Indexed OCR Text

Pages 1001-1020

بأربعمائة ألف. إلى غير ذلك من صدقاته الفاشية، وعوارفه العظيمة حتى
أنه أعتق في يوم ثلاثين عبداً، وفي عمره ثلاثين ألف نسمة، وتصدق مرة
بعير فيها سبعمائة بعير وردت عليه تحمل من كل شيء فتصدق بها،
وبمالها عليها وبأقتابها، وأحلاسها. وعن معمر الزهري(١) قال: تصدق
ابن عوف على عهد رسول الله وَله بشطر ماله أربعة آلاف.
ثم تصدق بعد بأربعين ألف دينار ثم حمل على خمسمائة فرس في
سبيل الله وخمسمائة راحلة. وأوصى بعد موته بخمسين ألف دينار، وبألف
فرس في سبيل الله، ولمن بقى من البدريين كل رجل بأربعمائة دينار وكانوا
مائة فأخذوها وكان عثمان رضي الله عنه فيمن أخذ.
ومن تكون الدنيا في يديه ويؤدي الحقوق منها ويتطوع بالأمور
المستحبة فيها ولم تكن عائقة له عن الوصول إلى الله تعالى، ولا لها في
قلبه مزية، ولا يفخر بها خصوصاً على من دونه ولا يكون بما في يديه منها
أوثق منه بما عند الله بحيث يحبسها عما شرع له صرفها فيه مع التقتير على
نفسه، وعياله وعدم إظهار نعمة الله عزوجل، ولا ينفقها في وجوه الباطل
التي لم تشرع ولا يبذر يكون ذلك زيادة له في الخير قال رَ هو: ((نعم المال
الصالح للمرء الصالح)» (٢).
وقيل فيما للطبراني في الأوسط(٣) عن ابن عباس: يارسول الله! من
(١) سبق تخريجه في مسألة رقم (١٤٩).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ١٩٧/٤ عن عمرو بن العاص، وذكره العجلوني في كشف
الخفاء وعزاه إلى ابن منيع والبخاري في الأدب المفرد وسبق تخريجه في مسألة رقم
(١٤٩) مفصلاً.
(٣) المعجم الأوسط ١١١/٧ رقم (٧٠٠٦) وانظر أيضاً: مجمع البحرين ٤٥/٣ رقم
(١٤١٧) و٢١١/٦ رقم (٣٦٠٤).
١٠٠١

السيد؟ قال: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام،
قالوا: فما في أمتك من سيد؟ قال: ((بلى رجل أُعطي مالاً حلالاً ورزق
سماحة وأدنى الفقير وقلت شكاته في الناس)) وفي حديث مرفوع لأحمد
وغيره: ((لا بأس بالغنى لمن اتقى))(١). وفي آخر: ((من رزق الدنيا على
الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مات
والله عنه راض))(٢) وقال ابن عمر رضي الله عنهما: لو كان عندي أحد ذهباً
أعلم عدده وأخرج زكاته، ما كرهت ذلك وما خشيت أن يضرني. وقال
وَالخير: ((أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك)) وقال: ((ذلك فضل الله يؤتيه
من يشاء))(٣) إلى غيرهما مما بينته في ((السر المكتوم)) وكم في الصحابة
ممن اتصف بجميع صفات الخير التي ترغب في الإكثار لها كعثمان بن
عفان، وطلحة الفياض، والزبير بن العوام، وثلاثتهم من العشرة المشهود
لهم بالجنة أيضاً، وسعد بن الربيع وغيرهم من سادات المسلمين، وترك
ابن مسعود سبعين ألف درهم، فيتعين استثناء هؤلاء من عموم: ((يدخل
فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام)) (٤) أو يخص بفقراء
طبقتهم وهو أظهر، سيما والشاهد الذي صرح شيخنا بقوة وإسناده يمكن
الاستشهاد به له(٥). والله الموفق.
(١) انظر: مسند أحمد ٥/ ٣٧٢، ٣٨١ وأخرجه أيضاً البخاري في الأدب المفرد ص ٨٥ رقم (٣٠١)
وابن ماجه في التجارات، باب الحث على المكاسب ٧٢٤/٢ رقم (٢١٤١) عن عم عبدالله بن
خبيب، وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول برقم (٥٢) عن عمر وذكره السيوطي في الدر
المنثور ٦١٩/٨ وعزاه لابن ماجه وأحمد والحكيم الترمذي وابن مردويه.
سبق تخريجه فى مسألة رقم (١٤٩).
(٢)
سبق تخريجه مفصلاً في مسألة رقم(١٤٩).
(٣)
(٤)
انظر: القول المسدد ص٢٥ .
(٥) تكررت هذه المسألة برقم (١٤٩).
١٠٠٢

٢٨٢ - مسألة: قد وقعت من النبي وَلهو قرائن حالية وأصول كلية
تقتضي أن سيدنا أبابكر الصديق رضي الله عنه وعن سائر الصحابة أحق
بالإمامة وأولى بالخلافة من غيره.
منها تقديمه له في الصلاة بالناس حين مرض موته وفي الحج سنة
تسع ومنها قوله للمرأة التي سألته ﴿ شيئاً وأمرها أن ترجع إليه وقولها:
أرأيت إن جئت فلم أجدك كأنها تعني الموت: ((إن لم تجديني فأتي أبابكر))
ومنها: قوله في مرض موته لعائشه رضي الله عنها: ((ادعي لي أبابكر أباك
وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى،
ويأبى الله والمؤمنون إلا أبابكر)) ومنها: منامه وَ ل# الذي قال فيه: ((بينا أنا
على بئر أنزع منها إذ جاءني أبوبكر وعمر، فأخذ أبوبكر الدلو فنزع ذنوباً،
أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف فغفر الله له ثم أخذها عمر من يد أبي بكر
الحدیث)».
ولذا كله وغيره من الأدلة ثبت كما في صحيح مسلم من حديث ابن
أبي مليكة أن عائشة رضي الله عنها سئلت: من كان رسول الله وَ له مستخلفاً
لو استخلف قالت: أبوبكر فقيل لها: ثم من بعده؟ قالت: عمر الحديث.
وفيه إشارة إلى أنه لم يقع تنصيص صريح على ذلك. وكذا قصة سقيفة بني
ساعدة دالة على أنه لم يكن عند أحد من المهاجرين والأنصار في ذلك
نص صريح، وما يروى من التنصيص عليه وعلى غيره، فباطل، كما بسطته
في بعض الأجوبة، إذ لو ثبت شيء من ذلك لم يقل أبوبكر رضي الله عنه
للأنصار رضي الله عنهم: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر أو
أباعبيدة. كما أنه لو كان عند علي رضي الله عنه أو غيره نص فيه، أو
إيماء لنقل، ولم ينقل أنه ذكره في يوم من الأيام، ولا أن أحداً ذكره، بل
اتفق المسلمون على أن دعوى الشيعة النص على علي، والوصية إليه
١٠٠٣

باطلة، وأول من كذبهم علي بقوله: ((ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة))
أشار إليه النووي(١) قال عقب حديث عائشة: هذا فيه دلالة لمذهب أهل
السنة أن خلافة أبي بكر ليست بنص من رسول الله وَلقر على خلافته
صريحاً، بل أجمعت الصحابة رضي الله عنهم على عقد الخلافة له،
وتقديمه لفضيلته ولو كان هناك نص عليه، أو على غيره لم تقع المنازعة
من الأنصار وغيرهم أولا، ولذكر حافظ النص ما معه ولرجعوا إليه، لكن
تنازعوا أولا ولم يكن هناك نص، ثم اتفقوا على أبي بكر رضي الله عنه
واستقر الأمر، ثم إنه قد استشكل قول أبي بكر رضي الله عنه ((قد رضيت
لكم)) مع معرفته بأنه الأحق بالقرائن المشار إليها بحيث قال كما للترمذي
وغيره بسند رجاله ثقات: «ألست أول من أسلم ألست أحق بهذا الأمر
ألست كذا ألست كذا)» وأجيب بأنه استحيى أن يزكي نفسه فيقول مثلاً:
رضيت لكم نفسي، وانضم إلى ذلك أنه علم أن كلاً منهما لا يقبل ذلك
ولا يرضى التقدم عليه، خصوصاً وقد أفصح عمر بذلك في القصة،
وأبو عبيدة بطريق الأولى، لأنه باتفاق أهل السنة دون عمر في الفضل،
ويكفي أبابكر كونه جعل الاختيار في ذلك لنفسه، فلم ينكر ذلك عليه
أحد، ففيه إيماء إلى أنه الأحق، وظهر أنه ليس في كلامه تصريح بتخليله
من الأمر، وقد قال له عمر رضي الله عنه: بل نبايعك أنت فأنت سیدنا
وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله و * ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء(٢).
(١) ذكره النووي في شرح مسلم انظر: صحيح مسلم مع شرح النووي ١٥٥/٥ .
(٢) تكررت هذه المسألة بتصرف برقم (٢٥١) وانظر لتفصيل هذه المسألة أيضاً: شرح
العقيدة الطحاوية من ص ٥٣٣ إلى ٥٣٩.
١٠٠٤

٢٨٣ - مسألة: تعاهد زيارة القبور، لاسيما من هو بالصلاح
مذكور، أمر شهي محبوب، وقدر بهي مطلوب، والتعرض لذكر مناقبهم ومآثرهم
مما يبعث الهمم الزكية على اقتفاء طرقهم ظوآثارهم، خصوصاً وعند ذكر
الصالحين تنزل الرحمة، وبالتوسل بهم تندفع كل بلية ونقمة، ولم يزل الجمهور
من السلف والخلف على الاعتناء بها والاقتفاء لسببها، ويكفي في تعيين قبر من
يقصد بالزيارة اعتماد غلبة الظن الناشئة عن النظر في التواريخ المعتمدة في
الصريح، والإشارة، أو التقليد لمن تلقى ذلك بيقين عن الأئمة المعتمدين.
وعلى كل حال، فالخطأ في التعيين مغتفر فالقصد إنما هو ذاك
الرجل المعتبر، وكان ممن ذكر في تاريخ المصريين السيد الشهير
غازي(١)، أحد الأئمة المعتبرين، وهو لعمري إمام، عابد فقيه، وهمام،
قارىء وجيه ممن عرف باستجابة الدعاء، وامتلاء قلبه بالمعارف فكان نعم
الوعاء عرض عليه القضاء فتركه تورعاً، واقتصر على اليسير زهداً، وتقنعاً،
ولزم القيام والتهجد، والصيام والتعبد، والتلاوة للقرآن، وأنواع الخير
والإحسان، حتى صار كبير الشأن، متقدماً في العلوم بإتقان، ثابت
الأركان، إن ذكر القراء فقد ضرب من بينهم بأوفر نصيب، أو الفقهاء، فهو
المحرر المصيب، أو الثقات، فقد ارتقى إلى الذروة، أو الأولياء، فناهيك
أنه عرف باستجابة الدعوة، أو المحدثون، فالنبيل، أو أهل الأدب،
فالجليل، مناقبه كثيرة، ومآثره شهيرة، شيخه في الفقه والحديث، إمام دار
الهجرة مالك بن أنس، وحفظه لموطأه عن ظهر قلبه مما اتضح وما
التبس، وفي القرآن نافع بن أبي نعيم(٢) أحد الأئمة السبعة البررة، بل
(١) هو غازي بن قيس أبو محمد الأندلسي المقريء إمام جليل المتوفى سنة ١٩٩هـ.
(٢) هو نافع بن عبدالرحمن بن أبي نعيم الليثي مولاهم أبو رويم المقريء قيل: أبو
الحسن، وأبو عبدالرحمن وأبو عبدالله وأبو نعيم وأشهرها أبو رويم، قرأ على طائفة من =
١٠٠٥

عرض مصحفه بمصحف شيخه فوق عشر متكررة، وهو أول من أدخل
موطأ مالك، وقرأه نافع معاً إلى الأندلس، فكان بهما انتعاش القلوب
وحياة الأنفس، وأجرى ثواب ذلك في صحيفته، وكفاه بذلك فخراً حيث
ضم لما تقرر من منقبته، ولذا قال القائل من العلماء الأوائل في حقه، مما
الحال يؤذن بصدقه: إنه انصرف إلى الأندلس بعلم عظيم، نفع الله به أهلها
بنية صالحة، وقلب سليم، وكان إمام الناس في القراءة بقرطبة، وأدب بها
قبل رحلته المنتخبة، وشاوره مصعب بن عمران القاضي الإمام، بعد موت
صعصعة بن سلام، لأنه كان تفقه في المسائل، وتقدم بجودة الفقه،
ومعرفة الدلائل، وسمعه أصبغ بن خليل(١)، وهو يقول فيما أخبر به عن
نفسه، ونقل حالفاً بالله: أنه ما كذب كذبة قط منذ اغتسل، قال غازي:
ولولا أن عمر بن عبدالعزيز قاله ما قلته بين الأصحاب، هذا مع أنه لا
حرج عليه في مثل ذلك، إذا كان خالياً عن الزهو والإعجاب، بل التحدث
تابعي أهل المدينة وكان أسود اللون حالكاً وأصله من أصبهان، قرأ على الأعرج
=
وسمعه ونافعاً وعامر بن عبدالله بن الزبير وغيرهم، وأقرأ الناس دهراً طويلاً فقرأ عليه
الإِمام مالك وعيسى بن وردان الحذاء وإسماعيل بن أبي أويس وغيرهم، روى عنه
الليث بن سعد وخاجة بن مصعب، ومروان الطاطري والغازي بن قيس وخلق وثقه ابن
معين ولينه أحمد، وقال أبو حاتم: صدوق لم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة
توفي سنة ١٦٩ هـ انظر ترجمته في: التاريخ الكبير ٨٧/٨، وفيات الأعيان
٣٦٨/٥-٣٦٩، سير أعلام النبلاء ٣٣٨٣٣٦/٦ ومعرفة القراء الكبار للذهبي ١/ ١٠٧
وغاية النهاية ٣٣٠/٢-٣٣٤.
(١) هو: أصبغ بن خليل أبو القاسم الأندلسي المكي فقيه قرطبة ونقيبها أخذ عن الغازي بن
قيس قليلاً وأصبغ بن الفرج وسحنون وغيرهم برع الشروط وكان لايدري الأثر وقد اتهم
في النقل ووضع في عدم رفع اليدين. قيل: وكان ذا تعبد وورع عفا الله عنه توفي سنة
٢٧٣ هـ انظر ترجمته في: تاريخ علماء الأندلس ٧٧/١_٧٩، ميزان الاعتدال ٢٦٩/١
وسير أعلام النبلاء ٢٠٢/١٣ ولسان الميزان ٤٥٨/١-٤٥٩ .
١٠٠٦

بالنعمة ورد به الأمر لما يتضمن من التأسي به فيه واقتفاء طريقته التي
ينشرح لها الصدر، وقد وصفه الإمام الثابت الأركان في العلم والمباني
أبو عمرو الداني(١)، بأنه كان عابداً صالحاً، وإلى الخير جانحاً، فاضلاً
فقيهاً عالماً أديباً، ثقة مأموناً، متهجداً بالقرآن قائماً، ووصفه أبو عمر بن
عبدالبر (٢): العظيم الشأن بالعقل والنبل في الحديث، والتفقه في المسائل،
والعلم بالقرآن، ويروى عنه أنه كان يقول مما يرغب فيه المستفيد: ما من
يوم يأتي إلا يقول: أنا خلق جديد وعلى ما تفعله في شهيد، خذوا مني
قبل أن أبيد، فإذا أمسى، وأقبل الليل قاصداً خر الله ساجداً إلى آخر
الكلام(٣).
(١) ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك ٣٤٧/١ والجزري في غاية النهاية ٢/٢.
(٢) ذكر قول ابن عبدالبر هذا القاضي عياض في ترتيب المدارك ٣٤٨/١ .
(٣) ذكر قوله: ((ما من يوم يأتي إلا يقول ... إلخ)) القاضي عياض في ترتيب المدارك
٣٤٨/١. وانظر ترجمته: طبقات النحويين للزبيدي ص٢٧٦-٢٧٨، وتاريخ علماء
أندلس ص٣٤٥ وجذوة المقتبس ص٣٢٤ وترتيب المدارك ١/ ٣٤٧ وسير أعلام النبلاء
للذهبي ٣٢٢/٩-٣٢٣ وغاية النهاية لابن الجزري ٢/٢ وبغية الوعاة للسيوطي
٢٤٠/٢.
١٠٠٧

٢٨٤ - مسألة: إمام لغير محصورين، يقول في الرفع من
ركوع ثانية الصبح: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، فيقول
المبلغون: ربنا لك الحمد ويمطونها، ليبلغ مدى أصواتهم، من
بعد عنهم، لسعة المسجد، فإذا فرغوا أتى بقنوت الصبح
المعروف. وذيله بقوله الملحن: اللهم لا تهلكنا بغضبك ولا تقتلنا
بعذابك وعافنا قبل ذلك، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه
غيرك، فقيل له: إن الزيادة بدعة، لم ترد في القنوت، فصمم عناداً
مع أن في المأمومين من يتضرر بذلك فهل هو آثم، خارج بذلك
عن العدالة أم لا؟
فالجواب: انتظار الإمام للمبلغين والحالة هذه، إما أن يكون فيه
ساكتاً، أو قائلاً: أهل الثناء، أو ملء السموات. وعلى كل، فهو غير
لائق، خصوصاً وهو ركن قصير، وسواء الصبح في ذلك، أو غيره، لكنه
في الصبح آكد، لأنه بانضمام ألفاظ القنوت إليه يطول، وهو فيما قاله
التاج عبدالرحمن بن إبراهيم بن الفركاح في ((الإقليد)) إن لم يكن مبطلاً فلا
شك في كراهته قال: وإن كان عمل الأئمة غالباً أنهم لا يستكملون ذكر
الاعتدال إلا مع القنوت، فذلك جهل منهم بفقه الصلاة، بل قال ابنه
البرهان: إنه لا ينبغي أن يؤخر الإمام الشروع في القنوت عن: ربنا لك
الحمد، وإن آثر المأمومون التطويل، قال: لأني قد تصفحت الأحاديث،
فلم أجد ما يقتضي التأخير عنه، ولم أر نقلاً صريحاً أن الإمام يزيد هنا
على ربنا لك الحمد، ولا يعارضه الحديث الصحيح الذي فيه الزيادة، فإنه
ليس فيه ذكر القنوت، وهي حكاية لا عموم لها، فتحمل على غير حالة
القنوت، جمعاً بين الأحاديث، ثم حكى عن تهذيب البغوي: أن الشافعي
١٠٠٨

ذهب إلى أنه يقنت في الصبح إذا فرغ من قوله: ربنا لك الحمد إلى آخره،
يعني وهو قوله: من شيء من بعد، أو لا ينفع ذا الجد منك الجد.
وإذا علمت كلام ابني الفركاح فيما هو مأثور في الجملة، فما زاده
هذا الإمام بذلك أحرى، لأنه لم يرد في هذا المحل، كما قاله المرشد،
ولكن عند سماع الرعد والصواعق، ولفظه عند البخاري في الأدب
المفرد، والترمذي في جامعه، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) والحاكم
في مستدركه: كان النبي 8ّ* إذا سمع الرعد والصواعق قال: ((اللهم لا
تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك)).
وكذا أخرجه ابن السني، عن أبي يعلى، وفي لفظ للنسائي أيضاً: إذا
سمع الرعد والبروق قال: ((اللهم لا تهلكنا بشيء من عذابك وعافنا قبل
ذلك)) وأما: ((اللهم اكشف عنا من البلاء إلى آخره)) فهو في الاستسقاء
وإيراد ذلك بدعة ابتدعها هذا الإمام ينشأ عنه مع ما تقدم من انتظاره فراغ
التمطيط، إطالة هذا الركن القصير، وتضمنه إطالة القنوت، مع التصريح
بكراهته، بل في البطلان بذلك احتمال للقاضي حسين، منشأوه أنها قومه
صغيرة كبين السجدتين، ومن ثم توقف بعض محققي المتأخرين ممن
أخذنا عمن لقيه في ضم قنوت عمر إلى هذا، وإن صرحوا بندبه لمنفرد،
أو الإمام لمحصورين، يؤثرون التطويل، ووراء هذا مفسدة أخرى، وهي
أن كثيراً من العوام ممن يدرك الإمام منتصباً للقنوت يحرم، ثم يركع، ثم
يقف مع الإمام، ويعتد بتلك الركعة، فإذا طال القنوت كان أشد في انتشار
المفسدة، وكذلك كان شيخنا رحمه الله يخففه جداً مع الإتيان به سراً،
وإذا علم الإمام تضرر بعض المأمومين بذلك، أو ذهاب خشوع بعضهم
بالمبالغة في الألحان ڤڤالموضوعة المخلة وتمادى في ذلك فهو آثم،
لاسيما إن كان بعد علمه وكون إصراره على وجه العناد، بل هو فاسق
١٠٠٩

بذلك، مردود الرواية والشهادة (١) وبالله التوفيق.
٢٨٥ - مسألة: فيمن نفى إيمان ورقة فضلاً عن صحبته
متمسكاً بقول من لم يشتهر بعلم وصمم على ذلك ماذا يلزمه؟
فالجواب: قد أقر ورقة رضي الله عنه بنبوة النبي وَلقر بقوله: هذا
الناموس الذي أنزل على موسى، ياليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً حين
يخرجك قومك، وفي آخر القصة: ((ثم لم ينشب ورقة أن توفي)). قال
شيخنا رحمه الله: وهذا ظاهر أنه أقر بنبوته، ولكنه مات قبل أن يدعو
رسول الله ◌َّ الناس إلى الإسلام، فيكون مثل بحيرا وفي إثبات الصحبة له
نظر، هذا مع أنه قد ذكره في الصحابة الطبري، والبغوي، وابن قانع،
وابن السكن وآخرون، وشاهده ما تقدم، فإنه آمن به بعد النبوة، وأصرح
منه ما جاء عن عمرو بن شرحبيل وهو من كبار التابعين أن رسول الله وَ له
قال لخديجة رضي الله عنها: ((إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، فقد
والله خشيت على نفسي)) فقالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك، فوالله
إنك لتؤدي الأمانة .. الحديث. فقال له ورقة: ((أبشر، ثم أبشر، فأنا أشهد
أنك الذي بشر به ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي
مرسل وأنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، وإن يدركني ذلك
لأجاهدن معك، فلما توفي قال رسول الله وَّيقول: ((لقد رأيت القس في الجنة
عليه ثياب الحرير، لأنه آمن بي وصدقني)) وهو منقطع، ولكن يعتضد
بمرسل جيد عن عروة بن الزبير لفظه: كان بلال رضي الله عنه الجارية من
بني جمح، وكانوا يعذبونه برمضاء مكة، يلصقون ظهره بالرمضاء لكي
يشرك فيقول: أحد أحد، فيمر به ورقة وهو على تلك الحال فيقول: أحد
(١) تكررت هذه المسألة بتصرف فيما سبق في مسألة رقم (٢٤١) فلتراجع هناك.
١٠١٠

أحد يا بلال، والله لئن قتلتموه لأتخذنه حناناً) وهو كما قال شيخنا: يدل
على أن ورقة عاش إلى أن دعا النبي وَالله إلى الإسلام حتى أسلم بلال
وحينئذٍ فقوله فيما تقدم: ((ثم لم ينشب)) أي قبل أن يشتهر الإسلام ويؤمر
النبي * بالجهاد. انتهى.
على أن ظاهر صنيع شيخنا في شرح النخبة اختصاص التوقف بمن
لم يدرك البعثة، فإنه قال : - وقد عرف الصحابي - بأنه من لقي النبي ◌َل
مؤمناً به إلى آخره، أن قوله: ((به)) يخرج من لقيه مؤمناً، لكن بغيره من
الأنبياء، ولكن هل يخرج من لقيه مؤمناً بأنه سيبعث ولم يدرك البعثة، فيه
نظر، ويتأيد صنيعه هنا بمغايرته بين بحيرا، وورقة، فذكر بحيرا في القسم
الرابع من كتابه في الصحابة لكونه كان قبل البعثة، وذكر ورقة في القسم
الأول منه، لكونه إن لم يكن بعد الدعوة، كان بعد النبوة، وإذا كان كذلك
فلا يليق الجزم بنفي صحبته، وأما نفي كونه مؤمناً، فجهل صريح، ويمنع
قائله، فإن أصر أدب، وإن قال ابن منده أنهم اختلفوا في إسلامه، ویروی
مما هو ضعيف: أنه مات على نصرانيته، لقول النووي رحمه الله: إن ما
صدرت به جوابي، ظاهر في إسلامه، واتباعه، وتصديقه، وهو المعتمد،
والمرجوع في هذا وأشباهه لأئمة الحديث ونقاده وللحديث رجال يعرفون
به وللدواوين كتاب وحساب والمسألة محتملة للبسط أكثر، ولكن المرجو
حصول الغرض بما أثبت، والله المعين(١).
(١) تكررت المسألة فيما سبق برقم (٢٤٠).
١٠١١

٢٨٦ - مسألة: بم يستفتح به الدعاء عقب الصلاة، أبالتسمية
أم بالحمد؟
فالجواب: السنة أن يفتتح دعاءه عقب الصلاة وغيرها بحمد الله
تعالى والثناء عليه والصلاة على رسول الله ◌َ طر، لما رواه أبوداود في سننه
عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: سمع النبي ◌َّه رجلاً يدعو في
صلاته، لم يمجد الله، ولم يصل على النبي ◌َّ- فقال رسول الله وَله:
((عجل هذا)) ثم دعاه فقال له أو لغيره: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه
والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ◌َّر، ثم يدعو بعد بما شاء)).
وأخرجه الترمذي وصححه والنسائي، وكذا ابن خزيمة، وابن حبان،
والحاكم في صحاحهم وقال الحاكم: إنه على شرط مسلم، وفي موضع
آخر: على شرطهما، ولا أعرف له علة، وفي لفظ عند بعضهم: ((بتمجيد
الله تعالى والثناء عليه)) وفي آخر: ((فمجد الله وحمده)) وفي لفظ للترمذي
وغيره: بينما رسول الله وَالل قاعداً، إذ دخل رجل فصلى، فقال: اللهم
اغفر لي وارحمني فقال النبي وَلّ: ((عجلت أيها المصلي، إذا صليت
فقعدت فاحمد الله بما هو أهله، ثم صل علي، ثم ادعه)) قال: ثم صلى
رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله، وصلى على النبي وَّ فقال رسول الله
وَالجر: ((أيها المصلي ادع تجب)) وفي رواية: ((سل تعطه)) وقد أورده النووي
في آخر الترجمة التي عقدها للأذكار بعد الصلاة من أذكاره ولقوله وقلت :
((كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله)) وفي رواية ((ببسم الله فهو أقطع))
وكأنه أريد بالحمدلة والبسملة ما هو أعم منهما، وهو ذكر الله تعالى،
والثناء عليه، على الجملة بصيغة الحمد، أو غيرها، ويؤيده رواية ثالثة
لفظها: (بذكر الله)) وحينئذٍ فالحمد لله والذكر والتسمية سواء، فمن ابتدأ
١٠١٢

((بحمد الله والصلاة علىَّ)) كما بينت كل ذلك في جزء مفرد في الكلام على
هذا الحديث، وبما قررناه في حصول المقصود بواحد مما ذكر، يجاب
عن الأحاديث التي وردت في دعائه ويّله عقب الصلاة، وليس فيها التصريح
بالبداءة بالحمد ولا بالتسوية، وكذا عن قوله ◌ّ ﴿ لمعاذ بن جبل رضي الله
عنه: ((أوصيك يامعاذ بكلمات لا تدعهن في دبر كل صلاة أن تقول: رب
أعني على شكرك، وذكرك، وحسن عبادتك))، لأن أكثرها مسبوقة بأذكار،
أو يجاب عنها بالاكتفاء بما ابتدأ به الصلاة من التكبير، ودعاء الاستفتاح،
والحمد، أو أنه لبيان الجواز، نعم. يروى أنه وَلفر كان إذا قضى صلاته
مسح جبهته بيده اليمنى، ثم يقول: ((بسم الله الذي لا إله إلا هو الرحمن
الرحيم، اللهم أذهب عني الهم والحزن)) وفي لفظ: كان إذا صلى وفرغ من
صلاته مسح بيمينه على رأسه وقال: ((بسم الله الذي لا إله غيره، الرحمن
الرحيم، اللهم)) وذكره. وفي حديث لجابر رضي الله عنه قال: علمني
رسول الله وَ﴿ أن أقول خلف كل صلاة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم اغفر لي ما قدمت
وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أبديت وما أخفيت، أنت إلهي،
لا إله إلا أنت)).
ولابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي ◌َّو إذا انصرف من
الصلاة قال: ((لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد،
يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا
معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) وعن عائشة رضي الله عنها
نحوه، وفي تخريجها واستيفاء ما يشبهها طول، حصل الغرض بدونه،
وبالجملة فالأكمل الابتداء بالحمد، أو ما يقوم مقامه، مما فيه تمجيد
وثناء، عملاً بحديث فضالة، وإن كان أصل السنة يحصل بمجرد الذكر،
١٠١٣

وثناء، عملاً بحديث فضالة، وإن كان أصل السنة يحصل بمجرد الذكر،
وبالله التوفيق(١).
(١) تكررت المسألة فيما سبق برقم (٢٣٩).
١٠١٤

٢٨٧ - مسألة: في هدم المكان الذي أحدثه اليهود - لعنهم
الله - کنیسةً ببیت المقدس، استفتي عنه قبل جریان ما جرى؟
فالجواب: أما اليهود، فهم لكونهم مع كفرهم بدينهم، زادوا، كما
هو المعهود بمزيد الجمود والنقض للعهود، والاهتمام التام بالغدر بنبينا
عليه أفضل الصلاة والسلام، بحيث أنهم اتفقوا مرة فيما بينهم، حين كان
جالساً مع أصحابه بجانب جدار لهم، على أن شقياً منهم يصعد إلى أعلى
الجدار فيلقي عليه صخرة، ليقتل ويستريح كل منهم - زعم منه - دهره،
فأتاه عن الله الخبر بما به هموا، فانصرف راجعاً، وخابوا وذموا(١). ودسوا
مرة عليه منهم شقيةً فسمته في شاةٍ أتته بها مصلية(٢). واجتهدوا أيضاً في
(١) انظر واقعة طرح أو إلقاء الصخرة عليه لمحاولة قتله ويطلقر في: سيرة ابن هشام ٢٠٤/٢
وفتح الباري ٣٣١/٧ والسيرة النبوية الصحيحة للدكتور أكرم ضياء العمري
٣٠٦/١ -٣٠٧ فقد ذكر محاولتين من بني النضير لقتله و 9 الأولى: بعد كتابة قريش
إليهم وتهديدها بالحرب إن لم يقاتلوا الرسول ومن ط قه فاستجابوا لهم وعزموا على الغدر
وأرسلوا إلى النبي ◌َّطاهر أن يخرج إليهم في ثلاثين من أصحابه ووعدوا أن يخرجوا
بمثلهم من أحبارهم إلى موضع وسط ليستمعوا منه فإن صدقوه آمنت يهود، فلما اقتربوا
اقترحت اليهود أن يجتمع النبي وَالقر ومعه ثلاثة من أصحابه بثلاثة من أحبارهم فإذا
أقنعهم آمنت بنو النضير وقد حمل الثلاثة خناجرهم، لكن امرأة منهم أنشت خبرهم
فأخبر النبي ◌َّه فرجع ولم يقابلهم. وقد أخرج هذه القصة عبدالرزاق في مصنفه
٣٥٩/٥ -٣٦٠ وأبوداود في سننه في كتاب الخراج والفيء والإمارة، باب في خبر
النضير ٤٠٤/٣-٤٠٧ رقم (٣٠٠٤) والحاكم في المستدرك ٤٨٣/٢ في التفسير
والبيهقي في الدلائل ١٧٨/٣-١٧٩ وانظر: فتح الباري ٣٣١/٧.
والثانية: هي التي تذكر كتب السيرة عندما ذهب الرسول وَ فيه إلى بني النضير ليستعين
بهم في دية الرجلين المعاهدين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ فجلس إلى
جدار لبني النضير فهموا بإلقاء الحجر عليه وقتله فأخبر بالوحي عن ذلك.
(٢) وقصة المرأة التي وضعت السم للنبي وَي وأصحابه في شاة مصلية، أخرجها البخاري =
١٠١٥

سحره، فقوهروا بعلى قدره، فاجتمعوا بلبيد بن الأعصم، وكان منافقاً
وجعلوا له جعلاً على أن يسحره سحراً واثقاً(١)، فانقلبوا بعد أن تعبوا
بخزي وامتهان، وذل من سائر الأركان، وأنهم من أتباع الأعور الدجال،
المستعدين للمسلمين بالسيوف والنبال، وسائر أنواع القتال مع النص
المتيقن بأنهم أشد لنا في الحسد والعداوة، وأبد للتمكن من البلادة
والغباوة حتى اشتهر أنه ما خلا بعضهم بمسلم، إلا وهم بقتل له معدم،
ويروى في ذلك حديث مرفوع بينته في غير هذا المجموع(٢)، ومصداقه ما
في المغازي، باب الشاة التي سمت النبي ◌َّير ٧/ ٤٩٧ رقم (٤٢٤٩) مختصراً عن أبي
=
هريرة وفي الهبة برقم (٢٦١٧) عن أنس، ومسلم في السَّلام، باب السم ١٧٢١/٤ رقم
(٢١٩٠) عن أنس، وأبوداود في الأطعمة، باب في أكل اللحم ١٤٦/٤ رقم (٣٧٨٢)
عن ابن مسعود وفي الديات، باب فيمن سقى رجلاً سما .. إلخ ٦٤٧/٤ رقم
(٤٥٠٨) عن أنس و(٤٥٠٩) عن أبي هريرة و(٤٥١٠) عن جابر ورقم (٤٥١١) عن أبي
سلمة وانظر رقم (٤٥١٢، ٤٥١٣، ٤٥١٤) وأحمد في مسنده ٣٠٥/١، ٣٧٢، ٣٩٤،
٣٩٧، ٤٠٨، ٤٣٤ والدارمي في المقدمة ٣٢/١-٣٤ عن أبي سلمة، والزهري، وأبي
هريرة. ومحمد بن عاصم الأصبهاني في جزئه ص(١٢٢) رقم (٣٩) عن أنس وانظر:
تاريخ الطبري ١٥/٣ والطبقات لابن سعد ٢٠٢/٢، ٢٠٣، وسيرة ابن هشام ٢٨٨/٣.
(١) قصة سحر لبيد بن الأعصم النبي ◌ّ﴿ أخرجها البخاري في الطب، باب السحر
٢٢١/١٠ رقم (٥٧٦٣) ومسلم في السلام، باب السحر ١٧١٩/٤-١٧٢٠ رقم
(٢١٨٩) وابن ماجه في الطب، باب السحر ١١٧٣/٢ رقم (٣٥٤٥)، وابن سعد في
الطبقات ١٩٦/٢ كلهم عن عائشة رضي الله عنها.
وأخرجه ابن سعد في الطبقات ١٩٧/٢ عن عمر بن الحكم.
(٢) والحديث الذي يشير إليه المؤلف أخرجه ابن حبان في المجروحين ١٢٢/١ والخطيب
في تاريخه ٣١٦/٨ بلفظ: ((ما خلا يهودي بمسلم قط إلا حدث نفسه بالقتل)) وذكره ابن
كثير في تفسيره ٨٥/٢ من طريق ابن مردويه والعسكري. وأخرجه الديلمي في مسند
الفردوس برقم (٦٣٤٠) لكن بلفظ التثنية ((يهوديان)) وذكره المؤلف في المقاصد
ص٣٦٧ رقم (٩٥٧) والسيوطي في الدر المنثور ١٢٩/٣ وعزاه لأبي الشيخ وابن =
١٠١٦

حكاه لي قاضي الحنابلة العز المرحوم، وحاله في الجلالة معلوم أنه كان
مرة وحده ماراً بجانب بركة ومقابله من الجانب الآخر يهودي ممن له سعي
وحركة، فشرع اللعين في حذفه بالحجارة وأسرع في تواليها بيقين، قاصداً
إقباره، فسلم الله من غدره، ورد كيد اللعين في نحره(١). بل حكى الفخر
الرازي في تفسيره المتقن(٢): أن مذهبهم وجوب الأذى للمسلمين مهما
أمكن بقتل، أو قطع، أو أخذ مال، أو نحوها، مما ليس لهم عنه انتقال،
كقولهم في التحية المقصود بها الإكرام: عليكم السام(٣)، بخلاف
النصارى، زيدوا شقاء دهرهم، فإن الأذية حرام عندهم، وكونهم أكذب
الخلق على الله، وأنبيائه ورسله، وأصفيائه. وفي كلام أبي حيان لهذا مزيد
بيان، فإنه قال عند رأس الحزب الثاني في سورة المائدة من ((بحره)) (٤)
مردويه. والعجلوني في كشف الخفاء ٢٤٤/٢ رقم (٢٢١٠).
=
(١) أشار إلى هذه الحكاية المؤلف في المقاصد الحسنة ص (٣٦٧) تحت حديث رقم
(٩٥٧) وعز الدين هو: أحمد بن إبراهيم بن نصر الله الكناني. انظر ترجمته في الضوء
اللامع للمؤلف ٢٠٥/١ وشذرات الذهب ٣٢١/٧ وحوادث الزمان ٢/ ٦١.
(٢) انظر: تفسير الفخر الرازي ١٢/ ٧٠ عند تفسير قوله تعالى: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة
للذين آمنوا اليهود .... ) الآية.
(٣) انظر: تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ٤/ ٤.
(٤) أخرجه البخاري في استتابة المرتدين، باب إذا عرض الذمي أو غيره بسب النبي وَؤ ول
ولم يصرح نحو قوله السام عليكم ١٢/ ٢٨٠ رقم (٦٩٢٨) وفي الاستئذان، باب كيف
الرد على أهل الذمة برقم (٦٢٥٧) وفي الأدب المفرد برقم (١١٠٦) ومسلم في
السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام ١٧٠٦/٤ رقم (٢١٦٤) وأبو داود
في الأدب، باب في السلام على أهل الذمة ٣٨٤/٥ رقم (٥٢٠٦) والترمذي في
السير، باب ما جاء في التسليم على أهل الكتاب ١٥٥/٤ رقم (١٦٠٣) والنسائي في
الكبرى، في عمل اليوم والليلة، باب ما يقول لأهل الكتاب إذا سلموا عليه ٦/ ١٠٢
رقم (١٠٢١٠، ١٠٢١٢) وفي كتابه عمل اليوم والليلة برقم (٣٧٨، ٣٨٠) وأحمد في =
١٠١٧

أنهم تَرَبَّوأ على تكذيب الأنبياء وقتلهم، وعلى العتو والمعاصي،
واستشعار اللعنة، وضرب الذلة والمسكنة، فتجردت عداوتهم وكيدهم
وحسدهم وخبثهم قال: وفي وصف الله إياهم بأنهم أشد عداوة إشعار
بصعوبة إجابتهم إلى الحق، ولذلك قل إسلام اليهود، وقال: وإنما جعل
النصارى أقرب وداً وألين عريكة منهم، لأنهم أمة لهم الوفاء والخلال
الأربع التي ذكر عمرو بن العاص رضي الله عنه في صحيح مسلم:
ويعظمون من أهل الإسلام من استشعروا منه ديناً وأمانة، ويبغضون أهل
الفسق، وإذا سالموا فسلمهم صافٍ، وإذا حاربوا فحربهم مدافعة، لأن
شرعهم لا يأمرهم بذلك، قال: واليهود ليسوا على شيء من أخلاق
النصارى، بل شأنهم الخبث واللي بالألسنة، وفي خلال إحسانك إلى
اليهود يترقب ما يعبأ لك به، ألا ترى إلى ما حكى تعالى عنهم في قوله:
﴿ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل﴾(١) انتهى. كانوا في كل
قطر وزمان من الذل والامتهان بأوضع مكان، فرءوسهم منكسة، ونفوسهم
بالمباهتة مؤسسة، لا كنيسة لهم تذكر، ولا نفيسة عنهم تعتبر، بل هم
أقل، وأحقر وأذل وأفقر، وأنتن وأقذر، وأعفن وأدبر، إلى غير ذلك مما
هو أشهر من أن ينقل ويؤثر، وانظر إلى قول ابن الناطور رئيس نصارى
بيت المقدس فيهم لهرقل ملك الروم بعد أن عرفهم بالخزي واللوم، وتقرر
لديه نيتهم: لا يهمنك شأنهم، واكتب إلى أهل المدائن التي في مملكتك
مسنده ٩/٢، ١٩، ٥٨، ١١٤ ومالك في الموطأ ١٣٢/٣ وعبدالرزاق في مصنفه برقم
=
(٩٨٤٠) وابن أبي شيبة في مصنفه ٨/ ٦٣٠، ٦٣١ وابن حبان في صحيحه الإحسان
٢٥٤/٢ رقم (٥٠٢) والبيهقي في السنن الكبرى ٢٠٣/٩ وفي الآداب برقم (٢٦٣)
والبغوي في شرح السنة (٣٣١١).
(١) آية (٧٥) من سورة آل عمران. وإلى هنا انتهى كلام أبي حيان في تفسيره.
١٠١٨

1
وتحت سلطنتك وقبضتك فليقتلوا من بها منهم، ويزيلوا بذلك المكروه
عنهم، تعرف أنهم لم يكن لهم قبل الإسلام شوكة ولا علو في دار ولا
مملكة .
وكذا ذكر أبوحيان في البحر (١) عند قوله من تفسير آل عمران
﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾(٢) نقلاً عن ابن إسحاق: إن
اليهود غزوا الحواريين بعد رفع عيسى، فأخذوهم وعذبوهم فسمع بذلك
ملك الروم وكان ملك الروم من رعيته فأنقذهم، ثم غزا بني إسرائيل،
وصار نصرانياً ولم يظهر ذلك ثم ولي آخر بعد وغزا بيت المقدس بعد رفع
عيسى بنحو أربعين سنة، فلم يترك فيه حجراً على آخر، وخرج عند ذلك
قريظة والنضير إلى الحجاز، فكان من أمرهم ما ذكر في السؤال مما
طويته، وقال شيخنا - أعلم أهل الأرض بالخبر - شيخ مشايخ الإسلام ابن
حجر، تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه أعالي جنته -: إنهم كانوا مع
كثرتهم بإيلياء من تحت الذلة مع الروم الأشقياء لم يكونوا ملوكاً
برؤوسهم، لما علم الله من مزيد خبث نفوسهم. ونقل أبوحيان(٣) عند قوله
في آل عمران أيضاً ﴿وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم
القيامة﴾(٤) عن غيره: إن الآية تخبر عن إذلال اليهود وعقوبتهم بأن
النصارى فوقهم في جميع أقطار الأرض إلى يوم القيامة فلا تكون لهم
مملكة كما للنصارى، ثم حكى عن الجمهور في تفسير الآية سبباً آخر.
ومن ذلهم المستمر أنه لما انتشر الإسلام واستتر كفر أهل الملة اللئام،
(١) انظر: تفسير البحر المحيط لأبي حيان ٢/ ٤٧٢ .
(٢) آية ٥٤ من سورة آل عمران.
(٣) انظر: تفسير البحر المحيط ٢/ ٤٧٤ .
(٤) آية ٥٥ من سورة آل عمران.
١٠١٩

وعوهد النصارى الحيارى امتنعوا من مساكنتهم واجتمعوا على اشتراط
إبعادهم عن ساحتهم، ولم ينقل فيما استقريته الاستقراء التام أن لهم كنيسة
بدار الإسلام حسبما أشير إليه في مطوي السؤال وصير إلى تحريره فيه
بأحسن مقال، ونحوه قول أبي حيان: إنه لم يكن فيهم قط أهل ديار ولا
صوامع وانقطاع عن الدنيا، بل هم متطامعون متطاولون لتحصيلها حتى
كأنهم لا يؤمنون بآخرة، ولذلك لا يرى فيهم زاهد (١). ويتأيد بما نقل لي
عن شيخنا وأستاذنا أنه قال: كل ما بالقاهرة منها محدث، مستحق
الاستهدام، حقيقة بالإزالة والإعدام وكذا قال التقي المقريزي (٢) أوحد
بالمؤرخين بالاعتراف جميع كنائس القاهرة محدث في الإسلام بلا خلاف،
وقد هدم جلها المسلمون في زمن الناصر محمد بن قلاون بغير اختياره
ومرسومه، بل بتأييد من الله تعالى، العالم بظاهر الأمر ومكتومه ولذلك
سبب عجيب، وخبر غريب، وهو أنه بعد فراغ الناس من صلاة الجمعة
بقلعة الجبل قام موله في وسط الجامع فصاح صباحاً مزعجاً خرج به عن
الحد: اهدموا الكنيسة التي بالقلعة وكرر ذلك ثم اضطرب، فتعجب
السلطان والأمراء من قوله: ورسم بالفحص عنه فوجد بخرائب التتر من
القلعة قد بنيت كنيسة فهدمت، ولم يفرغوا منها حتى جاء الجيران العوام
والغوغاء اجتمعوا وقت صلاة الجمعة أيضاً وهدموا عدة كنائس بقناطر
السباع ونواحيها ما بها وهو شيء يفوق الوصف حتى صارت كوماً، واتفق
مثل ذلك في هذا اليوم أيضاً بالقاهرة حيث صاح شخص آخر من الفقراء
بجامع الأزهر بين خروج الخطيب والأذان بقوله: اهدموا كنائس الكفر
والطغيان. نعم، الله أكبر، فتح الله ونصر، وصار يزعج نفسه ويصرخ
(١) انظر: تفسير البحر المحيط ٥/٤.
(٢) انظر: الخطط والآثار للمقريزي ٥١٢/٢_٥١٣.
١٠٢٠