Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ مقدمة المؤلف محمد بن جعفر نبأ [حریز بن] عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عوف عن المقدام بن معد یکرب عن قال رسول الله وَلالتر: قال ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه [ثلاثاً]، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه. وقبل الشروع في المقصود، لا بد من ذكر مقدمة تكون مدخلاً إلى معرفة المطلب، نذكر فيها حقيقة النسخ ولوازمه وتوابعه. ١٢٢ مقدمة المؤلف [مقدمة في علم الناسخ والمنسوخ] [١/٠٠٦] / اعلم أن النسخ له اشتقاق عند أرباب اللسان، وحد عند أصحاب المعاني، وشرائط عند العالمين بالأحكام. أما أصله، فالنسخ في اللغة عبارة عن إبطال شيء، وإقامة آخر مقامه وقال أبو حاتم: الأصل في النسخ هو: أن يحول ما في الخلية من العسل والنحل في أخرى، ومنه نسخ الكتاب، وفي الحديث: (ما من نبوة إلا وتناسختها فترة) ((م ٠٠٨)). ثم النسخ في اللغة موضوع بإزاء معنيين: أحدهما: الزوال على جهة الانعدام. والثاني: على جهة الانتقال. أما النسخ بمعنى الإزالة فهو أيضاً على نوعين: ١ - نسخ إلى بدل، نحو قولهم: نسخ الشيب الشباب، ونسخت الشمس الظل، أي أذهبته وحلت محله. ٢ - ونسخ إلى غير بدل، إنما هو رفع الحكم وإبطاله من غير أن ((م ٠٠٨)) الحديث روى نحوه مسلم في كتاب (٥٣) الزهد والرقائق ٢٢٧٨/٤ الحديث (١٤) في سياق طويل وفيه (وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها ملكاً) ورواه أحمد في مسنده ١٧٤/٤ بنحو ما في مسلم. ١٢٣ مقدمة المؤلف يقيم له بدلاً، يقال: نسخت الريح الآثار، أي أبطلتها وأزالتها . وأما النسخ بمعنى النقل، فهو نحو قولك: نسخت الكتاب، إذا نقلت ما فيه وليس المراد به إعدام ما فيه، ومنه قوله تعالى:/ ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(١) يريد نقله إلى الصحف أو من الصحف إلى غيرها، غير أن المعروف من النسخ في القرآن هو: إبطال الحكم مع إثبات الخط، وكذلك هو في السنة. [٠٠٦/ ب] أما في الكتاب، فهو أن تكون الآية الناسخة والمنسوخة ثابتتين في التلاوة إلا أن المنسوخة لا يعمل بها، مثل عدة المتوفى عنها زوجها كانت سنة لقوله تعالى: ﴿مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾(٢) ثم نسخت بأربعة أشهر وعشر في قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًاً﴾(٣). وأما في السنة، فعلى نحو من ذلك أيضاً، لأن الغالب أنهم نقلوا المنسوخ كما نقلوا الناسخ. وأما حده: فمنهم من قال : إنه بيان انتهاء مدة العبادة. : بيان انقضاء مدة العبادة التي ظاهرها الدوام. وقیل وقال بعضهم : إنه رفع الحکم بعد ثبوته. وقد أطبق المتأخرون على ما ذكره القاضي، أنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب/ المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً به مع تراخیه عنه، وهذا حد صحيح. وأما شرائطه، فمدارك معرفتها محصورة: (١) سورة الجاثية ٢٩. (٢) سورة البقرة ٢٤٠. (٣) سورة البقرة ٢٣٤. [١/٠٠٧) ١٢٤ مقدمة المؤلف منها : أن يكون [النسخ بخطاب، لأن بموت المكلف ينقطع الحكم، والموت مزيل للحكم لا ناسخاً له. و منها : أن يكون] المنسوخ أيضاً حكماً شرعياً، لأن الأمور العقلية التي مستندها البراءة الأصلية لم تنسخ، وإنما ارتفعت بإيجاب العبادات. ومنها : أن لا يكون الحكم السابق مقيداً، بزمان مخصوص، نحو قوله عليه السلام : ((م ٠٠٩)) (لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس) فإن الوقت الذي يجوز فيه أداء النوافل التي لا سبب لها مؤقت، فلا يكون نهيه عن هذه النوافل في الوقت المخصص ناسخاً لما قبل ذلك من الجواز، لأن التأقيت يمنع النسخ. : أن يكون الخطاب الناسخ متراخياً عن المنسوخ، فعلى هذا يعتبر الحكم الثاني، فإنه لا يعدو أحد القسمين: إما أن يكون متصلاً أو منفصلاً. فإن كان متصلاً بالأول، لا يسمى نسخاً، إذ من شرط النسخ التراخي، وقد فقد هاهنا/ لأن قوله عليه السلام: و منها [٠٠٧/ب] ((م ٠٠٩)) أخرجه البخاري في كتاب (٩) مواقيت الصلاة باب (٣١) لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس ٦١/٢ الحديث (٥٨٦) ولفظه (لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد المغرب حتى تغيب الشمس). وأخرجه مسلم في كتاب (٦) صلاة المسافرين وقصرها باب (٥١) الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها ١/ ٥٦٧ الحديث (٢٨٨) نحوه. ١٢٥ مقدمة المؤلف ((م ٠١٠)) (لا تلبسوا القمص ولا السراويلات ولا الخفاف إلا أن یکون رجل ليس له نعلان فليلبس الخفين). وإن كان صدر الحديث يدل على منع لبس الخفاف، وعجزه يدل على جوازه، وهما حكمان متنافيان، غير أنه لا يسمى نسخاً لانعدام التراخي فيه، ولكن هذا النوع يسمى بياناً. وإذا كان منفصلاً نظرت هل يمكن الجمع بينهما أم لا؟. فإن أمكن الجمع جمع، إذ لا عبرة بالانفصال الزماني مع قطع النظر عن التنافي، ومهما أمكن حمل كلام الشارع على وجه يكون أعم للفائدة، كان أولى صوناً لكلامه عن النقص، ولأن في ادعاء النسخ إخراج الحديث عن المعنى المفيد وهو على خلاف الأصل. ألا ترى أن قوله عليه السلام : ((م ٠١١)) (شر الشهود من شهد قبل أن يستشهد). وفي حديث آخر: ((م ٠١٠)) أخرجه البخاري في كتاب (٢٥) الحج باب (٢١) ما لا يلبس المحرم من الثياب ٤٠١/٣ الحديث (١٥٤٢) وفيه (لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراولات ولا البرانس ولا الخفاف ..... ) وأخرجه مسلم في كتاب (١٥) الحج باب (١) ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح ٨٣٤/٢ الحديث (١١٧٧) نحوه. ((م ٠١١) لم أعثر على تخريجه. ١٢٦ مقدمة المؤلف ((م ٠١٢)) (خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد). فهما حديثان قد تعارضا على ما ترى، وقد يشكل على غير الفقيه الجمع بينهما، لما يتوهم فيه من ظاهر المنافاة مع حصول الانفصال فيهما . [٠٠٨/ ١] وربما يراه بعض من/ له معرفة بالإسناد فيرى إسناد الحديث الأول أمثل فيحكم بنسخ الثاني وليس الأمر على ما يتوهمه لفقدان شرائط النسخ, لكن طريق الجمع بين هذين الحديثين: أن يحمل الأول على ما إذا شهد قبل أن يستشهد من غير مسيس حاجة إليه، وهذا التفسير ظاهر في حديث عمران بن حصين عن النبي ◌َّر قال: ((م ٠١٣)) (خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم ینشأ قوم یشهدون ولا يستشهدون). ((م ٠١٢)) أخرجه مسلم في كتاب (٣٠) الأقضية باب (٩) بيان خير الشهود ١٣٤٤/٣ الحديث (١٩ - ١٧١٩) عن زيد بن خالد الجهني ولفظه (ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها). وأخرجه ابن ماجه ٢/ ٧٩٢ الحديث (٢٣٦٢) نحوه. وأخرجه مالك في الموطأ ٧٢٠/٢ الحديث (٣) نحوه. ((م ٠١٣)) أخرجه البخاري في كتاب (٥٢) الشهادات باب (٩) لا يشهد على شهادة جور اذا أشهد ٢٥٨/٥ الحديث (٢٦٥١) نحوه. وأخرجه مسلم في كتاب (٤٤) فضائل الصحابة باب (٥٢) فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ١٩٦٣/٤ الحديث (٢١٣) نحوه. ١٢٧ مقدمة المؤلف ويحمل الحديث الثاني على ما إذا شهد عند مسيس الحاجة فهو خير الشهود، وعلى هذا ينبغي أن يحتال في طريق الجمع رفعاً للتضاد عن الأخبار. وإن لم يمكن الجمع وهما حكمان منفصلان نظرت، هل يمكن التمييز بين السابق والتالي، فإن تميز أوجب المصير إلى الآخر منهما ويعرف ذلك بأمارات عدة. ١٢٨ مقدمة المؤلف [أمارات النسخ] : أن يكون لفظ النبي وَ ل ** مصرحاً به، نحو قوله عليه السلام : منها ((م ٠١٤)) (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها). [ومنها] : أن يكون لفظ الصحابي ناطقاً به، نحو: ((م ٠١٥)) حديث علي بن أبي طالب/ كان رسول الله ولي أمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس. [٠٠٨/ ب] : أن يكون التاريخ معلوماً، نحو: ومنها ((م ٠١٤)) أخرجه مسلم في كتاب (١١) الجنائز باب (٣٦) استئذان النبي ◌َّ- ربه عز وجل في زيارة قبر أمة ٢/ ٦٦١ الحديث (١٠٦) عن بريدة نحوه. وأخرجه الترمذي في كتاب (٨) الجنائز باب (٦٠) ما جاء في الرخصة في زيارة القبور ٣٧٠/٣ الحديث (١٠٥٤) عن بريدة نحوه. وأخرجه أبو داود في كتاب الجنائز باب في زيارة القبور ٢١٨/٣ الحديث (٣٢٣٥) عن بريدة نحوه. ((م ٠١٥)) انظر تخريجه في الحديث (ح ١٦٣) الآتي. ١٢٩ مقدمة المؤلف ((م ٠١٦)) ما رواه أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول الله إذا جامع أحدنا فأكسل؟ فقال النبي وّلقول: (يغسل ما مس المرأة منه وليتوضأ ثم ليصل). هذا حديث يدل على أن لا غسل مع الإكسال، وأن موجب الغسل الإنزال، ثم لما استقرأنا طرق هذا الحديث أفادنا بعض الطرق أن شرعية هذا كان في مبدأ الإسلام واستمر ذلك إلى ما بعد الهجرة بزمان، ثم وجدنا: ((م ٠١٧)) الزهري قد سأل عروة عن ذلك فأجابه عروة أن عائشة حدثته أن رسول الله وَ ليو كان يفعل ذلك ولا يغتسل وذلك قبل فتح مكة ثم اغتسل بعد ذلك وأمر الناس بالغسل. ومنها : أن تجتمع الأمة في حكم على أنه منسوخ. فهذه معظم أمارات النسخ، وعند الكوفيين زيادات أخر، نحو حسن الظن بالراوي وهو كما ذكر الطحاوي في كتابه فإنه روى الأحاديث/ الصحيحة في غسل الإناء سبع مرات من ولغ الكلب ثم جاء إلى: [١/٠٠٩) ((م ٠١٨)) حديث عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة ((م ٠١٦)) انظر تخريجه في الحديث (ح ٠٠٢) الآتي. ((م ٠١٧)) انظر تخريجه في الحديث (ح ٠٠٨) الآتي. ((م ٠١٨)) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه كتاب الطهارة ٩٦/١ الحديث (٣٣٠). ١٣٠ مقدمة المؤلف موقوفاً عليه أنه قال: (إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه ثم اغسله ثلاث مرات). فاعتمد على هذا الأثر وترك الأحاديث الثابتة في الولوغ، واستدل به على نسخ السبع على حسن الظن بأبي هريرة لأنه لا يخالف النبي ◌ٍّ﴾ فيما يرويه عنه إلا ما يثبت عنده نسخه إلى غير ذلك من نظائره التي لا یکترث بها. وإن لم يمكن التمييز بينهما بأن أبهم التاريخ وليس في اللفظ ما يدل عليه، وتعذر الجمع بينهما فحينئذ يتعين المصير إلى الترجيح. ١٣١ مقدمة المؤلف Jab [وجوه الترجيحات] ووجوه الترجيحات كثيرة، أنا أذكر معظمها، فمما يرجح به أحد الحديثين على الآخر: [الوجه الأول]: كثرة العدد في أحد الجانبين، وهي مؤثرة في باب الرواية، لأنها تقرب مما يوجب العلم وهو التواتر. نحو استدلال من ذهب إلى إيجاب الوضوء من مس الذكر بالأحاديث الواردة في الباب نظراً إلى كثرة العدد، لأن حديث الإيجاب رواه نفر من الصحابة عن النبي ◌َّ#/ نحو عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وعائشة وأم حبيبة وبسرة رضي الله عنهم(١). [٠٠٩/ ب] وأما حديث الرخصة فلا يحفظ من طريق يوازي هذه الطرق أو يقاربها إلا من حديث طلق بن علي اليمامي وهو حديث فرد في الباب ولو سلم أن حديث طلق(٢) يوازي تلك الأحاديث في الثبوت كان حديث الجماعة أولى أن يكون محفوظاً من حديث رجل واحد. وقال بعض الكوفيين: كثرة الرواية لا تأثير لها في باب (١) انظر أحاديثهم في الأرقام التالية: (ح ٠٢٢ - ح ٠٢٣ - ح ٠٢٤). (٢) انظر حديثه في الأرقام التالية: (ح ٠١٩ - ح ٠٢٠ - ح ٠٢١). ١٣٢ مقدمة المؤلف الترجيحات، لأن طريق كل واحد منهما غلبة الظن، فصار كشهادة الشاهدين مع شهادة الأربعة. يقال على هذا: إن إلحاق الرواية بالشهادة غير ممكن، لأن الرواية وإن شاركت الشهادة في بعض الوجوه فقد فارقتها في أكثر الوجوه. ألا ترى أنه لو شهد خمسون امرأة لرجل بمال، لا تقبل شهادتهن، ولو شهد به رجلان قبلت شهادتهما، ومعلوم أن شهادة الخمسين أقوى في النفس من شهادة رجلين، لأن غلبة الظن إنما هي معتبرة في باب الرواية/ دون الشهادة، وكذا سوى الشارع بين شهادة إمامين عالمين(١) وشهادة رجلين لم يكونا في منزلتهما، وأما في باب الرواية فترجح رواية الأعلم الأدين على غيره من غير خلاف يعرف في ذلك، فلاح الفرق بينهما. [١/٠١٠) الوجه الثاني: أن يكون أحد الراويين أتقن وأحفظ . نحو ما إذا اتفق مالك بن أنس وشعيب بن أبي حمزة في الزهري فإن شعيباً وإن كان حافظاً ثقة غير أنه لا يوازي مالكاً في إتقانه وحفظه، ومن اعتبر حديثهما وجد بينهما بوناً بعيداً. الوجه الثالث: أن يكون أحد الراويين متفقاً على عدالته والآخر مختلفاً فيه فالمصير إلى المتفق عليه أولى. مثاله حديث بسرة بنت صفوان في مس الذكر مع ما يعارضه من حديث طلق، فحديث بسرة رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن (١) في (ع) عادلين. ١٣٣ مقدمة المؤلف عمرو بن حزم عن عروة بن الزبير(١) وليس فيهم إلا من هو عدل صدوق متفق على عدالته، وأما رواة حديث طلق (٢)/ فقد اختلف في عدالتهم، فالمصير إلى حديث بسرة أولى. [٠١٠/ ب] الوجه الرابع: أن يكون راوي أحد الحديثين لما سمعه كان بالغاً والثاني كان صغيراً حالة الأخذ، فالمصير إلى حديث الأول أولى، لأن البالغ أفهم للمعاني وأتقن للألفاظ وأبعد من غوائل الاختلاط وأحرص على الضبط وأشد اعتناء بمراعاة أصوله من الصبي، ولأن الكبير سمعه في حالة لو أخبر به لقبل منه، بخلاف الصبي. ولهذا بعض أهل المعرفة بالحديث، لما ذوكر في أصحاب الزهري رجح مالكاً على سفيان بن عيينة، لأن مالكاً أخذ عن الزهري وهو كبير وابن عيينة إنما صحب الزهري وهو صغير دون الاحتلام. فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يقدم من تحمل شهادة وهو بالغ على من تحملها صغيراً. قلنا: إنما لم يعتبر هذا الترجيح في باب الشهادة، لأن الشهادة إخبار عن معنى واحد، وذلك المعنى لا يتغير ولا تختلف معرفته باختلاف الأحوال صغيراً أو كبيراً، وليس كذلك الرواية، فإنما يراعى فيها(٣) الألفاظ والأحوال والأسباب لتطرق الوهم إليها والتغيير والتبديل، ويختلف ذلك بالكبر والصغر فيبالغ في مراعاتها لذلك. الوجه الخامس: أن يكون سماع أحد الراويين تحديثاً وسماع الثاني عرضاً، (١) انظر حديث بسره في الحديث (ح ٠٢٢). (٢) انظر حديث طلق في الحديث (ح ٠١٩ - ح ٠٢٠ - ح ٠٢١). (٣) في (ج) فإنها يراعي فيه. [١/٠١١] ١٣٤ مقدمة المؤلف فالأول أولى بالترجيح، إذ لا طريق أبلغ من/ النطق في الثبوت. ولهذا قدم بعضهم عبيد الله بن عمر في الزهري على ابن أبي ذئب، لأن سماع عبيد الله تحديث وسماع ابن أبي ذئب عرض، وهذا مذهب أهل العراق والبصريين والشاميين وأكثر المحدثين، وأما مالك وأهل الحجاز فأكثرهم ذهبوا إلا أن لا فارق بين العرض والقراءة، وإليه مال الشافعي أيضاً. الوجه السادس: أن يكون أحد الحديثين سماعاً أو عرضاً، والثاني يكون كتابة أو وجادة أو مناولة، فيكون الأول أولى بالترجيح، لما يتخلل هذه الأقسام من شبه الانقطاع لعدم المشافهة، ولهذا رجح حديث: ((م ٠١٩)) ابن عباس في الدباغ (أيما إهاب دبغ فقد طهر) على حديث: ((م ٠٢٠)) عبد الله بن عكيم (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) لأن هذا كتاب وذاك سماع. الوجه السابع: أن يكون أحد الراويين مباشراً لما رواه والثاني حاكياً، والمباشر ((م ٠١٩)) أخرجه مسلم في كتاب (٣) الحيض باب (٢٧) طهارة جلود الميتة بالدباغ ٢٧٦/١ الحديث (١٠٥) بلفظ (إذا دبغ الإهاب فقد طهر). وأخرجه الترمذي في كتاب (٢٥) اللباس باب (٧) ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت ١٩٣/٤ الحديث (١٧٢٨). ((م ٠٢٠)) انظر تخريجه في الحديث (ح ٠٤٨). ١٣٥ مقدمة المؤلف أعرف بالحال، مثاله حديث ميمونة أن النبي وَفر نكحها وهو حلال، وبعضهم رواه نكحها وهو حرام، فمن رواه نكحها وهو حلال أبو رافع (م ٠٢١))، ومن رواه نكحها وهو حرام ابن عباس ((م ٠٢٢)). وحديث أبي رافع أولى بالتقديم، لأن أبا رافع كان السفير بينهما وكان مباشراً للحال، وابن عباس كان حاكياً. ولهذا أحالت عائشة/ على علي لما سألوها عن المسح على الخفين فقالت: سلوا علياً فإنه كان يسافر مع رسول الله وَ﴾ ((م ٠٢٣)). [٠١١/ ب] الوجه الثامن: أن يكون أحد الراويين صاحب القصة فيرجح حديثه، لأن صاحب القصة أعرف بحاله من غيره وأكثر اهتماماً، ولذلك رجع نفر ((م ٠٢١)) حديث أبي رافع يراد به ما أخرجه الترمذي في كتاب (٧) النكاح باب (٢٣) ما جاء في كراهية تزويج محرم ٢٠٠/٣ الحديث (٨٤١) بسنده عن أبي رافع قال: تزوج رسول الله * ميمونة وهو خلال وبنى بها وهو حلال وكنت أنا الرسول فيما بينهما. قال الترمذي: هذا حديث حسن. ((م ٠٢٢)) وحديث ابن عباس يراد به: ما أخرجه البخاري في كتاب (٢٨) جزاء الصيد باب (١٢) تزويج المحرم الحديث (١٨٣٧) بسنده عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي ◌َّر تزوج ميمونة وهو محرم. ((م ٠٢٣)) يراد به: ما أخرجه مسلم في كتاب (٢) الطهارة باب (٢٤) التوقيت في المسح على الخفين ٢٣٢/١ الحديث (٨٥ - ٢٨٦) بسنده عن شريح بن هانىء قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله فإنه كان يسافر مع رسول الله وَّر، فسألناه فقال: جعل رسول الله وَّي ثلاثة أيام وليالهن للمسافر ويوماً وليلة للمقيم. ١٣٦ مقدمة المؤلف من الصحابة ممن كان يرى (الماء من الماء)(١) إلى حديث عائشة في التقاء الختانين (٢). الوجه التاسع: أن يكون أحد الراويين أحسن سياقاً لحديثه من الآخر وأبلغ استقصاء فيه، لأنه قد يحتمل أن يكون الراوي الآخر سمع بعض القصة فاعتقد أن ما سمعه مستقل بالإفادة ويكون الحديث مرتبطاً بحديث آخر لا يكون هذا قد تنبه له. ولهذا من ذهب إلى الإفراد في الحج قدم حديث جابر (٣) لأنه وصف خروج النبي ◌ّلجر من المدينة مرحلة مرحلة ودخوله مكة وحكى مناسكه على ترتيبه وانصرافه إلى المدينة، وغيره لم يضبط ضبطه. الوجه العاشر: أن يكون أحد الراويين أقرب مكاناً من رسول الله وَ له، فحديثه أولى بالتقديم، لأنه يكون أمكن من استيفاء كلامه وأسمع له. ولذلك من يرى الإفراد بالحج أفضل من القران يذهب إلى حديث ابن عمر أن النبي وسلّ أفرد الحج(٤) ويرجحه على حديث أنس أنه قرن(٥) لما ذكر ابن عمر في حديثه/ قال: [١/٠١٢) (١) الماء من الماء يراد به أن الذي يوجب غسل الجنابة هو خروج ماء المني. وأما إذا أكسل عند الجماع فلا يوجب الغسل. (٢) انظر حديثها في (ح ٠٠٥). (٣) يراد به حديث جابر في صحيح مسلم كتاب (١٥) الحج باب (١٩) حجة النبي ◌َالر ٨٨٦/٢ الحديث (١٤٨). (٤) يراد به حديث ابن عمر في صحيح مسلم كتاب (١٥) باب (٧) في الإفراد والقران بالحج والعمرة ٩٠٤/٢ الحديث (١٨٤) قال: أهللنا مع رسول الله وَ﴾ بالحج مفرداً. (٥) يراد به حديث أنس في صحيح مسلم المصدر السابق، الحديث (١٨٥) = ١٣٧ مقدمة المؤلف ((م ٠٢٤)) (كنت تحت جران ناقة (١) رسول الله وَ له ولعابها بين كتفي). الوجه الحادي عشر: أن يكون أحد الراويين أكثر ملازمة لشيخه، فإن المحدث قد ينشط تارة فيسوق الحديث على وجهه، وقد يتكاسل في الأوقات فيقتصر على البعض أو يرويه مرسلاً إلى غير ذلك من الأسباب، وهذا الضرب يوجد كثيراً في حديث مالك بن أنس. ولهذا قدمنا يونس بن يزيد الأيلي في الزهري على النعمان بن راشد وغيره من الشاميين من أصحاب الزهري لأن يونس كان كثير الملازمة للزهري حتى كان يزامله في أسفاره، وطول(٢) الصحبة له زيادة تأثیر، فیرجح به. الوجه الثاني عشر - في الترجيحات : أن يكون أحد الحديثين سمعه الراوي من مشايخ بلده والثاني سمعه من الغرباء فيرجح به الأول، لأن أهل كل بلد لهم اصطلاح في كيفية الأخذ من التشدد والتساهل وغير ذلك، والشخص أعرف قال: سمعت النبي ◌َ﴾ يلبي بالحج والعمرة جميعاً. (١) جران: باطن العنق. (النهاية في غريب الحديث ٢٦٣/١). ((م ٠٢٤)) ورد في سنن الترمذي كتاب (٣١) الوصايا باب (٥) ما جاء لا وصية لوارث ٣٧٧/٤ الحديث (٢١٢١) حديث عمرو بن خارجه، وليس ابن عمر كما ذكره الحازمي، أن النبي وَلّ خطب على ناقته وأنا تحت جرانها وهي تقصع بجرتها وأن لعابها يسيل بين كتفي فسمعته يقول: إن الله أعطى كل ذي حق حقه ولا وصية لوارث والولد للفراش وللعاهر الحجر. وبهذا يحتمل أن الحازمي وهم في نسبة الحديث إلى ابن عمر . والله أعلم. (٢) في (ع) وحلول الصحبة. ١٣٨ مقدمة المؤلف باصطلاح أهل بلده. ولهذا اعتبر أئمة النقل حديث إسماعيل بن عياش فما وجدوه من الشاميين احتجوا به وما كان من الحجازيين والكوفيين وغيرهم لم يلتفتوا إليه لما يوجد في حديثه من النكارة إذا رواه عن الغرباء. الوجه الثالث عشر: أن يكون أحد الحديثين له مخارج عدة والحديث الثاني لا يعرف/ له سوى مخرج واحد وإن كان قد رواه نفر ذو عدد، فيكون المصير إلى الأول أولى، لأن الحكم الواحد إذا عمل به في بلدان شتى يكون أقوى من الحكم المعمول به في بلد واحد وإن كان عدد هؤلاء أكثر. [٠١٢/ ب] الوجه الرابع عشر: أن يكون إسناد أحد الحديثين حجازياً وإسناد الآخر عراقياً أو شامياً، سيما إذا كان الحديث مديني المخرج، لأنها دار الهجرة ومجمع المهاجرين والأنصار، والحديث إذا شاع عندهم وذاع وتلقوه بالقبول متن وقوي. ولهذا قدمنا صاعهم على صاع غيرهم، لأنهم شاهدوا الوحي والتنزيل، وفيهم استقرت الشريعة، وكان الشافعي رحمه الله يقول: (كل حديث لا يوجد له أصل في حديث الحجازيين واهي وإن تداولته الثقات)(١). الوجه الخامس عشر: أن يكون أحد الحديثين رواه أهل بلد وليس التدليس من صناعتهم، والثاني رواه من يرى التدليس، فيكون الأول أولى (١) لم أعثر على مصدر هذا الكلام. ١٣٩ مقدمة المؤلف بالاعتبار، لما في التدليس من ركوب الخطر، ومن لا يرى في التدليس بأساً وهو فاش عندهم، أهل الكوفة جميعهم وبعض البصريين . الوجه السادس عشر: أن يكون كلا الحديثين عراقي الإسناد، غير أن أحدهما معنعن والثاني مصرح فيه بالألفاظ التي تدل على الاتصال نحو سمعت وحدثنا فيرجح القسم الثاني لاحتمال التدليس في العنعنة، إذ هو عندهم غير مستنكر/ وكان شعبة يقول: (كنت إذا حضرت مجلس قتادة لمحت حديثه فما قال فيه سمعت وحدثنا وأخبرنا كتبته وما قال فيه عن طرحته)(١). [١/٠١٣) الوجه السابع عشر: أن يكون أحد الراويين جمع حالة الأخذ بين المشافهة والمشاهدة، والثاني أخذه من وراء حجاب، فيؤخذ بالأول لأنه أقرب إلى الضبط وأبعد من السهو والغلط. ولهذا لما اختلف في زوج بريرة هل كان حراً أو عبداً؟ فرواه القاسم بن محمد وعروة بن الزبير عن عائشة أن بريرة أعتقت وكان زوجها عبداً (٢) ورواه أسود بن يزيد عن عائشة أن زوجها كان حراً (٣)، كان المصير إلى حديث القاسم وعروة أولى لأنهما سمعا منها من غير (١) لم أعثر على مصدر هذا الكلام أيضاً. (٢) يراد به ما أخرجه مسلم في كتاب (٢٠) العتق باب (٢) إنما الولاء لمن أعتق ١١٤٣/٢ الحديث (٩) بسنده عن جرير عن هاشم بن عروة عن أبيه عن عائشة في قصة عتق بريرة، وفيه: (وكان زوجها عبداً). (٣) يراد به ما أخرجه ابن ماجه في كتاب (١٠) الطلاق باب (٢٩) خيار الأمة إذا أعتقت ١/ ٦٧٠ الحديث (٢٠٧٤) بسنده عن الأسود عن عائشة أنها أعتقت بريرة فخيرها رسول الله وَ لفر وكان لها زوج حر. ١٤٠ مقدمة المؤلف حجاب(١). الوجه الثامن عشر: أن يكون أحد الحديثين اختلفت الرواية فيه والثاني لم تختلف فيقدم الحديث الذي لم تختلف الرواية فيه. نحو ما رواه أنس بن مالك(٢) في باب الزكاة في صدقة الإبل إذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين ابنة لبون(٣) وفي كل خمسين حقة(٤) وهو حديث صحيح مخرج في الصحاح من حديث ثمامة بن عبد الله بن أنس ورواه عن ثمامة ابنه عبد الله وحماد بن سلمة ورواه عنهما جماعة، وكلهم قد اتفقوا على هذا الحكم من غير اختلاف بينهم. ((م ٠٢٥)) وروى عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب في الإبل إذا زادت على عشرين ومائة قال: (ترد الفرائض إلى أولها فإذا كثرت (١) ويؤيد حديث الزبير عن عائشة، حديث ابن عباس قال: ذاك مغيث عبد بن فلان يعني زوج بريرة كأني انظر إليه يتبعها في سكاك المدينة يبكي عليها. وذلك في البخاري كتاب (٦٨) الطلاق باب (١٥) خيار الأمة تحت العبد ٩/ ٤٠٧ الحديث (٥٢٨١). (٢) يراد به حديث أنس في صحيح البخاري كتاب (٢٤) الزكاة باب (٣٨) زكاة الغنم الحديث (١٤٥٤) في سياق طويل وفيه (فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة). (٣) ابنة لبون: من الإبل ما أتى سنتان ودخل في الثالثة، فصارت أمه لبوناً أي ذات لبن لأنها تكون قد حملت حملاً آخر ووضعته (النهاية في غريب الحديث ٢٨/٤). (٤) حقة: من الإبل ما دخل في السنة الرابعة إلى آخرها، وسمي بذلك لأنه استحق الركوب والتحميل (المصدر السابق ٤١٥/١). ((م ٠٢٥)) لم أعثر على تخريجه.