Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠ - كتاب الحج (٤١) باب البدء بالصفا في السعي - ٢٠١
الجَانِبِ الَّذِي يَلِي الصَّفًا، يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ بَيْدَأُ فِي كُلِّ ذَلِكَ بِالصَّفًا وَيَخْتُم
بالمرْوَةِ ، وَإِنْ بَدَأَ بِالمَرْوَةِ قَبْلَ الصَّفَا أَلْغِى شَوْطًا وَاحِدا .
١٧٣٤٢ - وَهَذَا كُلُهُ قَولُ جَمَاعَةِ الفُقْهاءِ.
١٧٤٤٣ - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ إِنْ جَهَل أَجْزَاهُ .
١٧٣٤٤ - وَرَوِيَ عَنْهُ أَنْهُ لا يعتدُّ بِهذا الشَّوْطِ كَمَا قَالَ سَائِرُ العُلماءِ .
١٧٣٤٥ - وَأَخْتُلَفُوا فِي السَّعْي بَيْنَ الصَّفا والمرْوَةِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ فَرْضًا مِنْ فَرْضِ
الحَجِّ أَو هُوَ تَطَوِّعٌ وَسَّةٌ؟!(١).
١٧٣٤٦ - قَالَ مَالِكٌ: مَنْ جَهَلَ فَلَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ، أو أفتى بِأَنَّ ذَلِكَ
لَيْسَ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ، وطَافَ بالبَيْتٍ، ثُمَّ خَرَجَ إِلى بِلادِهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مَتَى مَا ذكرَ
عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ إِحْرَامِهِ، حَتَّى يَطُوفَ بِالبَيْتٍ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا والمرْوَةِ وَيَهدي.
١٧٣٤ - قال مالك : ذَلِكَ أَحَبُّ إليّ .
١٧٣٤٨ - فَإِنْ كَانَ أَصَابَ النِّساءَ رَجعَ فَقَضى مَا عَلَيهِ مِنَ الطَّوافِ بِالْبَيْتِ ،
وَالصَّفَا وَالَرْوَةِ ؛ ثُمَّ اعْتُمَرَ ، مَكان عُمرته الّتي أَفْسَدَها بِالوَطْءِ.
١٧٣٤٩ - وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالَرْوَةِ فِي حَجّهِ حَتّى وَطَئَ أَهْلَهُ
كَانَ عَلَيْهِ تَمَامُ حجَّتِهِ ، وَحِجِّ قَابِلَ ، والهَدْيَ .
(١) انظر المسألة (٤٣٢) أول هذا الباب .

٢٠٢- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقَهاء الأمْصارِ /ج ١٢
١٧٣٥٠ - هَذَا كُلُّهُ قَولُهُ في ((الموطَّأَ)) وَغيرِه(١).
١٧٣٥١ - وَقَالَ الثَّورِيُّ: مَنْ نَسِيَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفا والمرْوَةِ حَتَّى يَرْجَعَ إلى
بِلادِهِ فَإِنَّهُ يُجْزِئِهِ دَمٌ يَهْدیهِ .
١٧٣٥٢ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحمدٌ: إِذَا تركَ السَّعْيَ بَيْنَ
الصَّفا والمرْوَةَ عَامداً أو نَاسِيًا فَعَلَيهِ دَمٌ ، وَلا يَرْجِعُ إِليهِ: حجً كَانَ، أو عُمْرةُ .
١٧٣٥٣ - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ(٢): السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَاجِبٌ .
١٧٣٥٤ - واحتجَّ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: حدَّثْنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المؤملِ، عَنْ عُمرَ بْنِ
عبد الرحمنِ بْنِ محيصنٍ ، عَنْ عَطاءِ بْنٍ أبي رباحٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَةَ ، قَالَتْ
أَخْبرتني بِنْتُ أبي تجراةَ (٣) ، قالتْ: دَخَلتُ مَعَ نسوةٍ مِنْ قُرَيْشِ دَارَ آلٍ ابن أبي
حُسينٍ تَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ عَهُ وَهُوَ يَسْعَىَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَرَيْتُهُ يَسْعَى وَإِنَّ
مِزَرَهُ لَيْدُورُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْي حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: إِّي لأُرِى رُكُبَيْهِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:
((اسْعُوا فَإِنَّ اللّهَ كَتَبَ عَلَيَكُمْ السَّعْيَ (٤))).
(١) الموطأ : ٣٧٥ .
(٢) في ((الأم)) (٢: ٢١١) باب ((الخروج إلى الصفا)).
(٣) في (( الأم )» إحدى نساء بني عبد الدار.
(٤) أخرجه الشافعي في ((الأم)) (٢: ٢١١ - ٢١٢) باب الخروج إلى الصفا، وأحمد في المسند (٦:
٤٢١)، وابن خزيمة في صحيحه (٢٣٢:٤) باب ((السعي بين الصفا والمروة واجب))، والطبراني
في المعجم الكبير (٢٤: ٣٢٣)، الحديث (٨١٣)، والدارقطني في السنن (٢: ٢٥٦)، والحاكم
في المستدرك (٤ : ٧٠) في باب ((ذكر حبيبة بنت أبي تجراه رضي الله عنها)). والبيهقي في
السنن (٥: ٩٨)، وفي ((معرفة السنن والآثار)) (٧ : ٩٩٦٢).

٢٠ - كتاب الحج (٤١) باب البدء بالصفا في السعي - ٢٠٣
١٧٣٥٥ - وَكَذَلِكَ رَواهُ أَبُو نعيم : الفَضْلُ بْنُ دكينِ ، عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ المؤملِ.
١٧٣٥٦ - وَقَدَ اضْطَربَ فِيهِ غَيْرُ هَذِينٍ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المؤمل(١). وقدْ جوّدَ
الشَّافِعِيُّ وَأَبُو نعيمٍ إِسْنَادَهُ وَمعناهُ .
١٧٣٥٧ - وَقَالَ الشَّفِعِيُّ وَهَذا عِنْدَنَا - واللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى إِيجابِ السَّعْي بَيْنَ
الصَّفا والمروةِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ هذا الحَدِيثَ لا يحْتْمِلُ إلا السَّعْيَ بَيْنَهُمَا ، أَو السّعْيَ فِي بَطْنِ
الوَادِي، وَهُوَ بَعْضُ العَملِ وجبَ فِي كُلِّهِ ، وَهُوَ مَا قُلْنا .
١٧٣٥٨ - قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفًا وَالْرَوةِ فِي الحَجِّ فالنِّسَاءُ
عَلَيهِ حَرَامٌ حَتَّى يَرْجِعَ فَيَسْعَى فِيمَا بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ وَطأُ فَعَلَيْهِ العَودُ حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَهما
ويهدي .
١٧٣٥٩ - قَالَ أَبُو عُمرَ: مِن قَولِهِ، وَقَولِ غَيرِهِ تَأْتِي وَاضِحَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِيمَا
بَعْدُ .
١٧٣٦٠ - وَقَالَ أَبُو ثَورٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِثْلَ قَولِ الشَّافعيّ.
١٧٣٦١ - وَبِهِ قَالَ أَحْمِدُ وَإِسْحَاقُ .
١٧٣٦٢ - وَهُوَ قَولُ عَائِشَةَ (رضي الله عنها) أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا والمروَةِ
فَرْضٌ.
١٧٣٦٣ - وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافعيّ، وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهم.
(١) سيأتي ذكره في (١٧٣٧٩).

٢٠٤- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقَهاء الأمْصارِ /ج ١٢ سـ
١٧٣٦٤ - أَخْبرنا مُحَمَّد بْنُ إِبراهيمَ، قَالَ: حدَّثني مُحمدُ بْنُ مُعاوِيَةٍ ، قالَ :
جَعْفَرُ بنُ مُحمدٍ الفريابيِّ، قَالَ حدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حدَّثني يَحْبِى
حدَّثْنِى جَمْ
أَبْنُ سَعيدٍ ، قالَ: حَدِّثْنِي مِثَِامُ بْنُ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْرِنِي أَبِي ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ:
وَاَللَّهِ مَا أَتَّ اللَّهُ حِجْ رَجُلٍ وَلا عُمرَتِهِ لَمْ يَطُفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالَرْوَةِ (١).
(١) هذه الفقرة جاءت عند البخاري ، وابن ماجه ، عقيب الحديث الذي أخرجه البخاري في كتاب
العمرة (١٧٩٠) باب ((يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج)) فتح الباري (٣: ٦١٤) عن عبد اللّه بن
يوسفَ أخبرنا مالكٌ عن هِشامٍ بنِ عُروةَ عن أبيهِ أَنْه قال ((قلتُ لعائشةَ زوج النبيِّ عَ﴾ - وأنا
يومئذٍ حَديثُ السِّنَّ - أرأيتِ قولَ اللَّهِ تباركَ وَتَعْالى ﴿إِنَّ الصفا والمروةَ من شَعَائِرِ اللَّه، فَمن حِجِّ
البيتَ أو اعتَمَرَ فلا جُنَاحَ عليهِ أن يَطَّوَّفَ بهما﴾ فلا أرى على أحدٍ شيئًا أن لا يَطَوفَ بهما،
فقالتْ عائشةُ: كلا ، لو كانت كما تقول كانت فلا جُنَاحَ عليهِ أَن لا يَطَّوفَ بهما، إِمَا أُنزِلَتْ
هذه الآيةُ فى الأنصارِ ، كانوا يُهِلُّونَ لَّنَاةَ ، وكانت مَنَاةُ حَذْوَ قُدِيدٍ ، وكانوا يَتحرَّجونَ أَن يَطوفوا
بينَ الصَّفا والمروةِ، فلما جاءَ الإِسلامُ سألُوا رسولَ اللّهِ عَ﴾ عن ذلك، فأنزلَ اللهُ تعالى ﴿إِنَّ الصفا
والمروةَ من شعائرِ اللَّهِ، فمن حجّ البيتَ أو اعتمرَ فلا جُنَاحَ عليهِ أَن يَطُوَّفَ بهما﴾ .
زاد سُفيانُ وأبو معاويةً عن هشامٍ ( ما أتمّ اللَّه حجّ امرئ ولا عُمرَتَهُ لم يَطُفْ بينَ الصَّفا والمروة)»:
وهذه الزيادة عند ابن ماجه أيضاً، باب ((السعي بين الصفا والمروة))، ح (٢٩٨٦) ص (٢ :
٩٩٥)، ولم تقع عند مالك عندما روى الحديث فى باب ((جامع السعي)).
وهذه الزيادة من طريق سفيان بن عيينة ، وابن معاوية محمد بن حازم الضرير ، عن هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة (( ما أتم اللّه حج امرئ)) الى آخره .
أما رواية سفيان فوصلها الطبري من طريق وكيع عنه عن هشام فذكر الوقوف فقط .
وأما رواية أبي معاوية فوصلها مسلم فقال: حدثنا يحيى حَدَّثْنَا أَبُو مُعَاوِيةَ عَنْ هشَامِ بْنِ
عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائشَةَ . قالَ قُلتُ لَهَا: إِنِّي لِأَظُنُّ رَجُلاً، لَوْ لَمْ يَطُفْ بَيْنْ الصَّفَا
والْروَة، ما ضرَّهُ. قالَتْ: لِمَ؟ قفلْتُ: لأَنَّ اللّه تعَالى يقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَروةَ مِنْ
شَعَائِرِ اللّهِ﴾ [٢/البقرة/ الآية ١٧٨]. إِلىَ آخرِ الآيَةِ.
فَقَالتْ: ما أَتَمَّ اللَّه حَجِّ امْرىٍ ولا عُمْرَتَهُ لم يَطُفْ بَيْنْ الصَّفَا وَالْمُرُوَةِ. وَلَوْ كَانَ كَمَاء

٢٠ - كتاب الحج (٤١) باب البدء بالصفا في السعي - ٢٠٥
١٧٣٦٥ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ(١)، وَأَنَسٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبِيرِ: هَوَ تَطَّوَّعْ(٢).
١٧٣٦٦ - وَبِهِ قالَ الكُوفِيُّونَ .
١٧٣٦٧ - وَهُوَ قَولُ الحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ.
١٧٣٦٨ - قَالَ أَبُو عُمرَ: قَولُ سُفْيانَ والكُوفِّينَ فِي إِيجابِهِم الدَّمَ يحْملُ أَنْ
يَكُونَ عِنْدَهم تَطَوَّعًا ، ويَحْمِلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهم سُنَّة، وَهُوَ الأَظْهَرُ فِي إِيجَابِهِم
٠٥
الدَّمَ.
= تَقُولُ لكَانَ : فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لا يَطَّوَّفَ بهما. وهَلْ تَدْرِى فِيماً كَانَ ذَاكَ ؟ إِنّمَا
كَانَ ذَاكَ أَنَّ الأَنْصَارَ كانُوا يُهِلُّونَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ. يُقَالُ لَهُمَا
إِسَافٌ . وَنَائِلَةٌ ثُمَّ يَجِئُونَ فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. ثُمَّ يَحْلِقُونَ. فَلَمَّا جَاءَ
الإِسْلامُ كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُمَا. لِلَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلَّةِ. قَالَتْ: فَأَنْزَلَ
اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ إِلى آخِرِهَا. قَالَتْ: فَطَافُوا .
أخرجه مسلم في مناسك الحج - باب « بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا
به ) .
(١) حكم السعي بين الصفا والمروة في الحج - عند ابن عباس تطوع - ولا شيء على الحاج بتر که ،
قال ابن عباس إن شاء سعى بين الصفا والمروة وإن شاء لم يسع ويستدل ابن عباس على عدم
وجوب السعي بين الصفا والمروة بقراءة خاصة كان يقرؤها هو وابن مسعود وغيرهما لقوله تعالى
في سورة البقرة / ١٥٨ ﴿إِنَّ الصّفا والَرْوَةَ من شَعَائِرِ اللّه فَمَنْ حَجِّ البَيْتَ أو أعْتَمَرَ فلا جُنَاحَ عَلَيْهِ
أنْ يَطَّوَّفَ بهما ومن تَطَوَّعِ خَيرا فإِنَّ اللـه شَاكِرٌ عَليم﴾ فقد كان ابن عباس يقرأ هذه الآية بزيادة
(لا)) في قوله ((يَطَّوَّف بهما)) هكذا (إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا
جناح عليه أن لا يطّوّف بهما) ويدل على صحة هذا الذي ذهب إليه قوله تعالى بعد ذلك ﴿ ومَنْ
تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم ﴾
تفسير الطبري (٣٢:٢)، وأحكام القرآن للجصاص (٩٦:١).
(٢) تفسير الطبري (٣٢:٢)، وأحكام القرآن للجصاص (٩٦:١).، والمغني (٣٨٩:٣)، والمجموع
(٨٦:٨).

٢٠٦- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقَهاء الأمْصارِ /ج ١٢ -
١٧٣٦٩ - وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ، وَقَتَادَةَ ، قَالا فِيَمِنْ تَركَ السَّعْيَ: عَلَيهِ دَمْ .
١٧٣٧٠ - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ رَوَاهُ يَحْتَى القطَّانُ، عَنِ
الأشْعَثِ، عَنِ الْحَسَنِ فِي الرَّجُلِ يَنْسِى السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْرَوَةِ، قالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ
شيء .
١٧٣٧١ - وَرُوِيَ عَنْ طَاووسٍ أَنَّه قَالَ فِيمَنْ تَركَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفا والمروةِ :
عُمرة .
١٧٣٧٢ - وَهَذا عِنْدِي كَقَولِ مَنْ أَوْجَبَهُ؛ لأنَّ كُلَّ مَنْ يُوجبُهُ يُوجِبُ عَلَى
تَارِكِهِ الرَّجُوعَ إِلِيهِ مِنْ بَدِهِ، فَإِذا وَجِبَ عَلَيْهِ الرَّجُوعُ مِنْ بَدِهِ حَتَّى يَسْعِى لَمْ يَدْخلِ
الحَرمَ إِلا مُحْرِمًا، وَأَقَلُّ الإِحْرامِ عُمرةٌ ، وَمِنْ شَأَنِ السَّعْي اتَّصالُهُ بِالطَّوَافِ قَبْلَهُ .
١٧٣٧٣ - وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ فِيمَنْ تَركَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْروَةِ أَو نَسِيَهُ أَنَّهُ
لَيْسَ عَلَيْهِ شَيءٌ .
١٧٣٧٤ - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًّا .
١٧٣٧٥ - قَال أَبُو عُمرَ: حُجَّةُ مَنْ لَمَ يُوجِبِ السَّعْيَ قَولُهُ (عز وجل): ﴿ إِنَّ
الصَّفَا والمَروةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حج البَيْتَ أَوَ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ
بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وَحْتُجُوا بِقِرَاءَةٍ أَبَيِّ، وأبْنٍ مَسْعُودٍ ( فَلا جُنَاحَ عَلَيهِ أَن لا
لا يَطَّوَّفَ بهما)(١). وهَذِهِ قِراءَاتٌ لَمْ تَثْبَتْ فِي الْمُصْحَفِ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا قَاطِعَةٌ .
(١) المحتسب لابن جنى (١ : ١١٥).

٢٠ - كتاب الحج (٤١) باب البدء بالصفا في السعى - ٢٠٧
١٧٣٧٦ - وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ فِي ذَلِكَ - مِمَّا سَيَأْتِي بَعْدُ - مَا نْبَيْنُ بِهِ أَنَّها رَأَتْهُ
وَاجِباً .
١٧٣٧٧ - قَالُوا: وَلَمْ تَقُمْ بِوُجُوبِهِ حُجَّةٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَها. وَضَعَّقُوا حَدِيثَ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المؤملِ .
١٧٣٧٨ - قَالَ أَبُو عُمرَ : قَدْ رَواهُ مَعَ ابْنِ المؤملِ غيرُهُ ، وَقَدْ ذکرْناهُ فِی
«النَّمْهِيدِ) .
١٧٣٧٩ - وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ المؤملِ لَمْ يَطْعَنْ عَلَيهِ أَحَدٌ إِلا مِنَ سُوءِ حفظِهِ ، وَلَمْ
يُعَارِضِهُ فِي هَذَا الَحَديثِ ولا خَلَقَهُ فِيهِ غَيْرُهُ فَيتبيَّنُ فِيهِ سُوءُ حِفْظِهِ(١).
١٧٣٨٠ - وَمِمِّن رَوَاهُ كَما رواهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المؤملِ: حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ بديلِ
ابْنِ مَيْسِرَةَ ، عَنِ الْمُغِيرةِ بْنِ حكيمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتٍ عََّةَ، عَنِ امْرَةٍ ، قالَتْ :
(أَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَه .. ))، فذكرَ مِثْلَهُ.
١٧٣٨١ - وَإِذا أثبتَ حَدِيثُهُ وَجَبَ فِيهِ فَرْضُ السَّعْي بَيْنَ الصَّفَا وَالَرْوَةِ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
١٧٣٨٢ - وَقَدْ بَيْنَ رَسُولُ اللّهِ عَه ◌َنَاسِكَ الحَجِّ وَمَشَاعِرهُ؛ فَبَيِّنَ فِي ذَلِكَ:
السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفا والمرْوَةِ فَصَارَ بَيَانًا للآيةٍ، وَقَالَ: ((خِذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)) ؛ فَما
لَمْ يُجْمِعُوا عَلَيهِ أَنَّهُ سنَّةٌ وَتَطَوُّعٌ، فَهْوَ وَاجِبٌ بِظاهِرِ القُرآنِ والسَّةِ بِأَنَّهُ مِنَ الحِجِ
(١) قال فيه أبو عبد الله: هو سيء الحفظ ما علمنا له جرحة تسقط عدالته ، ووثقه ابن سعد ، فقال :
كان ثقة ، قليل الحديث ، وقال ابن معين : ليس به بأس ، وقال ابن وضاح ، عن ابن نمير : ثقة
تهذيب التهذيب (٦ :٤٦).

٢٠٨- الاستذكار الجامع لِمَذاهب نُقَهاء الأمْصارِ /ج ١٢
المفْرضِ عَلى مَنِ اسْتَطاعَ السَّبِيلَ إِلَيْهِ(١).
١٧٣٨٣ - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزاقِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
مَا ثُمّ حجُّ امْرِىٍ وَلَا عُمْرَتُهِ حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفا والمروَةِ . وَلَيْسَ فِي حَديثها هَذا
حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ لا تُحْتُمِلُ التّأْوِيلَ .
٧٩٩ - مَالِكٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىِّ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَيهِ كَانَ، إِذَا وَقَفَ عَلَى الصَّفَا يُكْبِّرُ ثَلاَثًا .
وَيَقُولُ : ((لا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ . لا شَرِيكَ لَهُ. لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى
(١) زاد المصنف هذه الفقرة بياناً في التمهيد (٢: ٩٨)، فقال: والحجة لمن أوْجبّ السعي بين الصفا
والمروة فرضا على من لم يوجبه أن رسول الله ټ فعله وقال « خذوا عني مناسسککم ، فصار
بیانا مجمل الحج . فالواجب أن یکون فرضا کبیانه لر کعات الصلوات وما کان مثل ذلك إذ لم يتفق
على أنه سنة أو تطوع وقد قال الله عز وجل ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو
اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ فان احتجَّ محتجًّ بقراءةٍ ابن مسعود وما فى مصحفه وذلك
قوله فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما قيل له : ليس فيما سقط من مصحف الجماعة حجة لأنه لا
يقطع به على الله عز وجل ولا يحكم بأنه قرآن إلا بما نقلته الجماعة بين اللوحين ، وأحسن ما روى
في تأويل هذه الآية ما ذكره هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كانت مناة على ساحل
البحر وحولها الفروث والدماء مما يذبح بها المشركون فقالت الأنصار: يا رسول الله إنا كنا إذا
أحرمنا بمناة في الجاهلية لم يحل لنا في ديننا أن نطوف بين الصفا والمروة ، فأنزل الله عز وجل ﴿إنّ
الصَّفا والمروةَ من شعائرٍ الله فمنْ حِجِّ البيتَ أو اعتمرَ فلا جُنَاح عليه أن يطوف بهما﴾ قال عروة:
أما أنا فلا أبالي ألا أطوف بين الصفا والمروة ، قالت عائشة: لما يا ابن أختي؟ قال: لأن الله يقول:
فلا جناح عليه أن يطوف بهما : قالت عائشة لو كان كما تقول لكان فلا جناج عليه ألا يطوف
بهما فلعمري ما تمت حجة أحد ولا عمرته إن لم يطف بين الصفا والمروة .
ورواه الزهري عن عروة عن عائشة مثله ، وقال فيه معمر عن الزهري ؛ فذكرت ذلك لأبي بكر بن
عبد الرحمن بن هشام فقال هذا العلم . وقد روى مالك هذا الحديث عن هشام بن عروة بمعنى واحد .

٢٠ - كتاب الحج (٤١) باب البدء بالصفا في السعي - ٢٠٩
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ(٥)) يَصْنَعُ ذِلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ . وَيَدْعُو . وَيَصْنَعُ عَلَى الْمَرْوَةِ
مِثْلَ ذلِكَ(١).
١٧٣٨٤ - قَالَ أَبُو عُمَرَ: الآثارُ فِي دُعَائِهِ وَذِكْرِهِ شَهِ على الصَّفَا وَالَرْوَةِ
مُثْقَارِبَةُ المعَانِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ حَدٍّ ، وَإِنَّمَا هُوَ الدُّعاءُ والذِّكْرُ
وَالإِجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ بِقَدٍ مَا يَقْدرُ عَلَيهِ المرْءُ وَيحضرَهُ .
١٧٣٨٥ - وَفِي هَذَا الَحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ الّيْثِ ، عن ابن الهاد ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ
مُحمدٍ ، عَنْ أبيه ، عَنْ جَابِرٍ .. ، فذكرَهُ وَزَادَ: ((فَكَبِّرَ اللَّهَ، وحَمْدَهُ ، وَدَعا بما
شاءَ اللَّهُ، فَعَلَ هذا حتى فرغ من الطَّوافِ(٢).
(*) المسألة - ٤٣٣ - من سنن السعي بين الصفا والمروة الدعاء بما شاءً والأذكار، وتكرارها ثلاثاً بعد
كل مرة عند الشافعية مستقبلاً البيت ، داعياً بصوت مرتفع ، رافعاً يديه نحو السماء ، والدعاء
بالمأثور أفضل ، فيكبر ويهلل ويصلي على النبي عليه ويقول:
((الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، واللَّه أكبر على ما هدانا، والحمد للّه على ما أولانا،
لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل
شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ، لا إله إلا اللّه،
ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)» اتباعاً للسنة كما رواه مسلم. « اللهم اجعل
في قلبي نوراً وفي بصري نوراً، اللهم اشرح لي صدري ، ويسر لي أمري ، اللهم لك الحمد
کالذي نقول ، وخيراً مما نقول)) .
ثم يدعوا بما شاء من أمري الدين والدنيا ، ويستحب فيه قراءة القرآن .
(١) الموطأ : ٣٧٢، وهو جزء من حديث جابر الطويل في حجة النبي عليه ، وأخرجه النسائي
مختصراً في المناسك (٥: ٢٤٠) باب التكبير على الصفا ، وابن حبان في صحيحه (٣٨٤٢).
(٢) هذه الرواية عند النسائي في المناسك، ح (٢٩٨٤)، باب ((موضع القيام على المروة)) (٥ :٢٤٣ -
٢٤٤).
:

٢١٠- الاستذكار الجامع لِمَذاهب نُقَهاء الأمْصارِ /ج ١٢
٨٠٠ - مَالِكٌ. عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ، وَهَوَ عَلَى
الصَّفَا يَدْعُو يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ ﴿أَدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [ غافر:
٦٠] وَإِنَّكَ لا تُخْلِفُ المِعَادَ. وَإِّي أَسْأَلُكَ كَمَا هَدَيْنِي لِلإِسْلامِ، أَنْ لا
تَنْزِعَهُ مِنِّي. حَتَّى تَتَوَفَّانِي وَأَنَا مُسْلِمٌ(١).
٦ ١٧٣٨ - قَالَ أَبُو عُمرَ: هُوَ مَوْضِعٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ العُلماءِ تُرْجِى فِيهِ الإِجَابَةُ ،
والدُّعاءُ ، فِيهِ اتباعٌ للسُّنَّةِ. وَفِي قَولِ ابْنٍ عُمرَ المذْكُورِ [ دَلِيلٌ](٢) عَلَى أَنَّالدُّعَاءَ
مُجَابٌ كُلُهُ .
١٧٣٨٧ - وَقَدْ فَسَّرْنَا ذَلِكَ عَنِ العُلماءِ، وَذَكَرْنَا وُجُوهَ الاسْتِجَابَةِ عِنْدَهُم
بِتَرْتِيبِ قَولِهِ تعالى: ﴿ فَيَكْشِفَ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [ الأنعام: ٤١] فِي آخرٍ
كِتَابِ الصّلاةِ .
١٧٣٨٨ - وَالدِّعاءُ عِبادَةٌ، بَلْ قَالُوا إِنَّهُ أَفْضَلُ العبادَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِخْلاصِ
واليَّقِينِ والرّجاءِ .
١٧٣٨٩ - وَأَمَّا دُعاؤُهُ أَنْ لا يَنْزِعَ الإِسْلامَ مِنْهُ فِيهِ الامْثَالُ والتَّأْسِي بِإِبراهيمَ
(عليه السلام) فِي قَولِهِ: ﴿وَاجْتُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]،
وَيُوسُفَ (عليه السلام) فِي قولهِ: ﴿تَوَقَِّي مُسْلِماً وألْحِقْنِي بِالصَّالِحِين
(١) الموطأ: ٣٧٢ - ٣٧٣، وسنن البيهقي (٥: ٩٤)، والدر المنثور (١: ١٦١)، والمجموع (٨:
٧٦)، والمغني (٣ : ٣٨٥).
(٢) مابين الحاصرتتين زيادة متعينة .

٢٠ - كتاب الحج (٤١) باب البدء بالصفا فى السعى - ٢١١
[يوسف: ١٠١]، وبالنبيِّ عَّ فِما رُوِيَ عَنْهُ مِنْ قَولِهِ: «وإِذَا أَرَدْتَ بِالنَّاسِ فِتْنَةٌ
فاقْبضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتونٍ)).
١٧٣٩٠ - قالَ إِبراهيمُ النَّخعيُّ: لا يَأْمَنُ الفِتْنَةَ وَالاسْتِدْرَاجَ إِلاَ مَفْتُونٌ.
١٧٣٩١ - وَلَا نِعْمَةَ أَفْضَلُ مِنْ نِعْمةِ الإِسْلامِ فِيهِ تزكُوا الأعْمالِ وَمَنِ ابْتغی دِينًا
غَيْرَهُ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَلَو أَنْفَقَ مِلءَ الأَرْضِ ذَهَباً أَمَتَنَا اللَّه عَلَيهِ، وَجَعَلَنا مِنْ خَيرٍ أَهْلِهِ
آمین .

(٤٢) باب جامع السعي(١)
٨٠١ - مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّهُ قَالَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ
أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ: أَرَآَيْتِ(٢) قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَلَى ﴿إِنَّ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجِّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ
يَطَّوفَ بِهِمَا﴾ [ البقرة: ١٥٨] فَمَا عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا.
(١) مسألة هذا الباب تقدمت ضمن مسائل الأبواب السابقة .
(٢) ( أرأيتِ)) أخبرينى عن مفهوم هذه الآية، إذ مفهومها عدم وجوب السعي بين الصفا والمروة، إذ
فيه عدم الإثم على الترك ، فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها : مفهومها ليس ذلك بل عدم الأثم
على الفعل، ولو كان على الترك لقيل: أن لايطوف بزيادة ((لا)) والتحقيق هنا أن عروة رضي اللّه
تعالى عنه أول الآية بأن لا شيء عليه في تركه لأن هذا اللفظ أكثر ما يستعمل في المباح دون
الواجب، وأن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أجابت بأن الآية ساكته عن الوجوب وعدمه لأنها
ليست بنص في سقوط الواجب ، ولو كانت نصا لكان يقول فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ،
لأن هذا يتضمن سقوط الإثم عمن ترك الطواف ولم يكن ذلك إلا بسبب الأنصار ، وقد يكون
الفعل واجبا ويعتقد المعتقد أنه منع من إيقاعه على صفة ، وهذا كمن عليه صلاة ظهر فظن أن
لا يسوغ له ايقاعها بعد المغرب ، فسأل ، فقيل : لا حرج عليك إن صليت ، فيكون الجواب
صحيحا ولا يقتضي نفي وجوب الظهر عليه .
وقد وقع في القراءة الشاذة : فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما كما قالت عائشة رضي اللّه عنها،
حكاه الطبري ، وابن أبي داود في المصاحف ، وابن المندر ، وغيرهم عن أبي بن كعب ، وابن
مسعود ، وابن عباس رضي اللّه تعالى عنهم .
وأجاب الطبري : إنها محموله على القراءة المشهورة وكلمة لا زائدة .
وكذا قال الطحاوي .
وقيل : لا حجة في الشواذ إذا خالفت المشهورة .
وقال الطحاوى أيضا لا حجة لمن قال إن السعي مستحب بقوله (فمن تطوع خيرا) لأنه راجع إلى
أصل الحج والعمرة لا إلى خصوص السعي لإجماع المسلمين على أن التطوع بالسعي لغير الحاج
والمعتمر غير مشروع واللّه أعلم.
-٢١٢-

٢٠ - كتاب الحج (٤٢) باب جامع السعي - ٢١٣
فَقَالَتْ عَائِّئَةُ: كَلا . لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ، لَكَانَتْ فَلا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ لاَ
يَطَوَّفَ بِهِمَاَ. إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هذِهِ الآيَةُ فِي الأَنْصَارِ. كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةٍ . وَكَانَتْ
مَنَةُ حَذْوَ قُدَيْدِ(١). وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصفَا وَالْمَرْوَةِ. فَلَمَّا
جَاءَ الإِسْلاَمُ(٢). سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ لَّه عَنْ ذلِكَ . فَأَنَزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجِّ الْبَيْتَ أَو اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ
(١) (قُديد) = قرية جامعة بين قلة والمدينة .
(٢) كان الأنصار قبل أن يسلموا هم وغسان يلهون لمناة ، فتحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة وكان ..
ذلك سنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة وإنما كان ذلك لأن الأنصار كانوا
يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر يقال لهما إساف ونائلة ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا
والمروة ثم يحلقون ، فلما جاء الإسلام كرها أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعونه في الجاهلية
فأنزل اللّه تعالى الآية وفي لفظ إذا أهلوا لمناة لا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة ويقال أن
الانصار قالوا إنما أمرنا بالطواف ولم نؤمر بالسعي بين الصفا والمروة ، فنزلت الآية .
وقال السدي : كان في الجاهلية تعرف الشياطين في الليل بين الصفا والمروة وكانت بينهما آلهة
فلما ظهر الإسلام قال المسلمون يا رسول الله لا نطوف بين الصفا والمروة فإنه شرك ؛ كنا نصنعه
في الجاهلية فنزلت الآية .
وفي الأسباب للواحدي : قال ابن عباس كان على الصفا صَنَمَّ على صورة يقال له إساف وعلى
المروة صَتَمّ على صورة امرأة تدعى نائلة يزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة مسخهما اللّه
تعالى حجرين فوضعاعلى الصفا ليعتبر بهما فلما طالت المدة عبدا فكان أهل الجاهلية إذا طافوا
بينهما مسحوا الوثنين فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل
الصنمین فنزلت هذه الآية .
وروى الطبرى وابن أبي حاتم في التفسير بإسناد حسن من حديث ابن عباس قال قالت الأنصار
إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية فأنزل اللّه تعالى [ إن الصفا والمروة من شعائر اللّه ].

٢١٤- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقَهاء الأمْصَارِ /ج ١٢
عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾(١) [ البقرة: ١٥٨ ].
١٧٣٩٢ - قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَمَّا قَولُ عُرْوَةَ فِي هَذا الْحَديثِ: ((وَأَنَا يَوْمئذٍ حَديثُ
السِّنِّ)) ، فَقِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذا حَدَّثَ بِهذا الحديثِ كَانَ يَقُولُ غَيْرَ مَا قَالَهُ إِذْ كَانَ فِي
غَيْرِ السُّنْ.
(١) من حديث شعيب عن عروة أخرجه البخاري في الحج، باب (( وجوب الصفا والمروة وجعل من
شعائر اللّه)) فتح الباري (٣: ٤٩٧)، وأخرجه النسائي في مناسك الحج، باب ذكر الصفا والمروة
( في المجتبى )، وفي التفسير ( في سنته الكبرى) على ما جاء في تحفة الأشراف (١٢ : ٤٦).
ومن حديث مالك عن هشام أخرجه في الموطأ في كتاب الحج ، باب ((جامع السعي)) والبخاري
في الحج، باب ((يفعل في العمرة ما يفعل في الحج))، الفتح (٣: ٦١٤) وأعاده في تفسير سورة
البقرة. وأخرجه أبو داود في الحج، ح (١٩٠١)، باب أمر الصفا والمروة (٢ : ١٨١)، والنسائي
في التفسير (في سنته الكبرى) على ما جاء في تحفة الأشراف (١٢ : ١٩٣).
ومن حديث محمد بن حازم أبي معاوية الضرير، عن هشام أخرجه مسلم في الحج ، ح (٣٠٢٦)
من طبعتنا .
وأخرجه مسلم من طرق عن عروة: ح (٣٠٢٧) من طبعتنا ، ص (٧٠١:٤) ، باب (( بيان أن
السعى بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به)) وبرقم (٢٦٠)، ص (٩٢٨:٢) من طبعة عبد
الباقي من حديث أسامة ، عن هشام ، عن عروة . ومن حديث أبي أسامة أخرجه ابن ماجه في
المناسك ، ح (٢٩٨٦)، باب السعي بين الصفا والمروة (٢: ٩٩٤) وأخرجه مسلم. ح (٣٠٢٨)
من طبعتنا ، وبرقم (٢٦١) من طبعة عبد الباقي ص (٢: ٨٢٩) من حديث سفيان بن عيينة ، عن
الزهري ، عن عروة ومن حديث سفيان ، عن عروة أخرجه البخاري في التفسير (٨: ٦١٣) من فتح
الباري والترمذي فى تفسير سورة البقرة (٥: ٢٠٨)، والنسائى فى الحج (٢٣٧:٥) من المجتبى.
وأخرجه مسلم من حديث عقيل (٣٠٢٩) من طبعتنا ، وبرقم (٢٦٢) من طبعة عبد الباقي ، ص
(٢: ٩٢٩)، ويونس (٣٠٣٠) من طبعتنا ، وبرقم (٢٦٣) من كتاب الحج من طبعة عبد الباقي ،
كلاهما عن الزهري به .
وهو في سنن البيهقي الكبرى (٩٦:٥، ٩٧).

٢٠ - كتاب الحج (٤٢) باب جامع السعي - ٢١٥
١٧٣٩٣ - وَفِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُرْوَةَ مِمِّنْ يَذْهَبُ مَذْهَبَ عَائِشَةَ فِي
وُجُوبِ السِّعْي بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ .
١٧٣٩٤ - وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلِعُلماءِ فِي إِيجابِ السِّعْي مِنَ الاخْتِلافِ فِي البَابِ قَبْلَ
هَذا .
١٧٣٩٥ - وَأَمَّا مَا احْتِجَتْ بِهِ عَائِشَةُ (رضي الله عنها) مِنْ قَولِها «لَو كَانَ
كَمَا تَقُولُ لكانَتْ (فَلا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّف بِهما ))) وَلَو كَانَتْ قِراءَةٌ صَحِيحَةٌ مَا
جهلتها عَائِشَةُ، وَلَا عَبَتْ عَلَى عُرْوَةَ؛ لأَنَّهُ كَانَ يُجاوبُها بِأَنَّهَا كَانَتْ قِراءَةَ أَبِّيّ ،
وَأَبْنٍ مَسْعُودٍ ، وَأَنَّها مِمَّا نزلَ القُرآنُ عَليهِ .
١٧٣٩٦ - وَيَشْهِدُ لِمَا قُلْهُ سِقُوطُها مِنَ المُصْحَفِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ.
١٧٣٩٧ - وَأَمَّا ((مَنَاةُ))، فَصَثَمّ، وَهُوَ الَّذِي ذكرَ اللَّهَ تَعالى أَنَّهُ أَحَدُ الأُصْنَامِ
الثّلاثةِ فِي قَولِهِ تعالى: ﴿ وَمَنَةَ الثَّلِئَةَ الأُخْرِى﴾(١) [النجم: ٢٠] .
١٧٣٩٨ - وَإِنّما تحرِّجَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ السَّعْي بَيْنَ الصَّا وَالْروَةِ؛ لأَنَّهُ كَانَ
[مَوْضِع](٢) ذبائِحِهم لأَصْنَامِهِم؛ فَأَخْرَهم اللَّهُ تَعالى أَنَّ الصَّفَا والمروَةَ مِنْ شَعَائِ اللَّهِ
لِعِلا يتحرّجَ مِنَ السِّعْي بَيْنُهما والطّوافِ بهما .
١٧٣٩٩ - ذكرَ عَبْدُ الرزّاقِ ، قالَ: أَخْبرنا مَعمرٌ ، عَنِ الزهريِ، عَنْ عَائِشَةَ ،
(١) واسم صنم كان في الجاهلية وقال ابن الكلبي كانت صخرة نصبها عمرو بن الحي بجهة البحر
فکانوا یعبدونها وقيل هي صخرة لهذيل بقديد وسميت مناة لأن النسائك كانت تمنى بها أي تراق
وقال الحازمي هى على سبعة أميال من المدينة وإليها نسبوا مناة .
(٢) ما بين الحاصرتين زيادة متعينة .

٢١٦- الاستذكار الجَامع لِمَذاهب فُقَهاء الأمْصارِ /ج ١٢ س
قَالَتْ : كَانَ رِجالٌ مِنَ الأنْصارِ مِمَّنْ كَانَ يهلٌّ لِمناةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - وَمَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ
مَكَّةَ والمدِينَةِ - فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا لا نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفا والمروَةِ تَعْظِيمًا
لِمِناةَ، فَهَلْ عَلَيْنا مِنْ حرجٍ أَنْ نطُوفَ بِهِما؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ
مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حِجِّ البَيْتَ أو اعتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يطَّوفَ بِهِمَا﴾ [ البقرة:
١٥٨].
قالَ عُروةُ: فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا أَبالي أَنْ لا أَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا والمَروَةَ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ
(عز وجل) يَقُولُ: إِنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ من شَعَائِرِ اللَّهِ ، فَمَنْ حَجِّ البَيْتَ أَوَ اعْتَمَرَ فلا
جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي ألا ترى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا
والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: ١٥٨]؟.
قالَ الزُّهرِيُّ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لأبي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحمنِ ، فَقالَ: هَذا العِلْمُ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجالاً مِنْ أَهْلِ العِلْمِ يَقُولُونَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ
الطَّوَافَ بِالبَيْتِ وَلَمْ يَنْزِلِ الطَّوافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالَرْوَةِ؛ قِيلَ للنبيِّ عَّهِ إِنَّا كُنَّا نَطُوفُ
فِي الْجَاهليَّةِ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ تعالى قَدْ ذَكرَ الطَّوافَ بِالبَيْتِ وَلَمْ يَذْكُرْ
بَيَنَ الصَّفا والمروَةِ فَهَلْ عَلَيْنا مِنْ حرجٍ أَنْ لا نَطَّوفَ بِهِما؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (عزَّ وجلَّ):
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ. ) الآية [١٥٨ من سورة البقرة ] كلّها .
قالَ أَبُوبكرٍ : فَأَسْمعُ هذه الآيةَ نَزَلَتْ في الفَرِقَيْنِ كِلَيْهِما، فِيمَنْ طَافَ، وَفِيمَنْ
لَمْ يَطُفْ (١).
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣٨٦:١) طبعة دار الفكر. ونسبه لعبد بن حميد، ومسلم، =

٢٠ - كتاب الحج (٤٢) باب جامع السعي - ٢١٧
١٧٤٠٠ - قَالَ أَبُو عُمرَ: قَولُ أبي بِكْرِ بْنٍ عَبْدِ الرَّحمنَ(١): ((فَأَسْمِعُ هذِهِ الآية
نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ .. )) يَعْنِي القَائِينِ بأَنَّ الآيَةَ فَزَلَتْ فِمَنْ قَالَ: ((يَا نبيَّ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا
لا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا والمروَةِ تَعْظِيماً لِمناة)) يَعْنِي مَنَاةَ الَّتِي كَانَتْ لِلأَنْصَارِ لَِلا
يُعَظِّمُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالِى وَكَانَتْ لَهُمْ آلِهَةٌ يَعْبُدُونَهَا قَدْ نَصْبُوها بَيْنَ المَسْلَكِ بَيْنَ مَكَّةَ
وَلَدِينَةِ؛ فَكَانُوا يَكْرُهُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصِّفا والمرْوَةِ مِنْ أَجْلِ مَنَاةَ الَّتِي كَانَتْ
لِقُرِيْشٍ ، وَمَا أَدْرِي مَوْضِعَ مَنَاة الثَّالِثَةِ الأُخْرى .
= والترمذي ، وابن جرير ، وابن مردويه ، والبيهقي في سننه ، من طريق الزهري ، عن عروة ، عن
عائشة .
وهو في تفسير الطبري ، الفقرة (٢٣٥١) ط . دار المعارف عن الحسن بن يحيى شيخ عبد الرزاق.
(١) هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مَخْزوم ،
الإمام، أَحَدُ الفقهاء السبعة بالمدينة النبوية ، وهومن سادة بني مخروم و کان ضريرا .
حدَّث عن أبيه، وعمَّار بن ياسر، وأبي مسعود الأنصاري ، وعائشة، وأُمِّ سَلَمة، وأبي هُريرة ،
اسْمُه كنيته ، وقد استُصغر يوم الجمل فَرُدَّ هو وعُرْوَة . وكان ثقةً، فقيهاً، عالماً سخياً ، كثيرَ
الحديث .
وقد ولد في خلافة الفاروق عمر، وكان لصلاحه، وكثره صلاته وصيامه، يدعى: ((الراهب)).
ولقد جمع العلم والعمل ، والشرف ، وتوفي سنة أربع وتسعين متفق على توثيقه ، وأخرج له
الجماعة ، مترجم في :
طبقات ابن سعد ٢٠٧/٥، نسب قريش لمصعب ٣٠٣، ٣٠٤، طبقات خليفة ت ٢٠٩٧،
تاريخ البخاري ٩/٩، المعارف ٢٨٢، الحلية ١٨٧/٢، طبقات الفقهاء للشيرازي: ٥٩، تهذيب
الكمال ص ١٥٨٨، تاريخ الإسلام ٧٢/٤، تذكرة الحفاظ ٥٩/١، سير أعلام النبلاء (٤ : ٤١٩)
العبر ١١١/١، تذهيب التهذيب ٢٠١/٤ ب، البداية والنهاية ١١٥/٩، تهذيب التهذيب ٢٩٥/٩
و ٣٠/١٢، طبقات الحفاظ للسيوطي ص ٢٤، خلاصة تذهيب التهذيب ٤٤٤. شذرات الذهب
١٠٤/١.

٢١٨- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقَهاء الأمْصارِ /ج ١٢.
وَالْفَرِيقُ الثَّانِي هُمُ القَائِلُونَ بأنَّ الآيَةَ إِنَّمَا نَزَلَتْ لِقَولِ مَنْ قَالَ: ((إِنَّا كُنَّانَطُوفُ
فِي الْجَاهِيَّةِ بَيْنَ الصَّفا والمرْوَةِ كَمَا كُنَّا نَطُوفَ بِالبَيْتِ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالطَّوافٍ
بِالبَيْتٍ وَلَمْ يَأْمُرْ بِالطَّوافٍ بَيْنَ الصَّفا والمرْوَةِ فَهل عَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَلاَ نَطُوفَ بِهِما؟
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ .. ) الآية [ ١٥٨ من سورة
البقرة ] كلها.
١٧٤٠١ - قَالَ أَبُو عُمرَ: فَهذا تَأْوِيلُ قَولِ أَبِي بَكْر بْنِ عَبْدِ الرَّحمنِ (( أسْمَعُ هذِهِ
الآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا مِمَّنْ طَافَ وَمَنْ لَمْ يَطُفْ. يُرِيدُ أَنَّهُ سَمِعَ القَولَيْنِ مَعَا
فِي سَبَبٍ نُزُولِ الآيَةِ ، والآية مُحَتَمِلَةٌ لَهُمَا، وَكِلا القَوْلَيْنِ علم، وَكَذَلِكَ قَالَ: ((إِنَّ
هَذَا لَعِلْمٌ)) . وَهَذا العِلْمُ)) .
١٧٤٠٢ - وَيَحْمِلُ قَولُهُ ((هَذا العِلْمُ)) إِشَارَةٌ إِلى قَولِ عَائِشَةَ وَاحْتِجاجِها بِقَولِهِ
(عز وجل): ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [١٥٨: البقرة] أيْ قَدْ جَعَلَ
الطَّوافَ بَيْتُهما مِنَ الشَّعَائِرِ الَّتِي أَرَادَها مِنْ عِبادِهِ فِي الحَجِّ والعُمْرَةِ كَما قالَ: ﴿إِنَّ
الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ [١٩: آل عمران] وَهَذا القَولُ مَعَ العِلْمِ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ
عَلَى وُجُوبِ السِّعْي بَيْنَ الصِّفا والْروَةِ كَمَا قَالَ أَهْلُ الحِجَازِ ، واللَّهُ أَعْلَمُ .
١٧٤٠٣ - أخبرنا مُحمدُ بْنُ إبراهيمَ، قالَ حدَّثني مُحمدُ بْنُ مُعَاوِيَةٍ ، قالَ :
حدَّثَنِي أَحْمِدُ بْنُ شعيبٍ، قالَ : أَخْبرنا عَمْروُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حدَّثْنِي أَبِي، عَنْ
شُعِيبٍ، عَنِ الزُّهرِيِّ، عَنْ عُرُوَةَ ، قالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ قَولِ اللَّهِ (عزَّ وجلّ) :
فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يطُوَّفَ بِهِمَا﴾ [١٥٨: البقرة] فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ

٢٠ - كتاب الحج (٤٢) باب جامع السعي - ٢١٩
لاَ يَطَّوَّفَ بِهِما؟ فقالَتْ عَائِشَةُ: بِسَ مَا قُلتَ، يَا ابْنَ أُخْتِي ! إِنَّمَا هِذِهِ الْآيَةُ لَو
كَانَتْ كَمَا أَوِّلْتَهَا كَانَتْ («لا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ لا یَطَّوَّفَ بِهما)» ، ولکنَّها إنما أُنْزِلَتْ فِی
الأنْصَارِ. قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا؛ كَانُوا يُهِلُّونَ لِمِناةَ الطَّاغِةِ التِي كَانُوا يَعْبُدُونَ عِنْدَ
المثلّل(١)، وَكَانَ مَنْ أَهلِّ لها يتحرّجُ أَنْ يَطَوّفَ بِالصَّفا والْروَةِ، فَلَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ
اللّهِ عَِّ عِنْ ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجِ البَيْتَ
أو اعتمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوفَ بِهَمَا﴾ [١٥٨: البقرة]، ثمَّ قَدْ بَّنَ رَسُولُ اللَّهِ
* الطَّوَافَ بِهِما، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بِهِما (٢).
١٧٤٠٤ - قال أَحْمدُ بْنُ شُعيبٍ: وَأَخْبرنا مُحمدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قالَ : حدّثني
سُفْيَانُ ، عَنِ الزَّهرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَائِشَةَ: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ
(١) (المثلّل) = الثنية المشرفة على قُدَيْد، وفي رواية لمسلم: ((بالمشلل من قديد)).
(٢) أخرجه النسائي، ح (٢٩٦٨) في مناسك الحج ، ح (٢٩٦٨): باب ذكر الصفا والمروة (٥ :
٢٣٨) وفي التفسير من ((الكبرى)) ( كما في ((التحفة)) ٤٦/١٢) عن عمرو بن عثمان ، بهذا
الإسناد .
وأخرجه البخاري في الحج (١٦٤٣) باب وجوب الصفا والمروة ، عن أبي اليمان بن أبي حمزة،
به ، فتح الباري (٣ : ٤٩٧).
وأخرجه أحمد ١٤٤/٦ و ٢٢٧، والحميدي (٢١٩)، ومسلم (١٢٧٧) في طبعة عبد الباقي ،
وبرقم (٣٠٢٨) في طبعتنا ، في الحج: باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج
إلا به ، والترمذي (٢٩٦٥) في التفسير: باب ومن سورة البقرة، والنسائي ٢٣٧/٥ - ٢٣٨،
والطبري في « جامع البيان» (٢٣٥٠) و (٢٣٠١)، وابن خزيمة (٢٧٦٦) و (٢٧٦٧)، وابن أبي
داود في ((المصاحف)، ص ١١١ و١١٢، والبيهقي ٩٦/٥ - ٩٧ و٩٧ من طرق عن الزهري ،
به.

٢٢٠ - الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقَهاء الأمْصارِ /ج ١٢.
يطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [١٥٨: البقرة] قُلْتُ: وَمَا أُبالي أَنْ لا يطَّوَّفَ بِهِما. قَالَتْ: بِفْسَ مَا
قُلْتَ .. ))، وَذَكَرَ الْخَرَ ، وَفِيهِ قالَ الزَّهِرِيُّ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لأبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِالرحمنِ
ابْنِ الْحَارثِ بْنِ هِشَامٍ؛ فَأَعْجَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رِجَالاً مِنْ أَهْلِ العِلْمِ يَقُولُونَ:
إِنَّمَا كَانَ مَنْ لا يطوفُ بَيْنَ الصَّفَا والمرْوَةِ مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ إِنَّ طَوَاناً بَيْنَ هَذِيْنِ
الحجريْنِ مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيّة (١).
١٧٤٠٥ - وَقَالَ آخَرُونَ مِنَ الأنصارِ: إِنَّمَا أُمِرْنا بِالطَّوافِ بالبَيْتٍ وَلَمْ نُؤْمَرْ بَيْنَ
الصَّفا والمرْوَةِ فَنْزَلَ اللَّهُ (عز وجل) ﴿إِنَّ الصَّغَا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ .. ﴾ [١٥٨:
البقرة] .
١٧٤٠٦ - قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحمنِ: فَأَرَاهَا قَدْ نَزَّلَتْ فِي هؤلاءٍ.
٨٠٢ - مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ؛ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ .
كَانَتْ عِنْدَ عُرْوَةَ بْنِ الزَُّيْرِ. فَخَرَجَتْ تَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ، فِى حَجِّ
أَوْ عُمْرَةٍ ، مَاشِيَةً. وَكَانَتِ امْرَةٌ تَقِيلَةٌ. فَجَاءَتْ حِينَ انْصَرَفَ النَّاسُ مِنْ
الْعِشَاءِ. فَلَمْ تَقْضِ طَوَافَهَا ، حَتّى نُودِي بِالأُولَى مِنَ الصِّبْحِ. فَقَضَتْ طَوَافَهَا ،
فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ.
وَكَانَ عُرْوَةُ ، إِذَا رَآهُمْ يَطُوفُونَ عَلَى الدَّوَابِ ، يَنْهَاهُمْ أَشَدَّ النَّهْي .
(١) أخرجه النسائي في الحج (٢٩٦٧)، باب ((ذكر الصفا والمروة)) (٥: ٢٣٧ - ٢٣٨).