Indexed OCR Text

Pages 141-160

فرع: إمرار التراب على العضو تطويلاً للتحجيل سنة مع
الأصح للخروج من خلاف من أوجبه وهو أبو حنيفة - رحمه الله -
إذا قطع من فوق المرفق.
قدر المسموح
في التيمم
الخامسة: فيه [دلالة] (١) على أنه يكفي المسح إلى الكوع،
ولهذا خاطبه بلفظ ((إنما)) لينحصر القدر الواجب، وحكاه ابن
المنذر(٢) عن عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحاق، قال ابن
المنذر: وبه أقول، وبه قال داود .
وحكاه الخطابي: عن عامة أصحاب الحديث.
وحكاه أبو ثور وغيره: قولاً قديماً للشافعي، وأنكر أبو حامد
والماوردي وغيرهما عليه حكايته، ولا يقبل منهم لجلالته، وهو
قوي في الدليل، وأقرب إلى ظاهر السنة،/ كما قاله النووي في ((شرح [١/١١٧/ب]
المهذب)» .
والمشهور من مذهبنا: أنه إلى المرفقين (٣)، وبه قال مالك (٤)،
وأبو حنيفة(٥) وأكثر العلماء.
وجهك وكفيك)) استدل بالنفخ على تخفيف التراب كما تقدم. وعلى
=
سقوط استحباب التكرار في التيمم لأن التكرار يستلزم عدم التخفيف.
(١) في ن ب زيادة (أيضاً).
(٢) الأوسط (٥٠/٢، ٥١).
(٣)
الأم (٤٩/١).
(٤) المدونة الكبرى (٤٢/١).
(٥) المبسوط (١٠٦/١).
١٤١

وحكى الماوردي وغيره: عن الزهري (١) أنه يجب مسحهما
إلى الإِبطين قال النووي: وما أظن هذا يصح [عنه](٢).
قال الخطابي(٣): لم يختلف العلماء أنه لا يجب مسح ما وراء
المرفقين .
وحكى ابن بزيزة في ((شرح أحكام عبد الحق)) عن طائفة: أن
الجنب يتيمم إلى المنكب، وغيره / إلى الكوع.
واحتج أصحابنا بأدلة أقربها أن الله - تعالى - أمر بغسل
اليد إلى المرفق في الوضوء. وقال في آخر الآية ﴿فَلَمْ مَّجِدُ واْمَآءُ
فَتَيَمَّمُواْ﴾ ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيكُمْ﴾ وظاهره أن المراد
الموصوفة أولاً وهي المرفق، وهذا المطلق محمول على ذلك
المقيد لا سيما وهي آية واحدة (٤). وذكر الإِمام الشافعي هذا الدليل
(١) حكاه عنه ابن حزم في المحلى (٢٠٨/٢)، والأوسط لابن المنذر
.. (٤٧/٢).
(٢) في ن ب زياده (واو).
(٣) معالم السنن (١٩٩/١).
(٤) قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (٤٤٦/١): وأما ما استدل به
من اشتراط بلوغ المسح إلى المرفقين من أن ذلك مشترط في الوضوء.
فجوابه أنه قياس في مقابلة النص. فهو فاسد الاعتبار. وقد عارضه من لم
يشترط ذلك بقياس آخر وهو الإِطلاق في آية السرقة، ولا حاجة لذلك مع
وجود هذا النص.
قال الترمذي - رحمنا الله وإياه - في السنن (٢٧٢/١): عن ابن عباس
((أنه سئل عن التيمم؟ فقال: إن الله قال في كتابه حين ذكر الوضوء : =
١٤٢

[بعبارة](١) أخرى، فقال كلاماً معناه: إن الله - تعالى - أوجب
طهارة الأعضاء الأربعة في الوضوء في أول الآية، ثم أسقط منها
عضوين في التيمم في آخر الآية، فيبقى العضوان في التيمم على ما
ذكر في الوضوء إذ لو اختلفا لبينهما، وقد أجمع المسلمون على أن
الوجه يستوعب في التيمم كالوضوء فكذا [اليدان](٢). قال البيهقي
في ((المعرفة)): قال، الشافعي إنما [منعنا](٣) أن نأخذ برواية عمار في
الوجه والكفين ثبوت حديث عن النبيِّ وَّ ر أنه مسح وجهه وذراعيه
[ولأن](٤) هذا أشبه بالقرآن والقياس أن البدل من الشيء يكون
مثله(٥). قال البيهقي: حديث عمار أثبت من مسح الذراعين إلاّ أن
﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ وقال في التيمم ﴿فَأَمْسَحُواْ
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾. وقال ﴿ وَاُلْشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا ﴾
فكانت السنة في القطع الكفين. إنما هو الوجه والكفان يعني التيمم)). قال
أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. انظر المعرفة (٢٣/٢).
(١) في ن ب (بعباده).
(٢) في ن ب زيادة (واو).
(٣) في ن ب (معنا).
(٤) في ن ب (لأن). انظر: معرفة السنن (٢٢/٢، ٢٣).
(٥) قال الخطابي - رحمنا الله وإياه - في معالم السنن طبعة فقي (١٩٩/١):
قلت: لم يختلف أحد من أهل العلم أنه لا يلزم المتيمم أن يمسح بالتراب
ما وراء المرفقين وإنما جرى في استيعاب اليد بالتيمم على ظاهر الاسم
وعموم اللفظ. لأن ما بين مناط المنكب إلى أطراف الأصابع كله اسم لليد
وقد يقسم بدن الإنسان على سبعة آداب: اليدان، والرجلان، ورأسه،
وظهره، وبطنه، ثم قد يفصّل كل عضو منها. فيقع تحت أسماء خاصة : =
١٤٣

حديث الذراعين جيد بشواهده. ورواه جابر عن النبيِّ وَّر: ((التيمم.
ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين)) قال: وقد صح عن ابن
عمر أيضاً ذلك من قوله وفعله.
كالعضد في اليد، والذراع في الكتف. واسم اليد يشتمل على هذه الأجزاء
=
كلها، وإنما يترك العموم في الأسماء، ويصار إلى الخصوص بدليل يفهم
أن المراد من الاسم بعضه لا كله. ومهما عدم دليل الخصوص كان
الواجب إجراء الاسم على عمومه. واستيفاء مقتضاه برمته. [وقد ذهب
بعض العلماء إلى إدخال الذراع في المرفقين في التيمم كابن عمر والثوري
وأبو حنيفة] بتصرف - ووجه الاحتجاج له من صنيع عمار وأصحابه،
أنهم رأوا إجراء الاسم على العموم فبلغوا في التيمم إلى الآباط. وقام
دليل الإجماع في إسقاط ما وراء المرفقين فسقط، وبقي ما دونهما على
الأصل لاقتضاء الأسم إياه. ويؤيد هذا المذهب أن التيمم بدل من الطهارة
بالماء، والبدل يسد مَسَدَّ الأصل ويحل محله، وإدخال المرفقين في .
الطهارة بالماء واجب، فليكن التيمم بالتراب كذلك، وقد يقول من
يخالف في هذا لو كان حكم التيمم حكم الطهارة بالماء لكان التيمم على
أربعة أعضاء. فيقال له: إن العضوين المحذوفين لا عبرة بهما، لأنهما إذا
سقطا سقطت المقايسة عليهما، فأما العضوان الباقيان فالواجب أن يراعى
فيهما حكم الأصول، ويستشهد لهما بالقياس، ويستوفي شرطه في أمرهما
كصلاة السفر، قد اعتبر فيهما حكم الأصل، وإن كان الشطر الآخر.
ساقطاً، وذهب هؤلاء إلى حديث ابن عمر. [وحديث ابن عمر لا يصح،
لأنه رواه عنه محمد بن ثابت العبدي، وهو ضعيف جدًّا لا يحتج بحديثه،
حيث ذكر فيه: ((وضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، وقد أنكر البخاري
على محمد بن ثابت رفع الحديث. وقال البيهقي: ورفعه غير منكر.
انظر: معالم السنن طبعة فقي (٢٠٤/١، ٢٠٥).
١٤٤

قلت: وقد أثنى الحاكم على رواية ابن عمر ذلك مرفوعاً من
قوله عليه [أفضل](١) الصلاة والسلام لما ذكره في مستدركه(٢).
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) ذكر ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في تلخيص الحبير (١٥٢/١): هذه
الروايات وبيّن درجتها. وقد جمع رحمنا الله وإياه بين الروايات في فتح
الباري (٤٤٤/١) قائلاً: ((فإن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح
منها سوى حديث أبي جهيم بن الصمة، وعمار، وما عداهما، فضعيف
أو مختلف في رفعه ووقفه - والراجح عدم الرفع - فأما حديث
أبي جھیم فورد بذکر اليدين مجملاً. وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين
في الصحيحين. وبذكر المرفقين في السنن. وفي رواية: إلى نصف
الذراعين. وفي رواية: إلى الآباط. فأما رواية: المرفقين وكذا نصف
الذراع ففيهما مقال. وأما رواية: الآباط فقال الشافعي وغيره: إن كان
ذلك وقع بأمر النبي پے، فکل تیمم صح للنبي څے بعده فهو ناسخ له،
وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به. ومما يقوي رواية الصحيحين
في الاقتصار على الوجه والكفين، كون عمار كان يفتي بعد النبي ◌َّة
بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي
المجتهد. وقال الترمذي - رحمنا الله وإياه - في السنن (١/ ٢٧٠): قال
إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي حديث عمار في التيمم للوجه
والكفين، هو حديث حسن صحيح، وحديث عمار: ((تيممنا مع
النبي ◌َّ إلى المناكب والآباط)) ليس هو بمخالف لحديث الوجه
والكفين. لأن عماراً لم يذكر أن النبي ◌َّ أمرهم بذلك، وإنما قال:
((فعلنا كذا وكذا))، فلما سأل النبي وَي أمره بالوجه والكفين، فانتهى إلى
ما علمه رسول الله صل: الوجه والكفين. والدليل على ذلك ما أفتى به
عمار بعد النبي والقر في التيمم، أنه قال: ((الوجه والكفين))، ففي هذا =
١٤٥

وقال الخطابي(١): الاقتصار على الكفين أصح في الرواية
[١/١/١١٨] ووجوب / الذراعين أشبه بالأصول الظاهرة وأصح في القياس.
وجوب إيصال
التراب إلى
جميع البشرة
السادسة: فيه إيصال التراب إلى جميع البشرة الظاهرة من
الوجه والشعر الظاهر عليه، وهو قول أكثر العلماء. كما حكاه
العبدري وعن أبي حنيفة روايات:
الأولى: كذلك وهي التي ذكرها الكرخي في ((مختصره)).
وثانيها: إن ترك قدر درهم منه لم [يجزئه](٢).
والثالث: إن ترك دون ربع الوجه أجزأه، وإلاّ فلا ..
والرابعة: إن مسح [أكثره] (٣) وترك الأقل منه أو من الذراع
أجزأه، وإلاّ فلا.
وحكى ابن المنذر عن سليمان بن داود: أنه جعله كمسح
الرأس.
استدلال ابن
حزم بالحديث
على إبطال
القياس
السابعة: قال الشيخ تقي الدين: استعمال القياس لا بد فيه
من تقدم العلم بمشروعية التيمم وكأن عماراً لما رأى أن الوضوء
خاص ببعض الأعضاء، وكان بدله وهو التيمم خاصَّاً وجب أن
دلالة أنه انتهى إلى ما علمه النبي 18 فعلمه إلى الوجه والكفين. وقد ذكر
=
ابن المنذر - رحمنا الله وإياه - في اختصاره لأبي داود نحواً من ذلك
(٢٠٢،٢٠١/١).
(١) معالم السنن (٢٠٢/١).
(٢) في ن ب زيادة (ودونه يجزيه).
(٣) في ن ب (أكره).
١٤٦
:

يكون بدل الغسل الذي يعم جميع البدن عاما [لجميع](١)
البدن .
وقال ابن حزم الظاهري(٢): في هذا الحديث إبطال القياس،
لأن عماراً قدر أن المسكوت عنه من التيمم للجنابة حكمه حكم
الغسل للجنابة؛ إذ هو بدل منه، فأبطل رسول الله وَلغير ذلك، وأعلمه
أن لكل شيء حكم المنصوص عليه فقط .
والجواب عما قال: إن الحديث دل على بطلان هذا القياس
الخاص، ولا يلزم من بطلان الخاص بطلان العام، والقائسون
لا يعتقدون صحة كل قياس، ثم في هذا القياس شيء آخر: وهو
أن الأصل الذي هو الوضوء قد ألغي فيه مساواة المبدل له، فإن
التيمم لا يعم جميع أعضاء الوضوء، [وصار] (٣) مساواة
[البدل](٤) للأصل ملغى في محل النص، وذلك لا يقتضي المساواة
في الفرع.
بل لقائل أن يقول: قد يكون الحديث دليلاً على صحة أصل
القياس، فإن قوله - عليه السلام -: ((إنما كان يكفيك كذا وكذا))
يدل [عليه](٥) أنه لو [كان](٦) فعله لكفاه، وذلك دليل على صحة
(١) في ن ب (بجميع)، وما أثبت يوافق إحكام الأحكام (١/ ٤٣١).
(٢) المحلى (١٥٥/٢).
(٣) في ن ب (فصار).
(٤) في ن ب (المبدل).
(٥) في ن ب (على).
(٦) في ن ب ساقطة.
١٤٧

قولنا لو كان فعله [لكان](١) [مصيباً](٢)، ولو كان فعله لكان قايساً
التيمم على الجنابة للتيمم على الوضوء، على تقدير أن يكون اللمس
المذكور في الآية [ليس](٣) هو الجماع؛ لأنه لو كان عند عمار هو
الجماع لكان حكم التيمم مبيناً في الآية، فلم يكن يحتاج إلى أن
يتمرغ، فإذن فعله ذلك يتضمن اعتقاد كونه ليس عاملاً للنص، بل
بالقياس وحُكْم النبيِّ وَّر بأنه كان يكفيه التيمم مع الصورة المذكورة.
مع ما بيناه من كونه لو فعل ذلك لفعله بالقياس عنده لا بالنص.
الثامنة: فيه أن من أرسل [في] (٤) أمر عظيم، ينبغي أن يتحفظ
ويثبت، ولا يشهر ما أرسل فيه إذا رأى ذلك مصلحة، ويفعل كما
فعل عمار حيث لم يصرح بالحاجة ما هي.
التاسعة: / فيه أن المتأول المجتهد لا إعادة عليه لأنه - عليه
السلام - لم يأمر بالإِعادة وإن كان قد أخطأ في اجتهاده، لأنه إنما
ترك هيئة الطهارة .
المجتهد في
أمر العبادة لا
يعيد ولو أخطأ
وفيه جواز الاجتهاد للغائب في حياته [وفي هذه المسألة
مذاهب :
أصحها: جواز الاجتهاد للغائب في حياته](٥).
حكم الاجتهاد
من أحاد
الصحابة في
حياة النبي {﴾
(١) في ن ب زيادة (فعله).
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) في ن ب ساقطة.
(٤) في ن ب (من).
(٥) هذا السطر مكرر في الأصل مع اختلاف كلمة في حياته أو في زمنه، وهذا =
١٤٨

وفي هذه المسألة مذاهب:
أصحها: جواز الاجتهاد في زمنه لقصة عمار هذه والقائلون
بذلك جوزوه بحضرته أيضاً.
والثاني: لا يجوز بحال.
والثالث: يجوز في غير حضرته، ولا يجوز فيها.
العاشرة: قدم في اللفظ مسح اليدين على الوجه، لأن الواو
لا تقتضي ترتيباً، لكن جاء في صحيح البخاري أنه [عليه
السلام] / (١) قال له: ((إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا. وضرب
بكفيه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله
أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بها وجهه)» وهذا يقتضي عدم الترتيب،
ولا أعلم من قال به من أصحابنا.
جواز عدم
الترتيب بين
أعضاء التيمم
وقال الشيخ تقي الدين(٢): استدل بهذه الرواية على عدم
الترتيب لأنه إذا ثبت ذلك في التيمم ثبت في الوضوء، إذ لا قائل
بالفرق .
واعلم أن هذه الرواية التي ذكرناها تقتضي أيضاً إجزاء التيمم
بالمستعمل، وهو وجه عندنا والأصح المنع.
يوافق ن ب. انظر: مبحث هذه المسألة البحر المحيط (٢٢٠/٦، ٢٢١)،
=
وشرح الكوكب المنير (٤٨٢/٤)، والمحصول (٢٦/٣/٢)، وتيسير
التحرير (١٩٣/٤)، والبرهان (١٣٥٦/٢).
(١) إحكام الأحكام (٤٣٦/١).
(٢) في ن ب (عليه الصلاة والسلام).
١٤٩

الحادية [عشر](١): فيه دليل على طلب الماء، لأن نفي الوجود
يستلزم الطلب.
الثانية عشر: فيه دليل على أن من فعل ما أمر به بزيادة أنه يصح
لاندراج أعضاء التيمم في التمرغ، وله نظائر منها من اغتسل بدل
الوضوء.
عدم وجوب
مسح ظاهر
الكف
الثالثة عشر: ظاهر الحديث أنه لا يمسح باطن كفيه .
قال ابن عطية: وظاهر كلام ((المدونة)) أنه يستغني عن مسح
الكف بالاخرى، ووجهه أنها في الإِمرار على الذراع ماسحة
ممسوحة .
وقال ابن حبيب(٢): يمر بعد ذلك كفه مع الكف الأخرى.
وقال اللخمي في كتاب ((المدونة)): يريد ثم يمسح كفه
[١/١١٨/ب] بالأخرى، فيجيء على تأويل كلام اللخمي كلام ابن حبيب/ تفسيراً
ولیس بخلاف،
قال غيره: وتبع صاحب ((الرسالة))(٣) ابن حبيب، وكثيراً ما
يختار رأيه فإنه كان يحفظ ((واضحته)) (٤).
(١) في ن ب (عشرة) ... إلخ.
(٢) انظر: المنتقى (١١٤/١).
(٣) تنوير المقالة بحل ألفاظ الرسالة (٥٧٥/١).
(٤) قال شيخ الإسلام - رحمنا الله تعالى وإياه - في الفتاوى (٤٢٢/٢١):
بعد كلام سبق في الصحيحين من حديث عمار بن ياسر من طريق
أبي موسى - رضي الله عنهما -: قال ((إنما يكفيك أن تقول بيديك =
١٥٠

الرابعة عشر: يستفاد من الحديث أيضاً مراجعة العلماء في المراجعة
في العلم
العلم والاجتهاد فإن عماراً راجع فيما اجتهد فيه.
الخامسة عشر: يستفاد منه أيضاً ذكر العلماء لمن راجعهم وجه
الصواب وتبيينه.
هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على
=
اليمين، وظاهر كفيه ووجهه)). لفظ البخاري: ((وضرب بكفيه ضربة على
الأرض ثم نفضهما، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله - أو ظهر شماله
بكفه ــ ثم مسح بهما وجهه))، وهذا صريح في أنه لم يمسح الراحتين بعد
الوجه، ولا يختلف مذهب أحمد: أن ذلك لا يجب، وأما ظهور الكفين،
فرواية البخاري صريحة في: ((أنه مر على ظهر الكف قبل الوجه))، وقوله
في الرواية الأخرى: ((وظاهر كفيه))، يدل على أنه مسح ظاهر كل منهما
براحة اليد الأخرى. وقال فيها: ((ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه
قبل الوجه))، ثم قال: وعلى كل حال فباطن اليدين يصيبهما التراب حين
يضرب بهما الأرض، وحين يمسح بهما الوجه، وظهر الكفين، وإن مسح
إحداهما بالأخرى فهو ثلاث مرات: وقد فصل في هذه المسألة تفصيلاً
جيداً، فجزاه الله خيراً.
فائدة: من كلامه - رحمنا الله وإياه - في هذا الموضوع: ((قال في
الفتاوى (٤٢٥/٢١): وما ذكر بعض الأصحاب - من أنه يجعل
الأصابع للوجه وبطون الراحتين لظهور الكفين - خلاف ما جاءت به
الأحاديث، وليس في كلام أحمد ما يدل عليه، وهو متعسر أو متعذر
وهو بدعة، لا أصل لها في الشرع، وبطون الأصابع لا تكاد تستوعب
الوجه، وإنما احتاجوا إلى هذا ليجعلوا بعض التراب لظاهر الكفين بعد
الوجه .
١٥١

البيان بالفعل
في مقام التعليم
السادسة عشر: فيه أيضاً البيان بالفعل، وأنه أبلغ في التفهم من
القول .
خاتمة: في الصحيح(١) إنكار عمر على عمار حيث قال: اتق
الله يا عمار، قال: إن شئت لم أحدث به. وذلك لا يوهن
الحديث .
..
(١) مسلم (٣٦٨).
١٥٢

الحديث الثالث
٧/٣/٤١ - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن
النبيَّ ◌َّه قال: ((أعطيت خمساً، لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي:
نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً،
فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم
تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبيُّ يبعث إلى قومه،
وبعثت إلى الناس [عامة](١))).
الکلام علیه من وجوه :
أحدها: في التعريف براويه وقد تقدم في الباب قبله.
ثانيها: في [ألفاظه](٢) فيه مواضع.
الأول: ((النصر))، قال ابن فارس(٣): العون، وانتصر الإِنسان تغير ألفاظ
انتقم، والنصر: الإِتيان، يقال: نصرت [أرض](٤) بني فلان أي أتيتها .
الحديث
(١) في ن ب زيادة (واو).
(٢) البخاري (٣٣٥، ٤٣٨، ٣١٢٢)، ومسلم برقم (٥٢١)، والنسائي
(٢١٠/١، ٢١١)، والدارمي (٣٢٢/١).
(٣) مجمل اللغة (٢/ ٨٧٠).
(٤) في ن ب ساقطة .
١٥٣

والنصر: المطر، يقال: نصرت الأرض أي مطرت.
والنصر: العطاء وهو مصدر والاسم، النصرة.
الثاني: ((الرعب)» الخوف والوجل، لتوقع نزول محذور، وقرأ.
ابن عامر والكسائي بضم [العين](١)، والباقون بسكونها.
معنى :
(الرعب)
ويقال: رعبته فهو مرعوب إذا أفزعته ولا يقال أرعبته. نعم
حكاه الليلي عن ابن طلحة.
معنسى :
(الشفاعة"
الثالث: ((الشفاعة)» الدعاء. قاله المبرد وثعلب، كما حكاه
عنهما الأزهري، وهي كلام الشفيع للمالك في حاجة يسألها لغيره،
[١/١/١١٩] وفي ((جامع القزاز)): الشفاعة / الطلب من فعل الشفيع.
وهذا الرعب والله أعلم هو الذي ألقاه الله في قلوب الكفار في
قوله تعالى: ﴿سَأُلْقِى فِي قُلُوبٍ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾(٢) وقوله:
﴿ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ﴾(٣).
الرابع: ((المسجد)» بفتح الجيم وكسرها، كما تقدم في حديث
الأعرابي الذي بال في المسجد.
الخامس: قوله - عليه الصلاة والسلام - ((وطهوراً)) اعلم أن
فعولاً قد تكون للمبالغة، وهو أن يدل على زيادة في معنى فاعل مع
مساواته له في التعدي كضرب، أو للزوم كصبور، وقد تكون اسماً
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) سورة الأنفال: آية ١٢ .
(٣) سورة الحشر: آية ٢.
١٥٤

لما يفعل به الشيء كالسنون وهو ما يسنن به، وكالبرود وهو ما تبرد
به العين. قاله ابن مالك كما نقله عنه النووي إملاءًا، وقد يكون أيضاً
مصدراً كما نقله الراغب(١) عن سيبويه: و ((طهور)) في هذا الحديث،
يجوز أن تكون من القسم الأول، وأن تكون من الثاني.
المراد بالطهور
عند المالكية
والشافعية
قال القاضي عياض: [استدل] (٢) الشافعية والمالكية على
الحنفية بهذا الحديث في أن المراد بالطهور في قوله تعالى: ﴿مَآءُ
طَهُورًا لِجَهْ﴾ (٣) أي مطهراً [فإنه](٤) متعد خلافاً لهم، فإنهم قالوا: إنه
طاهر في نفسه، قاصر غير متعد.
قال الشيخ تقي الدين: ووجه الاستدلال [منه](٥) أنه - عليه
الصلاة والسلام - ذكر خصوصية لكونها طهوراً أي مطهرة [ولو](٦)
كان ((الطهور)) هو الطاهر لم تثبت الخصوصية، فإن طهارة الأرض
عامة في [حق](٧) كل الأمم.
(٨) السادس: قوله: ((فأي ما))، ((أي)): اسم مبتدأ فيه معنى
الشرط .
(١) مفردات القرآن (٣٠٨).
(٢) في ن ب (استدلت).
(٣) سورة الفرقان: آية ٤٨.
(٤) في ن ب (وإنه).
(٥) زيادة من ن ب.
(٦) في ن ب (فلو).
(٧) زيادة من ن ب.
(٨) في ن ب زیادة (واو).
١٥٥

((وما)»: زائدة لتوكيد معنى الشرط، والجملة التي هي ((أدركته
الصلاة)) في موضع خفض صفة للرجل و((الفاء)) في ((فليصل)).
جواب الشرط، تقديره والله أعلم فيما نقصّ عليكم، أو فيما فرض.
عليكم، أيما رجل. الحديث وهو من باب قوله تعالى: ﴿ وَالشَّارِقُ
وَالسَّارِقَةُ﴾(١)، ﴿الزَّانِيَّةُ وَالزَّانِيِ﴾(٢). وأشباه ذلك على مذهب سيبويه،
فإنه قدره: فيما يتلى عليكم، أو فيما فرض عليكم. وقيل: الخبر
ما بعده، كما تقول زيد [فاضرب](٣) وكأن الفاء زائدة وعلى هذا
يكون ((فليصل)) الخبر لكن فيه بعد كما قال الفاكهي: من حيث
[إنما] (٤) شرط صريح تقتضي الجواب، ولا جواب له هنا إلاَّ الفاء
بخلاف الاثنين، فإنهما صريحين في الشرط فيتعين الوجه الأول
وهو حذف الخبر.
الوجه الثالث: في فوائده:
[الأولى](٥): في هذا الحديث: ((أعطيتُ خَمْساً) وكون الأرض
مسجداً وَطهوراً، خصلة واحدة وإلاَّ كانت سادسة، وفي حديث
أبي هريرة في مسلم(٦): ((فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع
الكلم، وختم بي النبيون)) الحديث. وعنده أيضاً من حديث،
التوفيق بين
روايات
الحديث
(١) سورة المائدة: آية ٣٨.
(٢) سورة النور: آية ٢.
(٢) في ن ب (فأضربه).
(٤) في ن ب (أن أي).
(٥) في الأصل (الأول)، وما أثبت من ن ب.
(٦) مسلم (٥٢٣).
١٥٦

(١) حذيفة(٢): ((فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف
الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وتربتها لنا طهوراً إذا لم
نجد الماء)) فاعلم أن ذكر الخمس والست والثلاث لا يظن أنه
تعارض، وإنما هذا من توهم أَنَّ ذكر الأعداد يدل على الحصر وأنَّهَا
دليل خطاب، وكل ذلك باطل كما قاله القرطبي، فإن القائل: عندي
خمسة دنانير، مثلاً لا يدل [على](٣) هذا اللفظ على أنه ليس عنده
غيرها، ويجوز له أن يقول مرة أُخرى: عندي عشرون وأُخرى
ثلاثون، فإن من عنده الأكثر يصدق عليه أن عنده الأقل، فلا / [١/١١٩/ب]
تعارض، ويجوز أن يكون الرب - سبحانه - أعلمه بثلاث، ثم
بخمس، ثم بست.
الثانية: قال الداودي: في قوله: ((لم يعطهن أحد من الأنبياء
قبلي)) يعني لم يجمع لأحد قبله [هذه](٤) الخمس لأن نوحاً وَليل
بعث إلى كافة الناس، وأما [الأربع](٥) فلم يعط واحدة منهن قبله
أحداً، وأما كونها مسجداً فلم يأت أن غيره منع منها، وقد كان عيسى
- عليه السلام - يسيح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة.
معنى قوله
يعطهن أحد
من الأنبياء
قبلي
وقال القاضي عياض(٦): من كان قبله من الأنبياء إنما أُبيح لهم
(١) في الأصل زيادة (أبي)، والتصحيح من مسلم ون ب.
(٢) مسلم (٥٢٢).
(٣) في ن ب ساقطة.
(٤) في ن ب (هذا).
(٥) في ن ب مكررة.
(٦) ذكره في مكمل إكمال إكمال المعلم (٢٢٦/٢).
١٥٧

الصلوات في مواضع مخصوصة كالبيع والكنائس.
وقيل: في موضع يتيقنون طهارته، وخصت هذه الأمة بجواز
الصلاة في جميع الأرض، إلاّ في المواضع المستثناة بالشرع أو في
موضع تیقنت نجاسته.
وزعم بعضهم: أن نوحاً - عليه الصلاة والسلام - بعد خروجه
من السفينة كان مبعوثاً إلى كل من في الأرض [لأنه](١) لم يبق إلاّ من
كان مؤمناً وقد كان مرسلاً إليهم.
ويجاب: بأن هذا العموم الذي في رسالته / لم يكن في أصل
البعثة، وإنما وقع لأجل الحادث [الذي حدث] (٢) وهو انحصار
الخلق في الموحدين، ونبينا * عموم رسالته في أصل البعثة. وزعم
ابن الجوزي: أنه كان في الزمان الأول إذا بعث نبي إلى قوم(٣) بعث
غيره إلى آخرين، وكان يجتمع في الزمن الواحد جماعة من الرسل،
فأما نبينا (٤) ﴿ فإنه انفرد بالبعثة فصار نذيراً للكل.
الثالثة: الخصوصية التي يقتضيها لفظ الحديث، أعني: الرعب
مسيرة شهر. متقيدة بالقدر المذكور من الزمان، ويفهم منه أمران:
: الأول: أنه لا ينفي وجود الرعب من غيره في أقل من هذه
المسافة .
(١) في ن ب (إلاَّ أنه).
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) في ن ب زيادة (واو).
(٤) في ن ب زيادة (محمد).
١٥٨

الثاني: أنه لم يوجد لغيره في أكثر منها ولا في مثلها، فإنه
مذكور في سياق الفضائل والخصائص، ومناسبته أن يذكر الغاية فيه،
وأيضاً فإنه لو وجد أكثر من هذه المسافة لا تبقى الخصوصية فيه،
والظاهر أن ذلك مختص به في نفسه، حتى لو لم يكن في معسكر
يوم أرسلهم مثلاً لم يسبقهم الرعب إلى قلوب أعدائهم، ويحتمل أن
ذلك له ولأمته على الإطلاق، إذ ورد في مسند أحمد: ((والرعب
يسعى بين بدر أمتي شهراً) (١) ورُوِّينا من حديث السائب بن أخت
نمر: ((فضلت على الأنبياء بخمس: فذكر منها: ونصرت بالرعب
شهراً أمامي وشهراً خلفي)) (٢).
وفي مسند عبد بن حميد من حديث يزيد بن أبي زياد عن
مجاهد ومقسم [عن](٣) ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((أعطيت
خمساً ولا أقول فخراً: بعثت إلى الأسود والأحمر، ونصرت
بالرعب، فهو يسير أمامي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة، فأدخرتها
لأمتي إلى يوم القيامة، وهي [أيضاً](٤) نائلة لمن لا يشرك بالله
[شيئاً](٥) وذكر باقي الحديث(٦).
هل نصرة
بالرعب له
ولأمته أم له هو
فقـط
(١) مسند أحمد (٣٩٣/٥) عن حذيفة.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٨٤/٧)، ومجمع الزوائد (٢٥٩/٨)،
وقال: وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك.
(٣) في ن ب ساقطة.
(٤). في ن ب زيادة (إن شاء الله).
(٥) في ن ب ساقطة.
(٦) منتخب عبد بن حميد (٥٥١/١).
٦
١٥٩

الرابعة: [الذي] (١) ينبغي حمل المسجد عليه في هذا الحديث
إطلاق
المسجد على
موضع الجود
موضع السجود في أي مكان كان، وهو الموضوع اللغوي دون
الاصطلاحي .
قال الشيخ تقي الدين (٢): ويجوز أن يجعل مجازا. عن المكان
[١٢٠/ ١/١] المبني للصلاة، لأنه لما جازت الصلاة في جميعها. كانت /
كالمسجد في ذلك، فأطلق اسمه عليها من مجاز التشبيه. والذي
يقرب هذا التأويل أن الظاهر أنه إنما أريد أنها موضع [الصلاة](٣)
بجملتها، لا السجود فقط منها. لأنه لم ينقل أن الأمم الماضية كانت
تخص السجود وحده بموضع دون موضع.
قال غيره: ويحتمل أن يكون من باب تسمية البعض بالكل [من
حیث کان موضع دون موضع :
قال غيره: ويحتمل أن يكون من باب تسمية البعض بالكل](٤)
من حيث كان موضع السجود بعضاً للمسجد العرفي.
الخامسة: استدل بهذا الحديث على جواز التيمم بجميع أجزاء
الأرض كما سلف في الحديث الأول، ويمكن أن يجاب عنه كما
[قاله](٥) الشيخ تقي الدين في الحديث قرينة زائدة على مجرد تعلق.
شـمـول
الحكم لجميع
أجزاء الأرض
(١) في الأصل (التي)، وما أثبت من ن ب.
(٢) إحكام الأحكام (١/ ٤٥٠).
(٣) زيادة من ن ب. وفي إحكام الأحكام (مواضع للصلاة).
(٤) هذا السطر مكرر في الأصل.
(٥) في ن ب (قال).
١٦٠