Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢٠
السؤال الثّامِن
هل يُقبلُ الجمعُ بالرأي أم لا ؟
هل يُقبَلُ الجمْعُ والتطبيق بمجرَّد الرأي من غيرِ دلالةِ
النص عليه على وجه من الوجوه ؟
الجواب
لا يُقبَل الجمعُ مالم يَشْهَدْ به نصٌّ شرعيٌ شهادةً ظاهرةً
أو خفيَّةً، أو ضابطٌ (١) شرعيٌ تَبَتَ بدليلٍ شرعيّ ، وأما بالرأي
المحضِ بدونِ دلالةِ الشرعِ فيه من وجه من الوجوه فغير مقبول
عند نُقَّادِ الفحول، ومِن ثَمَّ صرَّحوا بأنه لا يَكُلُ للقيامِ بالجمعِ
إلا الجامعون بين صناعتي الحديث والفقه، الغوّاصون على المعاني الدقيقة
كما في ((مقدمة ابن الصلاح))(٣) وغيره .
(١) وقع في الأصل: ( أو ضبط شرعي). وهو تحريف.
(٢): (ص ٢٤٤) في نوع ((معرفة مختلف الحديث)). وعبارةُ النووي في
((التقريب)): (ص ٣٧٨) أتمّ مما هنا، ونصها: ((وإنما يكُلُ له الأئمة الجامعون
بين الحديث والفقه ، والأصوليون الغوّاصون على المعاني».
وقال الحافظ العراقي في ((شرح الألفية)): (٣٠٢/٢): «صنَّفَ في =

٢٢١
= ( مختلف الحديث ): أبو محمد بن قتيبة، فأتى بأشياء حسنة، وقَصُرَ باعُهُ
في أشياء قصّر فيها. وصنَّفَ في ذلك محمدُ بن جرير الطبري ، وأبو جعفر الطحاوي
كتابَهُ: ((مشكل الآثار))، وهو من أجل كتبه)). وقال الحافظ السخاوي في
((فتح المغيث)): (ص ٣٦٣): ((ومن صنّفَ فيه أيضاً: أبو بكر بن قُوْرَك،
وأبو محمد القَصْري - الأندلسي - )).
قال شيخنا الكوثري رحمه الله تعالى في المقدمة الحافلة التي كتبها لكتاب
((الأسماء والصفات)) للمبهقي ( ص: ي): ((وكتابُ الامام أبي بكر محمد بن الحسن
ابن فُوْرَك في تأويل أحاديث الصفات: معروف، لكن لو اقتصر على الأحاديث
الثابتة بدون تعرّضٍ للواهيات لما أبعد في التأويل)). وقال أيضاً في تعليقةٍ له على
(ص ٤١١) من الكتاب المذكور: ((وأبو بكر بن فورك على جلالة قدره في علم
الكلام، كثيراً ما يطيشُ سهمُهُ في باب التأويل)). وقال رحمه الله تعالى في كتابه
(((الامتاع بسيرة الإمامين. الحسن بن زياد، ومحمد بن شُجاع)): (ص ٦٤) :
(( وتأويلُ بعضهم لبعض الأخبار الموضوعة ممالا داعي إليه عند من اعترف بوضعها،
ولا حاجةَ في افتراض سحَّها والاسترسال في تأويلها، كما فعل ابنُ فُؤْرَك
وغيرُهُ)) يعني لأن التفسير فرع الصحة والثبوت. ولا حجة ولا ثبوت لها، فأغنى
ذلك عن تفسيرها .

٢٢٢
السؤال التّاسِع
ترك الراوي العملَ بظاهر الرواية، هل يصلحُ مُحجة" لترك الراوية؟
تَرْكُ الراوي العَمَلَ بظاهر الرواية، هل يَصلْحُ حُجَّةً
لترك الرواية أم لا؟
الجواب
فيه خلافٌ بين الأمة وفقهاء الأمَّة، فانه إِذا رَوَى الصحابيّ
حديثاً فلا يخلو إما أن يكونُ مُخْتمِلاً للمعاني ولم يكن واحدٌ منها
ظاهراً، كالمُشترَك والمُجْمَل ونحو ذلك، فحُمِلَ عَلى أَحَدٍ مُمَلَيه،
فالمتعيّنُ ذلك المحمِلُ عند الجمهور، منهم الشافعيةُ وبعضُ الحنفية،لأنَّ
الظاهر من حالهِ عِدمُ حَمْلِهِ عليه إلا بقرينةٍ ظهرت له، والصحابيُّ
العارفُ بأحوالِ النِي ◌َّيِ، الواقفُ على أسرارِهِ أعرَفُ بذلك
من غيره، فكان حَمْلُه بياناً منه أنَّ النبي ◌َِّ أراد ذلك، فلا يُتركُ
تأويلُه إلا بالأقوى منه، وخالفَ فيهأكثرُ الحنفية حيث قالوا: لا يجبُ
تقليدُ تأويل الصحابي بجوازٍ أن يكون حَمَلَهُ عليه برأيه فلاَ يبطُلُ به
احتمالَ آخَرُ شمِلَه النص" .

٢٢٣
وإِذا رَوَى الصحائيُ حديثاً ظاهراً في معنى فحمَلهُ على غیرِهِ ،
فالا كثرُ منهم الشافعيةُ والمالكيةُ والكرخيُ من الحنفية - يحملونه على
الظاهر، ولا يعتبرون قولَ الصحابي، وأكثرُ الحنفية والحنابلة يحملونه على
ما حمَلَ عليه الصحابيُ من خلاف الظاهر، ويتركون العمل بالظاهر
بناءً على أنَّ تَرْكَ الظاهر بلا وجه حرامٌ ، فلا يتركه إلا بدليل
مُرَ جَّح لما ليس بظاهر، كذا في شروح ((التحرير))(١) وشروح
(«المُسلَّم)) (٢) وغيرها.
والظاهرُ في هذا المقام: هو عدَمُ تَركِ ظاهر النصّ ماحمَلهُ
الصحابيُّ من خلاف الظاهر، لأنَّ قول الرسول عٍَّ لا يَنْظُل
يقول غيره ، فما أفاد بظاهره لا يَبْطُل الاحتجاجُ به بترك غيره،
غايةُ الأمر أنَّ الصحابيَّ ظهَرَتْ له قرأْنُ رَجَّحتْ حمّلَهُ على
ماحملَهُ عليه ولم تظهر تلك القرائنُ لغيره، فلا تخرُجُّ الظاهرُ عن
حيّز الاحتجاج في حقه .
(١): (٢٦٥/٢) بشرح الشيخ ابن أمير الحاج، و(٧١/٣) بشرح أمير
بادشاه الحسيني .
(٢): (١٦٢/٢) (شرح الشيخ محبّ اللّه بن عبد الشكور.

٢٢٤
السؤال العاشر
في مُعارضةِ الصحابي بالمرفوع
إِذا وُجُدَ بمعارضة حديثٍ مُسْنَدٍ صحيحٍ قولُ صحابيّ
أو فعلُهُ ، فهل يُتوقّفُ في قبول ذلك الحديث؟ أم يُتوقّفُ عن
قبول ذلك ؟
الجرايب
قولُ الصحابي وفِعلُه المعارِضُِ لحديثِ مُسنَدٍ صحيحٍ
لا يخلو: إما أن يَعْبُتَ بسندٍ صحيح كسنَدٍ مُسْنِدٍ صحيح، أَو
لا ، فعلى التقديرِ الثاني يترجَّحُ الحديثُ على ذلك الأثر بالضرورة
لترجُحِ الثابتِ الصحيح على غيرهِ بالقوة، وعلى التقدير الأوَّلِ ففيه
تفصيلٌ للحنفية بين ما إِذا كان الصحابيُ راوياً للحديثِ ، وبين ما إِذا
كان غيرَ زاوٍ له، وبين ماهو جَرْحٌ وخلافٌ بيقين، وبين ما ليس
كذلك، وهو مبسوطٌ في (الكشف)) (١)، و((التحقيق))، و((التوضيح))(٢)
(١): (( كشف الأسرار)) اعبد العزيز البخاري (٥٩/٣ - ٦٧).
(٢): ((التوضيح)) لصدر الشريعة: (١٣/٢).

٢٢٥
وشروح((التحرير))(١) وغيرها .
وفعْلَه أحقُ
والحقُّ في هذا المقام أنَّ قولَ النبي ◌ِّ
بالاتباع، وقولَ غيره أو فِعلَه لا يُساويه في الاتباع ، فاذا وجِدَمن
الصحابيّ ما يخالفُ الحديث النبويَّ يُؤْخَذُ بخبر الرسول وُ يجمع بينه
وبين أثر الصحابي ليَخرجَ من حيّز الخلافِ إِلى التوافقِ والقبول،
وذلك لحُسنِ الظنّ بهم والترغيبِ مِن النبي ◌ٍِّ إِلى الاهتداء بهديهم،
وطُرقُ الجمعِ كثيرةٌ أدناها الحملُ على العزيمةِ والرُّخصة. ونظيرُهُ
مارُوي عن ان مسعود من التطبيق (٢) مع ثبوت وضْعِ الأيدي
بالتحقيق، فانه حَمَلَ الوضعَ(٣) على الرخصة وأخذَ بالتطبيق ظناً منه أنه
العزيمة . ذكره فخر الإسلام في ((أصوله)) (٤).
وقد يكون خلافُ الصحابي لأنه لم يكن بلَغَهُ ذلك الحديثُ
الصحيحُ، ومثلُه كثيرٌ شهير. أو بلَغَهُ وحَمَلَه على خلاف الظاهر
(١): ((التحرير)) الكمال بن الهمام (٢٦٥/٢).
(٢) قال الشيخ عبد العزيز البخاري في ((كشف الأسرار شرح أصول.
البزدوي)): (٦٧/٣): ((التطبيقُ أن يَضمَّ المصلي إحدى الكفين إلى الأخرى
ويرسلها بين فخذيه في الركوع)).
(٣) أي وضعَ اليدين على الركبتين والأخذ بها في أثناء الركوع .
(٤) : (٦٧/٣) .

٢٢٦
بقرينة ظهرت له (١)، وهي لا تُوجِب بطلانَ الظاهر. أو حَمَلَهُ على
ظاهرِهِ، لكن تركَهُ لحديثٍ آخَرَ معارِضٍ لِه مُساوٍ له أو أرجَحَ
منه عنده، ونحو ذلك من الاحتمالات الممكنة. فمع هذه الاحتمالات
لا يُتَرَكُ الحديثُ الصحيحُ بأثرِ الصحابي، وإليه أشار ابن الهُمام
حيث قال في ((فتح القدير)) في بحث الجمعة (٣): قولُ الصحابي: حُجَّةٌ
عندنا ، فيجبُ تقليدهُ مالم ينفِهِ شيء من السُّنة. انتهى.
وقد ذَكَرَ صاحبُ (الدراسات)» في هذا البحث تفصيلاً حسناً
فأغنائي عن التفصيل(٣).
(١) وقع في الأصل: ( لها ) . وهو تحريف ظاهر.
(٢) : (٤٢١/١) .
(٣) قال صاحبُ ((دراسات اللبيب)) فيها: (ص ٣٩٣): ((التمسكُ بآثار
الصحابة عند وجدان المرفوع الصحيح على خلافه: تمسكُ ضعيفٌ قام الدليلُ
الحقء على وجوبٍ تركه. فانّ قولَ المعصومِ الواجب علينا اتباعُه بمجرّدٍ ثبوت
صحته عندنا: لا يُعارضُهُ قولُ غيره كائناً من كان.
فيُحَمَلُ قولُ الصحابيّ أنه لم يبلغه قولُ المعصوم، وهو كثير في الصحابة،
أو بلَغَهُ لكنْ تركهُ لعارضٍ اجتهادي لا يكون فهمُه فيه حُجّة على غيره، ولا
ينحصرُ ذلك في على نسخه لاحتمال وجوهٍ آخَرَ، كبلوغ حديثٍ آخَرَ إليه
قهمَهُ مُعارضاً لهذا الحديث مع ثبوتٍ تأخر ذلك عنده، فعَميلَ بماهو الآخِرُ
عملاً. وسواء في هذا أن يكون الحديثُ المتروكُ من روايته أو من رواية غيره،
وليس الحديثُ الآخرُ مُعارضاً بالأول كما فِهم.

٢٢٧
وليكن هذا آخِرَ الكلام في هذا المقام ، وكان ذلك في ليلة
الاثنين الثاني من ذي الحجة من شهور السنة الحادية والتسعين بعد
الألف والمائتين من الهجرة النبوية ، على صاحبها أفضلُ صلاة وتحية .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاةُ والسلامُ على رسوله
محمد وآله وصحبه أجمعين .
= وكان جائزاً عليهم الرجوع إلى فهمهم، وَتَرْكُ فَهْمهم. وكيف
لا نقولُ بجواز هذا مع أنه ثبَتَ اعتمادهم على قولٍ بعض التابعين أزيدَ من الاعتماد
على أنفسهم ؟
مع هذه الاحتمالات فيما ذهب إليه الصحابي كيف يُتْرَّكُ بقوله قولُ
المعصوم الحقّ الذي انسدّ دونه بابُ المزاحمةِ رأساً صَّ الله؟ وكيف يحيلُ ذلك
للمُسلم ؟ أوَ ليس ذلك من قبيلٍ ترك اليقين بالشك"؟). انتهى ملخصاً.
وهنا تمَّت التعليمات الحافلةعلى الأجوبة الفاضلة فرغ منها العبد
الضعيفُ الفقيرُ إليه تعالى عبد الفتاح بن محمد بن بشير أبو غدة ، خادم العلم
في مدينة حلب يوم السبت ١٩ من شعبان المكرم سنة ١٣٨٣ والحمد لله رب العالمين.
ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولذوينا ولسائر المسلمين ، ربنا ولا تجعل في قلوبنا
غلا للذين آمنوا ربنا إنك غفورٌ رحيم.

٢٢٨
وجوبُ العمل بالحديث الضعيف إِذا تلقاه الناس بالقبول
وَعملوا بمدلوله، ويكون* ذلك تصحيحاً له .
تقدُّمَت الاحالةُ إلى هذا البحث في التعليق (ص ٥٢) عند قول السخاوي
رحمه الله تعالى في مبحث العمل بالحديث الضعيف: ((وكذا إذا تلقّت الأمَّة"
الضعيف بالقبول يُعمّلُ به على الصحيح)). وها أنا ذا أوردُ هنا ما أحلت إليه
هناك استكمالاً لمقاصد هذا الكتاب فأقول :
سُئِلَ العلامةُ المحدِّثُ الفقيه الشيخ حُسَين بن محسن الأنصاري اليماني
المتوفى بيلدة بهوبال من الهند سنة ١٣٢٧ رحمه الله تعالى عن قول الامام الترمذي
في ((جامعه)) إذا ذكَرَ حديثاً ضعيفاً قال: ((والعملُ عليه عند أهل العلم)).
من ذلك قوله في باب الجمع بين الصلاتين (٣٠٣/١) من حديث حذّشٍ
عن عكرمة عن ابن عباسٍ عن النبي صَّ لّه قال: ((مَنْ جَمّعَ بين الصلاتين من
غيرٍ عُذْ رفقد أتى بابا من أبواب الكبائر)).
قال أبو عيسى: حَنَشُ هذا هو بو عليّ الرَّحبي، وهو حُسَينُ بِنُ
قيس ، وهو ضعيفٌ عند أهل الحديث، ضَّفه أحمدُ وغيره، والعملُ على هذا
عند أهل العلم : أن لا ◌ُجمَع بين الصلاتين إلا في السَّفْر أو بعَرَفة)).
والمسئولُ عنه: أنّ القاعدة المقرّرة التي انتَّفقَ عليها المحدّثون أنه لا يُقبلُ
في الأحكام إلا الحديثُ الصحيحُ أو الحسَنُ، وهذا الحديثُ ضعيف، فكيف
ساغَ لأهلِ العلمِ العَمَلُ به ؟ بيّنوا لنا ذلك من كلام أئمة الحديث بياناً واضحاً
جزيتم خيراً.
فقال رحمه اللّه تعالى في الجواب: اعلم وفقنا الله وإياك أن الحديث الضعيف
هو ما فقَدَ شرطاً من شروط المقبول الذي هو أعمُّ من الصحيحِ والحَستن،
ومعنى كونه أعمَّ أنه يصحُ أن يَشْترك في مفهوميه كثيرون. فازَّ المقبول صادِقُ
على الحَسَنِ والصحيحِ وعلى غيرِ هما أيضاً .

٢٢٩
قالٍ السيوطي في شرح ((نَظْم الدُّرَر)) المسمى بـ ((البحر الذي زخر)):
المقبول :
ماتلقاه العلماء بالقبول وإن لم يكن له إسنادٌ صحيح، فيما ذكره
طائفة من العلماء ، منهم ابنُ عبدِ البرّ. ومثّلُوه بحديثٍ جابر رضي الله عنه:
((الدينارُ أربعةٌ وعشرون قيراطا)).
أو اشتهر عند أئمة الحديث بغير نكيرٍ منهم، فيما ذكره الأستاذُ أبو
إسحاق الاستفراينيّ وابنُ فُوْرك، كحديثٍ ((في الرّقة - الفِضَّة الخالصة -
ربعُ المُشْرِ»، وحديثٍ ((لا وصيَّةَ لوارث)).
أو وافقَ آبَهَ من القرآن ، أو بعض أصولٍ الشريعة ، حيث لم يكن في
سنده كذّاب، على ماذكره ابنُ الحضّار)).
وقال السيوطيّ أيضا في ((التعقيَّات على الموضوعات)): (ص ١٢) بعد أن
ذكر حديثَ حَنَشٍ السابقَ: ((مَنْ جَمَعَ بين الصلاتين من غيرٍ عُذْر فقد
أتى باباً من أبواب الكبائر)): ((أخرجه الترمذي وقال: العملُ على هذا عند
أهلِ العلم. فأشار بذلك إلى أنَّ الحديث اعتضد بقول أهم العلم. وقد صرح
غير واحد بأن من دليل صحة الحديث قولَ اهل العم به وإِن لم يكن له
إسناد يُعتمد على مثله)).
وقل السيوطي" أيضاً رحمه الله تعالى في ((تدريب الراوي)): (ص ٢٤):
((قال بعضهم: يحكم للحديث بالصحة اذا نلقاه الناس بالقبول وإِن لم يكن له
اسناد صحيح .
قال ابن عبد البرّ في ((الاستذكار)) لما حَكَى عن الترمذي" أنَّ البخاري
صَحَحَ حديثَ البحر: ((هو الطهورُ ماؤه)): وأهلُ الحديثِ لا يُصححون مثل
إسناده (١) ، لكن الحديث عندي صحيح ، لأن العلماء تلقوه بالقبول .
(١) قلتُ: بل قد صحَّحوا إِسنادَهَ ومَتْنَهُ، قال الحافظُ الزيلعي في =

٢٣٠
وقال في ((التمهيد)): رَوَى جابرُ عن النبي ◌ُّه ((الدينارُ أربعة"
وعشرون قيراطا)). قال: وفي قول جماعة العلماء وإجماع الناس على معناه :
غنىَ عن الاسناد فيه.
= ((نصب الراية)) عند كلامه على هذا الحديث (٩٧/١ - ٩٨): ((قال البيهقي في
((كتاب المعرفة)): هذا حديثُ أودَعَه مالك بن أنس ((الموطأ))، ورواه أبو
داود وأصحابُ ((السنن)) وجماعة" من أئمة الحديث في كتبهم 'محتجّين به، وصحَّحه
البخاري' فيما رواه الترمذي عنه .
وإما لم يخرجه البخاري ومسلم في (( صحیحیها ) لاختلافٍ وقع في اسم
( سعيد بن سَلَمة)، و (المغيرة بن أبي بُرْدَة)، ولا يضرُ اختلاف من اختَلَف عليه
فيه ، فانَّ مالكاً قد أقام إِسناده عن صفوان بن سليم، وتابعَهُ الليث بن سعد، عن
يزيد، عن الجُلاح، كلاهما عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي
حريرة، عن النبي صَّهِ. فصار الحديثُ بذلك صحيحاً، والله أعلم)). ثم حقَّقَ
الزيلعي" نفيَ جهالة العين والحالٍ عن (سعيد بن سلمة) و(المغيرة بن أبي بُرْدة)
ونقلَ توثيقتها وقال أيضا: ((ولهذا صحَّحه الترمذي، وحكى عن البخاري
تصحيحه )) .
وكذلك حقَّقَ شيخُ الزيلعي" قبلَهُ: الحافظُ علاء الدين المارديني في
((الجوهر النقي)): (٤/١) نفي" الجهالة عنها، وتوثيقها ثم قال: ((ولهذا صحَّحَ
الترمذي هذا الحديث، وحكى عن البخاري تصحيحه، وصحَّحه ابنُ خُزيمة
وغير ،)).
وقال الحافظُ ابنُ حجر في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة ( سعيد بن سلمة):
(٤٢/٤) ((وصحَّحَ البخاري - فيما حكاه عنه الترمذي في ((العِلتل)) المفرد -
حديثَهُ في البحر: ((هو الطَّهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتتهُ))، وكذا صحَّحهُ ابنُ
خُزيمة وابنُ حِبَّان وغيرُ واحد)).

٢٣١
وقال الأستاذُ أبو إسحاق الاسفراييني: تعرف صحة الحديث إذا
اشتهر عند أمّة الحديث بغير فكير منهم. وقال نحوَهُ ابنُ فُؤْرَك، وزادَ بأن
مَثَّلَ ذلك بحديث: ((في الرّقَة - الفِضَّة الخالصةِ - ربعُ المُشْر ، وفي مائتي
حرم خمسةُ درام)).
وقال أبو الحسن بن الحضَّار المالكي في ((تقريب المدارك على موطأ مالك)):
قد يعلمُ الفقيه" صحة الحديث - إذا لم يكن في سنده كذّاب - بموافقة آية من
كتاب الله أو بعض أصول الشريعة، فيحمله ذلك على قبوله والعمل به)).
وقال الحافظُ ابنُ حجر في ((الافصاح على نُكَتِ ابنِ الصلاح)):
(((ومن جملة صفاتِ القبولى - التي لم يتعرّضْ لها شيخُنا - يعني الحافظ العراقي-
أن يتفق العلماء على العمل بمدلول حديث، فإنه يُقبل حتى يجبُ العمل به.
وقد صرح بذلك جماعة من أئمة الأصول. ومن أمثلته : قول الشافعي : وماقلت
- يعني في تنجيس الماء بحلول النجاسة فيه - من أنه إذا تغيَّر طعمُ الماءِ أو ريحهُ أو
لونهُ، يُرِوَى عن النبي صَّه من وجْهٍ لا يُثبِتُ أهلُ الحديثِ مِثْلَه، لكنه"
قولُ العامةِ لا أعلمُ بينهم اختلافا)).
وقال العلامة( ابنُ القيم الحنبلي رحمه الله تعالى في كتاب(( الروح)): (ص ١٤):
(((ويدلُّ على هذا - أي على أنَّ الميتَ يعلمُ من حالٍ الأحياء وزيارتهم له وسلامهم
عليه - ماجرى عليه عمَلُ الناسِ قديماً وإلى الآن: من تلقين الميت في قبره، وقد
سُئُلَ عنه الامامُ أحمدُ رحمه اللّه تعالى فاستحسنَهُ واحتجٌّ عليه بالعمل.
ويُروَى فيه حديثٌ ضعيفٌ ذَكرَه الطبرانيّ في ((معجمه)) من حديث
أبي أمامة قال: قال رسول اللّه عَّ اليه: ((إذا مات أحدكم فسؤًّيتم عليه التراب
فليَقُمْ أحدكم على رأسٍ قبره ثم يقول: يافلان بن فلانة، فانه يَسْمعُ ولا يجيب،
ثم ليقُلْ: يافلان بن فلانة، الثانية، فانه يستوي قاعداً ، ثم ليقل: يافلان بن فلانة،

٢٣٢
يقول: أرشدْنا رحمك الله، ولكنكم لا تسمعون. فيقول: اذكُرْ ماخَرَ جْتَ
عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسولُ الله، وأنك رضيتَ
باللهِ رباء وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، فانّ مُنكَراً وتكيراً
يتأخَّرُ كل واحدٍ منها ويقولُ: انطلقْ بنا، ما يُقعدنا عند هذا وقد لُقِيِّنَ
حُجَّتَه؟ ويكونُ اللّهُ ورسولُه حجيجه دونها. فقال رجل: يارسول اللّه فان
لم يَعْرِفِ أمَّه؟ قال: يَنسُبُه إلى أمه حواء : يافلان بن حواء)).
فهذا الحديث وان لم يثبت فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار
من غير انكار : كافٍ في العمل به )).
وقال مُحقّقُ الحنفية الامامُ الكال بنُ الهُمام في ((فتح القدير)) في آخر الفصل
الأول من فصولٍ كتاب الطلاق (١٤٣/٣) عند قولهِ صَّ اله: ((طلاقُ الأمَةِ
ثنتان، وعِدَّثُها حَيْضَتان))، الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه
والدار قطني عن عائشة مرفوعا. قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر" عن بعضهم
تضعيفَه ثم رَدَّهُ: ((وما يصحح الحديث أيضاً عملُ العلماء على وفقه. وقال
الترمذي عقيبَ روايته: حديثٌ غريبٌ، والعملُ عليه عند أهل العلم من أصحاب
رسول الله صَّ اله وغيرهم. وفي ((سنن الدار قطني)): (٤٤١/٢): ((قال القاسمُ
وسالمُ: عَمِيلَ به المسلمون)). وقال مالك: شهرة الحديث بالمدينة تغني عن
صحة سنده)).
وقال الحافظ السخاوي في «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث)): (ص ١٢٠ -١٢١):
(( وكذا اذا تلقت الامة الضعيف بالقبول يُعمل به على الصحيح، حتى انه
ينزل منزلة المتواتر في أنه ينخ المقطوع به ، ولهذا قال الشافعي رحمه الله تعالى
في حديث ((لا وصية لوارث)): إنه لا يُثْبِتُهُ أهلُ الحديث، ولكن العامَّة تلقته
بالقبولِ وعملوا به حتى جعلوه ناسخاً لآية الوصية )).
وقال العلامة صالح بن متهدي المقبلي اليمني في بعض مؤلّفاته: إن الحديث

٢٣٣
الصحيحَ بالمعنى الأخص عند المتأخرين من حواليْ زمن البخاري ومسلم هو :
ما رواه العدلُ الحافظُ عن مثله من غير شذوذٍ ولا علمَّة، وبالمعنى الأعم عند
المتقدّمين من المحدثين وجميع الفقهاء والأصوليين هو: المعمول به .
فاذا قال المحدّث من المتأخّرِين: هذا حديثُ غيرُ صحيح، فانما نَفى معناه
الأخصّ باصطلاحه، فلا ينفي الأعمّ، وحينئذ فيُحتمَلُ أنَّ الحديث حسنُ،
أو ضعيفٌ، أوغيرُ معمولٍ به. فيجبُ لأجل هذا الاحتمالِ البحثُ عن الحديث
فان كان حسناً أو ضعيفاً معمولاً به كان مقبولاً ، وإن كان ضعيفاً غيرَ معمولٍ به
كان غير مقبول. ولا تُرَدَّ أحا يتُ رسول اللّه عَّ لهبمجرّد القولِ المحتمل.
وقال الشيخُ إبراهيم الشبرخيتي المالكيّ" في (شرح الأربعين النووية)):
(ص ٣٩): ((ومحل" كونه لا يُعمَلُ بالضعيفِ في الأحكام مالم يكن تلقَّاه الناس
بالقبول ، فان كان كذلك تعين وصار حجة يعمل به في الأحكام وغيرها كما
قال الامام الشافعي رحمه الله تعالى)) .
قلتُ: حديثُ ( لا وَصَيَّة لوارث)) رُوي بألفاظ مختلفة، وقدصحح"
الترمذي بعضَ طُرقِهِ، وحَسَّنَ بعضَها. قال الحافظُ ابنُ حجر في «فتح
الباري)): (٢٨٧/٥): ولا يخلو إسناد كلّ منها عن مقال، لكن مجموعها يقتضي
أن للحديث أصلا، بل جنح الشافعي في ((الأم)) إلى أنّ هذا المتن متواز"
فقال: وجَدْنا أهلَ الفُنْيا ومَنْ حفظنا عنهم من أهلِ العلم بالمغازي من قريش
لا يختلفون في أن النبي صَّ اله قال عام الفتح: ((لا وصية لوارث)» ویأثرونه عمن
حَفظوه فيه ثمّن لقوه من أهلِ العلم ، فكان نَقْلَ كافئَّةٍ عن كافة ، فهو أقوى
مِن نقْلٍ واحدٍ .
وقد فازعَ الفخر الرازي في كون الحديث متواتراً، قال: وعلى تسليم
ذلك فالمشهورُ من مذهب الشافعي أنَّ القرآن لا يُنْسَخُ بالسُّنة.
قال الحافظ: لكن الحجّة في هذا إجماع العلماء على مقتضاه كما صرَّح به

٢٣٤
الشافعي وغيرُهُ. انتهى.
فتصحيح الترمذي لبعض طُرقِه، وتحسينُه لبعضيها: لما اعتَضَد عنده
من التلقي والاجماع، وإلا فقد علمتَ - كما قاله الحافظ - أنه لا يخلو إسنادُ كلّ.
منها عن مقال (١) .
فعلى هذا: فتمثيلُ أئمة الحديث للضعيف بحديثٍ ((لا وَسَيَّة لوارث))
بأنه ليس له إسنادُ ثابتٌ: باعتبار أنّ كل إسنادٍ منه لا يخلو عن مقال ، لا باعتبار
التلقي والاجماع على العملِ به ، والله أعلم.
ومن هذا الباب أي من باب الضيف المتلقى بالقبول :
١ - حديثُ ((من ذرعَهُ القيء وهو صائم فليس عليه القضاء، وإن استقاءً
فليَقْضِ )).
قال الحافظُ ابنُ حجر في (( فتح الباري )) في كتاب الصيام في باب الحجامة
والقيء للصائم (١٥٢/٤): ((ر وى البخاري في التاريخ الكبير)قال: قال مُسددُ
عن عيسى بن يونس ، حدثنا هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة
رفعّهُ: ((من ذَرعَهُ القيء ... )). قال البخاري: لم يصحّ.
ورواه أصحابُ ((السُّنن الأربعة)) والحاكمُ من طريق عيسى بن يونس ،
وقال الترمذيّ: غريبٌ لا تَعرِفُه إلا من رواية عيسى بن يونس عن هشام،
وسألتُ محمداً - يعني البخاريّ - عنه فقال: لا أراه محفوظاً.
وقد أخرجه ابن ماجه والحاكم من طريق حفص بن غياث أيضاًعن هشام.
قال الترمذي: وقد رُويّ من غير وجهٍ عن أبي هريرة، ولا يصح
إسنادُه وعليه التملُ عند أهل العلم».
(١) قلت: سبقت الإشارة تعليقاً في (ص ٥٢) إلى أنّ شيخنا الامام الكوثري
رحمه الله تعالى حقَّقَ في كتابه ((المقالات)): (ص ٦٥-٦٧): أنه حديث صحيح
سنداً، كما نَقَلَ إجماعَ العلماءِ على العَملِ به، فانظره .

٢٣٥
٢ - ومن هذا الباب أيضاً: ما أخرجه الترمذي في ((جامعه)) في باب ما جاء في
الصلاة على الدابَّةِ في الطين والمنطر (٢٠٣/٢) من حديث 'عمر بن الرمَّاح، عن
كثير بن زياد ، عن عَمْرو بن عثمان بن يَعْلى بن ◌ُمُرّة ، عن أبيه ، عن جدٍّ أنهم
كانوا مع النبي صَّ لّه في سفر، فانتهوا إلى مضيقٍ فحضرت الصلاةُ، فمُطِروا،
السماء من فوقهم، والبِلَّةُ مِن أسفَلَ منهم، فأذِنَ رسول اللّه صَّ له وهو على
راحلته وأقام، وتقدَّمَ على راحلته فصلتَّى بهم يومى؛ إيماء ، يجعلُ السجود
أخفضّ من الركوع .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ تفرَّدَ به "عمرُ بن الرمّح البَلْخى"،
لا يُعرفُ إلا من حديثِه، وقد ر وى عنه غيرُ واحدٍ من أهل العلم، وكذا
رُويَ عن أنس بن مالك أنه صلى في ماء وطين على دابته ، والعملُ على هذا
عند أهلِ العلم ، وبه يقولُ أحمد وإسحاق.
قال الحافظ ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) آخر باب الأذان (٧٩/١):
(((وقد رواه الترمذي" وأحمدُ والدارقطنيّ من حديث يَعْلى بن مُرّة، إلى أن
قال: وقال الترمذيّ: تفرّدَ به ◌ُعمَر بن الرماح، وضَّفَه البيهقي وابن العربيّ
وابن القطَّان، وقال عبد الحقّ: إسنادُ، صحيح، والنوويّ: إسنادُ، حَسن،
وقد رواه الدارقطني من هذا الوجه بلفظ ((فأمر المؤذِّنَ فأذّنَ وأقام، أو أقامَ
بغير أذان ، ثم تقدَّم فصلّى)). ورجّحَ السُّهيْليَّ هذه الرواية لأنها بيّنت
ما أُجميلَ في رواية الترمذي وإن كان الراوي له عن عُمَر بن الرماح - وهو
شَبّابَةُ بن سَوَّار - عنده شديدَ الضَّعْف)).
فعلى كونِ عُمر بن الرماح ضعيفاً عند الترمذي والبيهقي وابن العربي وابن
القطان: يصحُّ قولُ الترمذي: وعليه العملُ عند أهل العام، لتلقيهم له بالقبول.
وأما على تصحيحِ الحافظ عبد الحقّ له وتحسين النووي فىو حجة بنفسه،
فلا إشكال .

٢٣٦
٣ - وما أخرجه الترمذي ايضاً في باب ماجاء في الرَّجُل يَقْتُل ابنَهُ ،
أيُقادُ منه أم لا؟ من حديث إسماعيل بن عيَّاش، عن المثنَّى بن الصبَّاح، عن عمرو
إن شُعَيَب، عن أبيه عن جَدّه، عن سُراقة بن مالك قال: حضرْتُ رسولَ
اللّه صَّهِ يُعيدُ الأبَ من ابنِهِ ، ولا يُقيدُ الابنّ من أبيه.
قال الترمذي: هذا حديثٌ لا تَعْرفُه من حديثٍ سُراقة إلا من هذا
الوجه ، وليس إسنادُه بصحيح، رواه إسماعيلُ بن عيَّاش عن المثنَّى بن الصبَّاح،
والمثنَّى بن الصبَّاح: يُضعَّف في الحديث .
وقد روي هذا الحديثَ أبو خالد الأحمرُ عن الحجاج عن عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جَدَّه عن عُمَرَ عن النبي صَلّه.
وقد رُوي هذا الحديثُ عن عمرو بن شُعيب مُرسَلاً، وهذا حديثُ
فيه اضطراب ، والعمَلُ على هذا عند أهلِ العلم: أنَّ الأب إذا قتل ابنه لا يُقاد،
وإذا قذَفهُ لا ◌ُحَدْ .
٤ - وحديثُ («القاتلُ لا يرثُ)). أخرجه الترمذي أيضاً في باب إبطال
ميراث القاتل (٢٥٩/٨) من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة ، عن
الزهري، عن حُميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن النبي صَّ لّه قال:
((القاتلُ لا يرِثُ)).
قال الترمذي : (هذا حديثٌ لا يَحُّ، ولا يُعرّفُ هذا إلا من هذا
الوجه ، وإسحاقُ بن عبد الله بن أبي فروة قد تركهُ بعض أهل العلم، منهم أحمدبن حنبل،
والعملُ على هذا عند أهلِ العلم: أنّ القاتلَ لا يرِثُ، سواء أ كان القتل خطأ
أو عمداً، وقال بعضُهم إذا كان القتلُ خطأ فانه يرث، وهو قول مالك)).
وبهذا يتضح لك أنَّ تصحيحَ بعضٍ المحدِّثين للحديث إذا صرَّح أكثرم
بضعفه كحديث ((لا وصيّة لوارث)) أو غيره مثلاً لا يَقْدَح في تضعيف من ضمَّفه،
لأنَّ تضعيفَ من ضمَّفه باعتبار أنّ كلَّ طريق من طُرقِه لا يخلو إسنادها عن

٢٣٧
مقال ، وتصحيحَ بعضيهم باعتبار التلقي وبالنظر إلى مجموعٍ طُرُقِه، والله أعلم.
وقال إمامُ العصر الشيخُ محمد أنور شاه الكشميري نوَّر اللهُ مرقدَ، في
((فيض الباري على صحيح البخاري)) عند قولِ البخاري: بابُ لا وَسَيَّة لوارث:
(٤٠٩/٣): ((وهذا الحديث ضعيفٌ بالاتفاق، مع ثبوت حكمه بالاجماع، ولذا
أخرجه المصنّفُ في ترجمته، وإلا فانه لا يأتي بالأحاديثِ الضعافِ مثله.
وبحّثَ فيه ابنُ القطان أنَّ الحديث الضعيفَ إذا انعقَدَ عليه الاجماعُ
هل يَنْقلِبُ صحيحاً أو لا ؟
والمشهورُ الآن عند المحدّثين أنه يبقى على حاله، والعمدةُ عندهم في هذا
الباب هو حالٌ الاسناد فقط ، فلا يحكمون بالصحّة على حديث في إسناده راوٍ
ضعيف .
وذهب بعضهم إلى أن الحديث إِذا تأيد بالعمل ارتقى من حال الضعف
إلى مرتبة القبول، وهو الأوجه عندي، وإنْ كبُرَ على المشغوفين بالاسناد !
فاني قد بَلوْتُ حالتهم في تجازٌفيهم، وتتسامُحيهم، وتمتاكسيهم بهذا الباب أيضاً.
واعتبارُ الواقع عندي أولى من المشي على القواعد، وإنما القواعدُ للفّصْلِ فيا
لم ينكشف أمرُهُ مِن الخارجِ على وجهه. فاتباعُ الواقعُ أولى، والتمسك به
أَحرى ».
قال تلميذه الأرشدأستاذنا العلامة الشيخ محمد بدر عالم حفظه الله في التعليق على
كلام إمام العصر: ((قلتُ: ولا تكن كما قيل: حَفِظْتَ شيئاً وغابتْ عنك أشياء.
فانَ الشيخ قرَّرَ مُرادَه من تلك الكلمات فيما مرّ، فلا يُرِيدُ به ھَدْرَ بابِ
الاسناد، كيفَ ولولاه لقالَ مَن شاء: ماشاء؟! ولكنه ◌ُريدُ أنّ الحديثَ إذا
صحَّ مِن القرائن، وظهرَ به العملُ، فترْكُهُ وقَطْعُ النظر عنه بمجرَّدٍ راوٍ
ضعيفٍ: ليس بسديد ، كيفَ وتسلْسُلُ العمل به أقوى شاهد على ثبوته عنده؟!
وقد قرَّرناهُ وحقَّقناه وشيَّدناهُ في مواضع، فلا تُطيلُ الكلامَ بذكره وإنما

٢٣٨
أردنا التنبيه فقط )).
وسمعتُ من أستاذنا العلامة مجمع العلوم والفضائل الشيخ محمد يوسف
البنوري أنهض تلامذة إمام العصر بتبسيط كلامه وفهم مرامه حفظه الله تعالى:
أن الشيخ الأنور كان يقول: «كان الاسنادُ لئلا يُدخَلَ في الدين ما ليس منه ،
لا ليُخرّج من الدين مائبَتَ منه مِن عمّلِ أهلِ الاسناد».
انتهى مُدَخَّصاً من كلام العلامة حُسين بن محسن الأنصاري في رسالته :
((التحفة المرْضية في حلّ بعضِ المُشكلات الحديثية)) المطبوعة في آخير ((المعجم
الصغير)) للطبراني (ص ٢٦٣ - ٢٦٩)، ومُضافاً إليه من تعليقات الصديق الأخ
العلامة محمد عبد الرشيد النعماني الهندي حفظه الله تعالى على ((دراسات اللبيب)):
(ص ٢٦٨)، ومزيداً عليها منّي أيضاً طائفةٌ من النقول، مع التصحيح لما وقع في
كلامهما من تحريف. والحمدُ لله رب العالمين.

المُخْتوى
١ - الأحاديث
٢ - الأعلام
٣ - المصادر
٤ - الأبحاث