Indexed OCR Text

Pages 281-300

الأمرين لا يجوز فيه السهو، وهو الإِخبار عن الأمر الشرعي، والآخر
متحقق عند ذي اليدين، فلزم أن يكون / بعض ذلك كما ذكر.
[٤٣ /١/٥]
السابعة: أن الأفعال الكثيرة التي ليست من جنس أفعال الصلاة الأفعال الكثيرة
إذا وقعت سهواً لا تبطل الصلاة بدليل أنه لا جرى منه أفعال كثيرة:
من جنس
الصلاة
مشيه ل﴿ إلى منزله، وإتيانه جذعاً في قبلة المسجد واستناده إليها
لما خرج سرعان الناس، وكلامه لذي اليدين وغيرهم، وتقدمه
لإتمام / ما بقي من صلاته.
[١٤/ب/ أ)
وفي هذه المسألة وجهان لأصحابنا: أصحهما: عند المتولي
عدم البطلان .
قال النووي [في](١) ((تحقيقه)): وهو المختار والمشهور في
المذهب: البطلان، وهو مشكل، وتأويل الحديث صعب على القائل
بهذا .
أما الأفعال القليلة أو الكثيرة المتفرقة: فإنها لا تبطل قطعاً،
خصوصاً إن كانت لعذر.
الثامنة: جواز البناء على الصلاة بعد السلام سهواً، وجمهور البناء على
العلماء عليه .
الصلاة بعد
السلام سهواً
وذهب سحنون من المالكية: إلى أن ذلك إنما يكون إذا سلم
من ركعتين، على ما ورد في الحديث، ولعله رأى أن البناء بعد قطع
الصلاة ونية الخروج منها على خلاف القياس، وإنما ورد النص في
(١) في ن ب ساقطة.
٢٨١

هذه الصورة المعينة وهو السلام من اثنتين، فيقتصر على مورد
النص، ويبقى فيما عداه على القياس.
[١٥ / أ/ ب]
والجواب / عنه كما قال الشيخ تقي الدين(١): إنه إذا كان.
الفرع مساوياً للأصل لحق به، وإن خالف القياس عند بعض أهل
الأصول، وقد علمنا أن المانع لصحة الصلاة إن كان هو الخروج
منها بالنية والسلام، وهذا المعنى قد ألغي عند ظن التمام بالنص
ولا فرق في النسبة إلى هذا المعنى بين كونه بعد ركعة أو ركعتين
أو ثلاث، أي فإذاً الفرع في معنى الأصل بلا فرق، فإن الأصل في
جواز البناء إذا سلم سهواً هذا الحديث، وهو ركعتان، وفرعه السلام
من ركعة أو ثلاث، فهو في معنى الأصل، ومساوٍ له كما قرره.
الشيخ .
التاسعة: تقدير القرب في جواز البناء بما ورد في هذا
الحدیث، وما عداه طويل فلا يجوز فيه البناء، وهو وجه عندنا، وهو
قوي خصوصاً على رواية من روى أنه - عليه الصلاة والسلام -
وصل إلى منزله ثم خرج منه.
مشیبینی على
الصلاة بعد
السلام
والأصح عندهم: اتباع العرف وقدّره بعضهم بمقدار الصلاة،
وبعضهم: بمقدار ركعة، وأبى ذلك بعض المتقدمين، وقال: يجوز
البناء وإن طال ما لم ينتقض فيه وضوء. روي ذلك عن ربيعة، وقیل
نحوه عن مالك، وليس ذلك بمشهور عنه.
شرعية سجود
السهو
العاشرة: شرعية سجود السهو.
(١) إحكام الأحكام (٤٣٦/٢).
٢٨٢

الحادية عشرة: / أن سجود السهو سجدتان كسجود الصلاة.
الثانية عشرة: أنه في آخر الصلاة للاتباع.
وقيل: في حكمة كونه في آخرها: احتمال طرآن سهوٍ آخر
فيكون جابراً للكل، ويتفرع على ذلك أنه لو سجد ثم تبين أنه لم يكن
في آخر الصلاة لزمه إعادته في آخرها، ويتصور ذلك في صورتين.
إحداهما: أن يسجد للسهو في الجمعة، ثم يخرج الوقت وهو
في السجود الأخير فيلزمه إتمام الظهر ويعيد السجود.
والثانية: أن يكون مسافراً فيسجد للسهو، وتصل به السفينة إلى
الوطن أو ينوي الإقامة / ويتم ويعيد [السجود](١).
[١٤/ب/ب]
الثالثة عشرة: أن سجود السهو يتداخل، ولا يتعدد بتعدد نداخل سجود
أسبابه، فإنه قد تعدد في هذا الحديث القول والفعل، ولم يتعدد
السهو
السجود، وهذا مذهب جمهور العلماء.
ومنهم من قال: بتعدده.
ومنهم: من فرق بين اتحاد الجنس وتعدده، فإن اتحد
لم يتعدد وإلاّ تعدد، وهذا الحديث دليل على خلاف هذا المذهب،
فإنه قد تعدد الجنس بالقول والفعل، ولم يتعدد السجود(٢).
(١) في ن ب (السهو).
(٢) استدل من قال بتعدد السجود بحديث: ((لكل سهو سجدتان))، أخرجه
أبو داود، فإنه يدل على تعدد السجود بتعدد السهو. وقد ضعفه العلماء
فمنهم ابن حجر في البلوغ، فقال: سنده ضعيف. والبيهقي في المعرفة.
فقال: انفرد به إسماعيل بن عياش وليس بالقوي. وقال الذهبي: قال =
٢٨٣
[٤٣ / د/ ب]
عدد سجود
السهو
محل سجود
السهو

وقال ابن أبي حازم وعبد العزيز بن أبي سلمة: إن كان
أحدهما محله قبل السلام والآخر بعده لم يتداخلا، ويسجد قبل
السلام لما يختص بما قبله، وبعد السلام لما يختص بما بعده.
سجود السهو
هل هو قبل
السلام أو
بعده؟
[١٦ /١/١]
الرابعة عشرة: أن محل سجود السهو بعد السلام، وقد
تقدم /؟ اختلاف العلماء في ذلك في الوجه التاسع، وتقرير
مذهبنا وتأليف الأحاديث عليه والأحاديث ثابتة في السجود: بعد
السلام في الزيادة وقبله في النقص، وعلى ذلك جمع مالك بينها
والذين قالوا بأن الكل قبل السلام كالشافعي ومن وافقه، واعتذروا
الأثرم: إنه منسوخ. وقال العراقي: حديث مضطرب. وقال ابن
عبد الهادي وابن الجوزي بعدما عزياه لأحمد بن حنبل: إسماعيل بن
عياش مقدوح فيه. قال الصنعاني في سبل السلام: في إسناده إسماعيل بن
عياش فيه مقال وخلاف. قال البخاري: إذا حدث عن أهل بلده يعني:
الشامیین فصحیح، وهذا من روايته عن الشامیین فتضعيف الحديث به فیه
نظر.
قال الحافظ العلائي: هذا الحديث أقوى ما يحتجون به لتعميم محال
السهو بصيغة كل، ولأن أبا داود سكت عليه، والقاعدة أن ما سكت عليه.
أبو داود فهو حجة لازمة. وأجيب بأنه حديث معلّ كما بينه، وثانياً بأن
معناه العموم لكل ساه، وأنه إخبار من سها في صلاته، بأي سهو كان
شرع له سجدتان، والذي اعتمده أن هذا الحديث لا يلزم منه الدلالة على
تعدد السجود لتعدد السهو. والحديث دليل لمسالتين:
أولاً: مشروعية سجود السهو.
ثانياً: يحتج به من يرى سجود السهو بعد السلام. راجع التعليق (١، ٢)،
ص (٢٥٢).
٢٨٤

عن الأحاديث التي جاءت بعد السلام بوجوه.
أحدها: دعوى النسخ لوجهين.
إحداهما: أن الزهري قال: إن آخر الأمرين من فعله - عليه
الصلاة والسلام - قبل السلام(١).
الثاني: إن الذين رووه قبل السلام من متأخري الإِسلام
وأصاغري الصحابة. وقد اعترض على الأول بأن رواية الزهري
مرسلة(٢) ولو كانت مسندة فشرط النسخ التعارض باتحاد المحل(٣)،
ولم يقع ذلك مصرحاً به في رواية الزهري، فيحتمل أن يكون الآخر
هو السجود قبل السلام لكن في محل النقص، وإنما يقع التعارض
المحوج إلى النسخ لو تبين أن المحل واحد ولم يتبين ذلك(٤).
واعترض على الثاني بأن تقدم الإِسلام والكبر لا يلزم منه تقدم
(١) الحديث أخرجه الشافعي عن مطرف بن مازن، عن معمر، عن الزهري
قال: ((سجد رسول الله ﴾ سجدتي السهو قبل السلام وبعده. وآخر
الأمرين قبل السلام)). قال الصنعاني: ولا يخفى أنه لا تقوم به حجة على
النسخ الاحتمال التخيير. قال البيهقي (٣٤١/٢): إلَّ أن قول الزهري
منقطع لم يسنده إلى أحد من الصحابة، ومطرف بن مازن غير قوي.
انظر: الضعفاء للعقيلي حيث قال فيه يحيى بن معين: كذاب، ومرة
ضعيف (٢١٦/٤)، ولسان الميزان (٤٧/٦)، والميزان (١٢٥/٤).
(٢) كما هو ظاهر من إسنادها.
(٣) بأن يكون سلامه قبل التسليم وسلامه بعده وردا في محل واحد ليتحقق
التعارض الموجب للقول بالنسخ. اهـ. من الصنعاني.
(٤) وإلى هذا وقع اختيار ابن العربي في القبس (٢٥٠/١، ٢٥١).
٢٨٥

الرواية حال التحمل، بل قد يكون قبلهما، ثم رووه بعدهما(١).
الوجه الثاني: تأويلها على أن المراد بالسلام السلام على:
النبي ◌َّ الذي في التشهد، أو يكون تأخيرهما بعده على سبيل
السهو، وهما بعيدان. [لسبق الفهم في] (٢) السلام إلى الذي يقع به
[٤٤/د/أ] التحلل، لا / الذي في التشهد (٣)، والأصل عدم السهو [وتطرقه] (٤)
إلى الأفعال الشرعية من غير دليل غير سائغ. وأيضاً فهو مقابل
بعكسه، وهو أن يقول الحنفي: محله بعد السلام وتقديمه قبله على
سبيل السهو.
الوجه الثالث: الترجيح بكثرة الرواة، وهو إن صح فالاعتراض
عليه بأن طريقة الجمع أولى من طريقة الترجيح، لأنه إنما يصار إليه
عند عدم إمكان الجمع، وأيضاً فلا بد من النظر في محل التعارض،
واتحاد موضع الخلاف من الزيادة والنقصان.
(١) لا ملازمة بين الكبر وتقدم الرواية ولا بين الصغر وتأخرها. ومرادهم
بصغار الصحابة أبو سعيد الخدري. لأن في حديثه «ثم سجد قبل أن
يسلم)) وبكبار الصحابة ابن مسعود، فإنه هو الذي صرح في حديثه بأن
سجوده بعد السلام.
(٢) في إحكام الأحكام (٣٥/٢)، قال: ((أما الأول فلأن السابق إلى الفهم عند
· إطلاق السلام في سياق ذكر الصلاة هو الذي به التحلل»، قال الصنعاني
(٢/ ٤٤٢). وقال القاضي عياض: وزاد وإن حمل على العموم فيجب أن
یکون بعد کل سلام في الصلاة وآخره سلام التحلل في حديث ذي الیدین.
(٣) في إحكام الأحكام (٣٥/٢)، زيادة (وأما الثاني) ..
(٤) من إحكام الأحكام (٣٥/٢)، وفي الأصل (وتطريقه).
٢٨٦

وأما القائلون: بأن محله بعد السلام مطلقاً اعتذروا عن
الأحاديث المخالفة لذلك بالتأويل: / إما بأن المراد بقوله قبل السلام: [١٥/ب/١]
[السلام](١) الثاني، أو بأن المراد بعد السلام: السلام الثاني، أو
بأن المراد بقوله: وسجد سجدتين سجود الصلاة، وما ذكره الأولون
من احتمال السهو عائد هنا والكل ضعيف، كما قاله الشيخ تقي الدين
قال: والأول يبطله أن سجود السهو لا يكون إلاّ بعد التسليمتين
اتفاقاً .
وذهب أحمد بن حنبل إلى الجمع بين الأحاديث بطريق أخرى
غير ما ذهب إليه مالك، وهو أن یستعمل کل حديث فيما ورد فيه،
وما لم يرد فيه حديث فمحل السجود فيه قبل السلام، وكأن هذا نظر
إلى أن الأصل في الجائز: أن يقع في المجبور فلا يخرج عن هذا
الأصل / إلَّ في مورد النص، ويبقى فيما عداه على الأصل، وهذا [١/١٦/ب]
المذهب مع مذهب مالك متفقان في طلب الجمع، وعدم سلوك
طريق الترجيح لكنهما اختلفا في وجه الجمع، ويترجح قول مالك
بذكر المناسبة في الفرق بين الزيادة والنقصان، وإذا ظهرت المناسبة
وكان الحكم على وفقها كانت علة، وإذا كانت علة عم الحكم في
جميع محالها، فلا يتخصص ذلك بمورد النص(٢).
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) قال ابن حجر في فتح الباري (٩٤/٣): وتعقب بأن يكون السجود في
الزيادة ترغيماً للشيطان فقط ممنوع، بل هو جبر أيضاً لما وقع من الخلل،
فإنه وإن كان زيادة فهو نقص في المعنى. اهـ.
٢٨٧

الخامسة عشرة: أن حكم سهو الإِمام يتعلق بالمأمومين
سهو الإمام
يتعلق
بالمأمومين يسجدون معه، وإن لم يسهوا بدليل أن القوم سجدوا معه وَلاو لسهوه
في هذا الحديث لما سجد، وهذا إنما يتم في حق من لم يتكلم من
الصحابة، ولم يمش، ولم يسلم إن كان كذلك.
السادسة عشرة: أن التكبير في سجود السهو كما في سجود
الصلاة .
التكبير في
مجود السهو
التشهد في
مجود السهو
السابعة عشرة: أنه لا يشرع التشهد بعد سجود السهو، فإنه
لم يذكر في هذا الحديث فدل على عدمه في الحكم، وقد فعل
العلماء في استدلالهم ذلك كثيراً، فيقولون: لو كان لذكر. وقد
اختلف أصحاب مالك فيه إذا كان سجود السهو قبل السلام.
قال الشيخ تقي الدين(١): فقد يستدل بتركه على ذلك.
قلت: لكنه قد صح من حديث عمران، كما سأذكره لك في
الحديث الثاني فاستفده.
الثامنة عشرة: جواز رجوع المصلي في قدر صلاة نفسه إلى
قول غيره / إماماً كان أو مأموماً، وهو وجه عندنا، والجمهور على
رجوع المصلي
إلى ظنه في قدر
صلانه
[٤٤ / د/ب] خلافه .
وقالوا: لا يعمل المصلي إلاَّ على يقين نفسه، إلاَّ أن يكون
المخبرون ممن يحصل اليقين بقولهم، وهو أن يبلغوا حد التواتر.
وأجابوا: عن هذا الحديث بأن سؤاله - عليه الصلاة
(١) إحكام الأحكام (٤٤٤/٢).
٢٨٨

والسلام - لهم ليتذكر لا رجوعاً إلى قوله، فلما ذكروه ذکر السھو،
فبنى عليه، ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره رجع إليه
لما قال ذو اليدين حين قال له - عليه الصلاة والسلام - : ((لم أنس
ولم تقصر)) فإن لم يفد خبرهم العلم فذكر ابن القصار في ذلك عن
مالك قولين: الرجوع إلى قولهم وعدمه، وبالأول قال ابن حبيب،
وبالثاني قال ابن مسلمة.
قال صاحب القبس: ثبت في أبي داود في هذا الحديث
بعينه: ((فلم يرجع حتى يقنه الله تعالى)) (١).
قال القرطبي: في (شرحه)(٢) / وهل يشترط في المخبر (١٥/ب/ب]
عدد، لأنه من باب الشهادة أو لا لأنه من باب قبول الخبر؟ قولان:
الأول: لأشهب وابن حبيب، ولا حجة في هذا الحديث على اشتراط
العدد لما ستعلمه قريباً.
التاسعة عشرة: في هذا الحديث تشبيك الأصابع في المسجد، تشبيك
الأصابع في
المسجد
وبه احتج البخاري على الإِباحة(٣)، وكرهه قوم كما في الصلاة لأنه
محلها، وقد أفردت الكلام على هذه المسألة في جزء مع الجواب
عما عارضه .
(١) من رواية سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعبيد الله بن عبد الله عن
أبي هريرة عون المعبود (٣٢٠/٣)، والقبس (٢٤٩/١).
(٢) المفهم (١٠٠٧/٢).
(٣) قال البخاري - رحمنا الله وإياه - في صحيحه (٥٦٥/١): الفتح، باب:
تشبيك الأصابع في المسجد وغيره. راجع الفتح للاطلاع على أقوال
العلماء في ذلك (١ /٥٦٥، ٥٦٧).
٢٨٩

العشرون: ادعى بعضهم: أن فيه دلالة على أن المحدث إذا
إذا أنكر
المحدث
الحديث
أنكر الحديث وخالفه راويه عنه: إن رواية الفرع مقبولة، وهو مذهب
الجمهور خلافاً لأبي حنيفة .
حجية خبر
الواحد
[ ١٧ / ١ /١]
انضم إليه خبر غيره.
الحادية والعشرون: / ادعى بعضهم أيضاً: أن فيه أن خبر
الواحد ليس بحجة، لأن خبر ذي الیدین لم يعمل به وحده حتى
وجوابه: أن ثم قرينة منعت من العمل به، وهو كون الواقعة في
جمع عظيم، وانفراد الواحد منهم يمنع من العمل به لوجود المعارض.
إذا نسي
الحاكم حكمه
الثانية والعشرون: قال القاضي عياض(١): فيه حجة لمالك
على أبي حنيفة: في أن الحاكم إذا نسي حكمه فشهد عنده شاهدان
بحكمه أنه يمضيه .
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يمضيه حتى يتذكره، ولا تقبل
الشهادة إلاَّ على غيره لا على نفسه، والنبي ◌َّ قد رجع عما قطع به
أنه لم يكن إلى أن كان بما شهد عنده من خلفه. قال: وقيل: إنما
كان رجوعه إلى ما يقَّنه [الله] (٢) لا ليقين من خلفه، هذا كلامه، ولك
أن تقول: باب الشهادة أضيق من باب الخير، فلا يقاس عليه، والذي
في حديث ذي الیدین إنما هو خبر.
وقال القرطبي(٣): هذا إنما يتم لمالك إذا سلم له أن رجوعه
(١). ذكره في إكمال إكمال المعلم (٢٧١/٢).
(٢) زيادة من ن ب.
(٣) المفهم (١٠١٣/٢).
٢٩٠

للصلاة إنما كان لأجل الشهادة، لا لأجل تيقنه ما كان قد نسيه(١).
الثالثة والعشرون: قال الباجي (٢) من المالكية: اختلف عندنا من سلم ثم
قام من مجلسه
فيمن سلم ثم قام من مجلسه. فذهب ابن القاسم إلى أنه يجلس ثم
يقوم ويتم صلاته.
[٤٥ /١/٥]
وقال ابن نافع: / لا يجلس.
وقال ابن حبيب: لو سلم من ركعتين أو ثلاث دخل بإحرام
ولم يجلس.
قلت: وظاهر قوله في الحديث: ((فتقدم فصلى ما ترك)) يدل
للثاني.
الرابع والعشرون: إنما هاب الصديق والفاروق أن يكلماه لما هيبة الصديق
وعمر للنبي ﴾
غلب عليهما من احترامه وتعظيمه وإكبار مقامه الشريف مع علمهما
بأنه سیبین أمر ما وقع.
قال القرطبي(٣): ولعله بعد النهي عن السؤال وإقدام
ذي اليدين على السؤال دليل على حرصه على تعلم العلم وعلى
اعتنائه بأمر الصلاة.
[١٦/ ب/١]
الخامسة والعشرون: أن اليقين لا يدفع إلاَّ بيقين بدليل / أن اليقين لا يدفع
ذي اليدين لما كان متيقناً أن فرض الصلاة أربع ركعات [لم](8) ينته [١/١٧/ب]
إلا بيقين
(١) القبس (٢٤٨/١).
(٢) المنتقى (١٧٣/١).
(٣) المفهم (٢/ ١٠٠٦).
(٤) في الأصل (حتى)، والتصحيح من ن ب د.
٢٩١

حتى استفهم رسول الله صل و هل قصرت الصلاة أم لا؟ وذلك للشك
المعارض عنده فدفعه باليقين، ورجع إلى ما قطع عنه الشك ..
من ادعى من
الجماعة
انفراداً بشيء
لم يقبل
السادسة والعشرون: أن من ادعى شيئاً من الجماعة انفرد به
لم يقبل قوله إلاّ بعد سؤال الجماعة وموافقتهم له. وجعله العلماء
أصلاً فيمن ادعى رؤية الهلال في يوم الصحو وانفرد بذلك دون
الناس، وقد قال سحنون: هؤلاء شهود سوء.
قلت: يجاب عن هذا خروجه بالنص الصحيح فيه .
واعلم أن ابن العربي وصّل فوائد هذا الحديث إلى مائة
وخمسين فائدة في كتاب ((النيرين))(١) .
قال الفاكهي: والفوائد الظاهرة منه أربع.
الأولى: أن النسيان لا يعصم منه أحد.
الثانية: أن اليقين لا يدفع إلَّ بيقين.
الثالثة: أن من ادعى شيئاً انفرد به لا يقبل عن الجماعة إلاَّ بعد
سؤالهم.
الرابعة: الكلام في الصلاة(٢).
قلت: وأنت إذا تأملت ما ذكرته لك وجدت فوائده الظاهرة
أكثر من هذا. والله الموفق.
(١) القبس (٢٤٦/١)، ونسبه إلى بعض العلماء. قال: ورأيت بالثغر من
يجاوز فيه الحد. فأخرج منه مائة وخمسين مسألة من الفقه ... إلخ.
(٢) أي عن طريق السهو.
٢٩٢

الحديث الثاني
١٩/٢/١٠٧ - عن عبد الله ابن بحينة، وكان من أصحاب
النبي وَله: ((أن النبي وَ ل صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين
ولم يجلس فقام الناس معه حتى إذا قضى صلاته وانتظر الناس تسليمه
كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم))(١).
الكلام عليه من وجوه :
إحداها: في التعريف براويه، وقد سلف في صفة صلاة
النبي گۆ.
ثانيها: قوله: ((ولم يجلس)) كذا في الكتاب ۔۔ بالواو وفي
مسلم بالفاء - .
الفرق بين
رواية الفاء،
والواو
قال القاضي: وليس في الحديث نص يدل على أنه متى
(١) البخاري (٨٢٩، ٨٣٠، ١٢٢٤، ١٢٢٥، ١٢٣٠، ٦٦٧٠)، ومسلم
(٥٧٠)، والترمذي (٣٩١)، والنسائي (٣٤/٣)، وأبو عوانة (١٩٣/٢)،
والموطأ (٩٦/١، ٩٧)، والمسند (٩٩/١، ٣٤٥/٥، ٣٤٦)، وأبو داود
(١٠٣٥)، وابن الجارود (٢٤٢)، وابن ماجه (١٢٠٦)، وابن خزيمة
(١٠٢٩)، والدارمي (٣٥٢/١، ٣٥٣)، والدارقطني (٣٧٧/١).
٢٩٣

---
تنبه ول# أقبل الركوع أم لا؟ لكن قوله: ((فلم يجلس)) يدل لمجيء فاء
التعقيب بعد ذكر القيام أنه لم يرجع إلى الجلوس بعد التنبيه له.
ثالثها: فيه دليل على أن السجود قبل السلام: إما مطلقاً كما:
يقوله الشافعي، وإما في النقص كما قاله مالك.
موضع الجود
رابعها: فيه دليل أيضاً على أن التشهد الأول والجلوس له /
حكم
التشهد الأول،
والجلوس له
[٤٥/ ٥/ ب]
لَيْسَا بركنين في الصلاة ولا واجبين، إذ لو كانا واجبين لما جبرهما
بالسجود، وبهذا قال مالك والشافعي وأبو حنيفة .
وقال أحمد: في طائفة قليلة: هما واجبان، وإذا سها جبرهما
بالسجود على مقتضى الحديث.
خامسها: [فيه](١) أنه يشرع التكبير لسجود السهو، وهذا
مجمع عليه .
مشروعية
التكبير السجود
السهو
واختلفوا فيما إذا فعلهما بعد السلام: هل يتحرم ويتشهد
ويسلم أم لا؟ .
والصحيح: عندنا أنه یسلم ولا يتشهد.
وذهب الحسن: إلى نفيهما، وروي ذلك عن أنس.
وذهب النخعي: إلى إثبات التشهد دون السلام.
وذهب / عطاء: إلى التخيير في ذلك.
[١٦/ب/ب]
وذهب مالك: إلى أنه يتشهد ويسلم في سجوده بعد السلام،
(١) زيادة من ن ب د.
٢٩٤

واختلف قوله: هل يجهر لسلامهما كسائر الصلوات أم لا؟ وهل
يحرم لهما أم لا؟
قال القرطبي(١): وأولى الروايتين عن مالك أن هذا التكبير
للإِحرام لا للسجود قال: ولا بد من بينة، لأنه قد انفصل عن حكم
الصلاة .
قال النووي في (شرحه)(٢): وثبت السلام لهما إذا فعلتا بعد
السلام في حديث ابن مسعود وحديث ذي اليدين قال: ولم يثبت في
التشهد حدیث، کذا ادعاه.
وقال في (شرح المهذب)(٣) أيضاً: أنه لم يصح فيه حديث.
وتبعه تلميذه ابن العطار في ((شرحه))، وليس كما ذكرا، ففي سنن
أبي داود(٤) والترمذي(٥) من حديث عمران بن حصين أن النبي وقلقه
صلى بهم فجراً فسجد سجدتين، ثم تشهد وسلم. قال الترمذي:
حسن غريب، وأخرجه ابن حبان أيضاً في صحيحه(٦)، ولفظه: أنه
(١) المفهم (١٠٠٩/٢).
(٢) شرح مسلم (٦٠/٥).
(٣) قال في المجموع (١٥٩/٤)، والصحيح المشهور أنه يتشهد بعد
السجدتين كسجود التلاوة .
(٤) أبو داود عون المعبود (١٠٢٦/٣)، باب: سجدتي السهو فيهما تشهد
وتسلیم.
(٥) الترمذي (٣٩٥)، باب: ما جاء في التشهد في سجدتي السهو.
(٦) ابن حبان (٢٦٧٠)، وأخرجه النسائي (٢٦/٣)، والبغوي في شرح السنة
(٧٦١)، وصححه الحاكم (٣٢٣/١)، ووافقه الذهبي. قال ابن حجر في =
٢٩٥

- عليه الصلاة والسلام - ((صلى بهم فسجد سجدتي السهو، ثم
تشهد وسلم».
حكم سجود
الهو لترك
التشهد الأول
[١٨ / ١ / ١]
سادسها: استدل بهذا الحديث على أن ترك التشهد الأول
بمفرده موجب للسجود، وفيه نظر لاحتمال / أن يكون مرتباً على:
ترك الجلوس له. وجاء هذا من الضرورية الوجودية، نبه عليه الشيخ
تقي الدين(١).
الفتح (٩٨/٣): قال ابن حبان: ما روى ابن سيرين عن خالد غير هذا
=
الحديث. انتهى. وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر. ضعفه البيهقي وابن
عبد البر وغيرهما ووهموا رواية أشعث لمخالفته غيره من الحفاظ عن ابن
سيرين، فإن المحفوظ عن ابن سيرين في حديث عمران ليس فيه ذكر
التشهد، وروى السراج من طريق سلمة بن علقمة أيضاً في هذه القصة
((قلت لابن سيرين: فالتشهد؟ متى لم أسمع في التشهد شيئاً»، وقد تقدم
في (باب تشبيك الأصابع)) من طريق ابن عون عن ابن سيرين، قال:
((نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم)»، وكذا المحفوظ عن خالد
. الحذاء بهذا الإسناد في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد، كما أخرجه
مسلم فصارت زيادة أشعث شاذة، ولهذا قال ابن المنذر: لا أحسب
التشهد في سجود السهو ثابت، لكن قد ورد في التشهد في سجود السهو
عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن المغيرة عند البيهقي وفي
إسنادهما ضعف فقد يقال: إن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها
ترتقي إلى درجة الحسن. قال العلائي: وليس ذلك ببعيد، وقد صح ذلك
عن ابن مسعود من قوله أخرجه ابن أبي شيبة. اهـ. واختار شيخ الإسلام
عدم التشهد. وهو الذي عليه العمل.
(١) إحكام الأحكام (٤٤٨/٢).
٢٩٦

سابعها: فيه دليل على متابعة الإِمام عند القيام عن هذا متابعة الإمام
الجلوس، وهو ظاهر على قول من يقول: إن الجلوس الأول
عند القيام من
هذا الجلوس
سنة(١)، فإن ترك السنة للإتيان بالواجب واجب، ومتابعة الإِمام
واجبة.
ثامنها: فيه دليل أيضاً على أنه إذا سها سهوين أو أكثر أنه الاكتفاء
يكفيه سجدتان(٢).
بجدتين إذا
سها أكثر من
سهوين
(١) قال الصنعاني في الحاشية (٤٤٧/٢): فيه إشارة إلى أن من الناس من
يقول بوجوبه. واحتج الطبري لوجوبه بأن الصلاة فرضت ركعتين أولاً،
وكان التشهد فيهما واجب، فلما زيدت لم تكن الزيادة مزيلة لذلك
الواجب، وأجيب بأن الزيادة لم تتعين في الأخريين، بل يحتمل أن يكونا
هما الفرض الأول، والمزيد هما الركعتان الأوليان بتشهدهما، ويؤيده
استمرار السلام بعد التشهد الأخير كما كان.
(٢) ويستنبط من الحديث نفسه بأنه ترك الجلوس الأول والتشهد معاً وكل
واحد منهما واجب مستقل.
فوائد: قال ابن القيم في زادالمعاد: وكان سهوه في صلاته ومَّطهر. من إتمام
نعمة الله على أمته وإكمال دينهم ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو.
الثانية: الحكمة في سجود السهو، أنه غم للشيطان، وجبر للنقصان،
ورضی للرحمن .
ومن الحكمة فيه أيضاً في جعله جابراً للمشكوك فيه دون الالتفات وغيره
مما ينقص الخشوع، لأن السهو لا يؤاخذ به المكلف. فشرع له الجبر
دون العمد، ليتيقظ له العبد فيجتنبه، واعلم أنه يشرع للسهو دون العمد
عند الجمهور.
الثالثة: سجود السهو من خصائص هذه الأمة، ولا يعلم في أي وقت
شرع.
=
٢٩٧

التعبير بالأكثر
عن الجملة
تاسعها: فيه التعبير بالأكثر عن الجملة فإن قوله: ((قضى
صلاته))، إنما يصدق حقيقة بالتسليم، إذ التسليم وإن كان مخرجاً من
الصلاة فهو من جملتها: كالتكبير للافتتاح.
واعلم أن الكلام على هذا الحديث والذي قبله منحصر في
نفس السجود [وفي أسبابه](١). والأول في محله وتكرره وصفته
وحكمه، ولا يخفى عليك ذلك مما قررناه لك فيهما فتدبره.
الرابعة: التقرب إلى الله بالصلاة المرقعة المجبورة إذا عرض فيها الشك،
=
أولى من الإعراض عن ترقيعها والشروع في غيرها، والاقتصار عليها بعد
الترقيع أولى من إعادتها. فإنه منهاجه ويثير وأصحابه والسلف الصالح من
بعدهم.
الخامسة: لا يشرع السجود في صلاة الجنازة لأنه لا سجود في صلبها ففي.
جبرها أولى. وأما سجود التلاوة والشكر فإنه لو شرع كان الجبر زائداً
على الأصل، وأما سجود السهو فإنه يؤدي إلى التسلسل ولا يشرع في
صلاة الخوف.
(١) في الأصل بياض ؟
٢٩٨

٢٠ - باب المرور بين يدي المصلي
[ ٤٦ /١/٥]
ذکر فیه أربعة أحاديث: /
الحديث الأول
٢٠/١/١٠٨ - عن أبي جهيم بن الحارث بن الصمة
الأنصاري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله بَّار: ((لو يعلم
المار بين يدي المصلي: ماذا عليه من الإثم، لكان أن يقف أربعين
خيراً له، من أن يمر بين يديه))(١).
قال أبو النضر: لا أدري قال: أربعين يوماً أو شهراً أو سنة(٢).
(١) البخاري (٥١٠)، ومسلم (٥٠٧)، والموطأ (١٥٤/١، ١٥٥)، وأحمد
(١٦٩/٤)، والترمذي (٣٣٦)، والنسائي (٦٦/٢)، وأبو داود (٧٠١)،
وأبو عوانة (٤٤/٢، ٤٥)، وعبد الرزاق (٢٣٢٢)، والبغوي (٥٤٣)،
والدارمي (٣٢٩/١)، وابن ماجه (٩٤٤)، والطحاوي (٨٤)، وابن حبان
(٢٣٦٦).
(٢) فائدة: قال أحمد شاكر في سنن الترمذي (١٥٩/٢): اجترأ مصحح المتن
المطبوع مع ابن العربي فزاد من عنده كلمة ((أربعين)) مرتين فجعل كلام =
٢٩٩

الكلام عليه من وجوه:
ترجمة عبد الله
بنجهيم
[١٧/ ب/ ١]
الأول: في التعريف براویه هو عبد الله بن جھیم کما ذكره ابن
عبد البر(١)، قال: ويقال إنه ابن أخت أبي بن كعب. قال: /
ولست أقف على نسبه في الأنصار، وفرّق [أبو] (٢) عمر بينه وبين
أبي جهيم بن الحارث بن الصمة وغيره. قال: هما واحد، وقد
أوضحت ذلك فيما أفردته من الكلام على رجال هذا الكتاب.
وأما أبو التضر المذكور: فهو راوي الحديث عن بسر بن سعيد
عن أبي جُهيم، واسمه سالم بن أبي أمية، وهو تابعي ثقة، مات
سنة تسع وعشرين ومائة.
أبي النضر هكذا: ((لا أدري قال أربعين يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين
=
سنة))، وما زاد ليس في شيء من النسخ أو الروايات.
(١) قال ابن حجر في الفتح (٤٤٢/١): قيل اسمه عبد الله، وحكى ابن
أبي حاتم عن أبيه قال: يقال هو الحارث بن الصمة، فعلى هذا لفظة
(ابن)) زائدة بين أبي جهيم والحارث، لكن صحح أبو حاتم أن الحارث
اسم أبيه لا اسمه. وفرق ابن أبي حاتم بينه وبين عبد الله بن جھیم، يكنى
أيضاً: أبا جهيم. وقال ابن مندة: ((عبد الله بن جهيم بن الحارث بن
الصمة)) فجعل الحارث اسم جده، ولم يوافق عليه، وكأنه أراد أن يجمع
الأقوال المختلفة فيه، والصمة - بكسر المهملة وتشديد الميم - هو ابن:
عمر بن عتيك الخزرجي. ووقع في مسلم: ((دخلنا على أبي الجهم)).
بإسكان الهاء والصواب أنه بالتصغير، وفي الصحابة شخص آخر يقال له:
أبو الجهم وهو صاحب الانبجانية، وهو غير هذا لأنه قرشي، وهذا
أنصاري، ويقال بحذف الألف واللام في كل منهما وبإثباتهما.
(٢) التصحيح من ن د، وفي الأصل (ابن).
٣٠٠