Indexed OCR Text
Pages 401-420
القنوت، فإنه قد صح رفع اليد](١) في الدعاء مطلقاً. قال بعض الفقهاء: ترفع اليد في القنوت، لأنه دعاء فيندرج تحت الدليل الذي يقتضي استحباب رفع اليد في الدعاء. وقال غيره: يكره لأن الغالب على هيئة العبادة والتعبد التوقف، والصلاة تصان عن زيادة عمل غير المشروع فيها، فإذا لم يثبت الحديث في رفع اليدين في القنوت كان الدليل الدال على صيانة الصلاة عن العمل الذي لم يشرع أخص من الدليل الدال على رفع اليد في الدعاء. قلت: قد روى البيهقي(٢) الرفع فيه بإسناد جيد، كما ذكرته في «شرح المنهاج)) . الرابع: ما ذكرنا من المنع تارة يكون منع تحريم، وتارة يكون خطر البدعة منع كراهة، ولعل ذلك يختلف بحسب ما يفهم من نفس الشرع [من](٣) التشديد في الابتداع بالنسبة إلى ذلك الجنس، [و](٤) التخفيف؛ ألا ترى أنا إذا نظرنا إلى البدع المتعلقة بأمور الدنيا لم تساوِ البدع المتعلقة بأمور الأحكام الشرعية [ولعلها - أعني البدع (١) زيادة من ن ب. (٢) البيهقي (٤١/٣). قال شيخ الإسلام - رحمه الله - في الفتاوى (٥١٩/٢٢)، وأما رفع النبي وَّر يديه في الدعاء فقد جاء في أحاديث كثيرة صحيحة. (٣) زيادة من ن ب. (٤) في ن ب (أو). ٤٠١ المتعلقة بأمور الدنيا](١) لا تكره أصلاً، بل يحرم في كثير منها [بعدم](٢) الكراهة، وإذا [نظر](٣) إلى البدع المتعلقة بالأحكام. الفرعية لم تكن مساوية للبدع المتعلقة بأصول العقائد. قال الشيخ: فهذا ما أمكن ذكره في هذه المواضع مع كونه من المشكلات القوية / لعدم الضبط فيه بقوانين [تقدم] (٤) ذكرها للتابعين، وقد تباين الناس في هذا الباب تبايناً شديداً، حتى بلغني أن بعض المالكية مرّ في ليلة من إحدى ليلتي الرغائب، أعني في رجب أو التي في شعبان(٥) بقوم يصلونها، وقوم عاكفين على محرم، فحسن حال العاكفين على المصلين لتلك الصلاة، وعلل ذلك بأن العاكفين عالمون بارتكاب المعصية فيرجى لهم الاستغفار والتوبة، والمصلون لتلك الصلاة في امتناعها عنده يعتقدون أنهم في طاعة فلا يتوبون ولا يستغفرون قال: والتباين في هذا يرجع إلى الحرف الذي (١) في ن ب ساقطة. (٢) في ن ب (بعد). (٣) في ن ب (نظرتا). (٤) زيادة من ن ب. (٥) سئل شيخ الإسلام - رحمه الله - عن الصلاة الرغائب هل هي مستحبة أم. لا؟ فأجاب هذه الصلاة لم يصلها النبي ◌َّليل ولا أحد من السلف ولا الأئمة، ولا ذكروا لهذه الليلة فضيلة تخصها - والحديث المروي عن النبي ◌َل كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بذلك، ولهذا قال المحققون أنها مكروهة غير مستحبة، والله أعلم. للاستزادة انظر: الفتاوى (١٣١/٢٣، ١٣٢، ٤١٤، ١٣٢/٢٣، ١٣٥، ٢٠١/٢٤، ٠ ٢٠٢) ومساجلة علمية بين ابن الصلاح والعز بن عبد السلام تحقيق الألباني. ٤٠٢ : : ذكرنا، وهو إدراج الشيء المخصوص تحت العمومات أو طلب دليل خاص على ذلك الخاص، وميل المالكية إلى هذا الثاني، وورد عن السلف الصالح ما يؤيده في مواضع، ألا ترى أن ابن عمر قال في صلاة الضحى ((إنها بدعة)) لأنه لم يثبت عنده فيها دليل، ولم ير إدراجها تحت عمومات الصلاة لتخصيصها بالوقت المخصوص، وكذلك قال في القنوت الذي [كان](١) يفعله الناس في عصره: إنه بدعة. ولم ير إدراجه تحت عمومات الدعاء. وكذلك ما روى الترمذي(٢) من قول عبد الله بن مغفل لابنه في الجهر بالبسملة: ((إياك والحدث)) ولم ير إدراجه تحت دليل عام [وكذا](٣) ما جاء عن ابن مسعود [النهي] (٤) فيما خرجه الطبراني(٥) عن قيس بن أبي حازم قال: ذكر [لابن مسعود [قاص](٦) [يجلس](٧) بالليل، ويقول للناس: قولوا كذا، (١) في ن ب ساقطة. (٢) الترمذي (٢٤٤)، وقال: حديث حسن. قال أحمد شاكر بعد أن ساق رواية مخرجة في المسند فيها التصريح باسم ابن عبد الله بن مغفل (يزيد بن عبد الله)) (٨٥/٤): وهذا إسناد صحيح، لأن رواية الترمذي مبهم اسم ابن عبد الله بن مغفل. (٣) في ن ب (ولذلك). (٤) في ن ب ساقطة. (٥) انظر الطبراني الكبير (١٢٥/٩، ١٢٨)، وقد ورد عدة روايات عن ابن مسعود في النهي عن البدع والتشديد فيها . (٦) في الأصل (قال)، وفي ن ب (قوم)، وما أثبت من إحكام الأحكام. (٧) في الأصل (يجلسون)، وما أثبت من ن ب وإحكام الأحكام. ٤٠٣ قولوا](١) فقال: إذا رأيتموه فأخبروني. قال: فأخبروه. فجاء عبد الله متقنعاً، فقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود(٢): إنكم لأهدی من محمد ێے وأصحابه، يعني وإنكم [المتعلقون](٣) بذنب ضلالةٍ)) وفي رواية: ((لقد جئتم ببدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد ◌َطّ علماً) فهذا ابن مسعود أنكر هذا الفعل مع إمكان إدراجه تحت عموم فضيلة الذكر، على [أن](٤) ما حكيناه في القنوت والجهر بالبسملة من باب الزيادة في العبادات، هذا آخر كلام الشيخ تقي الدين(٥) وهو من النفائس. ويجاب على تقدير ثبوت ذلك عنهم أنه محمول على أنه لم تبلغهم الأحاديث الخاصة فيه، أو أنه اقترن به أمر من زيادة أو ترك واجب شرعي، أو استدراج بذلك إلى مفاسد علموها؛ وإلاَّ فالأحاديث الصحيحة ثابتة [بالأمر] (٦) بالذكر فرادى ومجتمعين، والحث عليه وعلى صلاة الضحى والدعاء في الصلاة وكذا القنوت في الصبح. واعترض عليه بعض المالكية فيما ذكره من الجهر بالبسملة، (١) في ن ب ساقطة. (٢) في ن ب زيادة (تعلمون). (٣) في ن ب (متعلقون). (٤) زيادة من ن ب. (٥) إحكام الأحكام (١٧٣/١). (٦) زيادة من ن ب . . ٤٠٤ فقال: ليس النهي عن مجرد [الجهر](١)، بل النهي عن زيادة البسملة في [أول] (٢) الفاتحة، لأنه - عليه السلام - وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً لم يكونوا يقرءون بها، كما جاء مصرحاً به في الصحيح(٣) وهذا منه غلط، بل الحديث المذكور مؤول بل [معلول](٤)، وقد ذكرت وجه تعليله في ((تخريجي لأحاديث منهاج البيضاوي في الأصول)) فراجعه منه [وسأذكره إن شاء الله عند وصولي إلى موضعه](٥). [وأما](٦) إمامنا الشافعي - رضي الله عنه - كما نقله البيهقي وجوه السنة عند الشافعي في مدخله سنة رسول الله وَط18 من ثلاثة أوجه. أحدها: ما أنزل الله - تعالى - فيه نص بالكتاب [فسن رسول الله (َ ﴿ بمثل نص الكتاب](٧). والثاني: ما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين عن الله معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرضها أعامًّا أم خاصًّا، وكيف أراد أن تأتي به العباد. (١) في ن ب (النهي). (٢) في ن ب ساقطة. (٣) حديث أنس أن النبي ◌َّ ﴿ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بـ («الحمد لله رب العالمين»، البخاري (٧٤٣). (٤) في ن ب (معلوم). (٥) زيادة من ن ب. (٦) في ن ب (وقال). (٧) زيادة من ن ب. ٤٠٥ والثالث: [ما سنه](١) رسول الله وَ ل# ما ليس فيه نص كتاب، فمنهم من قال: جعله - تعالى - له بما افترض من طاعته، وسبق في علمه من توفيقه لرضاه / أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب. ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلَّ ولها أصل في الكتاب، كما كانت سنته ليبين عدد الصلاة وعملها عن أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سن من البيوع وغيرها من الشرائع لأن الله - تعالى - قال: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَكَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾(٢) وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَدَّمَ الْرِّيَواْ﴾(٣) فما أحل وحرم فإنما بيّن فيه عن الله، كما بيّن الصلاة. ومنهم من قال: جاءته رسالة الله - جلّ ثناؤه - فأثبتت به سنة بفرض الله - عزّ وجلّ - . ومنهم من قال: أُلقي في روعه كل ما سن وسببه الحكمة التي ألقيت في روعه عن الله - جلّ ثناؤه - هذا آخر كلامه. وفيه بيان لمعرفة وجوه السنة وما هي؟ وقال غيره: سنة رسول الله وَله قوله أو فعله أو حاله وتقريره كما اطلع عليه رسول الله وَل﴿ من القول والفعل أو الحال بحضرته وسكت عليه [فالحاصل أن السنة في المعنى الشرعي أمر بين الغلو. والإِهمال، أعاننا الله على القيام بها على أوفى حال](٤). (١) زيادة من ن ب. (٢) سورة النساء: آية ٢٩. (٣) سورة البقرة: آية ٢٧٥. (٤) في ن ب ساقطة. ٤٠٦ الوجه الرابع: من الكلام على الحديث فيه فعل النافلة في البيت والمسجد، نعم اختلف العلماء هل التنفل إثر الفرائض في المسجد أفضل أم في البيت على ثلاثة أقوال / : [١٤٩ /١/ ١] أحدها: وهو مذهب الشافعي وقاله النخعي وغيره: إن فعلها النقل يكون في المسجد أفضل أم في البيت أفضل لقوله وَله: ((أفضل صلاة المرء في بيته إلاَّ المكتوبة)) (١) وعلل بخشية اختلاطها بالفرائض، ولئلا تخلى البيوت في البيت من الصلاة . وثانيها: إن فعلها أثر الصلاة في المسجد أجمع للخاطر، حكاها القاضي عياض عن قوم. وثالثها: الفرق بين الليل والنهار، ففي النهار في المسجد أفضل، وفي الليل البيت أفضل، حكاه القاضي عن مالك والثوري. واستدل مالك بقوله: ((فأما المغرب والعشاء والجمعة، ففي بيته»، وهو دال على [أن](٢) ما سوى ذلك كان في المسجد، وما سوى المغرب والعشاء هو راتب النهار. قلت: هذه الرواية التي استدل بها قد ذكر فيها سنة الجمعة وهي نهارية فلا يحسن الاستدلال بها إذن؛ والحديث السالف عام في جميع النوافل الراتبة مع الفرائض، إلاَّ في سنة الجمعة التي قبلها، وإلاَّ في النوافل التي هي شعار الإِسلام: كالعيد والكسوف والاستسقاء وغير ذلك مما أوضحته في ((شرح المنهاج))، فراجعه (١) سبق تخريجه. (٢) في ن ب ساقطة. ٤٠٧ منه. وفي بعض الروايات التصريح بأنه عليه السلام صلّى سنة الصبح في بيته، وهي صلاة نهار، فهو مما يرد على من فصّل أيضاً. ولو قيل: فعلها في البيت أفضل إلاَّ أن يكسل عن فعلها فيه. ففي المسجد أفضل لم يبعد. واعلم أن ابن حبان(١) روى في صحيحه من حديث جابر أن. النبي وَلقوله صلى ركعتين بعد الجمعة في المسجد، [ولم يُرَ يصلي بعد الجمعة يوم الجمعة ركعتين في المسجد، وکان ینصرف إلى بيته قبل ذلك اليوم]. وهو محمول على بيان المشروعية منه (### وكذا حديث حذيفة أنه - عليه السلام -: ((صلى المغرب فما زال يصلي في المسجد حتى صلى العشاء الآخرة)) أخرجه الترمذي(٢) معلقاً قبيل أبواب الزكاة، وقال: فيه دلالة أنه - عليه السلام - صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد(٣). (١) ابن حبان (٢٣٣/٦)، وما بعده بين القوسين ساقط من الأصل، وأضيف من ابن حبان وابن خزيمة. وضعف الحديث الألباني في صحيح ابن خزيمة (١٨٣/٣). (٢) الترمذي (٥٠١/٢). قال أحمد شاكر - رحمه الله - : وأخرجه أحمد في المسند (٤١٤/٥)، ثم قال: وهذا إسناد جيد حسن أو صحيح. (٣) قال أحمد شاكر - رحمه الله -: ((يجمع بين الأحاديث بأن النهي للتنزيه، وأن صلاتهما في المنزل أفضل))، حيث إنه قال في التعليق على كلام الترمذي عند قوله: ((والصحيح ما روي عن ابن عمر قال ((كان النبي ◌َّ يصلي الركعتين بعد المغرب في بيته)). أخرجه البخاري والترمذي وغيرهم، قال أحمد شاكر: وتعليل الترمذي غير جيد، فإن الحديث الفعلي المؤيد للحديث القولي، لا يكون علة له. اهـ. (٥٠١/٢). II ٤٠٨ الخامس: قول حفصة - رضي الله عنها - : ((وكان يصلي سجدتين)). المراد بهما: ركعتا الفجر، فهو من باب إطلاق الجزء على الكل. السادس: فيه أن سنة الصبح لا يدخل وقتها إلاّ بطلوع الفجر، وقت صلاةسنة ولا أعلم فيه خلافاً. الفجر السابع: فيه أيضاً استحباب تخفيفهما وهو مذهبنا ومذهب استحباب مالك والجمهور (١). تخفيفها وقال بعض السلف(٢): لا بأس بإطالتهما، ولعله أراد أن الإطالة ليست محرمة / ولا نزاع في ذلك. وبالغ قوم فقالوا: لا قراءة فيها أصلاً، حكاه الطحاوي والقاضي، وهو غلط، والأحاديث الصحيحة ترده. فقد صح أنه - عليه السلام - قال: ((لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن))(٣). وصح أنه - عليه السلام - كان يقرأ فيهما بـ ﴿قُلّ بَأَيُهَا اَلْكَفِرُونَ (﴾﴾. ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ لِجَ﴾ (٤) [وقوله](٥) تعالى: (١) انظر: الاستذكار (٢٩٩/٥). وقد ساقه بمعناه من شرح النووي لمسلم (٣/٦، ٤). (٢) وهو مروي عن الثوري وأبي حنيفة. انظر: الاستذكار (٢٩٩/٥). (٣) أخرجه البخاري في جزء القراءة، وأحمد، والترمذي (٢٥/٢). انظر: تلخيص الحبير (٢٣١/١) فقد حسنه. (٤) أخرجه الترمذي (٤١٧/٢)، وأبو داود عون المعبود (١٢٤٣)، ومسلم في الصحيح. (٥) في ن ب (وبقوله). ٤٠٩ قُولُوَءَامَنَا بِالَهِ﴾ ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْا ... ﴾(١) الآيتان. واستحسن الغزالي في كتابه ((وسائل الحاجات))(٢) أن يقرأ في. الأولى ﴿أَلَرَّنَشْرَعْ﴾ وفي الثانيه ﴿أَلَرَّتَرَ گَيْفَ﴾ وقال: إن ذلك يردّ شر ذلك اليوم (٣). وفي ((فضائل القرآن العظيم)) لأبي العباس الغافقي(٤) أنه - عليه السلام - ((أمر رجلاً شكى إليه شيئاً أن يقرأ في الأولى والثانية بذلك)). وتوسط مالك وجمهور أصحابه(٥)، فقال: لا يقرأ غير [١/١٤٩/ب] الفاتحة، وهو مخالف / للسنة الصحيحة المذكورة التي لا معارض لها . وفي مختصر ابن شعبان (٦) عندهم يقرأ فيها بأم القرآن وسورة. (١) أبو داود (١٢٤٧)، ومسلم في الصحيح. (٢) ذكره ضمن كتب ابن الصلاح في هدية العارفين (٦٥٤/١)، باسم: (تعليقة على شرح الوسائل للغزالي)). (٣) هذا ليس عليه دليل من كتاب الله ولا سنة رسول الله وَله . (٤) هو عبد الواحد بن محمد الغافقي الباهلي المقرىء المالكي المتوفى سنة (٧٥٠)، له مؤلفات منها: ((أصول الخمسة التي بنى عليها الإِسلام))،. و ((المنتخب في فضائل القرآن))، ومعجم المؤلفين (٢١٢/٦)، وهدية العارفين (٦٣٥/١). (٥) انظر: الاستذكار (٢٩٩/٥). (٦) هو العلامة أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان بن محمد بن ربيعة العمّاري، من ولد عمار بن ياسر له التصانيف البديعة، منها: ((كتاب = ٤١٠ من قصار المفصل . الثامن: قوله: ((وكانت ساعة لا أدخل على النبي ◌َّر فيها)) هذا بيان لعذره في عدوله عن المعاينة لفعله - عليه السلام - إلى إخبار حفصة - رضي الله عنها - وفيه تنبيه على أنه لا يعدل في تحصيل العلم إلى خبر الواحد إلَّ لعذر، وإن كان حجة [كما سيأتي](١). التاسع: في الرواية الأخيرة دلالة على رواية الأخ عن أخيه رواية الأخ عن أخيه ذكراً كان أو أنثى. العاشر: أخذ العلم عن المرأة خصوصاً إذا كانت أعلم بالواقعة جواز أخذ العلم عن المرأة والحالة. الحادي عشر: قبول خبر الواحد، وهو مذهب العلماء من قبول خبر جميع الطوائف، خلافاً لبعضهم، وعمل [بخبر الواحد من الصحابة الواحد فمن بعدهم](٢) [فيما لا يحصى من الأحكام](٣). الثاني عشر: عدم الدخول على الشخص في ذلك الوقت والاستئذان عليه . - الزاهي))، و ((مناقب مالك)) و((كتاب المنسك))، و((مختصر ما ليس في = المختصر ). مات في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. ترجمته: سير أعلام النبلاء (٧٨/١٦)، والديباج المذهب (١٩٤/٢). (١) زيادة من ن ب. (٢) زيادة من ن ب. (٣) ساقطة من ن ب. ٤١١ الاتداء في الـوافل بفعله الثالث عشر: فيه أيضاً الاقتداء بها18 في النوافل، وفعلها. وتتبعها ونقلها؛ إن حملت المعية المذكورة في الحديث على المعية: في الصلاة، وقد تقدم ما فيه في الوجه الثاني من الكلام على: الحدیث . ٤١٢ الحديث السابع ١٠/٧/٦٥ - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((لم يكن النبي وَ ﴿ على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر))(١). وفي لفظ لمسلم (٢): ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)). [وفي لفظ: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما عليها))](٣). الكلام علیه من وجوه: بعد أن تعلم أنه لا مناسبة لإِيراده في هذا الباب إلَّ ما أسلفناه في الحديث قبله. أحدها: النوافل: جمع نافلة. معنى: ([النافلة)) لغة وأصلها في اللغة: عطية التطوع. والنافلة: أيضاً ولد الولد (٤). (١) رواه البخاري (١١٦٩)، ومسلم برقم (٧٢٤)، وأبو داود (١٢٥٤)، والترمذي (٤١٦)، وابن خزيمة (١٦٠/٢)، وابن حبان (٤/ ٨٠). (٢) مسلم (٧٢٥). (٣) هذه الزيادة غير موجودة في كتب العمدة من الشروح والمتن. (٤) انظر: مختار الصحاح (٢٨١). ٤١٣ معنى : ((التعاهد) [ثانيها](١): التعاهد: المحافظة على الشيء، وتجدید العهد به والتعهد مثله. قال الجوهري: [وتعهدت فلاناً وتعهدت صنعتي](٢)، وهو أفصح من قولك: [تعاهدته](٣)، لأن التعاهد لا يكون إلاَّ بين [شیئین] (٤). قلت: وشدة تعاهده - عليه الصلاة والسلام - على صلاتها لعظم فضلها وجزيل ثوابها . تأكد ركعتي الفجر [ثالثها](٥): في الحديث دليل على تأكد ركعتي الفجر، وهو إجماع فإن المراد [بها](٦) في هذا الحديث: السنة لا الفريضةِ. ومن الغرائب ما حكاه في ((المحصول)) عن الفقهاء أنهم قالوا: إن أهل محلة لو اتفقوا على ترك سنة الفجر بالإصرار فإنهم يقاتلون بالسلاح؛ وهذا لا نعرفه عنهم، ولا عن غيرهم، وإنما قالوه في: الأذان والجماعة ونحوهما من الشعائر الظاهرة، ومع ذلك فالصحيح عندهم إذا قلنا بسنيتها أنهم لا يقاتلون على تركها. حكمها رابعها: فيه أيضاً أنهما غير واجبتين لقول عائشة: من النوافل. وقد انفرد الحسن البصري بدعواه وجوبهما. (١) في ن ب (الثاني). (٢) في مختار الصحاح (ص ١٩٥)، ((تعهد فلاناً وتعهد ضيعته)). (٣) في مختار الصحاح ((تعاهد)). (٤) في مختار الصحاح ((اثنين)). (٥) في ن ب (الثالث) ... إلخ المسائل. (٦) في ن ب (بما). ٤١٤ وفي / مذهب مالك أنها من الرغائب، لأنها قالت: من النوافل. ولم تقل من السنن. والمالكية فرقوا بين السنة والرغيبة والنافلة. فقالوا: السنة الفرق بين السنة والرغيبة والنافلة عند آكدها، ثم الرغيبة، ثم النافلة. فما واظب عليه في الجماعة مظهراً له فهو سنة. وما لم يواظب [عليه](١) [وحده](٢) [وعده](٣) من النوافل فهو فضيلة . المالكية وتعريفها وما واظب عليه ولم يظهره / كركعتي الفجر ففيه قولان: [١٥٠/ ١/١] أحدهما: سنة. والثاني: فضيلة. وهذا اصطلاح لا أصل له (٤)، وقد بينا السنة (١) زيادة من ن ب. (٢) في ن ب ساقطة. (٣) في الأصل ساقطة. (٤) الرغيبة، أي: مرغوب فيها، وهي ما فوق المندوب ودون السنة. قال ابن عبد البر - رحمنا الله وإياه - في الاستذكار (٣٠٠/٥) .. وعلى ما ذكرت لك جمهور الفقهاء، إلاَّ أن من أصحابنا من يأبى أن يسميها سنة، ويقول: هما من الرغائب وليستا سنة. وهذا لا وجه له ومعلوم أن أفعال رسول الله صل كلها سنة يحمد الاقتداء به فيها، إلاَّ أن يقول ومَّ﴾: إن ذلك خصوص لي، وإنما يعرف من سنته المؤكدة منها من غير المؤكد بمواظبته عليها وندب أمته إليها، وهذا كله موجود محفوظ عنه وَّ في ركعتي الفجر. وتسميتها سنة هو قول الشافعي وإسحاق وأحمد بن حنبل، وأبي ثور وداود وجماعة أهل العلم. اهـ. = ٤١٥ ومعناها في الحديث قبله لكن السنة تختلف رتبتها في الفضيلة، فبعضها آكد من بعض على حسب مقصود الشرع ومقتضاه وشرعية الجماعة فيها؛ نعم أكابر [الصحابة](١) (٢) على أنهما من السنن، وعرف الشرع إطلاق النافلة على الكل لقوله - عليه السلام - للأعرابي: ((إلاَّ أن تطّوع))(٣) والتطوع والنافلة بمعنى واحد. [وإذا](٤) كان لفظ النافلة اسماً جامعاً للثلاثة، فلا دلالة فيه على أحدها بعينه، ولأن لفظ الحديث صرح بأنها نافلة، والمستدل على أنها من الرغائب لا يقول بمرادفتها للنافلة. خامسها: استدل بهذا الحديث لأحد القولين عندنا في ترجيح سنة الصبح على الوتر، لكن لا دلالة فيه، لأن الوتر كان واجباً. عليه ◌َالغر، فلا يتناوله هذا الحديث. ترجيح سنة الصيح على الوتر واستدل لهذا القول وهو قول قديم بأمور: أحدها: أن الوتر تبع للعشاء، وركعتي الفجر تبع للصبح. والصبح أفضل من العشاء، فتابعها آكد. ثانيها: أنه - عليه السلام - كان يصلي الوتر على الراحلة، وركعتي الفجر على الأرض. ثالثها: أن [ركعتي](٥) الفجر تتقدم على متبوعها، والوتر يتأخر. (١) في الأصل (أصحاب)، وما أثبت من ن ب. (٢) في الأصل بياض بمقدار كلمة ويغني عنه الضمير في كلمة الصحابة. (٣) البخاري (٤٦). (٤) في ن ب (فإذا). (٥) في ن ب (ركعتا). - - ٤١٦ رابعها : أنها محصورة بعدد متفق عليه بخلافه. خامسها: شدة المحافظة [عليها وكونها](١) خير من الدنيا وما فيها، لكن المواظبة مشتركة [بينه](٢) وبين الوتر، فإن كان واجباً عليه على ما صححوه، ومعلوم أنه كان على الواجب أشد محافظة من المندوب، وإذا كان فعل المندوب خير من الدنيا وما فيها، فما ظنك بالواجب؟ والجدير أن الوتر أفضل، وعلل بكونه اختلف في وجوبه وهو منتقض بما قدمناه عن الحسن البصري، فإنه قال: بوجوب ركعتي الفجر، ومعلوم [أنه](٣) من فضلاء التابعين وجلتهم فاستويا في ذلك. سادسها: هذا الحديث يقتضي تفضيل ركعتي الفجر على الحديث جميع الصلوات فرضها ونفلها، خرج الفرض بالإِجماع، وبقي ما يقتضي تفضيل ركعتي الفجر على جميع عداه على عمومه، قاله الماوردي (٤). الصلوات سابعها: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((خير من الدنيا معنى قوله: وما فيها». قال النووي في شرح مسلم(٥): أي خير من الدنيا ومافيها، اخير من الدنيا ومتاعها . (١) في ن ب (عليهما وكونهما). (٢) في ن ب (بينهما). (٣) في ن ب زيادة (كان). انظر: شرح النووي لمسلم (٥/٦)، وقد مر بنا هذا المبحث. (٤) الحاوي الكبير (٣٦٢/٢). (٥) شرح مسلم (٥/٦)، وكلامه فيه: ((أي من متاع الدنيا)). ٤١٧ وقال غيره: المراد بالدنيا حياتها وما فيها، متاعها لا ذاتها [وكأنه](١) قال: خير من متاع الدنيا. وقال غيرهما: إنما قال: ذلك لأنه بُشر أن حساب أمته يقدر بهما، فلهذا كانتا عنده خير من الدنيا وما فيها، لما يتذكر بها من عظم رحمة الله بأمته من ذلك الموقف العظيم .. وقال بعض فضلاء المالكية في تفسير النووي السالف: نظر فإنه قد جاء في الحديث الآخر: ((الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلاَّ ذكر الله))(٢) الحديث. وخير هنا أفعل تفضيل، وهو يقتضي المشاركة في الأصل وزيادة كما تقرر، ولا مشاركة بين فضيلة ركعتي الفجر ومتاع الدنيا المخبر عنه بأنه ملعون، ويبعد أن يحمل كلام الشارع على ما شذ من قولهم: العسل أحلى من الخل. إلَّ أن يقال: إن المعنى ما [١/١٥٠/ب] يحصل من نعيم ثواب ركعتي / الفجر في الدار الآخرة خير مما يتنعم به في الدنيا فترجع(٣) المفاضلة إلى ذات النعيم الحاصل بين الدارين، [لا] (٤) إلى نفس ركعتي الفجر ومتاع الدنيا. (١) في ن ب (فكأنه). (٢) أخرجه الترمذي (٢٣٢٣)، وابن ماجه (٤١١٢)، والبغوي في شرح السنة (٢٣٠/١٤)، وله شاهد من حديث جابر عند أبي نعيم في الحلية (١٥٧/٣، ٩٠/٧)، وصححه الضياء، وأيضاً من حديث ابن مسعود عند البزار. (٣) في الأصل (ورفع)، وما أثبت من ن ب. (٤) في ن ب ساقطة. ٤١٨ : ١١ - باب الأذان تعريف الأذان لغة وشرعاً أصله الإعلام: قاله أهل اللغة. واشتقاقه: من الأذَن بفتح الهمزة والذال وهو الاستماع. وهو في الشرع: ذكر مخصوص شرع في الأصل للإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة، ونفتتح هذا الباب بمقدمات. أولها: الأذان كلمة جامعة لعقيدة الإِيمان مشتملة على نوعيه الأذان كلمة من العقليات والسمعيات . جامعة العقيدة الإِيمان فأولها: إثبات الذات وما تستحقه من الكمال والتنزيه . ثم إثبات الوحدانية. ثم إثبات الرسالة والنبوة لنبينا محمد بَّه ثم الدعاء إلى الصلاة، وجعلها عقب إثبات الرسالة، لأن معرفة وجودها من جهته لا من جهة العقل، ثم الدعاء إلى الفلاح وهو الفوز والبقاء، وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء، ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمن لتأكيد الإِيمان، نبّه على ذلك القاضي عياض، وهو من النفائس. ٤١٩ ولخّصه القرطبي في شرحه(١)، فقال: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، وذلك أنه - عليه السلام - بدأ بالأكبرية وهي تتضمن وجود الله - تعالى - ووجوبه وكماله، ثم ثنَّی بالتوحيد ثم ثلَّث برسالة رسوله، ثم ناداهم لما أراد من طاعاته، ثم ضمن ذلك بالفلاح وهو البقاء الدائم، فاشعر بأن ثَمَّ جزاء، ثم أعاد ما أعاد توكيداً. ثانيها: الأصل في مشروعية الأذان قصه عبد الله بن زيد أخرجها أبو داود والترمذي وغيرهما، وهي موضحة فيما خرجته من أحاديث الرافعي وأحاديث الوسيط فراجعها منهما. مشروعية الأذان ثالثها: ذكر العلماء في حكمة الأذان أربعة أشياء: إظهار شعار الإِسلام، وكلمة التوحيد، والإعلام بدخول وقت الصلاة، ومكانها، والدعاء إلى الجماعة(٢). حكمة الأذان رابعها: المشهور عندنا أن الأذان والإقامة سنة أي سنة [على](٣) كفاية، وبه قال أبو حنيفة ومالك. حكمه وقيل: فرض كفاية، وبه قال أحمد. وقال أهل الظاهر: إنه فرض على الأعيان. وقال بعضهم: إنه فرض مطلقاً على الجماعة سواء كانت الجماعة في حضر أو سفر. (١) المفهم (٧٥٦/٢). (٢) ذكرها في المفهم (٧٤٦/٢). (٣) زيادة من ن ب. ٤٢٠