ .
٥١١

التفضيل بين
الذكر والدعاء
ثانيهما: اختلف شيوخ الصوفية، كما قال صاحب القبس (١):
هل الدعاء أفضل أم الذكر المجرد؟ فمنهم من رجح الثاني، لقوله
- عليه الصلاة والسلام - حاكياً عن الله: ((من شغله ذكري عن مسألتي
أعطيته أفضل ما أعطي السائلين»(٢)، وقيل في كرم المخلوقين:
حياؤك إن شيمتك الحيا
أأذكر حاجتي أم قد كفاني
لك الحسب الهذب والسنا
وعلمك بالحقوق [فأنت](٣) قَرْمُ
(١) القبس (٤١٢/٢).
(٢) البخاري في كتاب خلق أفعال العباد - رحمنا الله وإياه - (١٠٥)،
وأخرجه الطبراني من حدث ابن عمر. وقال ابن حجر في الفتح
(١٣٤/١١): ومناسبة الترجمة - أي باب الدعاء بعد الصلاة - لهما: أن
الذاكر يحصل له ما يحصل للداعي إذا شغله الذكر عن الطلب، كما في
حديث ابن عمر رفعه، ثم ساقه. أخرجه الطبراني بسند لين.
وقد ذكر ابن القيم - رحمنا الله وإياه - في الوابل الصيب (١٩٠)، فقال:
الفصل الثاني: الذكر أفضل من الدعاء لأن الذكر ثناء على الله
- عز وجل - بجميل أوصافه وآلائه وأسمائه، والدعاء: سؤال العبد
حاجته، فأين هذا من هذا؟ ثم ذكر: ((من شغله ... إلخ)) ولهذا كان
المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله - تعالى - والثناء عليه،
ويصلي على النبي ◌َ﴾ بين يدي حاجته، ثم يسأل حاجته، كما ورد في
الحديث: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه عز وجل والثناء عليه،
ويصلي على النبي ◌َّلتر، ثم يدعو بعد بما شاء)). رواه أحمد والترمذي،
وقال: حديث حسن صحيح. والحاكم. وهكذا دعاء ذي النون - عليه
السلام -، الذي قال فيه النبي ◌َله: ((دعوة أخي ذي النون ما دعا بها
مكروب إلاَّ فرج الله كربته، لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين).
(٣) في ن ب د (وأنت).
٥١٢

عن الخلق الكريم ولا مسا
كريم لا يغيـره صبـاح
إذا ما الضب أحجره الشتا
تنادي الريح مكرمة وجودا
بنوتيم وأنت لها سما
وأرضك أرض مكرمة تبنها
كفاه من تعرضه الثنا
إذا أثنى عليك المرء يوماً
وهذا الشعر لأمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان
التيمي. فإذا كان الثناء كاف في المخلوقين فما ظنك برب العالمين،
ولأن في الدعاء تحكماً لقوله: اللهم افعل. ومنهم من رجح الأول
لقوله: ﴿أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبَ لَكُمْ﴾(١)، وفي الصحيح: ((هل من داع
فأستجيب له))(٢). وفي الحديث: ((الدعاء مخ العبادة))، وأن الدعاء
المأثور، أفضل من الذكر المأثور وأجاب عن الحديث السالف أن
معناه / أن العبد ليس في كل حاله يدعو، بل هو تارة يدعو، وتارة [١٥/ب/١]
يذكر. فإذا دعا استجيب له وإذا ذكر أعطاه أكثر ما سأله، فهو الكريم
في الحالين، وما أحسن قول الشاعر:
وبني آدم حين يسأل يغضب] (٣)
[الله يغضب إن تركت سؤاله
وأجاب عن قولهم: إن في الدعاء تحكماً، بأنه إنما يكون ذلك
لو كان أمراً، وإنما هو طلب وتضرع وإظهار لذل العبودية وعز
الربوبية .
(١) سورة غافر: آية ٦٠.
(٢) البخاري فتح (١١٥/٩)، ومسلم (٧٥/١)، ومالك في الموطأ
(٢١٤/١)، وأحمد (٥٠٤/٢).
(٣) زيادة من ن ب د.
٥١٣

[ ٤٧ /أ/ ب]
الحديث الخامس /
٢٢/٥/١٢٥ - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((ما /
[٧٥/ د/ ب]
صلَّى رسول اللهِ وَّهِ صلاةً بعد أن أنزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ
وَالْفَتْحُ ﴾﴾ إلا يقول فيها: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم
اغفر لي».
وفي لفظ: كان رسول الله وَ ر يقول في ركوعه وسجوده:
(سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي))(١).
(١) البخاري (٧٩٤) في الآذان، باب: الدعاء (٨١٧) في الركوع، باب:
التسبيح في الركوع (٤٢٩٣)، في المغازي (٤٩٦٧، ٤٩٦٨)، في التفسير
سورة النصر، ومسلم (٤٨٤) (٢١٧)، باب: ما يقال في الركوع.
والسجود، أبو داود (٨٧٧) في الصلاة، باب: في الدعاء في الركوع
والسجود، والنسائي (٢١٩/٢، ٢٢٠) في التطبيق، باب: نوع آخر، وابن
ماجه (٨٨٩) في الإِقامة، باب: التسبيح في الركوع والسجود، والبغوي
في السنة (٦١٨)، والبيهقي في السنن (٨٦/٢، ١٠٩)، وابن حبان
(١٩٢٩، ١٩٣٠)، وأبو عوانة (١٨٦/٢، ١٨٧)، وابن خزيمة (٦٠٥)،
وأحمد (٤٣/٦، ٤٩)، وعبد الرزاق (٢٨٧٨)، والطحاوي في معاني.
الآثار (٢٣٤/١).
٥١٤

الكلام عليه من وجوه :
الأول: (إذا)) منصوب بسبح، وهو لما يستقبل، ولا يدخل إلاَّ
على ما تحقق وقوعه بخلاف ((إن))، فإنها تدخل على المشكوك في
وقوعه، ولهذا لو قال: ((إذا دخلت الدار فأنت طالق)؛ لم يكن خلفاً
بخلاف ((إن دخلت الدار فأنت طالق))، لكنه إذا وجد المعلق عليه
فيهما وقع الطلاق لوجود الصفة، وفي ((إذا)) وجه أنه لا يقع لأنه
لا يسمى حلفاً عرفا.
إعراب (إذا»
وما تدل عليه
الثاني: الإِعلام بذلك قبل كونه من أعلام النبوة، روي أن هذه
السورة نزلت أيام التشريق في حجة الوداع(١).
الثالث: الفرق بين النصر والفتح أن:
الأول: إعانة وإظهار على العدو، ومنه نصر الله الأرض:
أغاثها .
الفرق بين
النصر والفتح
الثاني: فتح البلاد: والمعنى نصر رسول الله صل على العرب
أو على قريش، وفتح مكة.
(١) قال ابن حجر في الفتح (٧٣٦/٨): وقد سئلت عن قول الكشاف: إن
سورة النصر نزلت في حجة الوداع أيام التشريق، فكيف صدرت بإذا الدالة
على الاستقبال؟
فأجبت بضعف ما نقله، وعلى تقدير صحته فالشرط لم يكتمل بالفتح،
لأن مجيىء الناس أفواجاً لم يكن كمل، فبقية الشرط مستقبل، وقد أورد
الطيبي السؤال وأجاب بجوابين: أحدهما: أن ((إذا)) قد ترد بمعنى إذ كما
في قوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا رَأَوْأَ نِحَرَةً﴾ الآية. ثانيهما: أن كلام الله قديم
وفي كل من الجوابين نظر لا يخفى.
٥١٥

إعراب سبحان
الرابع: قد تقدم في باب الجنابة الكلام على لفظ: ((سبحان
الله)) وأنه من المصادر اللازمة للنصب، وأنه منصوب بإضمار فعل
لا یظهر.
مبادرة النبي
* إلى امتثال
الأوامر
الخامس: في الحديث مبادرة الرسول وَ ل [إلى](١) امتثال ما
أمره الله به، وملازمته [لذلك](٢) فكان يقول هذا الكلام البديع في
الجزالة المستوفي ما أمر به في الآية، وكان يأتي به في ركوعه
وسجوده، لأن حالة الصلاة أفضل من غيرها، فكان يختارها لأداء
هذا الواجب الذي أمر به لیکون أکمل .
إعراب:
وبحمدك
السادس: الباء في ((بحمدك)) متعلق بمحذوف، أي وبحمدك
سبحت، وهذا يحتمل أن يكون أيضاً فيه حذف، أي وبسبب حمد الله
سبحت، ويكون المراد بالسبب هنا التوفيق والإعانة على التسبيح.
السابع: قوله: ((اللهم اغفر لي)) فيه امتثال لقوله: «واستغفره؟
بعد امتثال قوله: ((فسبح بحمد ربك)) وسؤالُه المغفرة هنا مع أنه
مغفور له هو من باب العبودية والإذعان والافتقار.
الثامن: ظاهر اللفظ الثاني يقتضي جواز الدعاء في الركوع، /
ولا تعارض بينه وبين الحديث الآخر: ((أما الركوع فعظموا فيه
الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه [في] (٣) الدعاء)) فإنه دال على
[٤٥/ ب/ب]
الدعاء في
الركوع
(١) في ن ب (في) . .
(٢) في ن ب (كذلك).
(٣) في الأصل (من)، وما أثبت من ن ب د.
٥١٦

الأولوية وهي لا تخالف الجواز كيف، ولم ينه عنه فيه، بل فعله
- عليه الصلاة والسلام - فيه وأمر بالاجتهاد في السجود من الدعاء
من غير منع من التسبيح، بل أمر به / [في حديث](١) آخر فيقتضي [٤٨ /١/١]
ذلك جميعه أن يكون السجود، قد أمر فيه بتكثير الدعاء الإِشارة
قوله: ((فاجتهدوا)) والذي وقع في الركوع من قوله: (اغفر لي)) ليس
بكثير فلا تعارض إذاً، كذا قرره / الشيخ تقي الدين (٢).
[٧٦ /١/٥]
واعترض الفاكهي فقال: هذا تعسف منه. قال: وهذا عندي
كلام من لم يعتد بقول الفقهاء: بالكراهة في الركوع، حيث اعتقد
جوازه من هذا الحديث من غير كراهة(٣) إذ لا يجوز أن يريد الجواز
مع الكراهة، لكونه - عليه الصلاة والسلام - بريء من فعل
-
(١) زيادة من ن ب د.
(٢) إحكام الأحكام (٤٦/٣).
(٣) قال ابن حجر في الفتح (٢٨١/٢): على قول البخاري (باب الدعاء في
الركوع) ثم ساق الحديث بسنده: ترجم بعد هذا بأبواب التسبيح والدعاء
في السجود، وساق فيه حديث الباب، فقيل: الحكمة في تخصيص
الركوع بالدعاء دون التسبيح - مع أن الحديث واحد - أنه قصد الإشارة
إلى الرد على من كره الدعاء في الركوع كمالك، وأما التسبيح فلا خلاف
فيه، فاهتم هنا بذكر الدعاء لذلك، وحجة المخالف الحديث الذي أخرجه
مسلم من رواية ابن عباس مرفوعاً وفيه: ((فأما الركوع فعظموا فيه الرب،
وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم))، لكنه
لا مفهوم له، فلا يمتنع الدعاء في الركوع، كما لا يمتنع التعظيم في
السجود. وظاهر حديث عائشة: أنه كان يقول هذا الذكر كله في الركوع
وكذا في السجود.
٥١٧

المكروه، فهذا ليس بجید، ثم لا نسلم كونه بكثير مع التعبير عنه
بكان الذي تدل على المداومة، بل قد صرحت عائشة بالكثير بقولها:
كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده الحديث، فهذا وهم ظاهر،
هذا كلامه فليتأمل(١) ويبعد أن يقال يُرجع قوله: ((سبحانك اللهم
وبحمدك)) إلى الركوع، وقوله: ((اللهم اغفر لي)) إلى السجود.
التاسع: في لفظ عائشة الأول سؤال، وهو أن لفظة ((إذا))
تقتضي الاستقبال وعدم حصول الشرط حينئذ.
وقولها: «ما صلى صلاة بعد أن أُنزلت عليه)) تقتضي تعجيل
هذا القول لقرب الصلاة الأولى التي [هي] (٢) عقب نزول الآية من
النزول للفتح، أي: [](٣) فتح مكة ودخول الناس في دين الله
أفواجاً، وذلك يحتاج إلى مدة أوسع من الوقت الذي بين نزول
الآية، والصلاة الأولى بعده، فقول عائشة في بعض الروايات يتأول
القرآن قد یشعر بأنه یفعل ما أُمر به فیه، فإن كان الفتح و دخول الناس
في دين الله حاصل عند نزول الآية، فلم يقل فيه إذا جاء وإن لم يكن
(١) قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٠٠): على قوله: فليتأمل، وهو عجيب،
فإن ابن دقيق العيد أراد بنفي الكثرة عدم الزيادة على قوله: ((اللهم اغفر
لي)) في الركوع الواحد، فهو قليل بالنسبة إلى السجود المأمور فيه
بالاجتهاد في الدعاء المشعر بتكثير الدعاء، ولم يرد أنه كان يقول ذلك في
بعض الصلوات دون بعض حتى يعترض عليه بقول عائشة: ((كان يكثر)).
انظر: حاشية الصنعاني (٤٦/٣).
(٢) في ن د (هو).
(٣) في الأصل زيادة (الذي)، والتصحيح من ن ب.
٥١٨
٠٠

حاصلاً، فكيف يكون القول امتثالاً للأمر الوارد بذلك، ولم يوجد
شرط الأمر.
وجوابه: كما قال الشيخ تقي الدين: أن يختار أنه لم يكن
حاصلاً (١) على مقتضى اللفظ، ويكون النبي ◌َ ◌ّ قد بادر إلى فعل
المأمور به قبل وقوع الزمن الذي يتعلق به الأمر فيه، إذ ذاك عبادة
(١) قال الصنعاني في الحاشية (٤٨/٣): ولا يخفى تكلفه، وكان الأحسن أن
يقال: إنه* نزّل ما سيقع مما أخبر الله أنه سيقع منزلة الواقع للقطع
بوقوع ما علق به الأمر من باب (ونفخ في الصور) وأمثاله، وهذا على
تقدير أن الآية نزلت قبل الفتح، وقال البرماوي: إن الذي عليه أئمة
التفسير أن المراد بالفتح: فتح مكة، ونصر الله: الانتصار على قريش،
وبدخول الناس في دين الله أفواجاً أي: زمراً. الإشارة إلى طوائف
العرب، وهم الذين دخلوا في دين الإِسلام، وأن الآية نزلت في أيام
التشريق في حجة الوداع. اهـ.
قلت: إذا تم هذا عاد الإشكال الآتي وهو الإتيان بإذا في أمر قد انقضى
وهي موضوعة للاستقبال، وقد أخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار .
نزلت سورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾﴾ كلها بالمدينة. وأخرج ابن
أبي شيبة وعبد بن حميد والبزَّار وأبو يعلى وابن مروديه والبيهقي في
الدلائل عن ابن عمر قال: نزلت على رسول الله ولو أوسط أيام التشريق
بمنى وهي في حجة الوداع، والأحاديث عن الصحابة تفيد أنها نزلت عليه
هذه السورة بعد الفتح، فيرد إشكال استعمال إذا للماضي الذي أشار إليه
الشارح. وجوابه ما صرح به ابن هشام في مغني اللبيب أن ((إذا)) تخرج
عن الاستقبال فتجيء للماضي كما جاءت إذا للاستقبال وذلك كقوله:
﴿وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَامَا أَنْوَكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُمَا أَخْلُكُمْ عَلَيْهِ نَوَلَّوا﴾،
وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْلَوْا أَنْفَضُّواْ إِلَيْهَا﴾ فيحمل الحديث على ذلك.
٥١٩

وطاعة لا تختص بوقت معين، فإذا وقع الشرط كان الواقع من هذا
القول بعد وقوعه واقعاً على حسب الامتثال. وقبل وقوع الشرط
واقعاً على حسب التبرع، وليس في قول عائشة: ((يتأول القرآن)).
[٤٦/ ب/أ] ما يقتضي ولا بد أن يكون / جميع قوله - عليه الصلاة والسلام -
واقعاً على جهة الامتثال للمأمور حتى يكون دالاً على وقوع الشرط،
بل مقتضاه أنه يفعل تأويل القرآن، وما دل لفظه فقط وجاز أن يكون
بعض هذا القول فعلاً لطاعة مبتدأة، وبعضه امتثالاً للأمر (١).
(١) قال الصنعاني في الحاشية (٤٩/٣): ظاهر السياق أنه كله وقع امتثالاً .
٥٢٠