Indexed OCR Text
Pages 521-540
أهل القبلة ممن حقن الإِسلام دمه، وكذا قاله الحكيم الترمذي،
ويدل له قوله عليه السلام: ((إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فيقال:
ما تقول في هذا الرجل؟)) يعني نفسه عليه السلام، والكافر مجاهر
بعدم الاتباع.
وزعم أبو محمد عبد الحق(١) أنه يعم المؤمن والمنافق
والكافر، واختاره القرطبي لرواية «فأما المنافق أو الكافر - لا أدري
أيهما قال -))(٢).
الثامن: في إضافة عذاب القبر إلى البول خصوصية دون غيره
من المعاصي مع العذاب بسبب غيره أيضاً، إن أراد الله تعالى ذلك
في حق بعض عباده، فإنه جاء في الحديث بإسناده [جيد](٣):
ونبيه، وإنما يسأل عن هذا أهل الإِسلام - والله أعلم. وقال في الاستذكار
=
(١٢٠/٧). أن الفتنة للمؤمن والعذاب للمنافق والكافر. اهـ.
(١) هو أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين الأشبيلي،
ويعرف بابن الخراط ولد سنة عشر وخمسمائة، ومات في أواخر ربيع
الآخر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. بغية الملتمس (٣٧٨)، وتكملة
الصلة (٦٤٧)، وعنوان الدراية (١٠/٣)، والإعلام (٥٢/٤)، وما ذكره
المصنف في كتابه العاقبة في ذكر الموت والآخرة (٢٤٦).
(٢) الصحيح أنه يعم المؤمن والمنافق والكافر لحديث قتادة عن أنس أن
رسول الله وَلقر قال: ((إن العبد إذا وضع في قبره أتاه ملكان ... - وفيه -
وأما المنافق فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ ... )) إلخ، وهو
مخرج في الصحيحين.
(٣) زيادة من ن ب ج.
٥٢١
لاتنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه)) (١)، وجاء أن بعضهم
ضمه القبر أو ضغطه فسئل [أهله عنه](٢) فذكروا أنه كان فيه تقصير
في الطهور.
معنى قوله: «ما
يعلبان في
كبيرا
التاسع: قوله عليه السلام: ((وما يعذبان في كبير)). فيه (٣)
تأويلات:
أحدها: ليس بكبير عندكم، وهو عند الله كبير، ومعناه أنه كبير
في الذنوب وإن كان صغيراً عندكم، يدل عليه رواية البخاري في
كتاب الأدب(٤) في باب: النميمة من الكبائر (وإنه لكبير كان
أحدهما .. إلى آخره) وذكره هنا بلفظ: ((وما يعذبان في كبير، بلى))
أي بلى إنه كبير عند الله، مثل قوله تعالى: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُهَيْنَا وَهُوَ عِنْدَ اللّهِ
عَظِيمٌ (®﴾(٥). وسبب كبرهما أن عدم التنزه من البول يلزم منه
بطلان الصلاة، وتركها كبيرة بلا شك، والمشي بالنميمة والسعي
بالفساد من أقبح القبائح لا سيما مع قوله: ((كان يمشي بالنميمة)»
بلفظ كان التي هي للحال المستمرة غالباً.
ثانيها: أنه ليس بأكبر الكبائر وإن كان كبيراً، إذ الكبائر متفاوتة
(١) أخرجه الدارقطني (ص ٤٧)، والآجري في الشريعة (٣٦٢، ٣٦٣)،
والحاكم (١٨٣/١)، وأحمد في مسنده (٣٢٦/٢، ٣٨٨، ٣٨٩)، وقال
الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة. ووافقه الذهبي.
(٢) زيادة من ن ب ج.
(٣) في ن ب زيادة (ثلاث).
(٤) حديث رقم (٦٠٥٥).
(٥) سورة النور: آية ١٥ .
٥٢٢
فيحمل كبير على أكبر، ويكون المراد به الزجر والتحذير لغيرهما،
أي لا يتوهم (١) أن التعذيب لا يكون إلاّ في الكبائر الموبقات، فإنه
يكون في غيرهما(٢).
ثالثها: أنه ليس كبيراً في زعمهما دون غيرهما.
رابعها: أنه ليس كبيراً تركه عليهما، إذ التنزه من البول وترك
النميمة لا يشق، قال [المازري](٣): الذنوب تنقسم إلى ما يشق / [٥٥/ب/١]
تركه طبعاً كالملاذ المحرمة، وإلى ما ينفر منه طبعاً كتناول السموم،
وإلى ما لا يشق تركه طبعاً كالغيبة والبول.
خامسها: أن النميمة من الدناءات المستحقرة بالإضافة إلى
المروءة ولذلك التلبس بالنجاسة لا يفعله إلاَّ حقير الهمة، فلعل
قوله: ((وما يعذبان في كبير)) إشارة إلى حقارتهما بالنسبة إلى
الذنوب، وفي صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة: ((عذاباً
شديداً في ذنب هین).
سادسها: أنه يحتمل أن جبريل عليه السلام نزل عليه إثر هذه
الكلمة وأعلمه أن ذلك كبير فقاله، حكاه ابن التين في شرح
البخاري.
(١) في ن ب زيادة (أحد).
(٢) استدلَّ ابن بطال برواية الأعمش على أن التعذيب لا يختص بالكبائر بل قد
يقع على الصغائر، قال: لأن الاحتراز من البول لم يرد فيه وعيد، يعني
قبل هذه القصة. اهـ.
الفتح الرباني.
(٣) في الأصل ون ب (الماوردي)، وما أثبت من ج، انظر: المعلم (٣٦٦/١).
٥٢٣
سابعها: أنه ليس كبيراً عند الله وهو كبير لو رأيتموه.
ثامنها: أن معناه: وما يعذبان معاً في كبير، وإنما المعذب في
الكبير أحدهما وهو صاحب النميمة، وفيه نظر.
تاسعها: أنه ليس من الكبائر عند الله ويكون التعذيب عليه من
باب التنبيه على التعذيب بالكبائر وأولى تحذيراً من الذنوب مطلقاً.
العاشر: ((في)) من قوله عليه السلام [((في كبير)](١) للسبب،
أي وما يعذبان بسبب أمر كبير، وقد أنكر أن تكون (في) للسبب
جماعة من الأدباء، والصحيح ثبوته لهذا الحديث وغيره من
الأحاديث؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «في النفس المؤمنة مائة من
الإِبل))(٢). فإن النفس ليست ظرفاً للإِبل، وقوله عليه السلام:
((دخلت امرأة النار في هرة))(٣)، [أي بسبب هرة](٤). وكذا قولهم:
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) النسائي (٢٥٢/٢)، والدارمي (١٨٩/٢، ١٩٠)، والحاكم (٣٩٥/١،
٣٩٧)، والبيهقي: (٢٨/٨)، والصواب في الحديث الإِرسال، وإسناده
مرسلاً صحيح. اهـ، من إرواء الغليل للألباني (٢٦٨/٧، ٣٠٣).
(٣) ورد هذا الحديث من رواية ابن عمر عند البخاري (٢٣٦٥)، ومسلم
(٢٠٢٢/٤) (٢٢٤٢)، والدارمي (٣٣٠/٢)، والبيهقي (٢١٤/٥).
(١٣/٨).
ومن رواية أبي هريرة عند البخاري بالموضع السابق، ومسلم (٤/ ٢١١٠)
(٢٦١٩)، وابن ماجه (٤٢٥٦)، والبغوي (١٦٧٠، ٤١٨٤)، وأحمد
(٢٦١/٢، ٣١٧، ٤٥٧، ٤٦٧، ٤٧٩، ٥٠٧).
(٤) زيادة من ن ج.
٥٢٤
أحب في الله وأبغض في / الله، أي أحب بسبب طاعة الله، وأبغض
بسبب معصية الله .
الحادي عشر: ((أما» حرف تفصيل نائب عن حرف الشرط معنى : : أم))
وفعله، تقول لمن قال: زيد عالم كريم مثلاً: أما زيد فعالم، أي:
مهما يكن من شيء فزيد عالم، فناب (أما) مناب حرف الشرط وهو
(مهما) والمجزوم وهو (يكن) وما تضمنه من الفاعل، فلذلك ظهر
بعده الجواب دون الشرط لقيامه مقامه، وأجيب بالفاء كما يجاب
بالشرط. وجوابه هنا: الفاء في قوله: ((فكان يمشي بالنميمة)) وقد
تستعمل ((أما)) بمعنى ((كان)) فترفع الاسم وتنصب الخبر، ومنه قوله:
فإن قومي لم [يأكلهم](١) الضبع
أبا خراشة أما أنت ذا نفر
أي: لأن كنت ذا ((نفر"، فأنت ((اسمها)»، وذا ((خبرها)) لقيامها
مقام كان، وقوله تعالى: ﴿أَمَّاذَا كُمْ تَعْمَلُونَ (ِ﴾(٢). ليس من هذا،
بل هما كلمتان ((أم)) المنقطعة و ((ما)) الاستفهامية، وأدغمت الميم في
الميم للتماثل.
الثاني عشر: قوله عليه السلام: ((أما أحدهما فكان لا يستتر من معنى: ((لا
بشرمن
البول)
البول)).
معنی (لا یستتر) علی وجھین:
(١) في ن ب (تأكلهم).
البيت للعباس بن مرداس يخاطب فيه الخفاف بن ندبه أبا خراشة، من
شواهد كتاب سيبويه (١٤٨/١).
(٢) سورة النمل: آية ٨٤.
٥٢٥
أحدهما: أن يحمل على حقيقتهما من الاستتار عن الأعين؛
ويكون العذاب على كشف العورة، وأقربهما كما قال الشيخ تقي
الدين(١)، أنه لا يجعل بينه وبين القبلة حجاباً من ماء أو حجارة،
فيكون مجازاً لكونه عبَّر بالتستر بالماء أو الأحجار في إزالة النجو عن
الاستتار عن الأعين في كشف العورة إذ هو حقيقة فيه لما بين الحقيقة
والمجاز هنا من العلاقة، وهي أن المستتر عن الشيء فيه بعد
واحتجاب عنه، وذلك شبيه بالبعد عن ملابسة البول، قال: وإنما
رجحنا المجاز وإن كان الأصل الحقيقة لوجهين:
أحدهما: أنه لو كان المراد العذاب على مجرد كشف العورة
لكان أمراً خارجاً عن البول بحصول العذاب على كشفها وإن لم يكن
بول، فتبقى خصوصية البول مطروحة عن الاعتبار، والحديث دال:
على خصوصية البول بعذاب القبر تصريحاً فالحمل علیه أولى.
الثاني: أن لفظة ((مِن)) في قوله: ((لا يستتر من البول)) حين(٢).
أضيفت إليه لابتداء الغاية حقيقة أو مجازاً بمعنى ما يرجع إلى معنى
ابتدائها، وهو أن عدم الاستتار سبب العذاب إلى البول، إذ هو ابتداء .
سببه من البول وحمله على كشفها فقط يزيل هذا المعنى.
(١) إحكام الأحكام مع الحاشية (٢٦٩/١).
(٢) العبارة هكذا في المرجع السابق: فإن لفظة ((من)) لما أضيفت إلى البول
- وهي غالباً لابتداء الغاية حقيقة، أو ما يرجع إلى معنى ابتداء الغاية
مجازاً - تقتضي أن نسبة الاستتار - الذي عدمه سبب العذاب - إلى
البول، بمعنى أن ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حملناه على كشف
العورة زال هذا المعنى. اهـ .
٥٢٦
[قلت](١): وبعضهم أجاب عن تقييده بالبول بأنه الغالب في الناس.
الثالث عشر: هذه اللفظة أعني (يستتر)) رويت على وجوه
[أُخر](٢):
الوجوه التي
رويت بها
كلمة (يسترا
أحدها: ((لا يستنزه)) بالزاي والهاء.
وثانيها: ((لا يستبرىء من البول)» / بالباء الموحدة وبالهمز بعد [٥٥/ب/ب]
الراء، ومعناهما [لا يمسحه](٣)، ولا يتحرز منه، قال النووي في
شرح مسلم (٤): والروايات الثلاث في البخاري وغيره، أعني رواية
المصنف وما ذكرناه.
ثالثها: ((لا يستنثر)) بنون ثم مثلثة، أي [لا](٥) ينثر البول عن
محله كما ينثر الماء من أنفه بعد استنشاقه.
رابعها: مثله إلاّ أنه بمثناة فوق بدل المثلثة، ومعناها: إمرار
الأصابع على مجرى البول حتى يخرج ما فيه(٦)، وروى وكيع بلفظ:
(١) ساقطة من ن ب.
(٢) في ن ج ساقطة.
(٣) في ن ب غير واضحة.
(٤) (٢٠١/٣).
(٥) زيادة من ن ب.
(٦) وفي ترتيب القاموس (٣١٩/٤): النثر والنتر هو جذب بقية البول من ذكره
بجفا، واستنتر من بوله: اجتذبه واستخرج بقيته من الذكر بعد الاستنجاء.
وكذا مسح ذكره من حلقة دبره، فيضع إصبعه الوسطى تحت الذكر
والإِبهام فوقه، ويمر بهما إلى رأسه، فما ذكر من النتر والمسح بدعة.
وقد أنکره شيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله وذکرا أنه یحدث السلس،
الفتاوى (١٠٦/٢١). أما حديث: ((إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثاً)) فقد =
٥٢٧
((لا يتوقى)) أي لا يتنزه منه، ورواه البرقي في تاريخه: ((لا يتقي
بوله)»، ورواه أبو موسى أيضاً: ((لا يتطهر من البول)) فهذه ثمان
[١/٧٠/ ب] روايات وكلها / يقوي ترجيح الاستنزاه منه لا الاستتار، ويستدل
بالرواية الأولى على اشتراط طهارة الخبث، وبالثانية على طلب
الاستبراء. وكلام القاضي حسين والبغوي(١) يفهم وجوبه،
والمعروف عندنا استحبابه .
الرابع عشر: وقع في إحدى روايتي البخاري هنا: ((لا يستتر
من بوله))، قال ابن حزم(٢): ورواية من روى ((من بوله)) يعارضها من
هو فوقهم فقالوا: ((من البول)).
قلت: لكنها فرد من أفراد ذلك العام موافق له وهو لا يقتضي
التخصيص .
نجاسة البول
الخامس عشر: قوله عليه السلام: ((من البول)» يؤخذ منه نجاسة
الأبوال مطلقاً قليلها وكثيرها، لشمول البول وهو عام يتناول جميع
الأبوال وأن القليل منها والكثير غير معفو عنه، سوى ما استثني من
أثر الاستنجاء في محله بعد الإِنقاء بالحجر على ما دلت عليه
الأحاديث في ذلك، وهو مذهبنا ومذهب مالك وعامة الفقهاء،
ضعفه شيخ الإسلام وغيره؛ لأنه من رواية عيسى بن يزداد بن فسأة. وقال
=
النووي في شرح المهذب: اتفقوا على ضعفه، وكذا التنحنح والمشي
بدعة، وتفقده الفيئة بعد الفيئة من الوسواس.
(١) شرح السنة (٣٧٢/١).
(٢) انظر: المحلى (١٧٧/١، ١٨٠).
٥٢٨
وسهل فيه القاسم بن محمد، ومحمد بن علي، والشعبي.
وصار أبو حنيفة وصاحباه: إلى العفو عن قدر الدرهم الكبير
اعتباراً بالمشقة وقياساً على المخرجين.
وقال الثوري: كانوا يرخصون في القليل من البول.
ورخص الكوفيون: في مثل رؤوس الإِبر من البول(١).
وحكي عن مالك أيضاً: أن غسل القليل للاستحباب.
وقال صاحب الجواهر: عندهم البول والعذرة من بني آدم
الآكلين الطعام نجسان، وطاهران من كل حيوان مباح،
[ومكروهان](٢) من المكروه أكله.
وقيل: نجسان(٣).
السادس عشر: قوله عليه السلام: ((وأما الآخر فكان يمشي معنى النميمة
بالنميمة)). قال أهل اللغة: يقال: نم الحديث ينِمه وينُمه بالكسر
والضمِ نَمّاً فهو [نامٌ و](٤)نمام [ونموم](٥) (٦) ونميمة ونم نم.
(١) انظر هذا وما قبله في المفهم (٢/ ٦٥٠).
(٢) في الأصل وج (مكروهاً)، وما أثبت من ن ب.
(٣) انظر: شرح الآبي لمسلم (٦٣/٢)، للاطلاع على هذا وما قبله.
(٤) زيادة من عمدة الحفاظ (٥٩٤).
(٥) في الأصل (نموه)، والتصحيح من ن ب ج.
(٦) في ترتيب القاموس (٤٤٥/٤) زيادة: ومِنم كمجن من قوم نمين وأنماء
ونمِّ وهي نمة. اهـ.
٥٢٩
والاسم: التميمة (١)، ونما الحديث إذا ظهر، فهو لازم
ومتعد .
قال ابن سيده(٢): وهي التوريش والإِغراء، ورفع الحديث
على وجه الإِشاعة والإِفساد.
وفي الجامع: نم الرجل، إذا أظهر ما عنده من الشر.
وفي مجمع الغرائب(٣): هو الساعي بين الناس بالشر.
وقال النووي في شرح مسلم(٤): حقيقتها نقل كلام الناس.
بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد.
وهي محرمة بالنصوص والإجماع، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ
(٦
﴾(٥). وقال تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَّشَلَعِ يِنَِّمٍ ﴾
هُمَزَّةٍ ثُمَزَّةٍ
حكمھا
(١) في المصباح المنير (٦٢٦) زيادة ((والنميم)).
(٢) المخصص (٩٠/٣).
(٣) تأليف: أبي الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي
المتوفى سنة (٥٢٩)، ذكره ابن خلكان في الوفيات.
(٤) (١١٢/٢) (٢٠١/٣).
(٥) سورة الهمزة: آية ١ .
(٦) سورة القلم: آية ١١. وفي حاشية ن ج: ((نزلت في الوليد بن المغيرة في
أحد الأقوال، قاله الطرطوشي. والهماز: المغتاب. وقيل: الذي يغمز
بأخيه في المجلس، وهي الهمزة اللمزة. وذكر الله تعالى في كتابه أصناف:
الكفر والإلحاد والفسق والظلم وغيرهم ولم ينسب أحداً منهم إلى النمام
في هذه الآية».
٥٣٠
وقال له: ((لا يدخل الجنة نمّام)) (١) متفق عليه من حديث حذيفة
رضي الله عنه. وفي لفظٍ ((قتات)» وهو النمام.
المراد بعدم
دخول الجنة
للتمام
وحُمل على ما إذا استحل [بغير](٢) تأويل مع العلم بالتحريم،
أو لا يدخلها دخول الفائزين(٣)، أما إذا كان فعلها نصيحة في ترك
مفسدة أو دفع ضرر وإيصال خير يتعلق بالغير لم تكن محرمة ولا
مكروهة بل قد تكون واجبة أو مستحبة، كما يقول في الغيبة إذا كانت
نصيحة [لدفع](٤) مفسدة أو تحصيل مصلحة شرعية، ولو كان(٥)
شخصاً اطّلع من آخر على قول يقتضي إيقاع ضرر بإنسان وإذا نقل
ذلك القول إليه احترز عنه وجب عليه ذكره له، [ويقال](٦) من هذا:
نمَى، بالتخفيف، ومن الأول: نَمّى، بالتشديد كما أسلفناه، ولا
اختلاف في هذا كما قاله الهروي / .
[٥٦ / ب/ أ]
(١) متفق عليه من حديث حذيفة، البخاري (٢٩٤/١٠) في الأدب، باب:
ما يكره من النميمة، ومسلم (١٠٥) (١٠٩) في الإيمان، باب: بيان غلظ
تحريم النميمة.
(٢) في ن ب (من غير)، وما أثبت يوافق ما في شرح مسلم (١١٢/٢). ذكر
هذا النووي.
(٣) والأولى عدم تفسيرها ولذلك كان سفيان رحمه الله يكره قول من يفسره
بليس على هدينا ويقول بئس هذا القول، يعني بل يمسك عن تأويله ليكون
أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر والله أعلم. اهـ. من شرح مسلم
(١٠٨/٢).
(٤) في ن ب (رفع).
(٥) في ن ب (ولو أن).
(٦) في الأصل مكررة.
٥٣١
وقال الغزالي(١) رحمه الله: النميمة إنما تطلق في الغالب على
تعريف النميمة
من ينم قول الغير إلى المقول عنه، كقوله: فلان يقول فيك كذا،
[١/١/٧١] وليست النميمة مخصوصة بذلك، بل حدها: كشف ما يكره / كشفه،
سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو ثالث، وسواء كان الكشف
بالقول أو بالكتابة أو بالرمز أو بالإِيماء ونحوها، وسواء كان المنقول.
من الأعمال أو الأقوال، وسواء كان عيباً أو غيره، فحقيقة النميمة:
إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه، قال: وينبغي للإِنسان أن
يسكت عن كل ما يراه من أحوال الناس، إلاّ ما كان في حكايته فائدة
لمسلم أو دفع مصيبة، وإذا رآه يخفي مال نفسه فذكره [فهو](٢) نميمة.
قال: فكل من حُملت [إليه] (٣) النميمة، وقيل له: قال فيك
فلان كذا، لزمه ستة أمور:
ما يشرع لمن
نقلت إليه
النميمة
أولها: أن لا يصدقه؛ لأن النمام فاسق مردود الخبر ..
ثانيها : أن تنهاه عن ذلك وتنصحه وتقبح فعله.
ثالثها: أن تبغضه في الله تعالى فإنه بغيض عند الله، والبغض
في الله واجب.
رابعها: أن لا يظن بالمنقول عنه السوء لقوله تعالى: ﴿أَجْتَنِبُواْ
كِيرًا مِنَ النَّنِّ﴾(٤).
(١) ذكره النووي في شرح مسلم عنه (١١٢/٢)، وإحياء علوم الدين مع
شرحه إتحاف السادة المتقين (٣٤٧/٩) بمعناه.
(٢) في ن ب (فذلك).
(٣) زيادة من ن ب ج، ومثبتة في شرح مسلم (١١٣/٢).
(٤) سورة الحجرات: آية ١٢.
٥٣٢
خامسها: أن لا يحملك ما حكى لك [على](١) التجسس،
والبحث عن تحقيق ذلك، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَّْتَسُوا﴾(٢).
سادسها: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه فلا تحكي
نمیمته :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم (٣)
وقد حكي أن رجلاً ذكر لعمر بن عبد العزيز [رجلاً] (٤) بشيء،
فقال عمر: إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذباً فأنت من أهل
هذه الآية: ﴿إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَبَيَّوْا﴾(٥)، وإن كنت صادقاً فأنت من
أهل هذه الآية: ﴿هَمَّارٍ قَّشَّكَمٍ بِنَمِيمٍ (﴾﴾(٦)، وإن شئت عفونا عنك،
[قال](٧): العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبداً.
(١) في ن ب (عن).
(٢) سورة الحجرات: آية ١٢ .
(٣) نسبه سيبويه في ((كتابه)) (٤١/٣)، باب الواو للأخطل.
قال عبد السلام هارون فيه: والمشهور أنه لأبي الأسود الدؤلي، ملحقات
ديوانه (١٣٠)، ونسب أيضاً إلى سابق البربري، والطرماح، والمتوكل
الليثي. انظر: الخزانة (٦١٧/٣)، وشرح شواهد المغني (٢٦١)، والعيني
(٤/ ٣٩٣)، والمقتضب (١٦/٢)، وابن يعيش (٢٤/٧)، والتصريح
(٢٣٨/٢)، والأشموني (٢٠٧/٢)، والمؤتلف (١٧٩)، ومعجم
المرزباني (٤١٠).
(٤) في ن ب ساقطة.
(٥) سورة الحجرات: آية ٦.
(٦) سورة القلم: آية ١١.
في ن ب (فقال).
(٧)
٥٣٣
وحكى: أن إنساناً رَفع إلى الصاحب [بن] (١) عباد رقعة يحضه
فيها على أخذ مال يتيم، وكان مالاً كثيراً، فكتب على ظهرها:
النميمة قبيحة، وإن كانت صحيحة، والميت رحمه الله، واليتيم جبره
الله، والمال ثمَّره الله، والساعي لعنه الله.
وذُكر السعاة عند المأمون فقال: لو لم يكن من عيبهم إلاّ أنهم
أصدق [ما يكونون](٢) أبغض [ما يكونون](٣) عند الله.
عدم الاستسقاء
بسبب التميمة
فائدة: قال كعب الأحبار: أصاب الناس قحط شديد على عهد
موسى عليه السلام فخرج موسى يستسقي ببني إسرائيل فلم
يسقوا (٤)، حتى خرج الثالثة فأوحى الله إليه: إنِّي لا أستجيب لك ولا
لمن معك فإن فيكم نماماً، فقال موسى: من هو يا رب حتى نخرجه
من بيننا؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى أنهاكم عن النميمة وآتيها،
فباتوا فأرسل الله عليهم الغيث.
وقال يحيى بن زيد: قلت للحسن بن علي لمَّا سُقي السم:
أخبرني من سقاك؟ فدمعت عيناه وقال: أنا في آخر قدم من الدنيا
وأول قدم من الآخرة تأمرني أن أغمز.
ولما لقي أسقف نجران عمر بن الخطاب فقال: يا أمير
(١) في ن ب ساقطة، ومثبتة في إحياء علوم الدين وذكرها هنا مختصرة.
(٢) في ن ب (ما يكون).
(٣) انظر الحاشية السابقة.
(٤) في ن ب زيادة (فخرجوا فلم يسقوا)، وهذه القصة من أخبار بني
إسرائيل.
٥٣٤
المؤمنين احذر قاتل الثلاثة، فقال عمر: ومن هو؟ قال: الرجل
[يلقى] (١) الإِمام [بالحديث](٢) الكذب فيقتله الإِمام فيكون قد قتل
نفسه وصاحبه وإمامه، فقال عمر: ما أراك أبعدت.
السابع عشر: روى أحمد في مسنده من حديث أبي بكرة سبب عذابهما
بإسناد على شرط الصحيح أن عذابهما كان من الغيبة والبول(٣). وفي
تاريخ البرقي (٤) من حديث يعلى بن سيابة: «أحدهما يأكل لحوم
الناس ويغتابهم، والآخر لا يتقي بوله))، فذكرت الغيبة هنا بدل
النميمة لاشتراكهما في ذكر المرء بسوء من ورائه، وإلى هذا يشير / [١/٧١/ب]
قتادة: عذاب القبر ثلاث أثلاث: ثلث من الغيبة، وثلث من النميمة،
وثلث من البول(٥).
الثامن عشر: الجريدة: السعفة، كما جاء في بعض الروايات تعريف
الجريدة
من حديث أنس، وجمعها جريد، والعسيب من الجريد: ما لم
ينبت / عليه خوص، فإن نبت فهو سعف، وفي صحيح مسلم (٦): [٥٦/ ب/ب]
((فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين))، و ((الباء)) في هذه الرواية زائدة
(١) في ن ب ج (يأتي).
(٢) في ن ب (الحديث).
(٣) مسند أحمد (٣٥/٥، ٣٦)، وصححه ابن حجر في الفتح (١٠/ ٤٧٠).
(٤) انظر التعليق رقم ت (٤) ص (٥١٥).
(٥) قال ابن عبد البر في التمهيد رحمنا الله وإياه (٢٥٢/٢٢) بعد ذكره: وهذا
لا حجة فيه، لأنه ليس بمسند ولا متصل؛ ولا يحتج بمثله. اهـ، محل
المقصود منه. انظر: إتحاف السادة المتقين (٩/ ٢٩٣، ٣٤٥).
(٦) مسلم، النووي (٢٠٠/٣).
٥٣٥
للتوكيد، واثنين: منصوب على الحال، وزيادة ((الباء)» في الحال
صحيحة معروفة، وقد أسلفنا رواية ابن حبان في صحيحه من حديث
أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام: ((مر بقبر فوقف عليه وقال:
ائتوني بجريدتين، فجعل إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه))(١)
والظاهر أن هذه قصة أخرى.
الحكمة من
وضع
الجريدتين
التاسع عشر: وضعه وَّ الجريدتين على القبر يحتمل أوجهاً:
أحدها: أنه سأل الشفاعة لهما ورجا [إجابتها] (٢) وارتفاع
العذاب أو تخفيفه عنهما مدة رطوبتهما لبركته ، فأجيبت
[شفاعته](٣) [بالتخفيف](٤) عنهما إلى أن ييبسا، ويؤيده رواية مسلم
في آخر كتابه في الحديث الطويل، حديث جابر في صاحبي
القبرين: ((فأحببت بشفاعتي أن [يرفه](٥) عنهما ما دام [الغصنان](٦)
رطبين))(٧) وإن كانت قضية أخرى فيكون المعنى فيهما واحداً.
ثانيهما: أنه كان يدعو لهما تلك المدة.
ثالثها: أنه أوحي إليه التخفيف عنهما في تلك المدة، قاله
الماوردي .
(١) أحمد في مسنده، الفتح الرباني (١٣٢/٨).
(٢) في ن ب (إجابتهما).
(٣) في ن ب (شفاعتي).
(٤) في ن ب (أن ترد).
(٥) في الأصل وب (ترد)، وفي ج (ترقد)، وصُحح من مسلم.
(٦) في ن ج (القضيبان)، وصُحح من مسلم.
(٧) مسلم، النووي (١٤٥/١٨).
٥٣٦
رابعها: أنه بتسبيح الجريدتين ما دامتا رطبتين(١)، ويؤيده
(١) الصحيح أن حديث وضع الجريدة على القبر من خصائصه وأن التخفيف وضع
لم يكن من أجل نداوة شقها من عدة أمور:
١ - حديث جابر المخرج في آخر صحيح مسلم وفيه: ((إذ إني مررت
بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين)) فهذا
صريح في أن رفع العذاب إنما هو بسبب شفاعته و # ودعائه لا بسبب
النداوة، وسواء اتحدت قصة ابن عباس مع جابر، أو تعددت، فإنه على
كلا الاحتمالين فالعلة واحدة في القصتين للتشابه الموجود بينهما، ولأن
كون النداوة سبباً لتخفيف العذاب عن الميت مما لا يعرف شرعاً ولا عقلًاً،
ولو كان الأمر كذلك لكان أخف الناس عذاباً في قبورهم الكفار الذين
يدفنون في مقابر أشبه ما تكون في الجنان.
الجريدتين من
خصائصه {}
٢ - قولهم: إن سبب تأثير النداوة في التخفيف كونها تسبح الله، فإذا
يبست انقطع تسبيحها، فإن هذا التعليل مخالف لعموم قوله تبارك وتعالى:
﴿ وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُبْعُ بِهِ﴾. فعم كل شيء مخلوق.
٣ - في حديث ابن عباس نفسه ما يشير إلى أن السر ليس في النداوة
وبالأحرى ليست هي السبب في تخفيف العذاب، وذلك قوله: ((ثم دعا
بعسيب فشقه اثنين)»، يعني طولاً، فإنه من المعلوم أن شقه سبب لذهاب
النداوة من الشق وييسه بسرعة .
٤ - لو كانت النداوة مقصودة بالذات، لفهم ذلك السلف الصالح
ولعملوا بمقتضاه، ولوضعوا الجريد والآس ونحو ذلك على القبور عند
زيارتهم لها، ولو فعل ذلك لاشتهر ونقل عن الثقات إلينا.
٥ - أن حصول العذاب على الميت وعدمه من الأمور الغيبية التي
لا يطلع عليها إلاَّ الله أو من أطلعه الله، قال تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا
يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ، أَحَدًا الَّ إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾. اهـ من كتاب الجنائز
للألباني بتصرف (ص ٢٠١، ٢٠٢).
٥٣٧
رواية ابن عمر من عند الطبراني (( [ولن يعذبا](١) ما دامت هذه
رطبة))(٢)؛ لأن اليابس لا تسبيح له على قول كثيرين من المفسرين
وأكثرهم في قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ عِدِهِ﴾(٣) فإنهم قالوا:
معناه: وإن من شيء حي، وحياة كل شيء تسبيحه، فحياة الخشب
ما لم ييبس(٤) والحجر ما لم [يقطع](٥)، وقُدم إلى الحسن مائدة
فقيل له: يا أبا سعيد هل يسبح هذا الخشب؟ قال: كان يسبح وأما
الآن فلا(٦).
وذهب المحققون منهم إلى أنه على عمومه.
ثم اختلف هؤلاء: هل يسبح حقيقة أم [ ](٧) فيه دلالة على
[الصانع] (٨) فيكون مسبحاً منزهاً بصورة [حاله](٩)؟ والمحققون على
(١) في ن ج ساقطة.
(٢) قال في مجمع الزوائد (٢١٣/١): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه
جعفر بن ميسرة وهو منكر الحديث.
(٣) سورة الإسراء: آية ٤٤.
(٤) انظر: شرح مسلم للنووي (٢٠٢/٣).
(٥) في ن ج (الشجر).
(٦) ذكر هذا البغوي في شرح السنة (٣٧٢/١)، والأبي في شرح مسلم
.(٧٣/٤).
٠٠
(٧) في الأصل زيادة (لا)، وما أثبت من ن ب، ويوافق ما في شرح النووي
(٢٠٢/٣).
(٨) في ن ب (السامع)، وما أثبت يوافق شرح مسلم.
(٩) في الأصل (حالية)، وما أثبت من ن ب ج، ويوافق شرح النووي
(٢٠٢/٣).
٥٣٨
الأول، وقد أخبر الله تعالى عن الحجارة أن منها ما يهبط من خشية
الله، وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها، وجاء النص به
[فوجب](١) المصير إليه.
العشرون: استحب العلماء كما نقله النووي وغيرهم عنهم:
قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث؛ لأنه إذا رُجي التخفيف بتسبيح
الجريد [فالقرآن](٢) أولى(٣).
حكم قراءة
القرآن عند القبر
(١) في ن ب (يوجب). انظر: عمدة الحفاظ (٢٢٩).
(٢) في ن ب (القراءة).
(٣) أولاً: قراءة القرآن عند زيارة القبور مما لا أصل له في السنة، بل
الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تشعر بعدم مشروعيتها، إذ
لو كانت مشروعة لفعلها رسول الله وَل﴾، وعلمها أصحابه، لا سيما وقد
سألته عائشة رضي الله عنها وهي من أحب الناس إليه و # عما تقول إذا
زارت القبور، فعلمها السلام والدعاء، ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة ولا
غيرها، فلو كانت القراءة مشروعة لما كتم ذلك عنها. ومما يقوي عدم
المشروعية الأحاديث الآتية: منها قوله مخل *: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر،
فإن الشيطان يفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة)). أخرجه مسلم،
ففي هذا الحديث إشارة إلى أن المقابر ليست موضعاً للقراء شرعاً،
فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت، ونهى عن جعلها كالمقابر التي
لا يقرأ فيها شيءٌ.
ثانياً: قوله وَله: ((صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً). ففي هذا
الحديث إشارة إلى أنها ليست موضعاً للصلاة وهو الذي قال: ((جعلت لي
الأرض مسجداً وطهوراً)). فاستثنى من الأرض أماكن المقابر، قال شيخ
الإِسلام رحمه الله: ((أي لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة
فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت ونهى عن تحريها عند=
٥٣٩
وصول ثواب
القراءة للميت
وفي وصول القرآن للميت خلاف بين العلماء وقد أفرد
بالتصنيف، ومذهب أبي حنيفة [وأحمد](١) وصوله(٢)، ولهما
القبور)) عكس ما يفعله المشركون والنصارى ومن تشبه بهم، ولذلك
=
كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم
كراهة القراءة عند القبور، وهو مذهب الإِمام أحمد، قال أبو داود
في مسائله (ص ١٥٨): سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟
فقال: لا)).
فائدة: حديث: ((من مر بالمقابر فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ لِيَ إحدى
عشر مرة ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات»،
فهو حديث باطل موضوع. اهـ، من كتاب الجنائز للألباني
(ص ١٩٢).
(١) زيادة من ن ب.
(٢) سئل شيخ الإسلام رحمنا الله وإياه عن قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إلَّا
مَا سَعَى ﴾﴾. وقوله: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاَّ من ثلاث ... ))
إلخ السؤال، فأجاب: الحمد لله رب العالمين، ليس في الآية ولا في
الحديث أن الميت لا ينتفع بدعاء الخلق له وبما يعمل عنه من البر، بل
أئمة الإسلام متفقون على انتفاع الميت بذلك، وهذا مما يعلم
بالاضطرار من دين الإِسلام، وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع.
فمن خالف في ذلك كان من أهل البدع. وقال في موضع آخر عن
الاستئجار لقراءة القرآن وإهداء الثواب: لا يصح ذلك فإن العلماء
تنازعوا في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، إلى أن قال: فإن هذه
لا يجوز إقاعها إلاَّ على وجه التقرب إلى الله عز وجل. وإذا فعلت
بعروض لم يكن فيها أجر بالاتفاق لأن الله إنما يقبل من العمل ما أريد به
وجهه، لا ما فعل من أجل عروض الدنيا. للاستزادة: راجع الفتاوى من =
٥٤٠