Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ وقوله: (ولولا اختلافُ العلماء لتفتت) تحريفٌ عن (لبَقِيتُ) أي لبَقِيتُ في مَشَقَّةٍ وعذاب. وقد جاءت هذه الكلمة على الصحةِ والصوابِ في ((الرسالة القُشَيْرِيَّة))(١): (ولولا اختلاف العلماء لَبقِيتُ). وعلَّقَ المحقق الدكتور رشاد سالم على كتابٍ ((الاستقامة)) بقوله: (لَتَفَتَّتُ، كذا في الأصل. وفي الرسالة القشيرية: لبقيتُ). انتهى. فَبَقِيَ المحقّقُ متردِّداً في صحةٍ إحدى الكلمتين، والصواب: لبَقِيْتُ. ١٠ - وجاء في ((منهاج السنة النبوية)) للشيخ ابن تيمية(٢): (( ... لولا الإِسنادُ لقال من شاء: ما شاء، فإذا يُسألُ عمن لقي))(٣). ١١ - وجاء في ((الصارم المنكي في الرد على السبكي)) لابن عبد الهادي المقدسي الحنبلي(٤)، (( ... ولكن إذا قيل: من حدَّثك نَفَى))(٥). (١) ٨٨:١، بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود. (٢) ٩٦:٤ من طبعة بولاق. (٣) هكذا وقعت العبارةُ في الطبعة البولاقية. ووقعَتْ هذه العبارةُ في الكتاب نفسِهِ، في طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، بتحقيق الدكتور رشاد سالم ٧: ٣٦٠، على وجهٍ آخر من التغيير والتصرُّف! فجاءت: (لولا الإِسنادُ لقال من شاء: ما شاء، فإذا سُئِلَ: وَقَف وتحيّ). وعلَّق عليه محققُهُ بقوله: (ن - أي في مخطوطةٍ نور عثمانية - فإذا سُئِلَ عمن بقي. س - أي في مخطوطةٍ جامعة الإِمام الخامسة - فإذا سُئِلَ عمن لقي. ب - أي في النسخة المطبوعة البولاقية - فإذا يُسألَ عمن لقي). انتهى. وهذا اضطرابٌ شديد فيه ألوانٌ من التحريف! ما عرفتُ اللفظَ المثبَتَ من أيِّ نسخة؟ ولم يُشر المحقق إلى شيء، فإن كان هو اختيارَهُ وأثبتَهُ من عندِه فقد زاد الأمرَ بَلْبَلةٌ وسُوءاً، فالله أعلم. (٤) ص ٢٦٨. (٥) هكذا وقع في النسخة المطبوعة بالمطبعة الخيرية. وهكذا وقع أيضاً: (نَفَى)، في ص ٣٧٥ من طبعة دار الإفتاء بالرياض سنة ١٤٠٣، بتحقيق العلامة الفاضل المحقق الشيخ إسماعيل الأنصاري. ٦٢ وكلُّهُ تحريفٌ عن لفظ (بقي). كما أنَّ كلمة (يسأل) في (منهاج السنة)) تحريف عن (قِيلَ)، وهو مسبَّبٌ عن تحريفٍ (بقي) لغموضٍ معناها، فتحريفٌ جَرِّ تحريفاً! والذي يبدو لنظر العبد الضعيف أن هذه الكلمة: (فَبَقِيَ)، كانت تقال على نحو هذا الوجه: فَبَقِيَ ساكتاً لا يَنطِقُ بحرف، أو: فَبَقِيَ واجماً لا يَنْبِسُ بكلمة. كما تَرى هذا الأسلوبَ كثيراً منتشراً في الأخبار، في كتب الأدب أو التارخ أو التراجم، وأقربُها مني الآن ما جاء في كتاب ((أعلام النساء)) لعمر كَخَّالة(١)، في خبر (محبوبة)، وذلك أن الخليفة المتوكل العباسي، ((طلَبَ من الشاعر علي بن الجَهْم أن يقول شيئاً في إحدى جواريه، فبَدرَتْ محبوبةُ فقالت فيها شعراً من غير فكر ولا رَويَّة، وبَقِيَ علي بن الجهم واجماً لا يَنطِقُ بحرف)). انتهى. والخبرُ هناك بتمامه منقولٌ عن ((الأغاني)) و ((مروج الذهب». فلما اشتهرت هذه الجملةُ وعُرفَ المراد منها، صار لفظُ (فَبَقِيَ) دالاً لسامعه على ما بعده، فطَوَوْا بقيةَ الجملة اكتفاءً بفهم المراد، كما يقع دائماً في مخاطبات الناس في كل عصر ومصر: أنهم يطوون من الذكر ما عُرِفَ، اختصاراً واكتفاءً، فحذفوا بقية الجملة للعلم بها، وأدباً منهم لأنها تكشِفُ عن ضعفِ المقولةِ فيه، كما تقدَّمَتْ الإِشارةُ إليه(٢). ورحم الله تعالى إمامَ النحاة ابنَ مالك الجيّاني الأندلسي، إذ قال في ألفيته: ((الخلاصة)): وحَذْفُ ما يُعلَمُ جائزٌ كما تقولُ: زيدٌ، بَعْدَ مَنْ عِندَكُما؟ وإليك بعد هذا طائفةٌ من نصوص العلماء القُدامى، تُؤنِسُك بهذا التعبير، وتُحدِّدُ لك معناه، وتُعرِّفُك بشيوعِهِ واستعمالِهِ في مُناطَقَاتٍ علماء القرن الثاني حتى (١) ٥ :٢٦. (٢) في ص ٥٣. ٦٣ أوائل القرن الخامس، مرتَّةً بتسلسل أزمانٍ قائلي تلك النصوص: ١ - رَوَى الحافظ الخطيب البغدادي في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع))(١)، بسنده إلى «ابن شَوْذَب، عن مَطَرٍ - الورَّاق التابعي البصري المتوفى سنة ١٢٩ رحمه الله تعالى - قال: العِلْمُ أكثرُ من مَطَرِ السماء، ومَثَلُ الرَّجُلِ الذي يَروِي عن عالمٍ واحدٍ كرجلٍ له امرأةٌ واحدة، فإذا حاضَتْ بَقِي))(٢). ٢ - وروى الحافظُ البيهقيُّ في ((مناقب الشافعي))(٣)، والحافظُ ابنُ عبد البر في ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء))، في (باب فصاحة الشافعي واتساعه في فنون العلم) (٤)، وذكر أيضاً القاضي عِيَاض في ((ترتيب المدارك))(٥)، والحافظُ ابنُ حجر في ((توالي التأنيس بمعالي ابن إدريس)) (٦): ((عن المُزَنِيّ قال: قَدِمَ الشافعي، وكان بمصر ابنُ هشام صاحبُ ((المغازي))، وكان عالَمَ مصر بالغريبِ والشعر، فقيل له: لو أتيتَ الشافعيَّ، فأَبى أن یأتیه، فلما كان بعد ذلك قيل له: لو أتيته، فأتاه فذاكره أنساب الرجال. فقال له الشافعيُّ بعد أن تذَاكرا طويلًا: دَعْ عنك أنسابَ الرجال، فإنها (١) ٨٨:٢ بتحقيق الدكتور محمود طحان، و١٤٧:٢ بتحقيق الدكتور محمد رأفتْ سعید . (٢) وقع في طبعة الأخ الفاضل الدكتور محمود طحان: (فإذا حاضَتْ هي)، وعلَّقَ عليه بقوله: ((وهكذا جاء النصُّ في المخطوطةِ بدون جوابٍ الشرط، وذلك للعلم به، وتقديرُ الجواب: حاضَ مَعَها حُكْماً). انتهى. وهذا كلُّه خطأ بُنيَ على تحريفٍ (بَقِيَ) إلى (هِيَ)، لغموضِ المعنى عند الناسخ، أو عند الشيخ الراوي للخبر! فأَوقَعَ المحقّقَ في هذه الغلطة! (٣) ٤٨٨:١ و ٤٢:٢. (٤) ص ٩٣. (٥) ٣ :١٨٣. (٦) ص ٦٠. ٦٤ لا تذهَبُ عنا وعنك، وخُذْ بنا في أنساب النساء، فلما أخَذَا فيها بَقِي ابنُ هشام! أي انقَطَّع، فكان ابنُ هشام بعدَ ذلك يقول: ما ظننتُ أن الله عزَّ وجل خَلَقَ مثلَ هذا)). انتهى. قال البيهقي في ختام الخبر في الموضع الأول: ((أي انقطع)). وقال ابن حجر: «یعني سَکّتَ». ٣ - وجاء في كتاب ((المُحَدِّث الفَاصِل بين الراوي والواعي))، للرامَهُزْمُزِي(١): ((حدَّثني عبدُ الله بنُ محمد بن أبان الخَيَّاط من أهل رامَهُرْمُز، ثنا القاسم بن نصر المُخَرِّمي، ثنا سليمان بن داود المِنْقَرِي، قال: وجَّه المأمونُ عبدُ الله بنُ هارون، إلى محمد بن عبد الله الأنصاري - البصري المحدِّث قاضي البصرة، المولودسنة ١١٨، والمتوفى سنة ٢١٥ رحمه الله تعالى - خمسين ألفَ درهم، وأَمَرَهُ أن يَقسِمَها بين الفقهاء بالبصرة، فكان هلالُ بنُ مُسْلِم يَتكلُّمُ عن أصحابه(٢)، قال الأنصاري: وکنتُ أنا أتكلُّمُ عن أصحابي، فقال هلال: هي لي ولأصحابي، وقلتُ أنا: بل هي لي ولأصحابي، فاختلفنا. فقلتُ لهلال: كيف تتشهِّدُ؟ فقال هلال: أوَمثلي يُسألُ عن التشهد؟! قلتُ: إنما عليك الجواب، والجوابُ عن الواضح السَّهْلِ أولَى، فتشهَّدَ هلالٌ على حديثِ ابن مسعود، فقال له الأنصاري: من حدَّثك به؟ ومِن أين ثَبَتَ عندك؟ فبَقِيَ هِلالٌ، ولم يُبه! فقال الأنصاري: تُصلّي في كل يوم وليلة خمسَ صلوات، وتُرَدِّدُ فيها هذا الكلام، وأنت لا تدري من رواه عن نبيِّك صلى الله عليه وسلم؟ قد باعَدَ اللَّهُ بينك وبين الفقه! فقَسَمها الأنصاريُّ في أصحابه))(٣). (١) ص ٢١٠، وعن ((المُحدِّثِ الفَاصِلِ)) رواه الخطيبُ في (تاريخ بغداد)) ٥: ٤٠٩، والذهبي في (سير أعلام النبلاء)» ٥٣٦:٩، في ترجمة (محمد بن عبد الله الأنصاري البصري) المتوفى سنة ٢١٥ عن ٩٧ سنة. (٢) سيأتي طَرَفْ من ترجمته تعليقاً على آخر هذا الخبر. (٣) قلتُ: هِلالُ بنِ مُسْلم هو هلالُ بنُ يحيى بن مُسْلِم البصري، أَخَذ الفقه عن = ٦٥ ٤ - وجاء في ((تاريخ الأمم والملوك)) للإمام ابن جرير الطبري(١)، في حوادث سنة ٢١٨، في خبرِ مُحادثةِ العَتَّابي للمأمون: (( ... ثم أخذوا في المُفاوَضَةِ والحديث، وغَمَز عَليه - أي على العَتَّبِيِّ - إسحاقُ بنُ إبراهيم، فأقبَلَ لا يأخُذُ العتابيُّ في شيء إلا عارضَهُ إسحاقُ بأكثرَ منه، فَقِيَ متعجباً، ثم قال: يا أمير المؤمنين ... )). ٥ - وجاء في الجزء المطبوع من ((مسند يعقوب بن شيبة))، وهو قسم من (مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه)، جاء فيه(٢)، (حدثنا محمد، قال: حدثنا جَدِّي - هو يعقوب بن شيبة مؤلِّفُ المُسْنَد -، قال: سمعتُ عليّ بن عبد الله - هو ابن المَدِيني - يقول: كنت عند سفيان ـــ هو ابنُ عُيَينة - معي ابنُ ابنٍ حمّادِ بنِ زيد، فحدَّثَ سفيانُ بحديث: عَمْرو - هو ابنُ دينار - ، عن طاوسٍ. في المواقيتِ، مُرسَل. قال علي: فقلت له: حمّادُ بن زید یقول: عن ابن عباس، - يعني يرويه عن طاوس عن ابن عباس -، فقال سفيان: أُحَرِّجُ عليك بأسماءِ الله لَمَا صَدَقْتَ: أنا أعلمُ بِعَمْرٍو أو ◌َّادُ بنُ زيد؟ فَبَقِيتُ! ثم قلتُ: أنت يا أبا محمد أعلَمُ بعَمْرٍو من ◌َّاد بن زيد، وابنُ ابنِهِ حاضرٌ، فلما قُمتُ قال لي ابنُ ابنِه: عَرَّضتَ جَّدِّي حين قلتَ له: إنَّ حَّادَ بنَ زيد يقول: كذا وكذا)). انتهى. = أبي يوسف وزُفَرَ، وكان أحَدَ كبار فقهاء الحنفية في عصره، توفي سنة ٢٤٥ رحمه الله تعالى، وكان يلقّب بهلالِ الرَّأْي لِسَعَةِ عِلمِهِ وكثرةِ فِقِهِهِ وقوَّةِ رأيهِ وأَخذِهِ بالقياس. قال الذهبي في ((الميزان)» ٤: ٣١٧ ((هلال ... البصريُّ الحنفيُّ الفقيهُ))، وقال في ((المشتَبِهِ)) ص ٣٣١ (من أعيان الحنفية))، وفي (تبصير المنتَبِه)) لابن حجر ٦٢٠:٢ ((فقيهُ البصرة)»، فكيف لم يكن فقيهاً؟! ولكنَّ الدراهمَ أَطمَعَتْ بنفسها آخِذَها رحمه الله تعالى، فأصارها إليه وإلى أصحابه بفتوى منه، فهلا قاسَمَهُ بها على الأقل. وقولُه لهلال: (قد باعَدَ اللَّهُ بينك وبين الفقه) يَدُلُّ على حتَقٍ في النفس !. وهل عدَمُ حضورِ العالم الجوابَ عن مسألةٍ مُباغِتَةٍ ليست تَحَلِّ سؤال، يَنفي عنه العلم؟! (٢) في ص ٣١. (١) ٦٦٣:٨ من طبعة دار المعارف. ٦٦ وواضحٌ من قوله: فَبِقِيتُ. أي أُفحِمتُ وبَقِيتُ ساكتاً، بدليل قولِهِ بعد: ثم قلتُ. ٦ - وجاء في ((تَقْدِمَةِ الجرح والتعديل))(١)، وفي ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم الرازي (٢)، في ترجمة (الإِمام أحمد بن حنبل) رحمه الله تعالى، و ((مناقب الإِمام أحمد)) لابن الجوزي(٣)، ((قال أحمد بن حنبل: مات هُشَيم وأنا ابنُ عشرين سنة، وأنا أحفَظُ ما سمعتُ منه، ولقد جاء إنسانٌ إلى بابٍ ابن عُلَيّة، ومعه كتُبُ هُشَيم، فجعَلَ يُلقِيها عليَّ وأنا أقول: إسنادُ هذا كذا، فجاءَ المُعَيْطِيُّ وكان يحفظ، فقلت له: أجِبْهُ فيها، فبقي!)). انتهى. وجاء هذا الخبر في ((الحِلية)) لأبي نعيم (٤)، بلفظ ( ... فقلتُ له: أجِبْه فيها، فَسهَا) انتهى. ولفظُ (فَسهَا) تحريف عن (فبقي)، ولعلّه بتصرفٍ من الناسخ أو الطابع؟ إذ لم يَفهم معنى (فبقي)، فقدَّرها محرفةً عن (فَسِهَا)، فَسهَا! ٧ - وجاء في ((تقدمة الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم(٥)، في ترجمة (أحمد بن حنبل)، وفي ((مناقب الإِمام أحمد)» لابن الجوزي (٦)، وفي («تاريخ الإِسلام)) للذهبي - مخطوط - من طريق ابن أبي حاتم، في ترجمة (أحمد بن حنبل): ((قال إسحاق بن راهُوْيَه: كنتُ أجالسُ بالعراق أحمد بن حنبل، ويحيى بنَ مَعين، وأصحابَنا، فكنا نتذاكرُ الحديث من طريقٍ وطريقينٍ وثلاثة، فيقول يحيى بنُ مَعِين من بينهم: وطريقَ كذا، فأقول: أليس قد صَحَّ هذا بإجماعٍ منا؟ فيقولون: نعم، فأقول: ما مُرادُه؟ ما تفسيرُه؟ ما فِقْهُهُ؟ فَيَبْقَوْن (١) ص ٢٩٥ . (٤) ٩ : ١٦٤. (٢) ١/ ١ :٦٨. (٣) ص ٥٩. (٥) ص ٢٩٣. (٦) ص ٦٣. ٦٧ كلُّهم! إلا أحمدَ بن حنبل))(١). (١) قال عبد الفتاح: هذا النصُّ يُفيدنا بجلاءٍ أن المعرفة التامة بعلم الحديث - ولو من أولئك الأئمةِ الكبار أركانِ علم الحديث في أزهى عصور العلم - لا تجعَلُ المحدِّثُ الحافظَ (فقيهاً مجتهداً)، إذ لو كان الاشتغالُ بالحديث يجعلُ (الحافظَ): (فقيهاً مجتهداً)، لكان الحُفَّاظُ الذين لا يُحصىَ عَدَدُهم، والذين بَلَغ حفظُ كلِّ واحدٍ منهم للمتون والأسانيد، ما لا يحفظه أهلُ مصر من الأمصار اليوم: أولى بالاجتهاد، ولكنهم صانهم الله فما زعموه لأنفسهم . بل إن سَيِّدَ الْحُفّاظِ الإِمامَ (يحيى بنَ سعيد القطان) البصريَّ، إمامَ المحدِّثين، وشيخٌ الجرح والتعديل: كان لا يَجتهدُ في استنباط الأحكام، بل يأخذُ بقولِ أبي حنيفة، كما في (تذكرة الحفاظ)) للحافظ الذهبي ١: ٣٠٧، في ترجمة (وكيع بن الجراح). وفي ((تهذيب التهذيب)) للحافظ ابن حجر ١٠: ٤٥٠ ((قال أحمد بن سعيد القاضي: سمعت يحيى بن معين - تلميذ يحيى القطان - يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: لا نَكْذِبُ اللَّهَ، ما سَمِعْنا رأياً أحسَنَ من رأي أبي حنيفة، وقد أُخَذْنا بأكثر أقوالِه)). وكان إمامُ أهل الحفظ في عصره (وكيعُ بن الجراح) الكوفيّ، محدِّثُ العراق، لا يجتهدُ أيضاً، ويُفتي برأي الإِمام أبي حنيفة الكوفي، ففي ((تذكرة الحفاظ)) للحافظ الذهبي ٣٠٧:١، و((تهذيب التهذيب)) ١٢٦:١١ - ١٢٧ ((قال حُسَينُ بن حِبَّان، عن ابن مَعِين - تلميذٍ وكيعٍ - : ما رأيتُ أفضلَ من وكيع، كان يَستقبلُ القِبلة، وتحفظُ حديثه، ويقومُ الليل، ويَسرُدُ الصومَ، ويُفتي بقولِ أبي حنيفة)». وكذلك هؤلاء الحفاظُ الأئمةُ الأجلَّة، الذين عناهم إسحاق بن راهويه في كلمتهِ المذكورة، ومنهم یحیمی بنُ معین، كانوا لا يجتهدون، وقد أخبرَ عنهم أنهم كانوا يُفِيضون في ذكرِ طُرُقِ الحديثِ الواحِدِ إفاضةً زائدة، فيقول لهم: ما مُرادُ الحديث؟ ما تفسيرُه؟ ما فِقِهُه؟ فَيَبْقَوْن كلُّهم إلا أحمدَ بن حنبل)). وهذا عُنوانُ دِينِهم وأمانتِهم وحَصَافِهم، إذْ وَقَفوا عند ما يُحسنون، ولم يخوضوا فيما لا يُحسنون. وذلك لصعوبةِ الفقه الذي يعتمد على الدراية، وعُمقِ الفهم للنصوص من الكتاب والسنة والآثار، وعلى معرفة التوفيق بينها، وعلى معرفةٍ الناسخ والمنسوخ، وما أُجمَعَ = ٦٨ = عليه وما اختُلِفَ فيه، وعلى معرفةٍ الجرح والتعديل، والترجيح بين الأدلة، ومعرفةٍ لغة العرب ألفاظاً وبلاغة ونحواً ومجازاً وحقيقة ... ومن أجلٍ هذا قال الإِمام أحمد، لما سأله محمد بن يزيد المستملي، عن المحدِّث الحافظِ الكبير (عبد الرزّاق بن هَمَّامِ الصُّنْعاني) صاحبِ التصانيف، ومنها ((المصنَّفُ)) في أحدَ عشر مجلَّداً ضخماً، وشيخِ الإِمام أحمد نفسِه، وشيخٍ إسحاق بن راهويه، ويحيى بنٍ معين، ومحمدِ بنِ يحيى الذهلي، أركانِ علم الحديث في ذلك العصر، وشيخِ أُمَمٍ سِواهُم، المتوفى سنة ٢١١ عن ٨٥ سنة: ((أكان له فقه؟ فقال الإِمام أحمد: ما أقلّ الفِقهَ في أصحاب الحديث)). كما في ((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى ١: ٣٢٩، في ترجمة (محمد بن يزيد المستملي). وقال الحافظ أبو عُمَر ابنُ عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله) ٢: ١٦٠، تعقيباً على قول الإِمام أحمد: ((من أين يَعرِفُ يحيى بنُ معين الشافعيِّ؟ هو لا يَعرف الشافعيِّ، ولا يَعرِفُ ما يقولُ الشافعيُّ. قال أبو عمر: صَدَق أحمدُ بن حنبل رحمه الله، إنَّ ابنَ معين كان لا يَعرِفُ ما يقول الشافعي . وقد حُكي عن ابن معين أنه سئل عن مسألةٍ من التيمم فلم يعرفها. حدَّثَنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابنُ زهير، قال: سُئل يحيى بن معين وأنا حاضر عن رجل خير امرأتَه فاختارت نفسَها؟ فقال: سَلْ عن هذا أهلَ العلم». وسيأتي شاهد آخر لعدم معرفته بالفقه في ٨. هذا، ولا شك في يُسرِ الرواية بالنظر لمن توجّه للحفظ والتحمُّل والأداء، وآتاه الله حافظةً واعية، فلهذا كان المتأهلون للرواية أكثرَ جداً من المتأهلين للفقه والاجتهاد، رَوَى الحافظ الرامَهُرْمُزِي في كتابه ((المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي)) ص ٥٦٠، بسنده (عن أنس بن سيرين، قال: أتيتُ الكوفة، فرأيتُ فيها أربعةَ آلافٍ يَطلبون الحديث، وأربعَ مئةٍ قد فَقُهُوا)). انتهى . وفي هذا ما يَدِلُّ على أنَّ وظيفة الفقيه شاقَّةٌ جداً، فلا يكثُرُ عدَدُه كثرةَ عَدَدِ النقلة الرواة، وإذا كان مثلُ يحيى القطانِ، ووكيع بنِ الجراح، وعبد الرزاق، ويحيى بن معين، وأضرابهم، لم يجرؤا أن يخوضوا في الاجتهاد والفقه، فما أجرأ المدَّعين للاجتهاد في عصرنا هذا؟! مع تجهيل السلف بلا حياءٍ ولا خَجَل! نعوذُ بالله من الخذلان. ٦٩ ونقّل هذا النصّ شيخنا العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى، في مقدمته على (((مسند الإمام أحمد)) ١: ٦٤، ووقع فيه: (فيقفون كلُّهم إلا ... )، وهو تحريف عن (فَيْقَوْن)، ووقع محرفاً إلى (فيقفون) أيضاً في مخطوطة دار الكتب المصرية من ((تقدمة الجرح والتعديل)) المرموز لها في المطبوعة بحرف (م). ٨- وجاء في ((ذيل طبقات الحنابلة)) للحافظ ابن رجب(١)، و((المنهج الأحمد)) للعُلَيمي (٢)، في ترجمة (يحيى بن مَنْدَه الأصبهاني): ((قال فُوْران(٣) ماتت امرأةٌ لبعض أهل العلم: فجاء يحيى بن مَعِين والدَّوْرَقي، فلم يَجِدوا امرأةٌ تَغْسِلُها إلا امرأةً حائضاً، فجاء أحمدُ بن حنبل وهم جلوس، فقال ما شأنكم؟ فقال أهلُ المرأة: ليس نَجِدُ غاسِلةً إلا امرأةً حائضاً، فقال أحمد بن حنبل: أليس تَرْؤُون عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا عائشة ناوليني الخُمْرة، قالت: إني حائض، فقال: إنّ حيضتَكِ ليستْ في يدِكِ)). يجوزُ أن تَغْسِلها، فَخجِلُوا وبَقُوا!)). ٩ - وجاء في ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٤)، في ترجمة الإمام أبي عبد الله البخاري: ((قال محمدُ بنُ أبي حاتم ورَّاقُ البخاري: قَدِمَ إلى بُخَارَى رجاءُ بنُ مُرَجَّى - الإِمامُ الحافظُ الناقدُ المصنّفُ - فصار إلى أبي عبد الله، فقال لأبي (١) ١ : ١٣١. (٢) ٢ :٢٠٨. (٣) فوران بضم الفاء بعدها واو، بعدها راء مهملة كما في غير كتاب، مثل ((اختصار طبقات الحنابلة)) للشمس النابلسي ص ١٤٠، و((المنهج الأحمد)) للعليمي ١: ١٣١، وكما هو معروف. وقد وقع في ((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى ١٩٥:١ في ترجمته محرفاً إلى (فوزان) بالزاي المعجمة، وهو تحريف. وفوران لقب، واسمه: عبد الله بن محمد بن المهاجر، ووقع في ((البداية والنهاية)) لابن كثير ١٠: ٣٤١ محرَّفاً إلى (بوران)! (٤) ١٢ : ٤١٣ . ٧٠ عبد الله: ما أعددتَ لقدومي حين بلغك؟ وفي أيِّ شيء نظرتَ؟ فقال: ما أَحْدَثْتُ نظراً، ولم أستعدَّ لذلك، فإن أحببتَ أن تسألَ عن شيء فافعل، فجعَلَ یناظره في أشياء، فبقِي رجاءً لا یذْرِي أین هو)». ١٠ - وجاء في ((تقدمة الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم(١)، ((قال عبدُ الرحمن - هو ابنُ أبي حاتم - : قيل لأبي زُرْعَة - الرازي عُبَيدِ الله بن عبد الكريم - : بلَغَنا عنك أنك قلتَ: لم أرَ أحداً أحفَظَ من ابنِ أبي شيبة؟ فقال: نعم في الحِفِظِ، ولكن في الحديث، كأنه لم يَحْمَذْه. فقال: رَوَى مَرَّةً حديثَ حُذَيْفَة في الإِزار، فقال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي مُعَلَّى، عن حُذَيفة. فقلتُ له: إنما هو أبو إسحاق، عن مُسْلِم بن نُذَيْر، عن حُذَيْفَة، وذاك الذي ذكرتَ عن أبي إسحاق، عن أبي المُعَلَّى، عن حُذَيْفَةَ قالَ: ((كنتُ ذَرِبَ اللسان ... )). فَبَقِيَ. فقلت للورَّاقِ: أحضيرُوا ((المسنَدَ))، فأَتَوْا بُسْنَدِ حُذَيْفَة، فأصابه كما قلتُ)). ١١ - وجاء في ((تقدمة الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم الرازي، في ترجمة والده (أبي حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي)(٢)، و((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي (٣): ((قال عبدُ الرحمن - هو ابنُ أبي حاتم - : سمعتُ أبي يقول: كان محمد بن يزيد الأَسْفَاطِيُّ يحفظ التفسير، فقال لنا يوماً: ما تحفظون في قول الله عز وجلَّ: ﴿فَقَّبُوا في البِلادِ﴾؟(٤)، فبَقِيَ أصحابُ الحديث ينظر بعضُهم إلى بعض! وفي ((طبقات الشافعية)): فسكتوا، فقلتُ أنا: (١) ص ٣٣٧. (٢) ص ٣٥٧. (٣) ٢ :٢٠٩. (٤) من سورة ق، الآية ٣٦. ٧١ حدثنا أبو صالح ، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله عز وجل: ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ قال: ضَرَبُوا في البلاد، فاستحسن». ١٢ - وجاء في ((مجالس العلماء)) للزَّجَّاجي(١): ((أن أبا العباس المبرِّد، قال لأبي إسحاق الزَّجَّاج: فإن قيل لك: إذا قلتَ: شيءٌ أحسنَ زيداً، فقد أخبرتَ ولم تتعجّب، فإذا وضعتَ (ما) في موضع (شيء)، فمن أين وقع التعجّب؟ قال الزجّاجُ: فبَقِيتُ! ولم یکن عندي جواب)). ١٣ - وجاء في ((مناقب الشافعي)) للبيهقي (٢)، في آخِرِ حكايةٍ أوردها البيهقي عن أبي القاسم الأنماطي: عثمان بن سعيد بن بشار، أحدٍ أصحاب المُزَني رحمهما الله تعالى، جاء في آخرها قولُ أبي القاسم الأنماطي : ((فقلتُ له - أي لرئيسِ الجهمية الذي اجتمع معه ليناظره - : القرآنُ غيرُ مخلوقٍ، وأدُلُّ عليه بكتاب الله تعالى، وسُنَّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماعٍ أُمَّتِه، ومن حُجَج العُقولِ التي ركَّبها الله في عباده، قال: فأوردتُ عليه ذلك، فبَقِي متحيِّراً)). انتهى . قال عبد الفتاح: وهنا قد صرَّح المتكلِّمُ بحالِ الذي (بَقِيَ)، فقال: (فبقي متحيِّراً). ١٤ - وجاء في ((تاريخ بغداد)) للخطيب(٣)، في ترجمة (الإِمام أبي زُرْعَة الرازي): (( ... حدثنا صالحُ بن محمد الأُسَدي - هو صالحُ جَزَرَة - ، قال حدثني سَلَمةُ بن شَبِيب، حدثني الحسنُ بنُ محمد بنِ أَعْيَنَ، حدثنا زهير بن (١) ص ١٦٦. (٢) ١ :٤٦٧. (٣) ١٠ :٣٢٨. ٧٢ معاوية، قال حدَّثْنَا أُمُّ عمرو بنتُ شِمْر، قالت: سمعتُ سُويدَ بنَ غَفَلَة يقرأُ ﴿وَعِيْسَ عِيْنْ﴾، يُرِيدُ: ﴿حُوْرَ عِيْنْ﴾. قال صالح: ألقَّيْتُ هذا على أبي زُرْعَة فَبَقِيَ مُتعجّباً، وقال: أنا أحفظُ في القراءات عَشَرَةَ آلافِ حديث، قلتُ: فتحفَظُ هذا؟ قال: لا)). ١٥ - وجاء في ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم(١)، في (النوعُ الثالثُ والثلاثون من علوم الحديث: مذاكَرَةُ الحديث)، وفي ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (٢)، في ترجمة (أبي علي عبد الله بن محمد بن علي البلخي الحافظ): ((قال الحاكم: سمعتُ أحمدَ بنَ الخضر الشافعي غيرَ مرة يقول: قَدِمَ علينا - نيسابور - أبو علي عبدُ الله بن محمد بن علي الحافظ البلخي حاجًّاً، فعجَزَ أهلُ بلدنا عن مُذاكرتِهِ لحفظِه . فاجتمع معه جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ (٣) _ الحَصِيري النيسابوري -، فذاكره بأحاديث الحج، فكان عبدُ الله يَسرُدُها، فقال له جعفر: تحفظُ عن سليمان التَّيْمِي ، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لِّى بحَجِّ وعُمْرَة؟ فبقي أبو علي(٤)، فقال جعفر: حدَّثَنا به يحيى بنُ حبيب بن عربي، حدثنا مُعْتَمِرُ بنُ سليمان، عن أبيه، عن أنس، فقَطَع المجلسَ بذلك)). (١) ص ١٤٢ . (٢) ٢ : ٦٩٠ . (٣) وقع في تذكرة الحفاظ)) ٢: ٦٩٠ (فاجتمع معه جعفر بن محمد بن نصر). وهو تحريف! صوابه: (جعفر بن أحمد بن نصر)، كما هو في ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)) نفسها ٧٠٢:٢، وكما جاء في ((معرفة علوم الحديث)) المنقول عنه الخبر أعلاه. (٤) وقع في ((تذكرة الحفاظ)): ( ... فبهت). والظاهر أنه محرف عن (فبقي) الذي جاء في كتاب ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم، وهو المصدر الأصل لهذا الخبر أو أنه نقل بالمعنى. ووقع في نسختين من مخطوطات ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم: (فنفى)! كما نبه إليه محقق كتاب الحاكم في حاشيته. وصوابه: فبقي، کما علمت. ٧٣ ١٦ - وجاء في ((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي(١)، و((تذكرة الحفاظ)) للذهبي(٢)، في ترجمة (أبي العباس أحمد بن عُقْدة)، وقد كان أحفَظَ مَنْ في عصرِهِ من الحفاظ، قال الخطيب: «قال أبو أحمد - هو الحاكمُ الکبير النيسابوري - قال لي أبو العباس بنُ عُقْدة: دخَلَ البَرْدِيجِيُّ الكوفة، فَزَعَمَ أنه أحفَظُ مني، فقلتُ: لا تُطَوِّل، تَتَقَدَّمُ إلى دُكانِ وَرَّاق، وتَضَعُ القَبَّانَ، وتَزِنُ من الكتب ما شِئتَ، ثم تُلقَی علینا فَنَذْكُرُه، فبقي !)). انتهى. وتوقَّفَ المصححُ لكتابٍ ((تاريخ بغداد)) في صِحّة هذه الكلمة! فعلَّقَ عليها بقوله: ((هكذا في الأصلين من تاريخ بغداد)). وتوقّفُه إنما نشأ من عدم معرفتِهِ بصحةٍ هذه الكلمةِ ومعناها! ١٧ - وجاء في ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم(٣)، في (النوعُ الثالثُ والثلاثون: مُذاكَرةُ الحديث)، وفي ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (٤)، في ترجمة (الحافظ المُفِيدِ أبي حفص عُمَرَ البصري، تلميذِ ابن عُقْدة) ما يلي: ((قال الحاكم، سمعتُ عُمَرَ بنَ حفص البصري يقول: دخلتُ الكوفة سنةً من السنين وأنا أُريدُ الحج، فالتقيتُ بأبي العباس بنِ عُقْدة، وبِتُّ عنده تلك الليلة. فأخذ يُذاکِرُني بشيءٍ لا أهتدي إليه - قال الخطيب في ((تاريخ بغداد))(٥): وكان أبو العباس أحفَظَ من في عصرنا للحديث -، فقلت: يا أبا العباس، أَيْشٍ عند أيوب السُّخْتِياني عن الحسن؟ فذكَرَ حديثين، فقلتُ: تحفَظُ: أيوبُ، عن الحسن، عن أبي بَرْزَة أن رجلاً أغلظَ لأبي بكر، فقال عُمَرُ: يا خليفةً رسول الله، دَعْني فأضرِبَ عُنُقَه! فقال: مَهْ يا عمر، ما كانَتْ لأحَدٍ بعدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَبَقِيَ! وكَبَّرتُ ... )). ١٨ - وجاء في ((تذكرة الحفاظ)) أيضاً(٦)، في ترجمة الحاكم أبي عبد الله (١) ٥ :١٦. (٢) ٣ : ٨٤٠. (٥) ١٦:٥. (٣) ص ١٤٢ . (٦) ٣ : ١٠٤١. (٤) ٣ : ٩٣٥. ٧٤ النيسابوري ((قال الحافظُ خليلُ بنُ عبد الله: دخلتُ على الحاكم أبي عبد الله، ويُقرَأُ عليه في ((فوائد العراقيين)): سُفيانُ الثوريّ، عن أبي سَلَمة، عن الزهري، عن سهل بن سعد: حديثُ الاستئذان - أي حديثُ إنما جُعِلَ الاستئذانُ من أجل البصر -، فقال: من أبو سَلَمة؟ قلت: هو المُغيرةُ بنُ مُسْلِمِ السَّرَّاج، قال: وكيف يَروِي المغيرةُ عن الزهري؟ فبَقِيتُ! ثم قال: قد أمهلتُك أُسبوعاً، فتفكّرتُ ليلتي، فلمَّا وقعتُ - أي وَصَلتُ بتفكيري إلى أصحابِ الجزيرة _ تذكَّرتُ محمدَ بنَ أبي حَفْصَة، فإذا كُنْيَتُهُ أبو سلمة، فلما أصبحتُ حضرتُ مجلسهُ وقرأتُ علیه نحو مئةٍ حديث، فقال لي : هل تذكَّرَتَ فيما جَرَى؟ فقلتُ: نعم، هو محمدُ بنُ أبي حفصة، فَتَعجَّبَ وأثنى عليّ)). انتهى. فهذه ثمانيةَ عَشَرَ نصَّأَ - والنصوصُ غيرُها كثيرٌ يراها الباحثُ المنقِّب في كتب التاريخ والتراجم والأدب وغيرها - تدُلُّ أوضحَ الدلالة على صحة كلمة ابن المبارك رحمه الله تعالى: ((الإِسنادُّ من الدين، ولولا الإسنادُ لقال من شاء: ما شاء، فإذا قِيلَ له: مَنْ حَدَّثك؟ بَقِي!)). أي أُنْحِمَ وبَقِيَ ساكتاً. وإنما أُغْفِلَتْ هذه الجملةُ في كثيرٍ من الكتب، عندَ نَقْلِ كلمةِ ابن المبارك على توالي العصور، لغموض المعنى المقصودِ منها شيئاً فشيئاً، بسبب قِلّةٍ استعمالٍ هذا التعبير، ولكنها من تمام المعنى المرادِ لابنِ المبارك، في بيانٍ شأنٍ أهميَّةِ الإِسناد في الدين، والله تعالى أعلم. وهكذا يتبدى من هذه الشواهد أن بعض الألفاظ في العربية تعيش في قرون وتموت في قرون كشأن الأفكار وغيرها. والحمد لله على الختام. يقول العبدُ الضعيف عبدُ الفتاح بنُ محمد أبو غُدَّة غفر الله له ولوالديه وللمسلمين: فَرَغتُ من إعادة النظرِ في هذه الرسالة: (الإسنادُ من الدِّين) في ضحى يوم الثلاثاء ١٣ من المحرَّم سنة ١٤١٠، في مدينة فانكوفر من كندا. والحمدُ لله رب العالمين. ضَفْ حَةٌ مُشْرِقَةَ مِنْ تَطَيخ شَاعِ الحَدْ عِنْدَ الْحَدِيْ بقَلم عَد الفتّاح أبو غُدّة ٧٧ بِسْمِ اللهِ الرّمنِ الرَّحِيمِ تقدمة : الحمدُ للَّهِ البَرِّ الْجَوَاد(١)، الذي جَلَّتْ نِعَمُهُ عن الإِحصاءِ والأعداد، الهادي إلى سَبِيلِ الرشاد، الموفّقِ بكَرَمِهِ لِطُرُقِ السَّداد، المانِّ بالاعتناءِ بِسُنَّةِ حَبِيبِه وخليله، عبدِه ورسوله، صلواتُ الله وسلامُهُ عليه وعلى مَنْ آمن به من العِبَاد. المُخَصِّصِ سبحانه هذه الأُمَّ ـــ زادها الله شَرَفاً - بعلم الإسناد، الذي لم يَشركها فيه أحَدٌ من الأمَم، على تكرُّرِ العُصورِ والأَباد، الذي نَصَب لحفظِ هذه السُّنَّةِ المكرَّمةِ الشريفةِ المطهرة: خَوَاصَّ من الْحُفَّاظِ النَّقَّاد، وجعَلَهم ذَابِين عنها في جميع الأزمانِ والبلاد، باذِلين وُسْعَهم في تبيينِ الصحةِ من طُرُقِها والفَسَاد، خوفاً من الانتقاصِ منها والازدِيَاد، وحفظاً لها على الأمَّةِ - زادها الله شَرَفاً - إلى يومِ التَّنَادِ. أحَدُهُ أبلغَ حَمْدٍ على نِعَمِه، خصوصاً على نِعمةِ الإِسلام وأنْ جَعَلنا من أُمَّةٍ خير الأوَّلِينَ والآخِرِين، وأكرَمِ السابقينَ واللاحقين، محمدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِه، وحَبِيبِهِ وخليلِه، خاتّمِ النبيِّين، المكرَّمِ بتفضيل أُمَّتِه ــ زادها الله شَرَفاً - على الْأَمَمِ السابقين، ويكونِ أصحابِهِ رضي الله عنهم خيرَ القُرونِ الكائنين، وبأنهم كلَّهم مقطوعٌ بعَدَالتِهم عند من يُعتَدُّ به من علماءِ المسلمين. (١) هذه الخطبة مقتبسة مختصرة بحروفها من خطبة الإمام النووي رحمه الله تعالى لشرحه على ((صحيح مسلم)). ٧٨ المخصوصِ بتوفُّرِ دواعي أُمَّتِّه على حِفظِ شريعتِه وتدوينها ونَقْلِها عن الْحُفَّاظِ المُسْنِدِينَ، وأَخْذِها عن الْحُذَّاقِ المُتْقِنِين، والاجتهادِ في تبيِنها للمُسْتَرْشِدين، والدُّؤُوبِ في تعليمِها احتساباً لرضا رَبِّ العالمين، والمُبالغةِ في الذَّبِّ عن مِنهاجِهِ بواضحِ الأدلةِ وقمعِ الملحدين والمبتدعين، صَلَوَاتُ الله وسَلَامُهُ عليه وعلى سائرِ النبيين، وآلِ كلِّ وصَحَابتِهِم والتابعين، وسائرٍ عِبَادِ الله الصَّالحين، ووفَّقَنا للاقتداءِ به في أقوالِهِ وأفعالِهِ وسائرِ أحوالِهِ مُخلِصين مستمرین دائبین. وبعدُ، فيقول العبدُ الضعيف عبدُ الفتاح بن محمد أبو غُدَّة، فتح الله تعالى عليه، وغَفَر له ولمشايخه ولوالديه: هذه رسالة لطيفة طريفة، سميتُها: ((صفحةٌ مشرِقةٌ من تاريخ سَمَاعِ الحديث عند المحدِّثين)). أوردتُ فيها نَصَّاً من نصوص سَمَاعِ الحديثِ الشريفِ وتلقِّيه عن أئمتِهِ بالمشافهةِ والإِسناد، جاء ذلك النَّصُّ في آخر المجلَّد الثامن، من الكتاب الفَخْم الضَّخْم العظيم: ((السُّنَّن الكبرى» للإِمام البيهقي(١)، رحمةُ الله تعالى عليه. رواه عنه بالسَّنَدِ إليه الإِمامُ الحافظُ تقيُّ الدين أبو عَمْرو بنُ الصلاح الشَّهْرَ زُوري المَوْصِلي ثم الدمشقي، في دار الحديث الأشرفية بدمشق الشام سنة ٦٣٤، في مجالسَ بلغَتْ في المجلَّدِ الثامنِ فقط ٩٠ مجلساً(٢) وتحمَّلَهُ عن الحافظِ ابنِ الصلاح وسَمِعَهُ منه شيوخُ العلمِ والحديثِ وطُلَّبُه، في أدَقِّ صورةٍ وأضبطٍ سماعٍ لتلك المجالس، التي كانت تُساقُ فيها روايةُ ذلك الكتاب الجليل، مع العَرْضَِ والمُقابلةِ له على نسخةِ المؤلّف الإِمامِ البيهقي ونسخةِ الحافظِ ابنِ عساكر الدمشقي . (١) وبَيْهَقُ: بلدة كبيرة من نواحي نيسابور، في بلاد روسيا الآن. (٢) أما مجالسُ الكتابِ كلِّه في المجلَّداتِ العشرة فقد بلغَتْ ٧٥٧ مجلساً كما سيأتي بيانه تعليقاً في ص ١١٨ . ٧٩ وهي صُورةٌ رائعةٌ مُمتِعة، تُعرِّفنا بما كان عليه المحدِّثون الكبارُ من الضبطِ والإِتقان، والعنايةِ البالغةِ والتجويد العجيب، لرواية الحديث بالسماعِ والإِسناد، في مجالسهم وفي أخذ الرواةِ عنهم، حتى في الكُتُبِ الکبار کهذا الكتاب الحافلِ العظيم ((السنن الكبرى)). وتُمثِّلُ لنا في قِدَمِها من نحو ثماني مِئةٍ سنة ما كأنًّا نشهدُهُ اليومَ في الوسائل الضابطة الدقيقة المصوِّرة كالتِّلْفَاز. فهي صُورةٌ - غيرُ ناطقة ولا صَوْتِيَّة - تُسجَّلُ تلك المجالسَ الحديثيَّة، وحالَ الشيخِ المحدِّث، وحالَ العلماءِ الطَّلَّبِ الحاضرين فيها: سَمَاعاً وتلقّياً، وحُضوراً وغِياباً، ويَقَظةُ ونَوْماً، وانتباهاً واشتغالاً، وتحدُّثاً ونسخاً، وفَوَاتاً واستكمالاً، كأنك تشهدُهُم في مجالسِ التحديثِ والتسميع، ولكن يَنقُصُها تسجيلُ الصوتِ والكلام، فهي صورةً صافيةٌ واعية، لسماعٍ وتحمُّلٍ وأداءٍ وأمانةٍ علميةٍ بالغة، تميّزَ بها آباؤنا وعلماؤنا المحدِّثون رضي الله عنهم، وتميَّزَ عنهم فيها أيضاً الحافظُ الإِمامُ ابنُ الصلاح رضي الله عنه. وقدَّمتُ لعَرْضِ هذه الصورةِ النفيسةِ بَمَدْخَلٍ للموضوع، تضمِّنَ بعضَ النصوص من الأحاديث الشريفةِ الواردةِ في لزوم الأخذِ بالسنة المطهرة، إلى جانب وجوب الأخذ بالقرآن الكريم، والمحذِّرَةِ من الإِعراضِ عن السنة، والمُفيدةِ لجملةٍ من الأحكام الشرعية التي استقلَّتْ السُّنَّةُ وحدَها ببيانها وتشريعها . وتعرَّضتُ بعدَ ذلك لذكر (الإِسناد) وأهميته، وأنه لم يَقنصير التزامُهُ على رواية الحديث النبوي الشريف، بل شَمِلَ روايةً كلام الصحابة، وروايةَ كلام التابعين في إطار الشرع الحنيف، ودَخَلَ في سائر علوم الدين، حتى دخل في كل منقول من تفسیر، أو فقه، أو لغة، أو أدب، أو تاریخ، أو شعر، أو نثر، بل دَخَلَ في نقلِ الحكاياتِ الواعظة والأخبارِ المسلِّية أو المضحكة والأقوالِ الحِكْمِيَّة، التي لا يترتَّبَ عليها شيء من الأحكام الشرعية. ٨٠ ونبّهتُ إلى ما يَتذرَُّ به بعضُ المستشرقين ومقلُّدوهم من المسلمين، من الاستشهادِ بما يرويه الإِمامُ ابن جرير أو أمثالُه من الأئمةِ الكبار إذ يَرْوونه بالسَّنّد، فيتخذ أولئك المفسدون من رِفعةٍ مقام ابن جرير في العلم، مُسْتَنَداً إلى توهيمهم صِحةً ما ينقلونه عنه من خبرٍ تالف أو حديثٍ زائف، وذكرتُ أن قيمةً ما يرويه الإِمامُ ابن جرير قيمةُ سَنَدِه، فإنه قد يَروي الصحيحَ والضعيف والمقبول والمردود، كشأن غيره من جمهرة المحدِّثين، للإِطْلاعِ على ما جاء في الباب. ثم أتبعتُ ذلك بكلمةِ تمهيدٍ أمامَ نصّ ((السَّمَاع))، أشرتُ فيها إلى عناية المحدثين بتلقي الحديثِ وروايتهِ وتحمُّلِهِ وأدائِه، في كل كتاب صغير أو كبير، بحيث تتحقَّقُ الطمأنينةُ للواقفِ عليه في ضَبْطِ النقل، وذكرتُ أن المحدِّثين في هذه العناية على طبقات متصاعدة في ذواتهم، وفي مؤلّفاتهم أو مرويًّاتهم، لما خَصَّ الله به كلَّ واحدٍ منهم من المزايا. ثم تكلَّمتُ على كتاب ((السُّنَّن الكبرى)) للإِمام البيهقي وسَعَتِهِ في مجلداتِهِ العَشَرة، والمعتُ إلى أهمِّ الأمور التي جاءت في السَّمَاع للمجلَّدِ الثامن من الحافظِ ابن الصلاح، مما تُعرِّفُنا بعنايتِهِ التي تميَّزَ بها فيما ألَّفَهُ أو قُرِىءَ عليه، وذكرتُ أنَّ بعضَ كتبِ السُّنَّةِ المعتدِلَةِ الحجم، مثلِ الكتبِ السِّتَّةِ لَقِيَتْ من العناية وتكرارِ السَّمَاعِ والقراءةِ ما لم يَلْقه كتابٌ مؤلّف، وأنَّ لمؤلفيها المحدِّثين خصيصةٌ كريمةٌ ومَنْقَبةً رفيعةً، وهي ذكر أسمائهم مع اسمِ النبي صلى الله عليه وسلم كلما رُوي الحدیثُ عنهم. ثم أوردتُ بعدَ هذا ترجمةً موجزة للحافظ ابن الصلاح، زيادةٌ في معرفةٍ مقامِه العلمي، ثم أتبعتُها بإيرادِ نماذج كثيرة من صِیغة إثباتِ كل مجلس من مجالس السماع، ومعه ذكرُ عَدَدِهِ والتأكيدُ من الحافظ ابنِ الصلاح على العَرْضِ والمُقَابلةِ مع السماع فيه، ثم أوردتُ صُورةَ (السَّمَاع) مُرَقِّماً أسماءَ السامعين الذين بَلَغ عدَدُهم ٩٣ شيخاً، وترجمتُ لبعضهم ممن وَرَد اسمُه فِي مَذْخَلِ السماع وأوَّلِه، وضبطتُ من الأسماءِ ما استطعتُ ضبطَه. ٨١ وعلَّقتُ على بعض المواضع من السماع بإيجازٍ حيناً وبإسهابٍ حيناً آخر، استكمالاً لبيان المقام، وأَتبعتُ نَصَّ (السماع) بكلمةِ ختام بيَّنتُ فيها ما يُمكن أن يكون لدى ناظرِهِ وقارئِهِ من انطباعاتٍ رائقةٍ مُعجِبة مُدْهِشة، يَتحسَّسُ بها آثارَ خِدمةِ هؤلاء العلماءِ الأجلاءِ المحدِّثين الكبار لحديثِ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ويَلْمَسُ عنايتهم العجيبةَ بحفظِ السُّنَّةِ المُشَرَّفةِ وضبطِها، ويتجلَّ له بيقينٍ ووضوح وطُّمَأْنِيْنَة - من ذلك السماعِ الذي قرأَهُ - صِدقُ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحَافِظُوْنَ﴾. وفي الختام أرجو أن أكون قد وُفِّقتُ إلى عَرْضِ هذا الجانب الهامِّ من خِدمةٍ السنةِ المطهرة وعلومِها، لَيَشْهَدَ فيه الأبناءُ ما بَذَل فيه الآباء، فيعتزُّوا بميراثِ النبوّةِ العظيم، ويَثِقُوا بعلومِهم بتقديرٍ وإكبارٍ واعتزاز، عن بصيرةٍ ومعرفةٍ وَذَوَاق، فيكون ذلك مِهْمَازاً يَدفعُهم إلى النهوضِ بالسُّنَّةِ الشريفةِ وإلى العملِ بها، والله وليُّ المتقين. والحمدُ لله رب العالمين. و کتبه عَد الفتّاح أبو غُدّة في ٥ من جمادى الأولى سنة ١٤١٠ بالرياض