Indexed OCR Text

Pages 21-40

الاثنين الرابع والعشرين من شهر ذي القعدة سنة خمس وتسعين
وخمسمائة، وتكلموا معه في مسألة العلو والنزول ومسألة الحرف
والصوت، وطال الكلام وظهر عليهم بالحجة، فقال له برغش نائب
القلعة: كل هؤلاء على الضلالة وأنت على الحق؟ قال: نعم.
فغضب برغش من ذلك وأَمَرَهُ بالخروج من البلد، فارتحل بعد ثلاث
إلى بعلبك، ثم إلى القاهرة فنزل عند الطحانين، وصار يقرأ
الحديث، فثار عليه الفقهاء أيضاً، فكتبوا إلى الصفي بن شكر وزير
العادل أنه قد أفسد عقيدة الناس، ويذكر التجسيم على رؤوس
الأشهاد، فكتب إلى والي مصر بنفيه إلى المغرب، فمات قبل وصول
الکتاب إليه .
عقيدته :
إن عقيدة المقدسي رحمه الله هي عقيدة السلف الصالح،
وذلك بوصف الله سبحانه بما وصف به نفسه في كتابه، أو على لسان
رسوله * دون تكييف ولا تمثيل ولا تأويل ولا تعطيل، امتثالاً لقوله
سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
». ونجملها
١١
فيما حكاه الحافظ الضياء قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: إن
الحافظ أُمِرَ أن يكتب اعتقاده فكتب: أقول كذا لِقَوْل الله كذا، وأقول
كذا لقول رسول الله وَ ر حتى فرغ من المسائل التي يخالفون فيها،
فلما وقف عليها الملك الكامل قال: إيش في هذا؟ يقول بقول الله
عز وجل وقول رسول الله وَلجر، هذا ورب الكعبة هو الحق المبين فالله
أعلم بنفسه مِنْ خلْقِهِ ومحمد وَلا أعرف بربه من الفقهاء، قال: فخلّى
عنه .
٢١

تلاميذه والآخذون عنه :
كما سبق أن الإِمام المقدسي رحمه الله كان يكثر من التسميع
والتدريس وصَرَفَ جُلَّ وقته للعلم والتعليم، فكثر حوله الطلاب
والمستفيدون منه من جميع الأمصار فممن تتلمذ عليه:
ولداه :
أبو الفتح، وأبو موسى، وأخذ عنه موفق الدين ابن خالته
عز الدين محمد، والحافظ أبو موسى عبد الله، والفقيه أبو سليمان،
والحافظ الضياء المقدسي، والخطيب سليمان بن رحمة الأسعردي،
والبهاء عبد الرحمن، وعبد القادر الرهاوي، والفقيه اليونيني
محمد بن أحمد. وآخر من أخذ عنه محمد بن مهلهل الجيتي، وبقي
بعده بالإجازة أحمد بن الخير شيخ الحافظ الذهبي، وآخرين
غیرهم.
مصنفاته :
١ - كتاب ((المصباح في عيون الأحاديث الصحاح)) مشتمل على
أحادیث الصحیحین.
٢ - كتاب ((الذكر)) جزآن.
٣ - كتاب ((الفرج)) جزآن.
٤ - كتاب ((تحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين)).
٥ - كتاب ((الآثار المرضية في فضائل خير البرية)) أربعة أجزاء.
٦ - كتاب ((الروضة)) أربعة أجزاء.
٢٢

٧ - كتاب ((نهاية المراد من كلام خير العباد)) لم يبيض كله، في
السنن، نحو مائتي جزء.
٨ - کتاب ((اليواقيت) مجلد.
٩ - كتاب ((الصِلات من الأحياء إلى الأموات)) جزآن.
١٠ - كتاب ((الصفات)) جزآن.
١١ - كتاب ((محنة الإِمام أحمد)) ثلاثة أجزاء.
١٢ - كتاب ((الترغيب في الدعاء)) جزء كبير.
١٣ - كتاب ((فضائل مكة)) أربعة أجزاء.
١٤ - كتاب ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)).
١٥ - کتاب (فضائل رمضان)) جزء.
١٦ - كتاب ((الأربعين)).
١٧ - كتاب ((الأربعين)) نوع آخر.
١٨ - کتاب ((ذم الرياء)» جزء كبير.
١٩ - كتاب ((الأربعين من كلام رب العالمين)).
٢٠ _ کتاب ((الأربعين)) بسند واحد.
٢١ - كتاب ((اعتقاد الإمام الشافعي)) جزء كبير.
٢٢ - كتاب ((الحكايات)) سبعة أجزاء.
٢٣ - كتاب ((غنية الحفاظ في تحقيق مشكل الألفاظ)).
٢٤ - كتاب ((من صبر ظفر)).
٢٥ - كتاب (الجامع الصغير لأحكام البشير النذير)).
٢٦ - (مناقب الصحابة)) عدة أجزاء.
٢٧ - جزء في مناقب عمر بن عبد العزيز.
٢٣

٢٨ - جزء في ذكر القبور.
٢٩ - كتاب ((الكمال في معرفة الرجال)).
٣٠ - كتاب ((النصيحة في الأدعية الصحيحة)) جزء.
٣١ - كتاب ((الاقتصاد في الاعتقاد)).
٣٢ - كتاب ((سيرة النبي ◌َّار)) جزء كبير.
٣٣ - كتاب ((الأحكام على أبواب الفقه)) ستة أجزاء.
٣٤ - كتاب ((عمدة الأحكام مما اتفق عليه البخاري ومسلم)).
إلى غير ذلك من الكتب وقد ذكر هذه المؤلفات وأكثر منها:
ابن رجب في الطبقات، والذهبي في السير، ولم أذكر أماكن وجود
هذه الكتب؛ لأن الوقت لم يسعفني.
وفاته :
لم يأته أجله إلاّ وهو يخدم هذه الأمة، ويتحفها بعلمه وعمله،
وذلك بكثرة ما خلف من الكتب والرسائل التي تقارب مائة كتاب
ما بين كتاب كبير وأجزاء صغيرة - يسّر الله للمسلمين إخراجها - مع
صيانة علمه من التدنيس، والاجتهاد في العبادة حتى توفاه الله في يوم
الاثنين الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ستمائة للهجرة وله
تسع وخمسون سنة، ودفن بمقبرة القرافه بمصر بجوار الشيخ
أبي عمرو بن مرزوق، رحمه الله وجمعنا وإياه في مستقر رحمته،
وقد خلف من الولد ثلاثة: عز الدين أبو الفتح محمد، وجمال الدين
أبو موسى، وأبو سليمان عبد الرحمن، وكلهم من العلماء
رحمهم الله.
٢٤

ترجمة المصنف ((ابن الملقن))
للاستزادة من الترجمة راجع :
- الضوء اللامع (١٠٠/٦).
- إنباء الغمر، وفيات سنة ٤١/٥/٨٠٤.
- لحظ الألحاظ في ذيل تذكرة الحفاظ (ص ١٩٧).
- شذرات الذهب (٤٤/٧، ٤٥).
- طبقات الشافعية لابن هداية الله (٢٣٥).
- طبقات الشافعية لابن قاضي شُهْبَه (٤٣/٤).
- الأعلام (٢١٨/٥).
- ذيل تذكرة الحفاظ للسيوطي (ص ٣٦٩).
- البدر الطالع (٥٠٨/١).
- حسن المحاضرة (٢٤٩/١).
- هدية العارفين (٧٩١/١).
- بروكلمان (٢ / ٩٢).
- ذيلة (١٠٩/٢).
- معجم المؤلفين (٢٩٧/٧).
٢٥

- ترجمته في كتاب تحفة المحتاج تح: د/ عبد الله اللحياني.
وقد استفدت منه كثيراً مع بعض التعديل. فجزاه الله خيراً.
اسمه :
هو عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله، سراج الدين
أبو حفص الأنصاري الوادي عاشي الأندلسي التكروري المصري
الشافعي ويعرف بابن النحوي؛ لأن أباه عليّاً كان نحوياً كما
سيأتي.
الأصل من وآدي آش بالأندلس وبعدها انتقل أبوه منها إلى بلاد
التكرور ثم قدم القاهرة بعد أن ولد له صاحب الترجمة بسنة.
لقبه :
(ابن النحوي) وقد اشتهر بهذا في بعض البلاد کالیمن، أما ابن
الملقن فليست له وإنما تزوجت أمه بشيخ كان يلقن القرآن فنشأ في
بيته فعرِفَ بابن الملقن نسبة إليه، وإنما كان يغضب من ذلك ولم
يكتبها بخطه، إنما كان يكتب ابن النحوي وبهذا اشتهر؛ لأن الأولى
نسبة إلى غير أبيه الحقيقي واسمه الشيخ عيسى المغربي، والأخرى
نسبة إلى والده.
مولده :
كما ذكرنا أن والده انتقل إلى القاهرة وبها وُلِدَ ابنه في الثاني
والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة كما
ذکره السخاوي أنه وجده بخطه .
٢٦

نشأته الذاتية :
كما سبق أن والده توفي بعد ولادته بعام، فنشأ يتيماً وتربّی
في حجر والدته التي ما لبثت أن تزوجت برجل صالح كان صديقاً
لوالده يسمى الشيخ عيسى المغربي الذي كان متفرغاً لتلقين الناس
القرآن بجامع ابن طولون، فعاش أبو حفص في رعايته حتى عُدَّ من
أبنائه وكان يدعو الشيخ بوالده، ولقد أحسن في تربيته وحَرِص عليه
بالقيام على تعليمه وتأديبه حتى نال هذه المنزلة الرفيعة في ميدان
العلم، فغالب الناس لا ينال هذه الرفعة لولا أن هيأ الله له هذا الرجل
الصالح الذي قام عليه بالرعاية الكريمة والحفاوة البالغة، فجزاه الله
خيراً على ما قدم له، وأناله موعود نبيه الكريم في كفالة اليتيم.
بدايته العلمية :
حيث إن الإِمام أبو عمر تربَّى في حجر هذا الرجل الصالح
فكان لتوجيهه الأثر الطيب في تحصيله، فقد ابتدأه بتحفيظه للقرآن
فحفظه، ثم حفظ عليه عمدة الأحكام وأراد أن يوجهه إلى العناية
بمذهب مالك بن أنس رحمه الله ولكن ابن جماعة صديق والده أشار
عليه بأن يقرئه في مذهب الشافعي، فدرس: ((المنهاج)) للنووي حتى
حفظه، ثم أسمعه من علماء زمانه ومحدثیھم کابن سَيِّد الناس،
والقطب الحلبي، وسمع بنفسه من الحسن بن سديد الدين
وأحمد بن كشتفدني ومحمد بن غالي وغيرهم، واتجه إلى علم
الحديث فحببه الله إليه منذ صغره، وسمع من عامة شيوخ عصره حتى
قال عن نفسه: سمعت ألف جزء حديثية، وقد رزقه الله الحرص
٢٧

والتحصيل والطلب الذي لا تفتر له عزيمة ولا تنام له عين ولا يهدأ له
بال.
رحلاته العلمية :
إن ما انفرد به علماء الإِسلام، لا سيما أئمة الحديث،
الارتحال والتنقل تزوداً للعلم والرواية، وملازمة للأسفار في طلب
العلوم الشرعيّة، وخاصة علم الحديث، وكان المقصود من الرحلة
كما قال الخطيب: أمران: أحدهما تحصيل عُلُوُ الإِسناد، وقِدَم
السماع، والثاني لقاء الحفاظ والمذاكرة لهم والاستفادة منهم، وقد
رحل ابن الملقن لهذا الشأن كما هي عادة المحدثين عدة رحلات
شملت بلدان كثيرة، فرحل إلى دمشق، وحماه في سنة سبعين .
وسبعمائة، وكان في صحبته في هذه الرحلة ابنه علي وتلميذه ابن
برهان الحلبي كما ذكره ابن شهاب الدين الحجي، وقرظ له ابن
السبكي جزءاً من ((تخريج أحاديث الرافعي))، مع التنويه بذكره، وقد
كانت لابن الملقن رحلة أخرى إلى بلاد الحرمين سنة إحدى وستين
وسبعمائة كما ذكره السخاوي في ((الضوء اللامع)) أنه شاهد إجازة
كتبها ابن الملقن في هذه السنة .
وقد ارتحل إلى بلاد المقدس للقاء الحافظ العلائي وقرأ عليه
فيها كتابه ((جامع التحصيل في أحكام المراسيل)) وفيها أثنى عليه
العلائي ثناء بالغاً.
وقد كانت الرحلة عند علماء الحديث لها شأن عظيم لأنها تدل
دلالة أكيدة على مواصلة الطالب فيما ابتدأ به، وعلى تحصيله العلمي
٢٨٠

في بلده الذي انتهى منه بشهادة علمائها له، وفيها ملاقاة الشيوخ
والأخذ عنهم، وكذا إجازته لمروياته لتلاميذه في غير بلده.
شيوخه :
في كل زمان يُوجَدُ صفوة ممتازة تكون على جانب كبير من
العلم والمعرفة فيتتلمذون عليهم الطلاب ويتخرج على أيديهم نخبة
تبلغ مستوى مشائخهم في التبحر في العلم، فينال الطلاب شرف
التعليم على هؤلاء، كما يكون للشيخ ذكراً حسناً بسبب علو منزلة
تلميذه .
وفي هذه العجالة نذكر بعض مشائخ ابن الملقن الذي تخرج
علیهم ومنهم استفاد:
١ - خليل بن كيكلدي العلائي، صاحب كتاب ((جامع التحصيل في
أحكام المراسيل)» قرأ عليه في بيت المقدس كتابه هذا.
٢ - عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الهادي زين الدين الصالحي.
٣ - عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإِسنوي شيخ الشافعية في
و قته .
٤ - عبد الله بن يوسف بن عبد الله جمال الدين أبو محمد النحوي
المشهور بابن هشام.
٥ - علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الأنصاري.
٦ - عمر بن حمزة بن يونس العدوي الإِربلي، أجاز له ولولده.
٧ - محمد بن يوسف بن علي الغرناطي أثير الدين أبو حَيَّان
٢٩

الأندلسي، صاحب ((البحر المحيط)) في التفسير قرأ عليه في
العربية .
٨ - يوسف بن الزكي بن عبد الرحمن بن يوسف، الحلبي
الأصل، المزِيِّ، أبو الحجاج جمال الدين.
٩ - عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم عز الدين أبو عمر الكناني
المصري المعروف بابن جماعة، من أعلام الشافعية في
عصره، أخذ عنه الفقه.
١٠- إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم شرف الدين المناوي.
للاستزادة من مشائخه ينظر ما جاء في كتاب ((الضوء اللامع»
(١٠٠/٦)، و((الدرر الكامنة)).
تلاميذه :
عادة ما تكون شهرة العالم سبباً كبيراً في كثرة التلاميذ
ورحلتهم إليه من أقطار كثيرة، وقد حظي ابن الملقن بالشيء الكثير
من ذلك، فترجع كثرة طلابه لأسباب:
١ - شهرة ابن الملقن، فكانت شهرته وعظمته من أسباب إقبال
الطلاب عليه .
٢ - دماثة أخلاقه ورحابة صدره ..
٣ - كثرة مصنفاته واشتهارها في زمن مبكر من عمره، حيث اشتغل
بالتصنيف وهو شاب.
٤ - رحلاته إلى الشام وبلاد الحرمين وغيرها فاشتهر أمره.
٣٠

فمنهم على سبيل المثال لا الحصر:
١ - إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي المعروف بسبط ابن
العجمي، حافظ بلاد الشام، كتب عنه شرحه للبخاري .
٢ - ابن الحافظ العراقي أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي
الولي أبو زرعة الحافظ المشهور.
٣ - أحمد بن عثمان بن محمد الشهاب الريشي القاهري،
· المعروف بالكوم الريشي، عرض عمدة الأحكام على ابن
الملقن.
٤ - أحمد بن علي المقريزي، تقي الدين، الإِمام المؤرخ
المشهور.
٥ - أحمد بن علي الكناني العسقلاني الشهير بابن حجر، الإِمام
الكبير، خاتمة الحفاظ ت ٨٥٢، تفقه على ابن الملقن، وقرأ
عليه في الحديث أيضاً، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ما قرأه
على شيخه في معجمه فقال: ((قرأت على الشيخ قطعة كبيرة
من شرحه الكبير على المنهاج وأجاز لي، وقرأت عليه
الجزئين السادس والسابع من أمالي المخلص)) ثم قال:
(وسمعت منه المسلسل بالأولية والجزء الخامس من مشيخة
النجيب تخريج أبي العياش بن الطاهري)).
وقد استفاد منه ابن حجر من دروسه وانتفع بكتبه و ((فتح
الباري)) مليء بالنقول والاستشهادات من كلام شيخه.
٣١

٦ - ابنه: علي بن عمر بن علي بن أحمد نور الدين أبو الحسن بن
السراج أبي حفص القاهري، وهو الابن الوحيد له، توفي بعد
أبیه بثلاث سنوات ٨٠٧.
٧ - محمد بن علي التقي أبو عبد الله الحسني الفاسي المكي، شيخ
الإِسلام، وصاحب الكتاب المشهور ((شفاء الغرام بأخبار البلد
الحرام».
٨ - محمد بن موسى بن عيسى الكمال أبو البناء الدميري صاحب
كتاب: ((حياة الحيوان)).
وغيرهم من التلاميذ والمشاهير الذين حملوا عنه العلم ورووا
عنه بعض مؤلفاته .
جمعه للکتب :
ابن الملقن كغيره من العلماء المتقدمين في شغفهم بالكتب
ولكن مما ينفرد به سعة حاله وكثرة ماله وقلة العيال، يقول ابن حجر
عن شيخه: إنه حضر في الطاعون بيع كتب أحد المحدثين، فكان
الوصي لا يبيع إلَّ بالنقد الحاضر، فتوجه ابن الملقن إلى منزله
وأحضر كيساً من الدراهم ودخل الحلقة فصبه، فصار لا يزيد في
الكتاب إلاَّ قال الوصي: بع له، وكان مما اشتراه مسند الإمام أحمد
بثلاثين درهماً وكانت هذه المكتبة كبيرة وفيها نفائس الكتب
وللشيخ عيسى المغربي زوج أمه اليد الطولى في تأسيس هذه
المكتبة، فقد أحسن تنمية ماله فأنشأ له ريعاً أنفق عليه قرابة ستين
ألف درهم.
٣٢

قال المقريزي: فکان یتحصّل له من ربع الربع كل يوم مثقال
ذهب، مع رخاء الأسعار وقلة العيال.
قال ابن حجر: لم أر عند أحد بالقاهرة أكثر من كتبه.
مصير هذه المكتبة :
تحدثنا عن كثرة كتبه وأسبابها فكان من المناسب أن نذكر مآل
هذه المكتبة العامرة التي جمعت من جهات شتّى وكانت مصدر خير
وبركة على صاحبها وعموم المسلمين بما خلف من مصادر في جميع
العلوم والمعرفة لطلاب العلم، حيث حصل عليها حريق عام جاء
على جميع محتويات هذه المكتبة من المراجع ومصنفاته مما كان له
الأثر الكبير في فقدان مسودات ومصنفات ابن الملقن فقد فُقد مؤلّفه
الضخم ((جمع الجوامع))، فحزن ابن الملقن عليها أشد الحزن
وتأسف غاية التأسف، مما كان سبباً في تغير حاله وقلة تعليمه
وتدريسه في آخر عمره، ونلاحظ مشهداً رائعاً يصوره ابنه في هذا
الحریق معزیاً له حیث یقول:
لعبت بكتبك ألسن النيران
لا يزعجنك يا سراج الدين أن
والنار مسرعة إلى القربان
لله قد قربتها فتُقُبُّلت
فبعد الحريق ساءت حال ابن الملقن، وأصيب بالذهول،
وحجبه ابنه ولم يلبث إلاّ يسيراً ثم توفي بعدها.
عقيدته، وصوفیته:
عاصر ابن الملقن رحمه الله عصر دولة المماليك، وكانت لهم
٣٣

راعية هذه المناهج التي هجرت كتاب الله وسنة نبيه وَليقر في الاعتقاد
وبالأخص ما يخالف عقيدة السلف الصالح، وذلك بالتمسك بما كان
قد اعتقده أبو الحسن الأشعري قبل انتقاله إلى مذهب أهل السنة
والجماعة فقد ساروا على نهجه ونبذوا خلافه وقهروا الناس
وامتحنوهم حتى أصبحت لهذا المذهب المكانة في قلوب الناس
عامهم وخاصهم، وصار هو الذي يدرس في المساجد ويخطب به
على المنابر ويلقن الصغار في بيوتهم ومدارسهم، ويصف المقريزي
ذلك في كتابه «الخطط)) (٣٠٦/٣) بقوله: ((حتى لم يبق اليوم مذهب
يخالفه، إلاَّ أن يكون مذهب الحنابلة، أتباع الإمام أبي عبد الله
أحمد بن محمد بن حنبل، فإنهم كانوا على ما كان عليه السلف،
لا يرون تأويل ما ورد عن السلف» إلخ، وسيمر بك أيها القارىء
نماذج من تأويلاته وقد علقت عليه بما قاله علماء السلف.
وقد زاد في هذا العصر ما أوحته الشياطين إلى أوليائهم فزينوا
لهم التعلق بالقبور وطلب المدد والغوث من أصحابها مما صار سبباً
كبيراً في ضعف العقيدة، وأيضاً ما حصل لهم من التبرك بما
يسمونهم أولياء أو صالحين في اعتقادهم كالتبرك بثيابهم أو آثارهم
أو ريقهم ونحو ذلك، وسيمر بك شيء من هذا في هذا الكتاب.
أما صوفيته فيكفي فيه أنه له مؤلف سماه ((طبقات الأولياء)»
ساق فيه العجب العجاب من الاطلاع على المغيبات وإحياء الموتى،
وإظهار ما غيب في النفوس. فكل هذا أثر من آثار دولة المماليك
التي اهتمت بهذا حتى أنشئت لهم الزوايا تقديساً لهذه الطائفة،
حمانا الله وجميع المسلمين من فتنة القول والعمل.
٣٤

مناصبه :
لم يكن ابن الملقن قَدْ نال مناصب كبيرة مع شهرته العلمية؛
لأن جل وقته كان مصروفاً إما للتعليم أو التأليف والنسخ، وقد ولي
مناصب في فترات بسيطة نذكر منها:
١ - تولى قضاء الشرقية ثم تركها بعد لابنه علي.
٢ - تولى الميعاد بجامع الحاكم في سنة ستين وسبعمائة.
٣ - رئاسة أمر دار الحديث الكاملية خلفاً للزين العراقي.
٤ - ترشيحه لقضاء القضاة الشافعية فحصل له محنة بسببها .
ابتلاؤه :
قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ اَلْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِينَ﴾.
فالابتلاء اختبار للعبد عن قوة إيمانه وصدق عزيمته، وهي محنة
للعبد حتى يَلْقَى الله وليس عليه خطيئة، مقابل ما حصل له من هذه
المحنة، وقد حصل للعلماء مِحَنٌ كثيرة فمنهم من كانت تجدد له
على مدار عمره ومنهم من ختمت بها حياته، وقد أصاب ابن الملقن
شيء من هذه المحن ونترك المجال للسخاوي يحدثنا عن ذلك فقد
حكى أن برقوقاً عزم على ولاية ابن الملقن منصب قضاء القضاة
الشافعية، فعلم بعض الناس بذلك فزوّر ورقة على لسان ابن الملقن
بدفع أربعة آلاف دينار إلى أحد الأمراء حتى يتم الأمر، ووصلت إلى
برقوق فجمع العلماء وسأل ابن الملقن: هذا خطك؟ فأنكر وصَدَق
في إنكاره، فغضب برقوق وزاد حنقه، وأهانه وسجنه ثم خلصه الله
تعالى بعد مدة يسيرة بشفاعة البلقيني وطائفة من العلماء وقد كانت
هذه المحنة سنة ثمانين وسبعمائة.
٣٥

ثناء العلماء عليه :
كان القدماء يعظمونه وقد ترجمه جماعة من أقرانه الذين ماتوا
قبله :
١ - وصفه الحافظ العلائي: الشيخ الإمام العالم المحدث الحافظ
المتقن سراج الدين، شرف الفقهاء والمحدثين، فخر
الفضلاء .
٢ - وصفه العلامة ابن فهد: بالإِمام العلامة الحافظ شيخ الإِسلام،
وعلم الأئمة الأعلام، عمدة المحدثين وقدوة المصنفين.
٣ - ووصفه الحافظ العراقي بالشيخ الإمام الحافظ.
٤ - وقال عنه العثماني قاضي صفد وهو من أقرانه، في ((طبقات
الفقهاء)): بأنه أحد مشايخ الإِسلام، صاحب التصانيف التي
ما فتح على غيره بمثلها في هذه الأوقات.
٥ - وقال البرهان الحلبي: كان فريد وقته في كثرة التصانيف،
وعباراته فيها جلية، وغرائبه كثيرة.
٦ - وقال عنه السيوطي: الإِمام الفقيه ذو التصانيف الكثيرة، برع
في الفقه والحديث.
مؤلفاته :
من المعروف أن ابن الملقن بدأ في التأليف وهو في سن
الشباب وانتشرت في حياته، وقرظ الكبار عليها كابن السبكي،
والعماد ابن كثير رحمهما الله.
٣٦

قال العلامة ابن فهد: وقد سار بجملة منها رواة الأخبار
واشتهر ذكرها في الأقطار، وكان رحمه الله تعالى عليه له فوائد
جمة، ويستحضر غرائب، وهو من أعذب الناس لفظاً وأحسنهم خلقاً
وأجملهم صورة وأفكههم محاضرة، كثير المروءة والإِحسان ...
إلخ.
وقال تلميذه البرهان الحلبي: إنه كان فريد وقته في
التصنيف، وعبارته فيها جلية جيدة.
أقوال العلماء فيما انفرد به :
قال ابن حجر: إن العراقي والبلقيني وابن الملقن كانوا أعجوبة
ذلك العصر:
الأول: في معرفة الحديث.
والثاني: في التوسع في مذهب الشافعي.
والثالث: في كثرة التصانيف.
وكل واحد من الثلاثة ولد قبل الآخر بسنة ومات قبله بسنة
فأولهم ابن الملقن ثم البلقيني ثم العراقي.
وقال البرهان الحلبي: حفاظ مصر أربعة أشخاص وهم من
مشايخي: البلقيني هو أحفظهم لأحاديث الأحكام، والعراقي أعلمهم
بالصنعة، والهيئمي وهو أحفظهم للأحاديث من حيث هي، وابن
الملقن هو أكثرهم فوائد في الكتابة على الحديث.
وقال السيوطي: قال بعضهم: تفرّد على رأس الثمانمائة خمسة
٣٧

بخمسة: البلقيني بالفقه، والعراقي بالحديث، والغماري بالنحو،
وصاحب القاموس باللغة، وابن الملقن بكثرة التصانيف.
نذكر من مؤلفاته ما يلي :
١ - إرشاد النبيه إلى تصحيح التنبيه.
٢ - الإِرشاد إلى ما وقع في المنهاج من الأسماء والمعاني:
واللغات.
٣ - الأشباه والنظائر.
٤ - الإشراف على الأطراف.
٥ - إكمال تهذيب الكمال.
٦ - أمنية النبيه فيما يرد على التصحيح والتنبيه.
٧ - البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير.
٨ - البلغة في أحاديث الأحكام.
٩ - التذكرة في علوم الحديث، رسالة صغيرة مطبوعة.
١٠ - التذكرة في الفقه الشافعي، مطبوعة.
١١ - رجال الكتب العشرة.
١٢ - رسالة في تتبع أوهام ابن حزم.
١٣ - شرح الألفية.
١٤ - شرح المنتقى في الأحكام.
١٥ - طبقات القراء.
١٦ - طبقات المحدثين.
١٧ - طبقات الأولياء.
١٨ - عدد الفرق.
٣٨

١٩ - رسالة في الكلام على تشبيك الأصابع ذكرها في الجزء
الثالث ص ٢٨٩ من هذا الكتاب.
٢٠ - العدة في معرفة رجال العمدة، قال عنه مؤلفه: في مجلد،
غريب في بابه، وأشار إليه المؤلف في خطبة الإعلام.
٢١ - الإِعلام بفوائد عمدة الأحكام - وهو كتابنا هذا:
شرح لعمدة الأحكام لتقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد
الجماعيلي المتوفى سنة ٦٠٠، والإِعلام من أهم كتب ابن
الملقن وأكبرها وهو يقع على حسب تجزئة المؤلف في ستة
أجزاء.
وقال عنه مؤلفه: عز نظيره.
وقال صاحب كتاب طبقات الشافعية: من أحسن مصنفاته.
وقد لخص الإعلام أحد تلاميذه محمد بن عبد الدائم
العسقلاني، انظر الضوء اللامع: (٢٨٢/٧)، وكان حفيده الجلال
عبد الرحمن بن علي يدرس الإعلام.
فسبب تأليف الكتاب: تعليق حال قراءتها عليّ - أي
الطلاب - وتردد قاريها إليّ، ويقول: ((وخصصت الكلام عليها
لإِکباب جميع المذاهب علیها».
منهجه في الشرح:
يقول: حصرت الكلام في خمسة أقسام:
الأول: التعريف بمن ذكر من رواة الحديث وبيان حاله وضبط
نسبه ومولده و وفاته على وجه الاختصار.
٣٩

ثانياً: التنبيه على أحاديث وقعت في الكتاب من أفراد
الصحيحين وهو مخالف لشرطه في الخطبة كما ستعلمه عند
شرحها .
ثالثاً: التنبيه على الأسماء المبهمة .
رابعاً: ضبط لفظه وبيان إعراب ما يشكل إعرابه وغريبه ..
خامساً : - وهو المهم - الإشارة إلى بعض ما يستنبط من
الحديث من الأصول والفروع الآداب وغيرها حسبما تيسر، والجمع
بين مختلف الحديث والناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمجمل
والمبين وتبيين المذاهب الواقعة فيه مع ذكر وجهها ... إلخ.
أبناؤه :
لم يخلف ابن الملقن إلاَّ ابناً واحداً هو علي ويلقب
بنور الدين، ولد في سنة ثمان وستين وسبعمائة ونشأ في كنف أبيه،
فحفظ القرآن وكتب وعرض على جماعة، برع في الفقه ودرس بعد
أبيه في عدة مواضع، وناب في الحكم عدة أعوام حتى فخم ذكره
وتعين لقضاء القضاة الشافعية .
وترجم له ابن تغرى بردى في ((الدليل الشافي) ووصفه
بالعلامة .
وقد ألّف من الكتب اختصاراً ((للغوامض والمبهمات)) لابن
بشكوال مع حذف أسانيده، وقد خلف علي ثلاثة من الولد هم
الجلال عبد الرحمن، وأختاه: خديجة، وصالحة.
٤٠