Indexed OCR Text

Pages 21-40

٥ - كتاب الجمعة (١) باب العمل في غسل يوم الجمعة - ٢١
واللّهُ أُعْلَمُ .
٥٦٨٩ - وأمَّا قولُ أبي هريرةَ: كَغُسْلِ الْجَنَابةِ فإنّهُ أُرَادَ الهيئةَ والكَيْفِيَّةَ»
ففي هذا جاءَ تَشْبِيهُهُ لَهُ بِغُسْلِ (١) الجَنَابَةِ لاَ في (٢) الفَرْضِ والوجُوبِ بِما ذكرنا
مِنَ الدُّلائلِ، مَعَ أَنَّهُ محفوظٌ مَعْلُومٌ عَنْ أَبي هريرةَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بالغُسْلِ ولاَ
يُوجبهُ فَرْضاً ، ويقولُ فيهِ : كَغُسْلِ الْجَنَابةِ .
٥٦٩٠ - ورواهُ سفيان وغيرُهُ عَنْ عاصمِ بنِ عبيدِ اللّه عَنْ مولى لبني أدهم
عَنْ أبي هريرة : أنَّهُ خَرجَ إِلى المسْجِدِ فلقى امرأةً قَدْ تطيَِّتْ، فقالَ : أينَ تُرِيدِينَ
يا أُمَةَ اللَّهِ؟ قالتْ: إِلى المسْجِدِ قالَ: وَلَهُ تطيِّبْتِ ؟ قالتْ: نَعَمْ. قالَ :
فارْجِعِي فاغْسِلي(٣) عَنْك الطِّيبَ، فإنَّ اللّهَ لا يَقبَلُ مِنْكِ حتَّى تَرْجِعِي فَتَغْسلِيهِ
عَنْكِ كغسلكِ مِنَ الْجَنَابَةِ (٤).
٥٦٩١ - وبعضُ رواة هذا الحديثِ عَنْ عاصم يرفعهُ إِلى النبيِّ، عليه
السلام.
٥٦٩٢ - والحديث المذكورُ في أُوّل هذا الباب عَنْ سُمَّي، عَنْ أبي صالحٍ ،
عَنْ أبي هريرةَ، عَن النبيِّ عليه السلام: (( مَنِ اغْتَسَلَ يومَ الجمعةِ غُسْلَ الْجَنَابةِ ،
ثُمَّ رَاحَ في السَّاعَةِ الأُولى »، الحديث - يشهدُ أيضاً بِمَا وصَفْنَا، وبالله
توفيقُنا. وقَدْ ساوى أبو هريرةَ بَيْنَ الغُسْلِ والطيبِ للجمعة ، والطِّيبُ قَدْ أَجْمَعُوا
على أنَّهُ ليس بِوَاجِبٍ ، فكذلكَ الغسلُ .
(١) كذا في (ك) ، وفي (ص): فغسل ، تصحيف .
(٢) كذا في (ك) ، وفي (ص) : لا الفرض ، سقط .
(٣) كذا في (ك) ، وفي (ص) : فاغتسلي ، تصحيف .
(٤) السنن الكبرى للبيهقي : ٣ : ٢٤٦ .

٢٢ - الاستذكار الجامع لمذاهب نُقَهاء الأمصار / ج ٥
٥٦٩٣ - رواهُ سفيانُ بنُ عيينةً، عن عمروِ بنِ دینارٍ، عن طاووس، قالَ :
سمعْتُ أبا هريرةَ يقولُ : حَقُّ اللّهِ عَلَى كُلِّ مسلم أنْ يَغْتَسلَ في كُلِّ سبعةِ أَيَّامٍ
يوماً ، يَغْسِلُ كلِّ شَيْءٍ مِنْه، ويمسَ مِنْ (١) طيبٍ إِنْ كَانَ لأَهْلِهِ(٢) .
٥٦٩٤ - وهذا الحديثُ أثبتُ إِسْنَاداً مِنْ حديثٍ مالكٍ(٣) عَنْ سعيدِ بْنِ أبي
سعيدٍ، عَنْ أبي هريرةً .
٥٦٩٥ - وَقَدْ مضى في الطيبِ يومَ الجمعةِ في بابِ السواكِ ما فيهِ كفايةٌ ،
والحمدُ للهِ .
٥٦٩٦ - وأُمَّا قولهُ في حديث سَمُرةَ وأبي سعيدٍ: ((مَنْ تَوضَّأُ يومَ الجمعةِ
فَبها ونعْمَتْ(٤))). فإِنَّ أبا حاتمٍ ذكَرَ عَن الأصْمَعى(٥) أنَّهُ سألَ عَنْ تفسير ذلكَ
(١) كذا في (ك)، وفي (ص): ((ويمس طيب))، هو سقط أدى إلى تحريف.
(٢) أخرجه البخاري في الجمعة، ح (٨٩٧)، باب ((هل على من لم يشهد الجمعة غسل))
ومسلم في الجمعة، ح (١٩٣١) من طبعتنا، ص (٣: ٣٢٩)، ورقم (٨٤٩) في
طبعة عبد الباقي، باب (( الطيب والسواك يوم الجمعة))، وهو في مصنف عبد الرزاق
رقم (٥٢٩٧) عن معمر ، وفي السنن الكبرى (١٨٨:٣-١٨٩).
(٣) كذا في (ك)، وفي (ص): ((حديث سعيد))، وما أثبتناه أوضح .
(٤) في (ص): ((فيها ونعت))، وهو تحريف، والحديث تقدم في (٥٦٨٥).
(٥) الأصْمَعي (١٢٧ - ٢١٥) هو الإمامُ العلامةُ الحافظُ ، حجةُ الأدب ، لسانُ العرب ،
أبو سعيد عبدُ الملك بن قُريب بن عبد الملك بن علي بن أُصْمَع بن مُظْهِّر بن عبد شمس بن
أُعْيا بن سعد بن عبدٍ بن غَثْم بن قتيبة بن مَعْن بن مالك بن أُعصُر بن سعد بن قيس عَیْلان
ابن مُضَر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان، الأصمعيُّ البصريُّ ، اللغويُّ الأخباريُّ ، أحدُ
الأعلام . يقال : اسمُ أبيه عاصمٌ ولقبه قُريب .
وكان يقولُ : إنَّ أخوفَ ما أخافُ على طالبِ العلمِ إذا لم يَعْرِفِ النحوَ أُن يدخُلَ في جُملة
قوله عليه السلام: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبوَّاً مِقْعَدُهُ من النّارِ ».
=
وكان الأصمعيُّ يتَّقي أن يُفَسِّرِ الحديث، كما يتُّقي أن يُفَسَّرَ القُرآن.

٥ - كتاب الجمعة (١) باب العمل في غسل يوم الجمعة - ٢٣
فقالَ: فبها (١) : أيّ بالسنَّةِ أُخَذَ ونعمت الخصلةُ هي. أو قالَ: ونعمت الخصلةُ
فَعَلَ.
٥٦٩٧ - قال أبو حاتم : ونعمتْ بالتاءِ في الوصْلِ والوقْفِ هنا .
٥٦٩٨ - قال أبو عمر: لَو كَانَ الغُسْلُ للجمعةِ واجباً فَرْضاً لكانَ مِنْ
فَرائِضِ الجمعةِ أُلاَّ تجْزِئَ إِلاَّ بِهِ .
٥٦٩٩ - وقَدْ أُجمعَ العلماءُ على أنَّ صَلاَةَ مَنْ شَهِدَ الجمعةَ على وضُوءٍ دَونَ
غسلٍ جائزةٌ مَاضِيَةٌ .
٥٧٠٠ - وَيَدْلُكَ على ذلكَ أيضاً أنَّ عثمانَ دخلَ يومَ الجمعةِ وعمرُ يخطبُ
فقالَ عمرُ : أَيّةُ ساعةٍ هذه؟ فقالَ : يا أميرَ المؤمنين انقلبْتُ مِنَ السُّوقِ فسمعْتُ
= قال الْبَرِّدِ : كان الأصمعيُّ بحراً في اللغة، لا نعرِفُ مثلَّه فيها ، وأكثر تواليفه
مختصرات ، وقد فُقَد أكثرها ، وقد ذكرها ابن النديم في الفهرست : ٦١ .
ترجمته في تاريخ ابن معين : ٣٧٤ ، التاريخ الكبير ٤٢٨/٥، المعارف لابن قتيبة :
٥٤٣، ٥٤٤، الجرح والتعديل ٣٦٣/٥، مراتب النحويين: ٤٦ - ٦٥، طبقات
النحويين للزبيدي : ١٦٧ - ١٧٤ ، أخبار النحويين البصريين : ٥٨ - ٦٧ ، تاريخ
أصبهان ١٣٠/٢، الفهرست ٦٠، ٦١، تاريخ بغداد ٤١٠/١٠ - ٤٢٠، الأنساب
للسمعاني ٢٩٣/١ نزهة الألبا: ١١٢ - ١٢٤، إنباه الرواة ١٩٧/٢ - ٢٠٥ ،
تهذيب الأسماء واللغات ٢٧٣/٢. وفيات الأعيان ١٧٠/٣ - ١٧٦، تاريخ أبي
الفدا ٣٠/٢، تذهيب التهذيب ٣/ ٢/٦، العبر ٣٧٠/١، ميزان الاعتدال ٦٦٢/٢،
مرآة الجنان ٦٤/٢، طبقات القراء لابن الجزري ٤٧٠/١، تهذيب التهذيب ٤١٥/٦ ،
النجوم الزاهرة ١٩٠/٢، روضات الجنات ٤٥٨ - ٤٦٢، بغية الوعاة ١١٢/٢،
١١٣، المزهر ٤٠٤/٢، ٤٠٥، خلاصة تذهيب الكمال ٢٤٥ ، طبقات المفسرين
٣٥٤/١ - ٣٥٦، شذرات الذهب ٣٦/٢ - ٣٨.
(٣) فى (ص): ((فيها))، تحريف.

٢٤ - الاستذكار الجامع لِمذاهب نُقَهاء الأمصارِ / ج ٥
النِّداءَ ، فمازدتُ على أُنْ توضَّأْتُ: فقال عمر الوضُوءُ أيضاً وقَدْ علمْتَ أَنَّ رسولَ
اللّهِ - صلى اللّه عليه وسلم - كانَ يأَمُرُ بالغُسْلِ! ولمْ يأمرهُ بالخروجِ إلى الغُسْلِ،
ولاَ بِالإِعَادَةِ إِذا صَلاَّها بالوضُوءِ بغيرِ غُسْلٍ . وعثمان قَدْ علمَ مِنْ ذلك ما حملَهُ
على شهودِها بغيرِ غُسْلٍ .
٢٠٠ - وَهَذَاَ الحديثُ رَوَاهُ مالكٌ في هذا البابِ عَنِ ابنِ شهابٍ ،
عَن سالمٍ بنِ عبدِ اللّه أَنَّهُ قالَ: دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أُصْحَابٍ رسول اللّهِ -
صلى اللّه عليه وسلم - المسجد يَوم الجمعةِ وعمر يخطبُ، وذَكرَ
الحديثَ (١).
(١) وتتمته: فَقَالَ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هذه؟ فَقَالَ: يَا أُمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، انْقَلْبْتُ مِنَ السُّوقِ،
فَسَمِعْتُ النَّدَاءَ ، فَمَا زِدْتُ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ . فَقَالَ عُمَرُ: وَالَوُضُوءَ أَيْضًا ؟ وقَدْ عَلِمْت
أنَّ رَسُولَ اللَّه ◌َيْ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ.
والحديث رواه مالك في الموطأ (١: ١٠١) عن ابن شهاب ، عن سالم (مرسلاً).
وقد أورد الترمذي رواية مالك المرسلة ، ثم قال: سألتُ محمداً ( يعني البخاري ) عن
هذا ؟ فقال: الصحيح حديث الزهري عن سالم، عن أبيه. وانظر ((الفتح)) ٣٥٩/٢.
ومن طريق مالك مرسلاً أخرجه الشافعي ١٥٧/١،والطحاوي في «شرح معاني
الآثار)) ١١٧/١.
ومن طريق مالك موصولاً أخرجه البخاري (٨٧٨) في الجمعة : باب فضل الغسل يوم
الجمعة، والطحاوي ١١٨/١، والبيهقي في ((السنن)) ٢٩٤/١ من طريق جويرية ابن
أسماء ، عن مالك ، عن الزهري ، به .
وأخرجه البيهقي أيضاً ٢٩٤/١ من طريق روح بن عبادة، عن مالك ، عن الزهري ، به .
وأخرجه الشافعي ١٥٧/١، وعبد الرزاق (٥٢٩٢)، والترمذي (٤٩٤) في الصلاة :
باب ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة ، من طريق معمر ، عن الزهري ، به .
وأخرجه الترمذي (٤٩٥) من طريق الليث ، عن يونس ، عن الزهري ، به .
وقد رويت هذه القصة من حديث أبي هريرة أخرجه الطيالسي١٤٢/١ ، وابن أبي شيبة
٢ /٩٣، والبخاري (٨٨٢) في الجمعة، ومسلم (٨٤٥) (٤) من طبعة عبد الباقي=

٥ - كتاب الجمعة (١) باب العمل في غسل يوم الجمعة - ٢٥
٥٧٠١ - ولم يقلْ: إنَّهُ عثمان، وصَحَّ أَنَّهُ عثمانُ مِن طرقٍ كثيرةٍ لهذا
الحديث، وقَدْ ذكرتُها في ((التمهيدِ))، وذكرنا هناكَ مَن وصَلَ الحديث
وأُسْنَدَهُ، وَمَنْ قَطَعَهُ وَأَرْسَلَهُ (١)، وما فيه مِنَ المعاني والتّوجيهَاتِ ،
في الجمعة، والدارمي ٣٦١/١، والبيهقي في «السنن)) ٢٩٤/١، والطحاوي في
((شرح معاني الآثار)) ١١٨/١.
ومن حديث ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة ٩٤/٢، والطحاوي ١١٧/١.
(١) تحت عنوان : حديث تاسع لابن شهاب ، عن سالم - مرسل ، يتصل من وجوه ثابتة.
أورد ابن عبد البر هذا الحديث في «التمهيد)) (١٠: ٦٨)، ثم قال :
هكذا رواه أكثر رواة الموطأ عن مالك مرسلا - عن ابن شهاب ، عن سالم لم يقولوا عن
أبيه . ووصله عن مالك روح بن عبادة ، وجويرية بن أسماء ، وإبراهيم بن طهمان ،
وعثمان بن الحكم الجذامي ، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد ، وعبد الوهاب بن
عطاء ، ويحيى بن مالك بن أنس ، وعبد الرحمن بن مهدي ، والوليد بن مسلم ، وعبد
العزيز بن عمران ، ومحمد بن عمر الواقدي ، وإسحاق بن إبراهيم الحنيني ، والقعنبي -
وفي رواية إسماعيل بن إسحاق عنه ؛ فرووه عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن
أبيه :
ثم ورد المصنف رواية روح بن عبادة قال حدثنا مالك ، عن الزهري ، عن سالم ، عن
أبيه، قال : بينما عمر بن الخطاب قائم يخطب يوم الجمعة ، إذ جاء رجل ، فذكر الحديث
(السنن الكبرى ١ /٢٩٤).
ثم قال : وأما حديث جويرية ، عن مالك ، فذكر إسماعيل بن إسحاق ، قال حدثنا عبد
الله بن محمد بن أسماء ، قال حدثنا جويرة بن أسماء عن مالك ، عن الزهري ، عن سالم،
عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم للخطبة ، إذ دخل رجل من أصحاب النبي -
صلى الله عليه وسلم - من المهاجرين الأولين، فناداه عمر: أية ساعة هذه ؟- وذكر
الحديث (فتح الباري ٣ / ٧ - ١٠)
وكذلك رواه إسماعيل عن القعنبي ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه -
مسندا حدثناه عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا محمد بن
عبيد، قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق - فذكر الحديثين جميعا - كما ذكرناه سواء ،
وقد (روينا) حديث جويرية (هذا) عن نافع ، عن ابن عمر-ليس فيه ذكر مالك. ومعلوم
أن سماع جويرية من نافع صحيح - وإن كان قد روى أيضا عن مالك عن نافع-أحاديث .=

٢٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب نُقَهاء الأمصارِ / ج ٥
والحمدُ للّهِ(١).
= حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، ويعيش بن سعيد ، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال :
حدثنا محمد بن الهيثم ، قال : حدثنا أبو غسان : مالك بن إسماعيل - إملاء من كتابه،
قال : حدثنا جويرية ، عن نافع . عن ابن عمر ، قال : بينما عمر - فذكر الحديث ( فتح
الباري ٩/٣) وروى هذا الحديث جماعة من أصحاب ابن شهاب ، عن سالم ، عن ابن
عمر، أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم يوم الجمعة يخطب - الحديث - سواء منهم :
معمر ، وأبو أويس ، وغيرهما ، ويقولون إن سماع أبي أويس من ابن شهاب مع مالك
واحد - وأن عرضهما كان على ابن شهاب واحد .
فأما حديث معمر ، فذكره عبد الرزاق عن معمر ؛ وأما حديث أبي أويس فحدثناه عبد
الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا ابن أصبغ ، قال : حدثنا إبراهيم بن عبد الرحيم ، قال
حدثنا إبراهيم ابن أبي العباس الشامي ، قال حدثنا أبو أويس . عن الزهري ، عن سالم،
عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم للخطبة يوم الجمعة - فذكر الحديث .
(مصنف عبد الرزاق ٣ / ١٩٥).
وعند ابن شهاب أيضا في هذا الباب ، حديث آخر . عن سالم ، عن أبيه ، أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - قال: ((من جاء منكم الجمعة، فليغتسل)). روا جماعة عن
ابن شهاب ، منهم معمر ، وابن عيينة . ورواه الزبيدي عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه،
عن عمر بن الخطاب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من جاء منكم الجمعة
، فليغسل)) ( مصنف عبد الرزاق ٣ : ١٩٤).
وليس هذا الحديث عند مالك في الموطأ بهذا الإسناد ، وهو - عنده - عن نافع ، عن
ابن عمر . وهذا الحديث أيضاً عند الأوزاعي ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن
النبي - صلى الله عليه وسلم: من جاء منكم الجمعة ، فليغتسل ))، وليس عنده حدیث
ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه ، أن عمر بينما هو يخطب . وقد يمكن أن يكون ذلك
كله حديثاً واحداً - والله أعلم .
(١) خلاصة المعاني والتوجيهات المتعلقة بهذا الحديث ، وذكرها المصنف في
((التمهيد)) (١٠: ٧٢ - ٨٩) :
١ - أن الرجل المذكور في الحديث هو عثمان بن عفان رضي الله عنه لا خلاف بين أهل العلم
بالحديث والسير في ذلك ، قال معمر : الرجل هو عثمان بن عفان ، مصنف عبد الرزاق
(٣: ١٩٥)، وحديث رقم ٥٢٩٢.
٢- قوله في الحديث : أي ساعة هذه لم يُرِدْ به الاستفهام ، وإنما هو توبيخ في لفظ=

٥ - كتاب الجمعة (١) باب العمل في غسل يوم الجمعة - ٢٧
= الاستفهام، معروف في لسان العرب تقول إذا انكرت القول أو الفعل - : أي شي هذا ؟
ومنه قول عمر أيضاً لعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة: أنت قائل لمكة خير من المدينة ؟
٣ - وأما قوله : يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق، فإن عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه - أول من دعي بأمير المؤمنين ، وإنما كان يقال لأبي بكر - رضي الله عنه - :
خليفة رسول الله ، وكان يقال لعمر : خليفة أبي بكر - حتى تسمى بهذا الاسم .
٤ - أورد الخبر الدال على تسمي الفاروق عمر : أمير المؤمنين عن موسى بن عقبة ، عن
الزهري أن عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة : لأي شيء كان أبو
بكر يكتب من خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان عمر يكتب من خليفة
أبي بكر ، ومن أول من كتب عبد الله أمير المؤمنين ؟ فقال : حدثتني الشفاء - وكانت
من المهاجرات الأول - أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل العراق : ابعث إليّ برجلين
جلدين نبيلين ، أسألهما عن العراق وأهله ، فبعث إليه عامل العراق بلبيد بن ربيعة ،
وعدي بن حاتم ، فلما قدما المدينة ، أناخا راحلتيهما بفناء المسجد ، ثم دخلا المسجد ،
فإذا هما بعمرو بن العاص ، فقالا له : استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين ، فقال
عمرو : أنتما أصبتما اسمه ، نحن المؤمنون وهو أميرنا ، فوثب عمرو (فدخل) فقال:
السلام عليك يا أمير المؤمنين ، فقال عمر : وما بدا لك يا ابن العاصي في هذا الاسم ؟
ربي يعلم لتخرجن مما قلت ؟ فقال : إن لبيد بن ربيعة ، وعدي بن حاتم ، قدما فأناخا
راحلتيهما بفناء المسجد ، ثم دخلا المسجد فقالا لي : استأذن لنا يا عمرو على أمير
المؤمنين ، فهما - والله - أصابا اسمك ، أنت الأمير ونحن المؤمنون ؛ قال : فجرى
الكتاب من يؤمئذ قال يعقوب : وكانت الشفاء جدة أبي بكر بن سليمان .
٥ - وفي الحديث في هذا الباب (أيضا) شهود الخيار والفضلاء السوق ، ومعناه التجر فيه؛
وهكذا كان المهاجرون يعانون المتاجر ، لأنه لم يكن لهم حيطان ولا غلات يعتمرونها إلا
بعد حين ، وكانت الأنصار ينظرون في أموالهم ويعتمرونها وفي هذا كله ، دليل على
طلب الرزق والتعرض له والتحرف .
٦ - وفيه أن السوق يوم الجمعة لم يكن الناس يمنعونه ، ومن تجر فيه إلى وقت النداء ، فإن
ذلك مباح إلى ذلك الوقت ، لأن الله - تعالى - إنما أمر بترك البيع وبطلان المتاجر بعد
سماع النداء للسعي إلى ذكر الله لا لغير ذلك .
قال ابن القاسم : قال مالك : لا أرى أن يمنع أحد الأسواق يوم الجمعة ، لأنها كانت
قائمة في زمن عمر بن الخطاب في ذلك الوقت ، قال : والذاهب إلى السوق عثمان ، قيل =

٢٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصارِ / ج ٥.
= له : أيمنع الناس السوق قبل الأذان يوم الجمعة ؟ قال : لا .
٧ - وفيه دليل على أن من أوامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما يكون على غير
الوجوب فرضا ، وهذا معروف في القرآن والسنة في أوامر الله وأوامر رسوله - عليه
الصلاة والسلام ، وقد أكثر الناس في كتب الأصول من إيضاح ذلك ، فكرهت ذكره
ههنا.
ومن الدليل على أن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالغسل يوم الجمعة ليس
بفرض واجب ، أن عمر في هذا الحديث لم يأمر عثمان بالانصراف للغسل ، ولا انصرف
عثمان حين ذكره عمر بذلك ؛ ولو كان الغسل واجباً فرضاً للجمعة ، ما أجزأت الجمعة
إلا به ، كما لا تجزئ الصلاة إلا بوضوء للمحدث ، أو بالغسل للجنب ، ولو كان كذلك،
:
ما جهله عمر ولا عثمان .
٨ - وقد أجمع المسلمون - قديماً وحديثاً - على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب ، وفي
ذلك ما يكفي ويغني عن الإكثار ولا يجوز على الأمة بأسرها جهل معنى السنة ،
ومعنى الكتاب . وهذا مفهوم عند ذوي الألباب ؛ إلا أن العلماء مع إجماعهم على أن
غسل الجمعة ليس بفرض واجب ، اختلفوا فيه : هل هو سنة مسنون للأمة ، أم هو
استحباب وفضل ، أو كان لعلة فارتفعت وليس بسنة ؛ فذهب مالك والثوري ، وجماعة
من أهل العلم ، أن غسل الجمعة سُنة مؤكدة لأنها قد عمل بها رسول الله عليه والخلفاء
بعده والمسلمون ، فاستحبوها وندبوا إليها ، وهذا سبيل السنن المذكورة ثم ذكر بعد ذلك
حجة من ذهب هذا المذهب .

٥ - كتاب الجمعة (١) باب العمل في غسل يوم الجمعة - ٢٩
٥٧٠٢ - وقولُ عمر في هذا الحديث: الوضُوءُ أيضاً، وقَدْ علمتَ أنَّ رسولَ
اللّهِ كانَ يَأْمُرُ بالغُسْلِ ! مثل قولِهِ - عليه السلام - في حديثِ ابنِ شهابٍ عَنِ ابنِ
السّباقِ أَنَّ رسولَ اللهِ - صلى اللّه عليه وسلم - قالَ في جمعةٍ مِنَ الجُمعِ: « یا
مَعْشَرَ المسلمينَ، إِنَّ هذا يومٌ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدً فاغْتَسِلِوم(١) )).
٥٧٠٣ - وَقَدْ ذكرنا الحديثَ فيما مضى مِنْ هذا الكتابِ ، وذلكَ في بابِ
السواك .
٥٧٠٤ - وذكرنا في ((التَّمْهِيدِ)) أَنَّ عمرَ أُوَّلُ مَنْ تسمَّى بأمير المؤمنين
وأُوردنَا الخبرَ بذلكَ وَمَا كانَ سببهُ هناك(٢).
٥٧٠٥ - وفي حديث ابن شهابٍ هذا مِنَ الفقْهِ أيضًا : شهودُ الفضلاء
السوقَ ، وطلبُهم الرزقَ بالتّجارةِ . وفيهِ أُنَّ السوقَ يومَ الجمعةِ لَمْ يكُنِ النَّاسِ
يُمنعونَ مِنْهُ إِلاَّ فِي وَقْتِ النِّدَاءِ، لقولِهِ تعالى: ﴿إِذا نُودِيَ للصلاةِ مِنْ يَوْمِ
الْجُمُعَةِ فاسْعَوْاْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية (٩ من سورة الجمعة ).
٥٧٠٦ - وَمَنِ الدّليلِ أيضاً على أنَّ الأمْرَ (٣) بالغسلِ للجمعةِ ليسَ على
الوجوب ما روتهُ عائشةُ، وابنُ عمر ، وابنُ عباسٍ ، وأبو سعيدٍ في الوجْهِ الذي
مِنْ أُجْلِهِ أمروا بالغُسْلِ يومَ الجمعةِ أُوَّل ما أُمِرُوا بِهِ .
٥٧٠٧ - وقَدْ ذكرنا الأسانيدَ عَنهم بذلكَ في «التمهيدِ)) (٤) ، فمِن ذلكَ أُنَّ
يحيى بنَ سعيد الأنصاري قالَ : سألتُ عَمْرَةَ عَنْ غُسْلِ الجُمعةِ ، فذكرتْ أَنَّها
سَمعَتْ عائشة تقولُ : كانَ الناسَ عمّال أُنفسِهِم(٥) يروحُون بهيئتِهِم فقيلَ لَهُم : لَو
(١) الموطأ : ٦٥ .
(٢) تقدم في الحاشية قبل السابقة نقلاً عن التمهيد (١٠: ٧٦ - ٧٧).
(٣) كذا في (ك)، وفي (ص): ((أن الغسل))، وهو سقط.
(٤) التمهيد (١٠: ٨٤) وما قبلها وما بعدها .
(٥) كذا في الاستذكار ، وفي التمهيد، وهذا موافق لرواية الشافعي ، وأحمد ومعنى :
عمال أنفسهم يقومون بأعمالهم لا يتولاها عنهم غيرهم .
=

٣٠ - الاستذكار الجامع لمذاهب نُقَهاء الأمصارِ / ج ٥
اغْتَسَلْتُمْ(١) ! .
٥٧٠٨ - ورَوى إسماعيلُ بنُ أُميَّةَ، عَنْ نافعٍ، عَن ابن عمرَ ، قالَ : كانَ
الناسُ يَغْدونَ في أعمالهم ، فإذا كانتِ الجمعةُ جاءُوا وعليهم ثيابٌ دَرِنة (٢)
وألوانها متغيرةٌ، قالَ: فشكوا ذلكَ إلى رسولِ اللهِ، فقالَ: ((مَنْ جَاءَ مِنْكُم
الجمعة فليغتَسِلْ، ويتخذْ ثوبينٍ لجمعتهِ سوى ثوبي مَهْنَتِهِ(٣)).
= ووردت في روايات أخرى: ((مُهَان أنفسهم))، والمهان: جمع المهان، وهو الخادم،
يريد أنهم يتولون المهنة لأنفسهم في الزمان الأول حين لم يكن لهم خَدَمٌ يكفونهم المهنة
والإنسان إذا باشر العمل الشاق حمي بدنه وعَرِق لا سيما في البلد الحار ، فربما تكون
منه الرائحة الكريهة، فأمروا بالاغتسال تنظيفاً للبدن وقطعاً للرائحة. ((معالم السنن))
١١١/١ .
(١) أخرجه أبو داود (٣٥٢) في الطهارة : باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة ، عن
مُسدَّدٍ ، عن حماد بن زيد ، بهذا الإسناد وأخرجه الشافعي ١٥٥/١ ، وعبد الرزاق
(٥٣١٥) عن سفيان بن عيينة، وابن أبي شيبة ٩٥/٢ عن هشيم، وأحمد ٦٢/٦،
٦٣ عن وكيع ، عن سفيان، والبخاري (٩٠٣) في الجمعة: باب وقت الجمعة إذا زالت
الشمس ، عن عبدان، عن عبد الله بن المبارك، ومسلم (٨٤٧) من طبعة عبد الباقي
في الجمعة : باب وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال ، عن محمد بن رمح ،
عن الليث، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١١٧/١ من طريق عبيد الله،
والبيهقي في ((السنن)) ٣/ ١٨٩، من طريق جعفر بن عون ، كلهم عن يحيى بن سعيد
بهذا الإسناد .
وأخرجه البخاري (٢٠٧١) في البيوع : باب كسب الرجل وعمله بيده ، من طريق عبد
اللّه بن زيد ، عن سعيد بن أبي أيوب ، عن أبي الأسود النوفلي ، عن عروة ، عن
عائشة.
وعلقهُ البخاري (٢٠٧١) أيضاً عن همام ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة،
ووصله ابن خزيمة في «صحيحه)) (١٧٥٣) عن محمد بن الوليد ، عن قريش بن أنس،
عن هشام، به ،. ووصله أبو نعيم في ((المستخرج )) من طريق هدبة ، عن هشام ، به .
كما ذكر الحافظ في ((الفتح)) ٣٠٥/٤ .
(٢) (درنة) = وسخة، وفي (ص): « ردية))، وهو تحريف .
(٣) انظره في التمهيد (١٠: ٨٣).

٥ - كتاب الجمعة (١) باب العمل في غسل يوم الجمعة - ٣١
٥٧٠٩ - وفي ((الموطأ)) لمالكٍ عَنْ نافعٍ عن ابنِ عمرَ أَنَّهُ كانَ لا يروحُ إلى
الجمعة إلاَّ ادّهنَ وتطيبَ، إِلا أُنْ يكونَ حراماً (١) ، ولمْ يذكرْ غسلاً.
٥٧١٠- ورَوَى الدّراوَرْدِي عَنْ عمرو بنِ أبي عمرو، عن عكرِمَة: أُنَّ ناساً
مِنْ أُهْلِ العِرَاقِ جامُوا فقالوا: يا ابنَ عباسٍ ، الغُسْلُ يومَ الجمعةِ واجبٌ ؟ قالَ :
لاَ، ولكنَّهُ أُطهرُ وأُطيبُ، وخيرٌ لمنِ اغْتَسَلَ . وَمَنْ لَمْ يغتسلْ فَلاَ حرجَ ،
وسأخبرُكُم كيفَ بدْءُ الغسْلِ ؟
كانَ الناسُ مجهودِينَ ، يلبسُونَ الصوفَ ، ويعملُون على ظهورِهم . وكانَ
مسجدُهم ضَيِّقاً متقاربَ السقفِ، إِنَّما هو عَرِيش(٢)، فخرجَ رسولُ الله - صلَّى
اللّه عليه وسلم - في يومٍ حارِّ وقدْ عَرِقَ النَّاسُ في ذلك الصوفِ ، حتَّى ثارتْ
مِنْهم رياحٌ ، أُذى بذلك بعضُهم بعضًا ، فلمًا وجدَ رسولُ الله تلكَ الريحَ قالَ :
((أيُّها النَّاسُ، إِذا كانَ هذا اليوم فاغْتَسِلُوا(٣))) ثُمَّ جاءَ اللّهُ بالخيرِ ، ولبسُوا
غيرَ الصُّوفِ ، وكُفُوا العملَ ، ووسعَ مسجدُهم ، وذهبَ الذي كانَ يؤذي به بعضُهم
بعضًا مِنَ العَرقِ .
٥٧١١ - وَقَدْ تقدَّمَ عَنْ أبي سعيد أنَّهُ قَرنَهُ بالسواكِ والطيبِ يومَ الجمعةِ .
٥٧١٢ - وفي إجماعِ الجمهورِ مِنْ علماءِ المسلمينَ عَلى سقوطِ وجوبِ الغُسْلِ
يومَ الجمعةِ وجوبَ فرضٍ(٤ لاتفاقهم على أُنَّ مَنْ شَهِدَ الجمعةَ بغيرِ غُسْلٍ أُجزأتْهُ
الجمعة٤ُ) - ما يغني عن كُلِّ قولٍ .
(١) في الموطأ برواية محمد بن الحسن: (٨٧) :.... ((إلا وهو مدهن متطيب، إلا أن
يكون محرماً ».
(٢) عريش = خيمة من خشب وثمام وهو نبت ضعيف شبيه بالخوص، وربما حشي به ، وسُدَّ
به خصاص البيوت .
(٣) رواه أبو داود في الطهارة - باب (الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة))، عن
القعنبي، عن الدراوردي به، والبيهقي في السنن الكبرى (٣: ١٨٤٩).
(٤ - ٤) ثابت في (ك)، وساقط في (ص) .

٣٢ - الاستذكار الجامع لِمَذاهِبٍ نُقَهاء الأمصارِ / ج ٥
٥٧١٣ - إلاَّ أنَّهم اختلَفُوا: هَلْ غُسْلُ الجمعةِ سُنةٌ مَسنونةً للأمةِ، أُمْ هُوَ
اسْتحْبابٌ وفَضْلٌ ، أُمْ كانَ (١) لعلةٍ فارتفعتْ وليسَ بسنَّةٍ ؟.
٥٧١٤ - فذهبَ مالكٌ والثوريُّ وجماعةٌ مِنْ أُهْلِ العلمِ أنَّ غسلَ الجمعة سُنَّةً
مؤكدةً ، لأنَّها قَدْ عملَ بَها رسولُ اللّهِ والخلفاءُ بعَدهُ والمسلمونَ ، واستحبُّوها ،
ونَدُبُوا إِليها . وهذا سبيلُ السُّنَّنِ المؤكَّدَةِ .
٥٧١٥ - ومِنْ حجَّتِهم أُنَّ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُمَر بالغُسلِ
للجمعة بقوله: ((مَنْ جاءَ مِنْكُم الجمعةَ فليغْتَسِلُ(٢) )).
٥٧١٦ - وبما ذكرنًا مِنَ الآثارِ بِلَفْظِ الأمْر (٣) والوجُوبِ فيما تقدَّمَ مِنْ هذا
الباب .
٥٧١٧ - ثُمَّ جاءتِ الآثارِ المذكورةُ بجوازٍ شهودِهِ بِغَيْرِ غُسْلٍ ، وبأنَّهُ أُفضلُ
إِنِ اغْتَسَلَ ، يدلُّ(٤) على أنَّ ذلك أُمرُ سُنَّة لا فَرْضٍ .
٥٧١٨ - ورَوَى ابنُ وهبٍ، عَنْ مالكٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ غُسلِ الجمعةِ واجبٌ
هُوَ؟ قالَ: هَوَ سُنّةً ومعروفٌ. قيل لَهُ: إِنَّهُ في الحَديثِ وَاجِبٌ . قالَ : ليسَ
كلّ(٥) ما جاءَ في الحديثِ يكونُ كذلكَ .
٥٧١٩ - ورَوَى أُشهب عَنْ مالكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ غُسْلِ الجمعةِ أُوَجِبُ هُوَ ؟
قالَ : هو حَسَنٌ ، وليسَ بواجبٍ .
٥٧٢٠ - وهذه الروايةُ عَنْ مالكِ تدلُّ على أنَّهُ مستَحَبُّ ، وذلكَ عندَهُم دونَ
منزلةِ السُّنةِ ، إِلاَّ أَنَّ روايةً ابنِ وهبٍ عَنْهُ أَنَّهُ سُنةٌ عليهِ أكثرُ أُصْحَابِهِ : ابنُ عبدِ
(١) كذا في (ك)، وفي (ص): إن كانت لعلة ، وهو تحريف .
(٢) الموطأ: ١٠٢، وسيأتي بعد قليل بإسناده، حديث رقم (٢٠١).
(٣) كذا في (ك) وفي (ص) ؛ بلفظ الوجوب . وما أثبتناه أتم وأوضح .
(٤) كذا في (ص) ، وقد يكون قبلها : وهذا ، ولكنها سقطت . على أنه يمكن تقديرها ،
وبناء الكلام عليها
(٥) كذا في (ك)، وفي (ص) : ليس ما جاء ، سقط .

٥ - كتاب الجمعة (١) باب العمل في غسل يوم الجمعة - ٣٣
الحكم ، وغيرهُ .
٥٧٢١ - وقَدْ قالَ ابنُ القاسم فيمنْ أُتى الجمعةَ ولَمْ يغتسلْ: فإنَّهُ(١) يخرجُ
مِنَ المسْجِدِ إِذا كانَ الوقتُ واسعًا، ثُمَّ يَغْتَسِلُ ، وقالهُ ابنُ كنانةً .
٥٧٢٢ - قالَ ابنُ كنانةَ: إنَّما تركَ عمرُ ردَّ عثمان للغُسْلِ لضيقِ الوقْتِ ،
ولو كانَ فيه سعةٌ لردّهُ حتَّى يغتسِلَ .
٥٧٢٣ - ذكرَ عبدُ الرزاقِ عَن ابنِ جريجٍ ، قالَ : سألتُ عطاء قلتُ لَهُ:
الغُسْلُ واجبٌ يومَ الجمعةِ ؟ قالَ : نعمْ ، وَمَنْ تَركَهُ فَليسَ بآثمٍ .
٥٧٢٤ - وَقَدْ ذكرنا في التَمْهِيدِ(٢) حديثَ الأعمش، عَنْ أبي صالحٍ، عَنْ
أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ توضَّأ
فأُحْسَنَ الوضُوءَ، ثُمَّ أتى الجمعةَ فاسْتَمَعَ وأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ ما بينَ الجمعةِ إِلى
الجمعة، وزيادة ثلاثة أيَّامٍ. ومَنْ مَسَّ الحصى فقدْ لغا))(٣).
٥٧٢٥ - وهذا حديثٌ ثابتٌ عَنِ النبيِّ - عليه السلامُ - ليسَ فيهِ إِلاَّ الوضوءُ
للجمعةِ دونَ غُسْلٍ . رواهُ أبو معاويةً وجماعةٌ مِنْ أُصْحَابِ الأعمشِ عَن الأعمشِ،
هكذا .
(١) كذا فى (ك)، و (ص) ولا مكان للفاء هنا .
(٢) ((التمهيد)) (١٠: ٨٨).
(٣) أخرجه مسلم في الصلاة، ح (١٩٥٥) من طبعتنا، ص (٣: ٣٤٢)، باب (( فضل
من استمع وأنصت في الخطبة )» .
أخرجه أبو داود في الصلاة (١٠٥٠)، باب ((فضل الجمعة)). (١ : ٢٧٦).
وأخرجه الترمذي في الصلاة (٤٩٨)، باب ((ما جاء في الوضوء يوم الجمعة)) (٢ :
٣٧١) ورواه ابن ماجه في الصلاة (١٠٩٠)، باب ((ما جاء في الرخصة في ذلك))
(١ : ٣٤٦ - ٣٤٧) .
قوله صلى اللّه عليه وسلم: (ومن مس الحصا لغا) فيه النهي عن مس الحصا وغيره
من أنواع العبث في حالة الخطبة .
وفيه إشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة . والمراد باللغو هنا الباطل المذموم
المردود .

٣٤ - الاستذكّار الجَامع لِمَذَاهِبِ نُقَهاءِ الأمْصارِ / ج ٥ -
٥٧٢٦ - وذكرَ عبدُ الرزاقِ عَن ابنِ عيينةً، عن مِسْعر، عَنْ وبرةَ ، عَنْ همام
ابنِ الحارثِ ، عن ابنِ مسعودٍ ، قالَ: الغسلُ يومَ الجمعةِ سُنَّةٌ(١).
٥٧٢٧ - وكانَ الشافعيُّ يقولُ: إِنَّهُ سُنّةٌ، ويحتجُّ في تفسير لفظِ الحديثِ
في وجوبهِ بحديث عائشة : كانَ النَّاسُ عمَّال أُنفسهِم . الحديث ، وبحديثٍ سَمُرةً :
((وَمَنِ اغْتَسَلَ فالغُسْلُ أَفْضَلُ )). وَقَدْ ذكرْنَاهُما وَمَا كانَ في معنَاهُما فيما تقدَّمَ
مِنْ هذا البابِ .
٥٧٢٨ - وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أُهلِ العِلْمِ إِلى أَنَّ غُسْلَ الجمعةِ ليسَ بواجبٍ
وجوبَ سُنَّةٍ ، ولكنَّهُ مُسْتَحَبٌّ مُرَغْبٌ فِيهِ ، كالطِّيبِ والسّواك.
٥٧٢٩ - وقالَ بعضُهم: الطيبُ يُغْنِي عنهُ، واحْتَجُوا بأنَّهُ كانَ لعلّةٍ قَدْ
زالتْ على ما بيِّنًا في الآثارِ عَنْ عائشة وابنِ عمر وابنِ عباسٍ وغيرِهِم .
٥٧٣٠- وَقَدْ ذَكَرْنَا في ((التمهيد)) عَنِ القاسمِ بنِ محمدٍ: أنَّهُمْ ذَكَرُوا
غُسْلَ الجمعةِ عِنْدَ عائشةَ فقالتْ: إِنَّما كانَ النَّاسُ يَسْكُنُونَ العاليةَ(٢) فيحضرون
الجمعةَ وبهم وَسَخٌ، فإِذا أُصَابَهُمُ الرَّوحُ(٣) سَطَعَتْ أُرواحُهم (٤) فتأذَّى بهم النَّاسُ
فذكَرُوا ذلك لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقالَ: ((أو لاَ تغتسلُون(٥))).
٥٧٣١ - وذكرَ عبدُ الرزاقِ عَن الثوريِّ عَن الأعمشِ عَنِ إِبراهيم ، قالَ كانُوا
لا يرونَ غُسْلاً واجباً إلاَّ غسلَ الْجَنَابةِ، وكانُوا يَسْتَحِبُونَ غُسْلَ الجمعة .
٥٧٣٢ - وقالَ عبدُ الكريم بنُ مالكِ الجزريّ(٦): الطّيبُ يُجزي مِنَ الغُسْلِ
يوم الجمعة .
١
(١) مصنف عبد الرزاق (٣: ٢٠٠)، حديث (٥٣١٦).
(٢) العالية : قرى بظاهر المدينة ، وهي العوالي .
(٣) الروح : نسيم الربح.
(٤) سطعت أرواحهم : ارتفعت رائحتهم وانتشرت ، والربح بمعنى الرائحة تجمع على
أرواح ورياح .
"(٥) سنن النسائي (٣: ٩٤) والسنن الكبرى للبيهقي (٣: ١٨٩)، ومصنف عبد الرزاق
(٣: ٢٠٠)، حديث (٥٣١٥)، والتمهيد (١٠ : ٨٤).
(٦) زيادة من (ك)، وذكره في ميزان الاعتدال : ٢ : ٦٤٥ .

٥ - كتاب الجمعة (١) باب العمل في غسل يوم الجمعة - ٣٥
٢٠١ - وأمَّا حديثُهُ عَنْ نافعٍ عَنِ ابنِ عمرَ: أُنَّ رسُولَ الله - صلى
الله عليه وسلم - قال ((إِذاَ جَاءَ أُحدُكُم الجمعة فليغتسلْ (١))).
٥٧٣٣ - فَقَدْ ذكرنا في التمهيد(٢) اخْتلافَ الأَلْفَاظِ عَنْ مالكٍ في ذلك:
٥٧٣٤ - فبعضُهم يقولُ عَنْهُ كَما قالَ يحيى: ((إِذَا جَاءَ أُحدَكُم ».
٥٧٣٥ - ومنْهُم مَنْ يقولُ: ((إِذَا رَاحَ أحدُكُم إلى الجمعةِ)).
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ١٠٢/١ عن نافع بهذا الإسناد ومن طريق مالك أخرجه
أحمد ٦٤/٢، والبخاري (٨٧٧) في الجمعة : باب فضل الغسل يوم الجمعة ،
والنسائي ٩٣/٣ في الجمعة: باب الأمر بالغسل يوم الجمعة، والدارمي ١/ ٣٦١،
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١ / ١١٥، والبيهقي في ((السنن)) ٢٩٣/١.
وأخرجه من طرق عن نافع ، به: الحميدي (٦١٠) وابن أبي شيبة ٩٣/٢ و٩٥ ٬ ٩٦،
وأحمد ٤٨,٤٢,٤١,٣/٢و ٥٥, ٧٥ , ٧٧ , ٧٨ و ١٠١ و ١٠٥و١٤١ و ٢٤٥ ومسلم (٨٤٤)
في الجمعة ، وابن ماجه (١٠٨٨) في إقامة الصلاة : باب ما جاء في الغسل يوم
الجمعة، والطحاوي ١١٥/١، والطبراني (١٣٣٩٢)، والبيهقي في ((السنن))
٢٩٧/١، وابن خزيمة (١٧٥٠) و (١٧٥١).
وأخرجه من طرق عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ابن عمر : الشافعي
١٥٤/١، وعبد الرزاق (٥٢٩٠)، (٥٢٩١)، والحميدي (٦٠٨)، والطيالسي
١٤٢/١، ١٤٣، وأحمد ٩/٢ و٣٧ ، والبخاري (٨٩٤) في الجمعة : باب هل على
من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم ، و(٩١٩) باب الخطبة على
المنبر، ومسلم (٨٤٤) في الجمعة ، والترمذي (٤٩٢) في الصلاة : باب ما جاء في
الاغتسال يوم الجمعة ، وابن الجارود (٢٨٣) ، وابن خزيمة (١٧٤٩) والطحاوي
١١٥/١، والبيهقي في ((السنن)) ٢٩٣/١ و١٨٨/٣.
وأخرجه الطيالسي ١٤٣/١ عن شعبة ، وابن أبي شيبة ٩٣/١ عن شريك وأبي
الأحوص، وأحمد ٥٣/٢، ٥٧ من طريق سفيان، والطحاوي ١١٥/١ من طريق
شعبة، كلهم عن أبي إسحاق ، عن يحيى بن وثاب ، عن ابن عمر .
وأخرجه أحمد ١١٥/٢، والطحاوي ١١٥/١ . من طريق إسرائيل ، عن أبي إسحاق ،
عن يحيى بن وثاب ونافع ، عن ابن عمر .
(٢) ((التمهيد)) (١٤: ١٤٤ - ١٤٧).

٣٦ - الاستذكار الجَامع لِمَذَاهِبِ نُقَهاء الأمصارِ / ج ٥
٥٧٣٦ - ومنْهُم مَنْ يقولُ: ((إِذا أتى أُحدُكُم))، والمعنى كلُّه سواء.
٥٧٣٧ - وذكرنا هناكَ مَن جعلَ الحديثَ مِن أُصْحَابِ نافعٍ عن نافعٍ ، عَن
ابنِ عمرَ ، عَنِ النبيِّ - عليه السلام - ((كما قالَ مالكٌ ، ومن جعلهُ عَنْ نافعٍ ،
عَنِ ابنِ عمرَ، عَنْ حفصةَ ، وخالف في لفظهِ فقالَ: «على كُلِّ محتلمِ الرواحُ إِلى
الجمعةِ، وعلى مَنْ راحَ إلى صَلاَةِ الجمعةِ الغُسْلُ )). وكلُّهم يرفعُونَهُ إِلى النبيِّ -
عليه السلام - مِنْ غیرِ خِلافٍ .
٥٧٣٨ - وَقَدْ أُجْمعَ العلماءُ على أُنَّ مَنِ اغْتَسلَ بعدَ صَلاةِ الجمعةِ يوم الجمعةِ
فليسَ بمغتسلٍ للسُّنَّةِ ولا للجمعةِ ، ولا فاعل لِمَا أُمَرَ بِهِ .
٥٧٣٩ - فدلَّ ذلك على أنَّ الغسلَ للجمعةِ وشهودها لا لليومِ ، وَدَلَّ على أُنَّ
حديثَ جابرٍ عَن النبيِّ - عليه السلام - أنَّهُ قالَ: ((الغُسْلُ واجبٌ على كُلِّ
مُحتلمٍ في كُلِّ أُسبوعٍ يوماً ، وهوَ يوم الجمعةِ )) أُنْهُ ليسَ على ظَاهِرِهِ، وأُنَّ
المعنى فيه على ما ذكرنا .
٥٧٤٠ - وأمَّا ألفاظُ حديثِ ابنِ عمر هذا: «إِذَا جَاءَ أُحدِكُم الجمعةَ »،
أو ((إِذَا رَاحَ أُحدُكُمْ إِلى الجمعةِ فليغْتَسِلْ » فيدُلُّ على أنَّ الغُسْلَ إِنَّما يجبُ عِنْدَ
الرواحِ ، واللّهُ أعلمُ .
٥٧٤١ - وإلى هذا ذهبَ مالكٌ - قالَ في الموطأ : مَنِ اغْتَسَلَ يومَ الجمعةِ
أُوُّلَ نهارهِ، وهوَ يريدُ بذلك غُسْلَ الجمعةِ ، فإِنَّ ذلكَ الغُسْلَ لا يجزي عَنْهُ حتَّى
يغتسِلَ لرواحِهِ .
٥٧٤٢ - وذلكَ أُنَّ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال(١): ((إِذا جاءَ
أُحَدُكُم الجمعة فليغتسِلُ(٢) )).
٥٧٤٣ - قالَ مالكٌ: مَنِ اغْتَسَلَ يومَ الجمعةِ مُعجِّلاً أو مؤخّراً ، وهُوَ يَنْوي
بذلكَ غُسْلَ الجمعة فأصَابَهُ ما ينقضُ وضُوءَهُ، فليسَ عليهِ إِلاَّ الوضُوءُ، وغُسْلُهُ
(١) كذا في (ص) و (ك)، وزاد في الموطأ بعد (قال) عبارة : في حديث ابن عمر .
(٢) الموطأ : ١٠٢ .

٥ - كتاب الجمعة (١) باب العمل في غسل يوم الجمعة - ٣٧
ذلكَ مُجزِئٌّ عَنْهُ (١).
٥٧٤٤ - ومذهبُ الليث في ذلكَ كمذْهبِ مالكٍ على اخْتِلافٍ عَنْهُ ، وعَنِ
الأوزاعيّ أيضاً في ذلك .
٥٧٤٥ - ورُوي عَنْهُما أَنَّهُ يجزيهِ إِنِ اغْتَسَلَ قبلَ الفَجْرِ للجنابةِ والجمعةِ .
٥٧٤٦ - وقالَ الليثُ: بَعْدَ الفَجْرِ .
٥٧٤٧ - وذهب الشَّافعيّ وأبو حنيفةً(٢) إِلى أَنَّ مَنِ اغْتَسَلَ للجمعةِ بَعْدَ
الفَجْرِ أُجزأُهُ مِن غُسْلِهِ .
٥٧٤٨ - وهُوَ قولُ الحسنِ البصريِّ والنخعيِّ.
٥٧٤٩ - وبه قالَ أحمدُ ، وإسحاق ، وأبو ثورٍ ، والطبريّ.
٥٧٥٠ - وهُوَ قولُ ابنِ وهبٍ صاحبِ مالكٍ .
٥٧٥١ - وقالَ أُبو يوسف: إِذَا اغْتَسَلَ بعدَ الفَجْرِ ثُمَّ أُحدثَ فَتَوضَّأُ ثُمَّ شَهِدَ
الجمعةَ لَمْ يكنْ كَمَنْ شَهِدَ الجمعةَ على غُسْلٍ .
٥٧٥٢ - وقالَ أُبو يوسفَ: إِنْ (٣) كَانَ الغُسْلُ لليومِ فَاغْتَسَلَ بَعْدَ الفَجْرِ ثُمَّ
أُحدثَ فصلَّى الجمعةَ بوضُوءٍ فغسلُهُ تَامٌّ ، وإِنْ كانَ الغُسْلُ الصَّلاَةِ فإِنَّمَا شَهِدَ
الجمعةَ على وضُومٍ.
٥٧٥٣ - وقالَ مالكٌ: مَنِ اغْتَسَلَ للجمعةِ عِنْدَ الرواحِ، ثُمَّ أُحْدثَ فتوضًأُ
(شَهِدَ الجمعة أُجزأُهُ غَسْلُهُ . وإِنِ اغْتَسَلَ أُوَّلَ النَّهارِ يريدُ الجمعةَ لَمْ يجزِهِ مِنْ
غُسْلِ الجمعةِ .
٥٧٥٤ - وقالَ الثوريُّ: إذا اغْتَسَلَ يومَ (٤) الجمعةِ بَعدَ الفَجْرِ مِنْ جَنّابةٍ أُو
غيرِها أجزأهُ مِنْ غُسْلِ الجمعةِ .
(١) الموطأ : ١٠٣
(٢) في (ك): وأبو حنيفة والثوري .
(٣) كذا في (ك)، وفي (ص): إذا . وكلامه الآتي يرجح ما في (ك).
(٤) كذا في (ك)، وفي (ص): ((اغتسل الجمعة))، وهو سقط .

٣٨ - الاستذكّار الجامع لِمَذَاهِبِ فُقَهاء الأمْصارِ / ج ٥
٥٧٥٥ - قالَ الطُّحَاويُّ: فهذا يَدُلُّ على أنَّ الغُسْلَ عندَهُ لليومِ لا للرواحِ إِلى
الجمعة .
٥٧٥٦ - وقالَ الأوزاعيّ: الغُسْلُ هُوَ للرواحِ إِلى الجمعةِ، فإِنِ اغْتَسَلَ بَعْدَ
الفَجْرِ لَمْ يجزهِ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابةِ ، وهذا خلافُ ما تقدَّمَ عَنْهُ .
٥٧٥٧ - وقالَ الشَّافعيُّ: الغُسْلُ للجمعةِ سُنَّةٌ، ومنِ اغْتَسَلَ للفَجْرِ للجَنَابَةِ
ولها أُجزأهُ ، وإِنِ اغْتَسَلَ لها دونَ الجنابَةِ وهُوَ جنبٌ (١) لَمْ يجزه .
٥٧٥٨ - وقالَ ابنُ الماجشون: إِذا اغْتَسَلَ ثُمَّ أُحدثَ أُجزأهُ الغُسلُ .
٥٧٥٩ - فهذا يمكنُ أنْ يكونَ مذهبُهُ في ذلك كمذهبٍ مالكٍ، ويمكنُ أُنْ
يكونَ كمذهب الثوريِّ .
٠ ٥٧٦ - وقالَ الأَثْرَمُ: سُئِلَ ابنُ حنبل عَنِ الذي يَغْتَسِلُ سَحَرَ الجمعةِ ثُمَّ
يحدثُ : أُيغتسِلُ أُمْ يجزيه الوضُوءُ ؟ فقالَ : يجزيهِ . ولا يعيدُ الغُسْلَ .
٥٧٦١ - ثُمَّ قالَ : ما سمعتُ في هذا بأُعلى منْ حديث ابنِ أَبْزَى .
٥٧٦٢ - وحديثَ ابنِ أُبزى ذكرَهُ ابنُ أبي شيبةَ ، قالَ : حدَّثنا ابنُ عيينةً عَن
عبدةَ بنِ أبي لبابةً؛ عَنْ سعيدِ بنِ عبدِ الرحمن بنِ أُبزى، عَنْ أبيه : أَنَّهُ كَانَ
يَغْتَسلُ يومَ الجمعةِ ثُمَّ يحدثُ بَعْدَ الغُسْلِ ، فيتوضّأُ ولا يعيدُ غُسْلاً .
٥٧٦٣ - قالَ أبو عمر: هَذَاَ يَدُّ على المداومة، وعلى أنَّهُ كَانَ غسلُهُ
قَبْلَ الرواحِ .
٥٧٦٤ - واختَلفَ العلماءُ فيمنِ اغْتَسَلَ للجمعةِ وهُوَ جنبٌ ولَمْ يذكرْ جنابتَهُ :
٥٧٦٥ - فذهبتْ طائفةٌ مِنْهم إِلى أَنَّهُ يجزي مِنْ غُسْلِ الحَابَةِ وإِن كانَ ناسِياً
لها في حين الغُسْلِ .
٥٧٦٦ - وممنْ ذهبَ إلى ذلكَ ابنُ كنانةَ ، وأُشهبُ ، وابنُ وهبٍ ، ومطرِّفٌ ،
وابنُ نافعٍ ، ومحمدُ بنُ مسلمة ، وابن الماجشون . وهؤلاء كلّهم أصحابُ مالكٍ .
(١) قوله ((وهو جنب)) = ثابت في (ك) دون (ص)، والعبارة به أوضح .

٥ - كتاب الجمعة (١) باب العمل في غسل يوم الجمعة - ٣٩
٥٧٦٧ - وَبَه قالَ المزنيُّ صَاحبُ الشافعيِّ.
٥٧٦٨ - وقال آخرون: لا يجزيه ذلكَ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ حتَّى ينوي غُسْلَ
الجَنَابة ، ويكونُ ذَاكِراً لجنابتِهِ في حين غُسْلِهِ ، قَاصِداً إِلى الاغْتِسالِ مِنْها.
٥٧٦٩ - وممنْ ذَهَبَ إلى هذا ابنُ القاسمِ ، وحكاهُ ابنُ عبدِ الحكم عَنْ مالكٍ ،
وهُوَ قولُ الشَّافعيِّ وأكثرِ أُصْحَابِهِ ، وبه قالَ داودُ .
٥٧٧٠ - ولمْ يختلفْ قولُ مالكٍ وأصحابه أُنَّ مَنِ اغْتَسَلَ للجنابَةِ لا ينوي
الجمعةَ مَعَهَا أَنّهُ غيرُ مغتسلٍ للجمعةِ ولا يجزيهِ مِن غُسْلِ الجمعةِ، إلاَّ ما رواهُ
محمدُ بنُ الحكم عَنْ أُشهب أُنَّهُ قالَ : يجزيهِ غُسْلُ الْجَنَابَةِ مِنْ غُسْلِ الجمعةِ .
٥٧٧١ - وَقَدَ رَوَاه أبو إسحاق البرقيُّ أيضاً عَن أُشهب .
٥٧٧٢ - وهوَ قول مالكٍ وأصحابهِ : أُنَّ مَنْ تَيَمَّمَ للفريضةِ جازَ أنْ يصلي به
صَلَةَ السُّنَّةِ والنافلةِ ، ولا يجْزِئُ عِنْدَ واحدٍ مِنْهم أُنْ يتيمْمَ للنّافِلَةِ فيصلّي بِهِ
الفريضةً .
٥٧٧٣ - وهذا يقضي لقولِ أُشهب .
٥٧٧٤ - وقالَ عبدُ العزيز بنُ أبي سلمةَ ، والثوري ، والشافعيُّ ، والليثُ
ابنُ سعدٍ والطبريُّ : المغتسلُ للجنابةِ يومَ الجمعةِ يجزيهِ مِنْ غُسْلِ الجمعةِ ومِنَ
الجنابة جميعاً، إذا نوى غُسْلَ الجنابَةِ وإنْ لَمْ يَنْوِ الجمعةَ.
٥٧٧٥ - وأجمعُوا على أُنَّ مَنِ اغْتَسَلَ ينوي غُسْلَ الجنابَةِ والجمعةِ جميعاً
في وقت الرواحِ أَنَّهُ يجزيهِ مِنْهما جَميعًا، ولا يضرُّهُ اشتراكُ النِّيةِ في ذلك ، إِلا
قوماً مِنْ أُهْلِ الظَّاهِرِ وبعضَ المتأخرين، فإِنَّهم شَذُوا فأفْسَدُوا الغُسْل إذا اشترك
فيهِ الفَرْضُ والنّفْلُ، وهذا لا وَجْهَ لَهُ .
٥٧٧٦ - ولو نوى بوضُوء (١) الفريضة والنافلةٍ لَمْ يضرّهُ.
٥٧٧٧ - وقالَ الأثرمُ : قلتُ لابنِ حنيل : رَجُلٌ اغْتَسَلَ يومَ الجمعةِ مِنْ جنابةٍ
(١) في (ك): ((بوضوئه)).

٤٠ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبٍ فُقَهاء الأمصارِ / ج ٥
يَنْوِي بِهِ غُسْلَ الجمعةِ ، فقالَ: أُرْجُو أُنْ يجزيهِ مِنْهما جَميعا . قُلْتُ لَهُ : يُروى
عَنْ مالكٍ أَنَّهُ قالَ : لا يجزيهِ عَنْ واحدٍ منْهما ، فأنكرَهُ .
٥٧٧٨ - قالَ أبو بكرٍ : حدّثنا أحمد بنُ أبي شعيبٍ ، قالَ : حدَّثْنا موسى بنُ
أعين عَنْ ليثٍ عَن نافعٍ عَن ابنِ عمر أنَّهُ كان يغتسِلُ للجمعةِ والجنابةِ غُسْلا
واحداً.
*
* :