Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢٠
كثرة الهموم ولحوقٍ أصناف المَلاَل، والاشتغالِ بأنواع الأشغال،
مقتصراً على مالا بُدَّ منه في الجواب، مُتَجنّبًا عن حدّ الإطناب
وسمّيتها :
الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكامة
ليكون الاسمُ نخبراً عن المسمَّى، واللفظُ مُنْبئاً عن
المعنى، واللهُ وليُ التوفيق، ومنه الهدايةُ إِلى سَواء الطريق.
السؤال الأول
في الاسناد
هل الإِسنادُ مطلوبٌ في الدين ، أم لا؟ فان اختير الشقُ الثاني،
فما معنى قول ابن المبارك: الإسنادُ من الدين ، ولولا الإِسنادُ لقال
مَنْ شاء: ما شاء؟ وإِن اختير الشقُ الأوَّل، فهل هو ضروريٌ
في جميع ما يُعدُّ من الدين ؟ أم هو مخصوصٌ بالبعض ؟ فان كان
مخصوصاً بالبعض فلا بُدَّ من تفصيل الأمور التي لا تحتاجُ إلى الإسناد،
مع إقامة الدليل على استثنائه .
٢١
الجواب
الإِسنادُ مطلوبٌ في الدين، قد رغَّبَتْ إِليه أعْمَّةُ الشرع
المتين، وجعلوه من خصائص أُمَّة سيّد المرسلين، وحكَمُوا عليه
بكونه سُنَّةً من سُنْنِ الدين.
قال ابنُ المبارك: الإِسنادُ من الدين، ولولا الإسنادُ لقال من
شاء: ما شاء (١) . وعنه: مَثَلُ الذي يطلُبُ أمر دينه بلا إسنادٍ
(١) رواه مسلمُ في مقدمة ((صحيحه)) (٨٧/١)، ورواه الترمذي في أوائل
كتابه ((العقل الصغير) الملحق بآخر كتابه («السنن)): (٣٨٨/٤) بشرح
المباركفوري، ورواه الذهبيّ بسنده إلى ابن المبارك في ((تذكرة الحفاظ)) في ترجمة
أبي الفتح محمد بن أحمد ابن أبي الفوارس: (ص ١٠٥٤). ولفظها: ((الاسنادُ
عندي من الدين، ولولا الاسنادُ لقال مَنْ شاء: ما شاء، فإذا قيل له: مَنْ
حَدَّثُك؟ بَقِيَ)). ومعنى (بَقِيَ ) على ما يظهر: بقي ساكتاً ، أو بقي حيران .
قاله المباركفوري ، ثم قال: ((وفي بعض النسخ: (يقيي) بفتح التحتية وكسر القاف
من وَقَى يَقِي، أي يصُونُ نفسَهُ عن التحديث بلا إِسناد)). ورأيت كلمة" ابن
المبارك هذه في كتاب ((الصارم المنكي في الرد على ابن السبكي)) لابن عبد الهادي
الحنبلي: ( ص ٢٦٨) ولفظُها: ((ولكن إذا قيل: مَنْ حَدّمُك؟ نفى)).
وجاءت ( نفى ) بالنون بعدها فاء ثم ياء. فالله أعلم. وجاءت كلمة ابن المبارك هذه
في ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (٩٦/٤) هكذا: (( ... لقال من شاء: ماشاء،
فاذا يُسئل عمن لقي)). وفيها تحريف ظاهر.
وقد رَوَى كلمةَ ابن المبارك هذه - دون الجملة الأخيرة منها - مسلمُ =
٢٢
كمثل الذي يرتقي السَّطْحَ بلاسُلَّم (١)!
وقال سفيان الثوريّ: الإِسنادُ سِلاحُ المؤمن ، فاذا لم يكن
معه سلاحٌ فبأيّ شيءٍ يُقاتِل (٣)؟!
وقال الشافعيّ : مَثَلُ الذي يطلبُ الحديثَ بلا إِسناد كنَئلِ
حاطب ليل (٣). كذا في ((شرح المواهب اللدنية (٤))) لمحمد بن
عبد الباقي الز رقاني .
وفيه (٥) أيضاً: في ((تاريخ الحاكم)): عن إسحاق بن إبراهيم
= وابنُ أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)): (١٦/١) والحاكمُ في ((معرفة علوم
الحديث)): (ص ٦) وابنُ الصلاح في ((مقدمته)): (ص ٢١٥ وابن*
السبكي في ((طبقات الشافعية)): (١٨٧/١) والسخاوي" في ((شرح الألفية)):
(ص ٣٣٥) والسيوطي في ((تدريب الراوي)): ( ص ٣٥٩) والزرقاني"
في ((شرح المواهب اللدنية)): (٤٥٣/٥). ورواها الخطيب في ((الكفاية)):
من طريق الترمذي .
وجاء في المواطن التي ذكرتُها كماتُ حِسانُ جامعةُ في فضل الاسناد
فليرجع إليها من شاء.
(١) رواه الخطيب البغدادي في ((الكفاية)): (ص ٣٩٣).
(٢) ذكره السخاوي فى ((شرح الألفية)): (ص ٣٣٥). وذكر الجملة
الأولى منه ابن السبكي في ((طبقات الشافعية)): (١٦٧/١)، والسيوطي في
((التدريب)): ( ص ٣٥٩) .
(٣) زاد المناوي في ((فيض القدير)): (٤٣٣/١) بعده: ((يَحْملُ حزمة
حطب وفيه أفعى ، وهو لا يدري !)).
(٤) : (٤٥٣/٥).
(٥) أي في ((شرح المواهب اللدنية))للزرقاني: (٤٥٣/٥).
٢٣
الحنظليّ قال: كان عبدُ الله بنُ طاهر إذا سألني عن حديثٍ فذكرتهُ
له بلا إِسناد، سألني عن إِسنادهٍ ويقول: روايةُ الحديث بلا إِسنادٍ
من عَمَلِ الزَّمنى (١)، فان إِسنادَ الحديث كرامةٌ من اللهلامَّة محمدٍ
صُب ◌ُل . انتهى.
وفيه أيضاً (٣): قيل(٣) في قوله تعالى: ((أو أثارةٍ مِن عِلْم))
إِسنادُ الحديث . انتهى .
وفيه أيضاً : قال بَقِيَّةُ (٤): ذاكرتُ حمَّادَ من زيد بأحاديث
فقال: ما أجودَها لو كان لها أجنحةٌ . يعني إِسناداً(٥). انتهى.
وقال أبو حاتم محمدُ بنُ إِدريس الرازي: لم يكن في أُمَّةٍ من
الأمم مُذْ خَلَق اللهُ آدمَ أمناء(٦) يحفظون آثارَ الرسل، إِلا في هذه
(١) أي المَرْضَى.
(٢) أي في ((شرح المواهب اللدنية)) للزرقاني: (٤٥٣/٥).
(٣) قائلهُ: مطرُ الورّاق. كما في ((التدريب)): (ص ٣٥٩).
(٤) هو بقيّة بن الوليد الحمصي أبو يحمد، المعروف بالتدليس، وهو محدّث
الشام وأحدُ الأعلام ، توفي سنة ١٩٧.
(٥) في الأصل: (إسناد). وفي ((شرح المواهب اللدنية)): (إسناداً).
(٦) جاء في ((فيض القدير)) للمناوي (٤٣٤/١) بلفظ ((أمَّة" يحفظون آثار"
نبيّهم غيرُ هذه الأمَّة. قيل له: ربما رَوَى أحدُم حديثاً لا أصل له ؟ قال:
علماؤهم يعرفون الصحيحَ من غيره، فروايتُهم الحديثَ الوامي ليتبيَّنَ لمن بعده)).
٢٤
الأمَّة. كذا نَقُل القَسْطلاَ يُّ في ((المواهب))(١). قال الزُّرْ قاني(٢):
هذا رواه ابنُ عساكر عن الرازيّ المذكورِ بلفظ: لم يكن في أُمَّة
من الأمم مُنْذُ خلَق اللهُآدَمَ أُمَّةٌ يحفظون آثارَ نيّهم وأنساب
خَلَفِهم (٣) كهذه الأمَّة. وفي ( تاريخ ابن عساكر)) أيضاً عنه: لميكن
في أمَّةٍ من الأُمم أُمَّةٌ يحفظون آثارَ نبيهم غيرَ هذه الأمَّة، فقيل
له: ربما روَوْا حدثاً لا أصل له؟ قالَ: علماؤهم يعرفون الصحيح
من السَّقِيمِ . أنّهي .
وفي ((شرح شرح النخبة)) (٤) لعليّ القاري: أصلُ الإِسناد
خَصيصةٌ فاضلةٌ من خصائص هذه الأُمَّة، وسُنةٌ بالغةٌ من السُنن
المؤكَّدة، بل من فروضِ الكفاية، وطلَبُ العُلوّ أمرٌ مطلوب
وشأنٌ مرغوب. قال أحمد: طلبُ الإِسناد العالي سُنَّةٌ عَمَّنْ
سَلَف (٥). وقال الحاكم: طلبُ الإِسناد العالي: سُنَّةُ صحيحة،
(١): (٤٥٤/٥) بشرح الزرقاني .
(٢) في ((شرح المواهب): (٤٥٤/٥).
(٣) هكذا جاء في الأصل وفي ((شرح المواهب اللدنية)) المنقول عنه. وفيه
وقفة تامة ! ولعل الصواب: سلفيهم كما يقتضيه السياق ؟
؟
(٤) : ( ص ١٩٤).
(٥) وقع في الأصل: (ممن ) . وصوابه (عمَّن ) . كما جاء في كتاب علي
القاري و«شرح الألفية)» للسخاوي: (ص ٣٣٥).
٢٥
فِذْكَرَ حديث أنسٍ في مجيء الأعرابيّ وقولهِ: يا محمدُ أنانا رسولُك
فَزَعَمَ كذا ... الحديثَ(١). انتهى ملخصاً.
وفي (المواهب اللدنية))(٢): قال أبو بكر محمد(٣) بن أحمد: بلغني
أنَّ الشّخصَّ هذه الأُمَّة ثلاثة أشياء لم يُعطِها مَنْ قبلَها من الأمم:
الإسناد، والأنساب، والإعراب. انتهى .
وفيه أيضاً (٤): الإِسناد خَصيصةٌ فاضلةٌ من خصائصٍ هذه
الأُمَّة، وسُنَّةٌ بالغةٌ من السُّنْن المؤكَّدة، وقد رَوَ بنا من طريق
أبي العيّاس الدَّغَوْلي قال: سمعتُ محمدَ بنَ حاتم بن المظفَّر يقول:
إِنَّ الله تعالى قد أكرَمَ هذه الأُمّة وشرَّفها وفضَّلها بالإِسناد .
وليس لأحد من الأمم كلّها قديمها وحديثها إِسنادٌ موصول، إِما
هو صُحفٌ في أيديهم، وقد خَلَطوا بَكُتبهم أخبارَم . انتهى.
(١) رواه مسلم في كتاب الإيمان من ((صحيحه)): (١٦٩/١) بشرح النووي،
قال النووي: واسمُ الأعرابي ضمّام بن ثعلبة، كما جاء مسمّى في رواية البخاري
وغيره. ومعنى (زَعَم) هنا: قال صادقاً، فان الزعم كما يُطلَقُ على القول الكذب
أو المشكوك فيه، يُطلقُ على القول الحقَّق والصدق الذي لاشكفيه، كما ورد
في الحديث المذكور .
(٢): (٤٥٥/٥) شرحالزرقاني .
(٣) هو الحافظ الامام القدوة أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن منصور
البغدادي الدقاق ، ويعرف بابن الخاضبة، مفيدٌ بغداد ومحدّثُها وصالحُها، توفي
سنة ٤٨٩، وترجمته الحافلة في ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي(ص ١٢٢٤ - ١٢٢٧).
(٤) : (٤٥٣/٥) .
٢
وفي ((خلاصة الطّي)): الإِسنادُ خَصيصةٌ من خصائص
هذه الأُمَّة (١)، وسُنَّةٌ من السُّنن البالغة، وطَلبُ العُلوّ فِيهِسُنَةٌ
أيضاً، ولذلك استُحِبَّت فيه الرحلة . انتهى.
وفي ((شرح المواهب))(٣) للزَّرْ قاني: أخرج الحاكمُ وأبو ثُمَيم
وانُ عساكر عن عليّ مرفوعاً(( إِذا كتبم الحديث فاكتبوه
بإسناده، فإن يَكُ حقاً كنتم شركاء في الأجر، وإِن يَكُ باطلاً كان
وزْرُهُ عليه))(٣). وفيه: شَرَفُ أصحاب الحديث، وردٌّ على من
(١) قال ابن حزم في كتابه ((الفصل في الملل والأهواء والنحل)»:
(٨١/٢ - ٨٤): ((نقلُ الثقة عن الثقة يبلغ به النبيَّ صلى الله عليه وسلم
مع الاتصال، خَصَّ اللّه به المسلمين دون سائر الملل، وأما مع الارسال والاعضال
فيوجد في كثير من اليهود ، ولكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد صلى
الله عليه وسلم، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثرُ من ثلاثين عصراً،
وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه)). ثم قال: ((وأما النصارى فليس عنده من صفة هذا
النقل إلا تحريم الطلاق فقط. وأما النقل بالطريق المشتملة على كذّاب أو مجهولٍ
العين ، فكثيرٌ في نقل اليهودوالنصارى)). ثم قال: ((وأما أقوال الصحابة والتابعين
فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب ني أصلاً ، ولا إلى تابع له، ولا يمكن النصارى
أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص)).
(٢): (٤٥٤/٥) .
(٣): ذكره السيوطي في ((الجامع الصغير)). وقال شارحه المناوي: (٤٣٤/١):
((قال الذهبي في ((الميزان)): موضوع)).
٢٧
كَرَهَ كتابته من السلف. والنهي عنه في خبر آخر منوخٌ أو
مؤوَّل . انهی .
فهذه العباراتُ بصراحتها أو بلشارتها تدل على أنه لابُدَّ من
الإِسناد في كل أمرٍ من أمور الدين، وعليه الاعتماد، أعمُّ من أن
يكون ذلك الأمرُ من قَبِيل الأخبارِ النبوية، أو الأحكام الشرعية،
أو المناقب والفضائلِ. والمغازي والسّيَر والفَواضِل، وغير ذلك من
الأمور التي لها تعلُّقُ بالدين المتين والشرع المُبين، فشيء من هذه
الأمور لا ينبغي عليه الاعتماد، ما لم يتأكَّد بالإسناد ، لاسيما بعد
القرون المشهودِ لهم بالخير.
ويشهد ل حديثُ: ((خيرُ القرون قَرْني، ثم الذين يلونهم،
ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب))(١). أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وحديثُ: ((سيكون في آخِرِ أُمَّي ناسُ (٢) ◌ُيُحدّثونكم
(١) هذا اللفظ لم أجده في ((الصحيحين)) أو غيرهما ممارجعتُ اليه من المصادر
الحديثية، والذى في ((الصحيحين)) عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً - واللفظ
البخاري -: خيرُ الناسِ قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوامٌ
تسبقُ شهادةُ أحدم مِينَه، وعِينُه شهادته. رواه البخاري في كتاب الشهادات
(١٩١/٥) شرح ابن حجر، ورواه مسلم في فضائل الصحابة (٨٥/١٦)
بشرح النووي .
(٢) لفظ مسلم (٧٨/١) : أناس.
٢٨
بما (١) لم تَسْمعُوا أنّم ولا آباؤكم فايَّاكم وإِيامٍ)).
وحديثُ: ((يكون في آخِرِ الزمانِ دَجَّالون كذابون، يأتونكم
من الأحاديث بمالم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فايّاكم وإِيَّامٍ،لا يُضِلُونَكم
ولا يَفْتنونكم)).
وأُثَرُ عبد الله بن عَمْرو: ((إِنَّ في البحر شياطينَ مسجونةً
أو ثقَها سليمانُ ، يُوشِكُ أن تخرج فتقرأً على الناسِ قُرآنًا)).
وَأَثَرُ عبدِ الله (٣): ((إِنَّ الشيطان ليتمثّلُ في صورةِ الرجل
فيأتي القومَ فيحدِّثُهم بالحديث من الكذب، فيتفرّقُون فيقول
الرجلُ منهم: سمعتُ رجلاً أعرفُ وجهه ولا أدري ما اسمُهُ يُحدّث)).
أخرَ جَها مسلمٌ في ( صحيحه))(٣)
وغيرُ ذلك من الأخبارِ المعروفة والآثار المأثورة .
وقد كَثُر في هذه الأُمَّةِ وضعُ الأحاديث على النبي صلى الله
عليه وعلى آله وسلم.
(١) لفظ مسلم : منالم.
(٢) هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وإذا أطلق (عبد الله ) في الصحابة
فهو المراد .
(٣) فيه تسامح، فقد أخرجها مسلم في مقدمة ((صحيحه)) (٧٨/١ - ٨٠)،
والعلماء مَّزُوا بين مارواه مسلم في مقدمة ((صحيحه)) ومارواه في «صحيحه)).
٢٩
فيه: من وضعوا أحاديث في الأحكام وتقوَّلوا بالحلال والحرام.
ومنهم: من وضعوا أحاديث في فضائل الصحابة والتابعين ،
والأئمة المجتهدين، والأماكنِ والبُلدان، والمساكن والأوطان.
ومنهم : من وضعوا أحاديث في مثالب الصحابة والأمة
ومعايبهم ، إلى غير ذلك من أغراضهم ومطالبهم. إِمَّا نَعنْتُوعِناءا،
وإِمَّا تعصْبًا وفسادا، وإِمَّا غيرَ ذلك مما هو مبسوطٌ في محله ومقرّرٌ
في مقرّه، فارتفع الأمانُ عن الأخبار، ما لم يُوجَد لها سندٌ معتمدٌ
أو اعتمدَ به واحِدٌ من الأخيار.
ومن ههنا فَصُوا على أنه لا عبرة للأحاديث المنقولة في الكتب
المبسوطة مالم يَظْهر سَنِدُها، أو يُعلَم اعتمادُ أربابِ الحديث عليها،
وإِن كان مصنْفُها فقيهاً جليلايُعْتمَدُ عليه في نقلِ الأحكام وحكم الحلال
والحرام. ألا تَرَى إِلى صاحب ((الهداية)) من أجِلَّة الحنفيَّة،
والرافعيّ شارحٍ ((الوجيز)) من أجِلَّةِ الشافعيَّة - مع كونها ممن
يُشار اليه بالأنامل، ويَعْتمِدُ عليه الأماجدُ والأماثل - قد ذكرا
في تصانيفها مالا يُوجد له أثرٌ عند خبير بالحديث يُستفسَر، كما
لا يخفى على من طالع ((تخريج أحاديث الهداية))(١) للزيلمي،
(١) هو المسمَّى: ((نصب الراية)). طُبعَ قديماً في الهند، ثم طُبعَ في مصر
سنة ١٣٥٧ طبعةً محقّقة ناضرة، قام بها المجلس العلمي في الهند ، فجزاه الله خيراً
عن العلم والعلماء والدين.
٣٠
و ((تخريجَ أحاديث شرح الرافعي)) (١) لابن حجر العَسْقَلاني.
وإِذا كان حال هؤلاء الأجلَّة هذا، فما بالك بغيره من الفقهاء الذين
يتساهلون في إِبراد الأخبار، ولا تعمَّقُون في سَنَد الآثار؟
ولذا قال عليّ القاري في (( رسالة الموضوعات)) (٢) حديثُ:
((من قَضَى صلاةً (٣) من الفرائض في آخر جمعة من رمضان كان
ذلك جابراً لكلّ صلاة فانته (٤) في عمره إلى سبعين سنة)): باطلٌ قطعاً،
ولا عبرةَ نقل صاحبٍ ((النهاية)) وغيره من بقية شُرَّاح ((الهداية))
فلنهم ليسوا من المحدّتين، ولا أسندوا الحديث إلى أحد من
المخرّجين. انتهى.(٥)
(١) هو المسمَّى ((التلخيص الحبير)) طُبعَ في الهند طعتين، ولا يزال نادر
الوجود لا تصل اليه أيدي العلماء. وفق الله أهل الخير والدين لاخراجه.
(٢: ص ٨٥) .
(٣) وقع في الأصل: (صلاته). والتصويب عن ((رسالة الموضوعات)).
(٤) وقع في الأصل: (فائتة). والتصويب عن ((رسالة الموضوعات)).
(٥ وقال المؤلِفُ اللكنويُ في مقدّمة كتابه: (("عمدة الرعاية في حلّ شرح
الوقاية)): (١٣/١) تعليقاً على كلام عليّ القاري هذا: ((وهذا الكلام من القاري
أفاد فائدةً حسنة ، وهي أن الكتب الفقهية وإن كانت معتبرةً في أنفُسِها بحسب
المسائل الفرعية، وكان مصنّفوها أيضاً من المعتبرين والفقهاء الكاملين: لا يُعتَمَدُ
على الأحاديثِ المنقولة فيها اعتماداً كلياً ، ولا يُجزمُ بورودٍ هاوثبوتيها قطعاً بمجرد
وقوعیها فيها .
٣١
٠
= فكم من أحاديث "ذكرتْ في الكتب المعتبرة وهي موضوعة" ومختلقة،
كحديث ((لسانُ أهل الجنة العربية والفارسية" الدَّريّة)) - لغة مُدن المدائن -
وحديث ((من صلى خَلفَ عالمٍ تقي" فكأنما صلَّى خلف نبيٌ))، وحديث ((علماء
أمّي کأنبياء بني إسرائيل)»، إلى غير ذلك.
نعم إذا كان مؤالفُ ذلك الكتاب من المحدّثين أمكن أن يُعتَمدّ على
حديثه الذي ذكره فيه، وكذا إذا أسند المصنّفُ الحديثَ إلى كتابٍ من كُتْبٍ
الحديث أمكن أن يُؤخذَ به إذا كان ثقةٌ في نقْلِه .
والسّرُ فيه: أنَّ اللّه تعالى جعل لكلّ مقامٍ مقالا، ولكل" فنّ رجالا،
وخّصُ كلَّ طائفةٍ من مخلوقاتِه بنوع فضيلة لا تجدُها في غيرها . فمن المحدّثين:
مَنْ ليس لهم حظ" إلاَّ رواية" الا حاديث ونقلها من دون التفقه والوصول
إلى سرّها. ومن الفقهاء: مَنْ ليس لهم حظ" إلا ضبطُ المسائل الفقهية من
دون المهارة في الروايات الحديثيَّة. فالواجبُ أن تُنزِلَ كُلّ منهم في منازلهم،
وتقِفَ عند مراتبهم. وقد فصَّلتُ الكلامَ على هذا الموضوع في رسالتي: ((رَدْع
الإخوان عما أحدثوه في آخر جمعةٍ رمضان)).
وقد أجاد رحمه الله تعالى في رسالته المذكورة أيَّما إجادة في تحقيق هذا
الموضوع ، وأطال النفَس فيه حتى جاوزً الشرين صفحة من صفحات هذا الكتاب.
واليك منه ما يتعلّق بالمقام مُخَّصاً من (ص ٤٠ - ٤٤): (جاء في
((زاد اللبيب)) و((أنيس الواعظين)) و((أوراد راحة العابدين)) و((مفتاح الجنان))
مَا مُعَرُّبُهُ: أنَّ النبي صَِّ لِّ قال: ((من فاتَتهُ صلواتُ ولا يَدري عددَ ها فليصلّ
يومَ الجمعة أربع ركعات نفلاً بسلام واحد، ويقرأ في كلّ ركعة بعد الفاتحة آية
الكرسيء" سبع مراتٍ، وإنا أعطيناك الكوثر خمسَ عشرة مرة، قال عليّ بن أبي
طالب: سمعتُ رسول اللّه صَّ له يقول: إن فاتتْه صلواتُ سبعمائة سنة كانت
هذه الصلاةُ كفارةً لها. قالت الصحابة: إنما عمر الانسان - أي من هذه الأمّة -=
٣٢
= سبعون سنة أو ثمانون سنة، فقال رسولُ الله: كانتْ كفارةً لما فاتَهُ ومافات"
من الصلواتِ من أبيه وأمّه ولفوائتِ أولاد ....!! )) و ((من صلَّى في
آخر جمعةٍ من رمضان أربعَ ركعات قبل الظهر كانتْ كفارةً لفوائت جميع
"عمُرُه!)) إلى آخر ما نقتلهُ من مثلِ هذه الأحاديثِ الباطلة المكشوفة البطلان.
ثم قال في صدد إبطالها والرد على من اعتمدَ على ناقليها: ((قال عليّ" القاري في
((تذكرة الموضوعات)): من القواعد المعلومة الكليَّة: أنَّ تَقْلَ الأحاديث النبوية،
والمسائل الفقهية، والتفاسير القرآنية: لا يجوزُ إلا من الكتب المتداولة، لعدم
الاعتماد على غيرها من وضع الزنادقة وإلحاق الملاحدة، بخلاف الكتب المحفوظة .
انتهى )).
ثم ساق المؤلفُ اللكنوي" رحمه الله وجوهاً كثيرة في التدليل على بطلان
تلك الأحاديث وقال: ((وسادسها: أنّ الروايات التي ذكر ها هؤلاء المصنّفون
لم يذكروا سندها، ولا أسندوها إلى أحد من الخرّجين. وقولُ الحديث الذي
لا أصل له أي لا سندَ له: ليس من شأن العاقلين، فانَّ بين النبي صَُّ﴾ وبین
هؤلاء الناقلين مفاوزَ تنقطعُ فيها مطايا السائرين، فكيف يجوزُ الاستنادُ بمجرّد
قولهم: قال رسولُ اللّه: كذا وكذا؟! فانَّ الرواية وصولُها إليهم وإلينا لا يمكنُ
أن يكون بدون الوسائط، فلا بدَّ من تحقيقٍ أحوال الوسائط وتشخيصهم ،
وكشف عدالتهم، ليكتسبَ الحديثُ به صفة القبول إن وجدتْ في رواته
صفات القبول، أو صفةَ الردّ إن كانتْ في رواتها صفاتُ الرد". وبدون ذلك
فالاستناد به لا يليقُ بمن له أدنى مُسكة .
قال عليّ القاري في ((تذكرة الموضوعات)): قد حكى الحافظ أبو بكر بن
خَيرْ: اتفق العلماء على أنه لا يحلُّ لمسلمٍ أن يقول: قال رسولُ الله: كذا، حتى
يكون عنده ذلك القولُ مَرْو ياً ولو على أقلّ وجوهٍ الروايات. انتهى.
فان قلتَ : هذه الأحاديثُ من الأحاديث المشهورة، فلا حاجة إلى
تحقيق أسانيدها ، قلتُ :
=
٣٣
= إِن أُريد بكونها مشهورةً شهرتها بالمعنى المصطلح عند الأصوليين،
فهو أيضاً موقوفٌ على ثبوت طُرقِها. والاستنادُ بها أيضاً موقوفُ على البحث
عن رواتها .
وإِن أُرِيدَ به مطلقُ الشهرة ولو على ألسنة المتفقّة أو العامَّة فلا ينفعُ
ذلك ، لأنّ مثل هذه الشهرة ساقطة" عن الاعتبار فيما هنالك. فكم من أحاديث
اشتهرتْ على ألسنة العامَّة، أوسُطيّرتْ في كتب المتفقّهة، ولا أصْلَ لها في
الشريعة، بل هي موضوعة أو ضعيفة" ساقطة، كحديث ((أولاك لما خَلَقتُ
الافلاك))، وحديث ((علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل))، وحديث ((يومُ صُومِكم
يومُ نحرٍكم))، وحديث ((لسانُ أهل الجنة العربية والفارسية" الدَّرِيَّة))، إلى غير
ذلك ، على مالا يخفى على من طالم كتبَ نُقَّادِ الحديث المصنّفة" في هذا الباب كـ
((موضوعات ابن الجوزي))، و((الآلىء المصنوعة))، و((الذُّرَر المنثرة)) كلاهما
للسيوطي، و((المقاصد الحسنة)) للسخاوي، و((تذكرة الموضوعات) لعلي القاري.
قال السخاوي في ((فتح المغيث)): المشهور يقعُ على ما يروى بأكثرمن اثنين
وعلى ما اشتهرَ على الألسنة، ويشعَلُ ماله إسنادٌ واحدٌ فصاعداً، بل مالا يوجد
له إسنادُ أصلا، كـ ((علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل))، و«ُولِدْتُ في زمنٍ
المتلك العادل كسرى)). وقد يشتهرُ بين الناس أحاديثُ موضوعة" بالكليَّة،
وذلك كثيرٌ جدًّاً، ولا اعتبارَ إلا بماهو مشهورٌ عند أهل الحديث . انتهى.
فإن قال قائلٌ: نَقْلُ مَنْ نقَلَ هذه الرواياتِ لجلالة قدْرِمٍ،ونباهة
ذكرهم: كافٍ للاستناد به، قلنا: كلاًّ، لا يُقبّلُ حديثٌ من غير إسنادٍ ولو
تَقَله معتمَّد، لاسيما إذا لم يكن الناقلُ من نُقَّاد الأحاديث. وجلالةُ قدْرهِ
لا تستوجبُ قبولَ كلّمَا نَقَل، ألا ترى إلى صاحب ((إحياء علوم الدين)) مع
جلالة قدره أورَدَ في كتابه أحاديث لا أصل لها؟ فلم يُعتبرَ بها، كما يظهر من
مطالعة (تخريج أحاديثه)) للحافظ العراقي، وهذا صاحبُ ((الهداية)) مع كونه من
أجلثة الحنفية أورد فيها أخباراً غريبةً وضعيفة، فلم يُعتمد عليها، كما يظهر من
مطالعة ( تخريج أحاديثها)) للزيلمي وابن حجر .
=
٣٤
= فان قال قائل: تَقَلةُ هذه الروايات من الثقات، ويُستبعَدُ عنهم نقلُ
الخرافات والمكذوبات . قلنا : كونهم من المتديّنين لا يُستبعَدُ به وقوعُ ذلك
عنهم، ولا أقولُ: إِنهم نقلوا ذلك مع علمهم بكذبٍ ذلك، بل وقَعَ لهم الاغترارُ
بقول غيرهم ، فانهم ليسوا من المحدّثين، ولا أسندوها إلى أحدٍ من الناقدين.
والعبرةُ في هذا الباب لهم لا لغيرهم.
وقد بلتغني عن بعض الناس لما أرسلت إليه عبارةً عليّ القاري الدالة على
وضْعٍ حديث ((من قَضى صلاةً من الفرائض في آخر جمعةٍ من رمضان ... ))
أنه قال: لا اعتبارَ للقاري بحذاء صاحب ((النهاية)) فالمعتمدُ هو نقلُ صاحب
((النهاية)) لا حكمُ القاري.
وهذا قولٌ أظنُ أنّ من صدّر عنه جاهلٌ لا يَعرِفُ مراتب المحققِّين،
ولا يعلم الفرقَ بين الفقهاء والمجدّتين، فانَّ اللّه تعالى خَلَق لكلّ منْ رجالاً،
وجعل لكل مقامٍ مقالا، ويلزمُ علينا أن نُنزلهم منازلاتهم، ونضعهم بمراتبهم،
فأجلَّةُ الفقهاء إذا كانوا عارين من تنقيد الأحاديث: لا نُسلّم الروايات التي ذكروها
من غير سنّد ولا مستندٍ إلا بتحقيق المحدِّثين. ونقلَةُ الأحاديث إذا كانوا
عارين عن الفقاهة: لا نتَقْتَلُ كلامَهم في الفقه ككلامِ الفقهاء المعتبرين . وقِسْ
على هذا صاحبَ كلّ فنّ بكلّ فنّ. فصاحبُ ((النهاية)) وإن كان من أجللَّةِ
الفقهاء لكنه ليس ببالغ إلى مراتب المحدّثين، فلا تَقْبَلُ رواياتِه بلا سَنّدٍ إلا
إذا نصَّ على اعتبارها جمعٌ من المحدِّتين، فانّ العبرة في هذا الباب كاملً
غيرَ مرَّة بهم لا بغيرهم)).
قال عبدُ الفتاح: هذه النقولُ لو شّدَّ طالبُ العلمِ الرَّحْلَ إليها شهراً
كاملاً لكان ذلك جديراً بها ، فانها لبابُ الحقّ، ومحضُ الشّصح والصّدق، فلهذا
أُطلتُ بها، فرحمَ اللّه الامام اللكنويّ وجزاء عن العلم والدينِ خيراً.
٣٥
وقال السيوطيُ في ((مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود)) تحت
حديث (َهَى رسولُ اللّهِ فَّمٍ أن يمتشط أحدُنا كلَّ يوم))(١):
فان قلتَ: نُقل أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم(( كان يُسرّحُ لحيته كلّ
يوم مرتين)»؟ قلتُ: لم أقف على هذا باسناد، ولم أر من ذكره إِلا
الغزاليَ في ((الإحياء))(٢) ولا يخفى مافيه من الأحاديث التي لا أصل
لها . انتهى .
فان قلت: فما بالُهم أورَدُوا في تصانيفهم الأحاديث الموضوعة
- مع جلالهم ونباءهم - ولِمَ لمْ ينْقُدُوا الأسانيدَ مع سعةِ علمهم؟
قلتُ: لم يُوردوا ما أوردوا: مع العلم بكونه موضوعاً، بل ظنَّوه
مرويّاًوأحالوا نقدَ الأسانيد على نُقَّادِ الحديث، لكو بهم أغنوم عن
الكشفِ الحثيث، إذ ليس من وظيفتهم البحثُ عن كيفية رواية
الأخبار، إنما هو من وظيفةٍ حَمَلة الآثار، فلكلْ مقامٍ مقال، ولكل
فنّ رجال.
(١) وقع في الأصل: (نهى أن يمتشط) بدون إسناد النهي إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم. والتصويبُ من ((سنن أبي داود). وقد أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة
في باب المواضع التي نهيَ عن البول فيها (٣١/١) بشرح الخطابي واختصار المنذري
وابن القيم ، وهو حديث صحيح. وتمامه: ((أو بيولَ في مُفْتَسَلِهِ)). قال المنذري:
(وأخرجه النسائي)).
(٢) في كتاب أسرار الطهارة، في القسم الثالث في النظافة والتنظيف (٥٢/٢)
من طبعة لجنة نشر الثقافة الاسلامية .
٣٦
بحث قبول الحديث الضعيف في فضائل الأعمال
وليُعلَمْ أنَّ الأحكام وغيرَ الأحكام، وإن كانت متساويةً
الأقدام في الاحتياج إلى السَّنّد - وما خلا عن السَّند فهو غيرُ معتمد
إِلا أنَّ بِيْهما فَرْقاً من حيث إِنهُ يشدَّد في أخبار الأحكام من الحلال
والحرام، وفى غيرها يُقْبْلُ الإِسنادُ الضعيفُ بشروطٍ صَرَّح
بها الأعلام.
قال عليٌ الحليُ في ((إِنسان العيون في سيرة الأمين المأمون))(١).
لا يخفى أن السّيَرَ تَجْعُ الصحيحَ والسَّقِيمَ والضعيفَ والبلاغَ
والمرسَلَ والمنقطعَ والمعضَلَ، دون الموضوع، وقد قال الامامُ أحمد
وغيرُهُ من الأئمة: إِذا رَوَيْنا في الحلال والحرام شدَّدنا، وإِذا رَوينا
في الفضائل ونحوها تساهلنا . انتهى . (٢)
وقال محمّد بنُ سيّد الناس في ((عيون الأثر في فنون المغازي
والسّيَرَ))(٣) عند الكلام في توثيق محمدبن إسحاق: ثم غالبُ ما يُروَي
عن الكليّ أنسابٌ وأخبارٌ من أحوال الناس وأيام العرب وسيَرِيمٍ
(١) : ( ٢/١ ) .
(٢) رواه الخطيب البغدادي في (الكفاية)): (ص ١٣٤) بأتمّ من هذا اللفظ،
وقد عقد باباً خاصاً أورَدَ فيه كلامَ الأئمة في هذا الموضوع.
(٣) : (١٥/١).
٣٧
وما يجري مُجْرَى ذلك، ممّا سَمَح كثيرٌ من الناس في حملهِ عمَّن
لأتحمل(١) عنه الأحكام، وممَّنُ حكي عنه الترخيص في ذلك: الامام أحمد،
وممن ◌ُحكي عنه التسويةُ بين الأحكام وغيرِها: يحي بنُ مَعِين. انتهى.
وقال عليّ القاري في رسالته (الحظ" الأوفر في الحج الأكبر)
بعد ذكر حديث (( أفضلُ الأيام يومُ عرفة، إذا وافقَ يومَ الجمعة
فهو أفضلُ من سبعين حجّة)): رواه رَزِين، أمَّا ماذَكَرَهُ بعضُ
المحدّثين في إِسناد هذا الحديث أنَّه ضعيف فعلى تقدير صحَّتِه
لا يَضُرُّ المقصود، فإنَّ الحديث الضعيف معتبرٌ في فضائل الأعمال،
عند جميع العلماء من أرباب الکال. انتهى .
وقال في رسالة ((الموضوعات)) عند ذكر حديث (( مسح
الرقبة أمانٌ من الغُلّ )) (٣): الضعيفُ يُعمَلُ به في فضائل الأعمال
اتفاقا ، ولذلك قال أُعْتُنا: إِنَّ مسجَ الرَّقَبَة مستحبّ أو سُنَّة.
انّهى .
وقال السيوطيُ في ((طلوع الثُّريًّا باظهار ما كان خفيًا))(٣):
ذَهَبَ جمهورُ الأمة إلى أنَّ التلقين بدعة، وآخِرُ من أَفتى بذلك
(١) في الأصل: ( مُحمل)، وفي ((عيون الأثر)): ( تحمل).
(٢) : (ص ٧٣).
(٣): (١٩١/٢) من ((الحاوي للفتاوي)).
٣٨
الشيخُ عزّالدين بنُ عبد السلام، وإِنَّما استحبُّه ابنُ الصلاح وتَبِهُ
النوويّ نظراً إلى أن الحديث الضعيف يُتسامَحُ به في فضائلِ
الأعمال . انتهى .(١).
وقال السيوطيّ في رسالته ((التعظيم والمِنَّة في أنَّ أبوي رسول
الله في الجنة)) (٢): أفتيتُ بأنَّ الحديث الوارد في أنَّ الله أحيا أُمَّهُ
(١) قال العلاَّمة ابنُ القيّم الحنبلي رحمه الله تعالى في كتاب ((الرُّوح)):
(ص ١٤): ((ويدلُ على هذا - أي على أنَّ الميّت يَعْلَمُ مِن حالٍ الأحياء
وزيارتهم له وسلامهم عليه - ما جَرَى عليه عمَلُ الناسِ قديماً وإلى الآن: مِن
تلقينِ الميّت في قبره، وقد سُئِلَ عنه الامامُ أحمدُ رحمه الله تعالى فاستحسنَهُ
واحتَجَّ عليه بالعَمَل .
ويُروى فيه حديثٌ ضعيفٌ ذكره الطبراني في (( معجمه )) من حديثأبي
أمامة قال: قال رسولُ اللّه صَّ له: ((إذا مات أحدكم فسوَّيتم عليه الترابَ فليقُم
أحدُكم على رأسٍ قبرهِ ثم يقول: يافلان بن فلانة، فاتَّه يَسْمعُ ولا يجيب، ثم
لِيقُلْ : يافلان بن فلانة، الثانية، فانه يَسْتوي قاعداً، ثم ليَقُل: يافلان بن فلانة،
يقول: أرشدنا رحمك الله، ولكنكم لا تسمعون. فيقول: اذكُرْ ماخَرَجْتَ
عليه من الدنيا : شهادةَ أنْ لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمداً رسولُ الله، وأنَّك رضيت
بالله ربًّا، وبالاسلام دينا، وبمحمَّدٍ نبيًّا، وبالقرآن إماما، فانَّ مُشْكراً ونكيراً
يتأخَّرُكلُّ واحدٍ منها ويقولُ: انطلقْ بنا، ما يُقِدْنا عند هذا وقد لُقِّنَ
حُجَّتَه؟ ويكونُ اللّهُ ورسولُه حَجِيجَهُ دونها. فقال رجل: يارسول الله
فانْ لم يَعْرِف أمَّهُ؟ قال: يَنْسبُه إلى أمّه حو ◌ّاء)).
فهذا الحديثُ وإنْ لم يَثْبُتْ فاتصالُ العَمّلِ به في سائر الأمصار
والأعصارِ من غيرِ إنكارٍ : كافٍ في العَملِ به)).
(٢) : (ص ٢).
٣٩
له تَّةٍ: ليس بموضوع كما ادعاه جماعةٌ من الحفَّاظ، بل هو من قسمِ
الضعيف الذي يُتسامَحُ بروايته في الفضائل . انتهى.
وقال في رسالته (المقامة السندسية في النسبة الشريفة المُصطَفيَّة))(١):
ما زال أهلُ العلم والحديث في القديم والحديث، يَرْوُون هذا الخبر
ويجعلونه في عداد الخصائص والمعجزات ، ويُدخلونه في حيز المناقب
والمكرمات (٢)، ويرون أنَّ ضعف إِسناده في هذا المقامِ منتفر،
وأنَّ إِبرادَ ماليس بصحيحٍ في الفضائل والمناقب معتبر.(٣) انتهى.
وقال العراقي في (شرح ألفية الحديث))(٤): أما غيرُ الموضوع
فجوِّزُوا التساهلَ في إِسناده(٥) وروايته من غير بيانِ ضعفهِ إِذا كان
في غير الأحكام والعقائد ، بل(٦) في الترغيب والترهيب من المواعظ
والقِصَص وفضائلِ الأعمال ونحوها ، أمَّا إِذا كان في الأحكام
(١): (ص ٥).
(٢) جاء في الأصل: ( الكرامات)، وفي رسالة السيوطي: ( المكرمات)
فآثرتها بالاثبات .
(٣) عبارة رسالة السيوطي المطبوعة: ( وأنَّ إيراد ما ضَعُفَ في الفضائل
والمناقب معتبر ).
(٤) (٢٩١/٢) من طبعة فأس.
(٥) وقع في الأصل: ( أسانيده). وجاء في ((شرح الألفية)): (إِسناده)
فآثرته .
(٦) لفظ ( بل) غير موجود في الأصل، وموجود في ((شرح الألفية)).