Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣ - كتاب الصلاة (١٥) باب ما يفعل من سلم من ركعتين ساهيا - ٣٤١
٥٣٣٢ - وقَد اضطَرَبَ الزهريَّ في إسنادٍ حديث أبي هريرةَ في قِصَةٍ ذي الیدینِ
اضطِرابًا كثيرًا قَدْ ذَكَرْناهُ في ((التمهيد)) .
٥٣٣٣ - وكانَ يقولُ: لَمْ يَسْجُدْ رسولُ اللَّهِ السَّجْدَتَيْنِ يومَئذٍ ، فجهلَ ذلك .
٥٣٣٤ - وقَدْ صَحْ عَنْ أبي هريرةَ مِنْ وَجُوهِ أنّ رسولَ اللَّهِ سَجَدَ يومَ ذِي الْيَدَيْنِ
بعدَ السَّلامِ سجدَتَيْنٍ ، لَمْ يُختلفْ عَنْ أبي هريرةَ في ذلك، وإنَّما اختُلِفَ عَنْهُ في
السَّلامِ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ.
٥٣٣٥ - وقَدْ خفي ذلِكَ على الزهريِّ مَعَ جلالَتِهِ .
٥٣٣٦ - ولا أعْلَمُ أحداً مِنَ المصنّفِينَ عَوَّلَ على ابْنِ شهابٍ في حديثٍ ذي
اليدَّيْنِ ، وإنّما أخرَجُوهُ مِنْ غيرٍ روايَتِهِ ؛ لاضطرابِهِ . وقد تبَيْنَ غلطهُ أَنَّهُ المقتولُ بيدْرٍ .
٥٣٣٧ - ذكَرَ عبدُ الرزاق عَنِ ابنِ جريجٍ، عَنْ ابنٍ مُليكةَ أَنْه سمعَ عبيدَ بنَ
عمير- وذكر خبرَ ذي اليدَّيْنِ - قالَ: فأدْرَكَهُ ذو اليدَيْنِ أخو بني سليمٍ . وَقَدْ قِيلَ :
إِنَّ ذا الَيَدَيْنِ عُمّر إلى خلافَةٍ معاوية، وإنَّما توفي بذي خُشُبٍ(١).
٥٣٣٨ - حدِّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان قالَ: حدّثَنَا قاسمُ بنُ أَصبغٍ، حدَّثَنَا
أحمدُ بنُ زهيرٍ، حدَّثَنَا عليّ بنُ بحْرٍ ، حدَّثَنَا مَعْدِي بنُ سليمان الشغتشي(٢) البصري،
قالَ : حدِّثَنِي شعيبُ بنُ مُطَِّر ، ومطيرُ حاضرٌ يصدقُهُ قالَ يا أبتَاهُ . أخبرتَني أنَّ ذا
اليدّيْنِ لقيَكَ بذي خُشُبٍ، فأخبَرَكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَُّ صَلّى بهم إحدَى صَلاَّتَيْ
العشي، فَصَلَّى ركعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فقامَ رسولُ اللَّهِ عٍَّ ومَعَهُ أبو بَكْرٍ وعمرُ،
وخرجَ سَرَعان الناسِ ، فلحِقَهُ ذو الَيَدَيْنِ فقالَ: يَارَسُولَ اللَّه . أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَمْ
(١) ذو خشب : على مرحلة من المدينة
(٢) كذا في الأصل، وقد أورده في تهذيب التهذيب (١٠: ٢٢٩) بغير هذه النسبة ، ولم ترد هذه
النسبة في ((التمهيد)) (١ : ٣٦٧).

٣٤٢- الاستذكار الجَامع لِمَذاهب نُقهاء الأمْصارِ / ج٤
نَسِيتَ؟ فقالَ: ((ما قَصُرَتِ الصَّلاةُ، ولا نَسِيتُ))، ثُمَّ أَقْبَلَ رسولُ اللَّه عَِّ على
أبي بكرٍ وعمرَ، فقالَ: ((أَحَقِّ ما يقولُ ذو اليَدَيْنِ؟)) قَالا: صَدَقَ يَارَسُولَ اللَّهِ.
فرَجَعَ رسولُ اللَّه وثابَ النَّاسِ، فصَلَّى ركعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَي
السَّهْو (١).
٥٣٣٩ - وقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الَخَرَ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى فِي التَّمْهِيدِ(٢).
٥٣٤٠ - ومُطَيْرٌ هذا مطيرُ بنُ سليمٍ مِنْ أَهْلِ وادي القُرى ، روَى عَنْ ذِي الَيَدَیْنِ،
وذي الزوَائِدِ(٣) وأبي الشموسِ البَلَوي وغيرهٍ . وَرَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ : شعيبٌ (٤) وسليمٌ،
وهُوَ معروفٌ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ لَمْ يذكرهُ أحدٌ بِجَرْحةٍ (٥).
٥٣٤١ - ومَعْدِيّ بنُ سليمان صَاحِبُ الطَّعامِ بَصريٍّ ، يُكنى أبا سُليمان .
يقالُ: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الأَبْدَالِ(٦) الفَضَلَةِ. رَوَى عَنْهُ العباسُ بنُ يزيدَ ، وَبُندارُ محمدُ بنُ
بشّارٍ وعليّ بنُ بحرٍ بِن بَرِّي(٧) ، وبشرُ بنُ عليّ ، ومحمدُ بنُ المشِّى.
٥٣٤٢ - ولَو صَحّ للمخالِفِينَ ما ادْعُوهُ مِنْ نَسْخِ حديثٍ أبي هرَيْرَةَ بِتَحْرِيمِ
الكَلامِ فِي الصَّلاةِ لَمْ يَكِنْ لَهم في ذلِكَ حُجَّةٌ ؛ لأنَّالنَّهْيَ عَنِ الكَلامِ فِي الصَّلاةِ إنّما
توجَّ إلى العَامِدِ القَاصِدِ ، لا إلى النَّاسِي؛ لأنَّ النِّسْيانَ متجاوزٌ عَنْهُ. والنَّاسِي
(١) الاستيعاب (٤٧٦)، وأسد الغابة (٢: ١٨٠).
(٢) ((التمهيد)) (١ : ٣٦٧).
(٣) في تهذيب التهذيب (٢: ٣٤٥): أن له صحبة ، ولا يعرف اسمه.
(٤) في (ك ): شعيث، وهو تحريف، والتصحيح من تهذيب التهذيب (١٠ : ١٨١).
(٥) كذا في (ك)، وفي ( ص ) : لم يذكره بجرحة ، سقط .
(٦) الأبدال: قوم بهم يقيم اللَّه - عز وجل - الأرض ، لا يموت أحدهم إلا قام مكانه آخر من سائر
الناس .
(٧) في (ص): برنى، وهو تحريف. والتصحيح من تهذيب التهذيب (٧: ٢٨٤).

٣ - كتاب الصلاة (١٥) باب ما يفعل من سلم من ركعتين ساهيا - ٣٤٣
والسَّهِي ليسَا مَمَنْ دَخَلَ تَحْتَ النَّهْي؛ لاسْتِحَالَةِ ذلِكَ فِي النَّظَرِ .
٣٤٢° م - فإِنْ قِيلَ: إِنَّكُمْ تُجِيزونَ الكَلامَ في الصَّلاةِ عَمْدًا(١) إذا كانَ في شَأْنِ
صَلاحِها. قيلَ لِقَائِلِ ذلِكَ: أَجَزْنَاهُ مِنْ بابٍ آخرَ ، قياسًا على ما نُهِيَ عَنْهُ مِنَ
النِّسْيحِ فِي غَيْرِ موضِعِهِ مِنَ الصَّلاةِ، وإِبَاحَتِهِ لِّيهِ على ما أغفلهُ المصَّلِّي مِنْ صَلاةٍ
ليستَدْرِكَهُ ، استدلالاً بقصَّةِ ذِي البَدِينِ .
٥٣٤٣ - قالَ أبو عمر: نزعَ أبو الفرَجِ وغيرُهُ مِنْ أَصْحابِنا بما وصَفْنا ، وليسَ
ذلِكَ عِنْدِي بِشَيءٍ ؛ لأنَّ التَّسْبِيحَ لا يُقَاسُ بالكَلامِ ؛ لأنَّ الصَّلاةَ محَرَّمٌ فيها الكَلامُ ،
ومباحٌ فِيها النَّسْبِيحُ .
٥٣٤٤ - وقدْ قَالَ رسولُ اللَّهِ لَّهِ: «مَنْ نَابَهُ شَيءٌ فِي صَلاتِهِ فَلْسَبْحْ(٢))
يريدُ: ولا يتَكَلَّمْ .
٥٣٤٥ - وقالَ: ((صَلاتُنا هذهِ لا يَصْلُحُ فيها شَيءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ ، إِنَّمَا هُوَ
التَّسْبِيحُ وتلاوَةُ القُرآنِ(٣)).
٥٣٤٦ - وقَدْ نَهَى عَنِ القِراءَةِ في الرُّكُوعِ ، ولَو قَرَاً في الرُّكُوعِ أحَدٌ لَمْ تَفْسَدْ
صَلاَتُهُ .
٥٣٤٧ - وأمَّا أصْحابُ أبي حَنِيفَةَ الَّذِينَ لَمْ يُجِيزُوا الكَلامَ في شَأْنِ إِصْلاح
الصَّلاةِ فيلزمُهُمْ أَلاَّ يُجِزُوا الَشْيَ لِلرَّاعِفِ، والخروجَ مِنَّ المسْجِدِ لوضُوءِ وغَسْلِ الدِّمِ
في الصَّلاةِ لضرورةِ الرعافِ . فإِنْ أَجَازُوا ذلك فليجِيزُوا الكَلامَ فِي شَأْنِ إِصْلاحٍ
الصَّلاةِ ، واللَّهُ أَعْلَمُ .
(١) كذا في (ك)، وفي (ص): ((عامدًا)) وهو تحريف .
(٢) تقدم الحديث بطوله في الفقرة (٥٢٦٤)، وحاشيتها .
(٣) تقدم الحديث في الفقرة (٥٢٢٧) وحاشيتها .

٣٤٤- الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج٤
٥٣٤٨ - ومِمِّنْ قَالَ مِنَ السَّلَفِ بمعْنى حديثٍ ذي اليدَيْنِ ورأى البناء جَائِرًا لمنْ
تكلّمَ فِي صَلَاِهِ، وهُوَ يظنُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلاةٍ : عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ ، وابنُ الزبيرِ
وعروةُ، وعطاءٌ، والحسنُ وقتادةُ ، والشعبيِّ.
٥٣٤٩ - ورُوي أيضًا عَنِ الزّبْرِ بنِ العوامِ وأبي الدُرْداءِ ، وَرُوِيَ مثلُ قولِ
الكُوفِينَ في هذا البابِ عَنْ إبراهيم النخْعيِّ ، وحمادِ بنِ أبي سليمان، وقتادَةَ على
اخْتِلافٍ عَنْهُ .
٥٣٥٠ - وفي هَذَا الْحَدِيثِ أيضًا إثباتُ حجَّةٍ مالِكٍ وأصْحابِهِ في قولهم : إذَا
نَسِي الْحَاكِمُ حُكْمَهُ فشهدَ عليهِ عندَهُ شَاهِدَانِ: إِنّهُ ينفذُهُ ويمضيه وإنْ لَمْ يذكرْهُ؛ لأنَّ
النبي - عليه السلام - رَجَعَ إِلى قَوْلِ ذِي اليدّيْنِ ومَنْ شَهِدَ مَعَهُ إِلى شَيْءٍ لَمْ يَذْكُرُهُ .
٥٣٥١ - وقالَ الشَّافعيّ، وأبو حنيفةً: لا ينفذهُ حتَّى يَذْكُرَ حکمَهُ بِهِ على
وجْهِهِ؛ لأَنَّهُ لا يقبلُ الشُّهُودِ إِلا(١) على غَيْرِهِ لا على نَفْسِهِ؛ لأَنْهُمْ(٢) لوْ شَهِدُوا عِنْدَهُ
بِخِلافٍ عِلْمِهِ لَمْ يحكمْ بشهادَتِهِم. ولا حُجَّةَ في حديثٍ ذي اليدَيْنِ؛ لأنَّهُ لَمْ
يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمْ. مُمْكِنّ محتملٌ أنْ يكونَ النبيّ - عليه السلام - لّ قالَ لَهُ
أَصْحَابُهُ: إنَّ ما ذَكَرَ ذو اليدَيْنِ حَقْ (٢) تَقَّنَ ذلِكَ، فَرَجَعَ مِنْ شَكِّهِ إلى يَقِينٍ . وهَذَا
مُجْتَمَعٌ(٤) عليْهِ فِي أَصْلِ المَدِّينِ؛ لأنَّهُ مُحالٌ ألاَّ يُصَدِّقَهِمْ ثُمَّ يَعْمَلَ بِخَبَرِهِم ، وَبِاللَّهِ
التوفيق .
٥٣٥٢ - وفيهِ إِثْبَاتُ سُجودِ السُّهْرِ على مَنْ سَها في صَلَاتِهِ. وفيه أنّ السجُودَ
(١) زيادة في ( ك ) يتطلبها الأسلوب .
(٢) كذا في (ك)، وفي (ص): ((لأنه ))، وما أثبتناه أولى .
(٣) كذا في (ك)، وفي (ص): ((حتى))، وهو تحريف .
(٤) في (ك): (( المجتمع عليه)).

٣ - كتاب الصلاة (١٥) باب ما يفعل من سلم من ركعتين ساهيا - ٣٤٥
يكونُ بَعْدَ السَّلامِ إِذَا كانَ زادَ الإنْسانُ فِي صَلَاتِهِ شَيئًا(١) سَهْوًا. وبِهِ اسْتَدَلْ
أَصْحابُنا على أنَّ السُّجُودَ بَعْدَ السَّلامِ فيما كانَ زيادةً أبدًا .
٥٣٥٣ - وفيهِ أَنَّ سَجْدَتَي السَّهْرِ يُكْبِّرُ(٢) في كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعِ مِنْهُما ، ويسلم
على حَدِيثٍ عمران بن حصينٍ .
٥٣٥٤ - واخْتَلَفَ المتأخّرونَ مِنْ أصْحابِنا في رجُوعِ المسلِّم سَاهِيًا في صَلاتِهِ
إلى تَمامٍ ما بَقِي عَلَيْهِ مِنْها: هَلْ يَحْتَاجُ في ذلِكَ إِلى إِحْرامٍ أُمْ لاَ؟ فقالَ بعضُهم: لِأَبُدَّ
أَنْ يُحْدِثَ إِحْرامًا يجدِّدُهُ لرجُوعِهِ إلى تَمامِ صَلاتِهِ . وإنْ لَمْ يفعلْ لَمْ يُجِزِهُ .
٥٣٥٥ - وقالَ آخرُونَ: ليسَ ذلكَ عليهِ ، وإنَّما عليهِ أنْ ينوِي الرّجوعَ إلى تمامٍ
صَلَاتِهِ. فإِنْ كَبِّرَ في رِجُوعِهِ فحسَنٌ؛ لأنَّ التِّكْبِيرَ إِشْعَارُ حرَكَاتِ الْمُصَلِّي، وإِنْ لَمْ
يكبّرْ فَلاَ شَيءَ عليهِ؛ لأنَّ أَصْلَ التِّكْبِيرِ فِي غَيْرِ الإِحْرامِ إِنَّما كانَ للإمامِ ، ثُمَّ صارَ
سُنّةٌ بِمواظَةٍ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى لَفِي اللَّهَ، مَعَ قولِهِ: ((فَإِذَا كَبِّرَ فِكْبِرُوا»، يعني يكبرُونَ
بِتِكْبِيرِهِ . وتكبيرُ الصَّلواتِ محصورٌ عَدَدَهُ ، فَلَ وَجْهَ للزِيَادَةِ فِيهِ . أَلاَ تَرَى أنَّ الذي
يحبسُهُ(٣) الإمامُ لا يكبرُ إذَا قَامَ إِلى قَضَاءِ ما عليْهِ ؛ لأنَّ تلكَ التكبيرةَ لَو كَبِّرها
كانتْ زائدةً على تَكْبِيرِ الصَّلاةِ ، واللّهُ أَعْلَمُ .
٥٣٥٦ - وإنَّما قُلْنا: إِنَّهُ إِذَا نوَى الرجُوعَ إلى صَلَائِهِ ليتمِّها فَلاَ شَيءَ عَلَيْهِ، وإنْ
لَمْ يكبِّرْ لإِحْرامِ ولا غَيْرِهِ، لأَنَّ سَلَامَهُ سَاهِيًا لا يخرجُهُ مِنْ صَلاتِهِ عندنا وعِنْدَ
جمهُورِ العلَماءِ ولا يفسدُها عليه ، وإذا كَانَ في صَلَاتِهِ بنى عليها . فَلاَ معنى
للإحْرامِ، لأَنَّهُ غيرُ مستأنِفٍ لِصلاةٍ ، بَلْ هُوَ مُتَمِّمٌ لَها بانٍ فيها. وإنَّما يُؤْمَرُ بِتَكْبِيرَةِ
الإِحْرامِ مَنِ ابْتَدَأَ صَلاَتَهُ وَافْتَحَها ، وباللَّهِ التَّوفِيقُ.
(١) زيادة في ( ك) يتضح بها الكلام .
(٢) كذا في ( ك)، وفي ( ص): (( تكبير )) وهو تحريف .
(٣) أي يمسكه عن القيام لأداء ما سبق به بحكم إمامته له .

٣٤٦- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقهاء الأمْصارِ / ج٤
٥٣٥٧ - وأمّا قولُ مالِكٍ: كُلُّ سَهْرٍ كَانَ تُقْصَانًا فِي الصَّلاةِ فإنَّ سجُودَهُ قَبْلَ
السَّلامِ، وكُلِّ سَهْرٍ كانَ زِيادةً في الصَّلاةِ فإِنَّ سجودَهُ بَعْدَ السَّلامِ(١) - فهذَا مَذْهَبُهُ
لا خلافَ عَنْهُ فیهِ .
٥٣٥٨ - وقولُهُ: إِنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ سَهْوانِ زيادةٌ ونقْصانٌ فالسُّجُودُ لهما قبلَ
السَّلامِ، لا خِلاف عَنْهُ فِي ذلِكَ أيضًا .
٥٣٥٩ - هَذَا هُوَ الاخْتِیارُ عندَهُ حدیثٍ ذي الیدیْنِ في الزیادَةِ ، وحديث ابن
بحينة في النَّقْصَانِ. ولوْ سَجَدَ عندَهُ أَحَدٌ بِخِلافِ ذلِكَ فجعلَ السجودَ كُلَّهُ بعدَ
السَّلامِ، أو كلّهُ قبلَ السَّلَامِ لَمْ يَكُنْ عليْهِ شَيءٌ ؛ لأنّهُ عندَهُ مِنْ بابٍ قَضَاءِ القَاضِي
بالاجْتِهادِ ، للآثارِ المرّفُوعَةِ .
٥٣٦٠ - والسَّلَفُ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ فِي ذلِكَ سَنَذْكُرُ اخْتِلافَهم في البابِ بعدَ هذا
إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلّ .
.--
(١) الموطأ : ٩٥ .

(١٦) باب إتمام المصلي ما ذكر إذا شَكّ فى صلاته(*)
١٨٥ - مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أُسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ
عَِّ قالَ: ((إِذَا شَكَّ أحَدُكُمْ في صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى، أَثَلاثَاْ أَمْ
أَرْبَعًا؟ فَيُصَلِّي رَكْعَةٌ. وَلَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ التَّسْلِيمِ. فَإِنْ
كَانَتِ الرَّكْعَةُ الّتي صَلَى خَامِسَةٌ ، شَفَعَها بِهِاتَيْنِ السَجْدَتَيْنِ . وإِنْ كَانَتْ
(*) المسألة - ١٠٨ - إذا شك في صلاته بالزيادة أو النقصان :
قال الشافعية : إذا شك في عدد ما أتى به من الركعات ، بنى على اليقين وتمم الصلاة وجوبًا ،
وسجد لاحتمال الزيادة ، ولا يرجع الشاك إلى ظنه ولا لإخبار مخبر إلا إذا بلغ عدد المخبرين
التواتر فيرجع لقولهم .
وقال الحنفية : إذا تيقن أنه زاد ركعة في الصلاة مثلاً ، كأن صلى الظهر أربعاً ، ثم قام الخامسة
وبعد رفعه من الركوع تبين أنها الخامسة فإن له في هذه الحالة أن يجلس ثم يسلم ويسجد للسهو
على كل حال ، أما إذا تيقن أنه نقص ركعة بأن صلى الظهر ثلاث ركعات وجلس ، ثم تذكر ،
فإن عليه أن يقوم لأداء الركعة الرابعة ، ثم يتشهد ويصلي على النبي تَّه ثم يسلم ، ثم يسجد
للسهو بالكيفية المتقدمة - أما إذا شك في صلاته فلم يدرِ أنه زاد أو نقص ؛ فإن كان الشك
طارئًا نادرًا، يطرأ عليه في بعض الأحيان فإنه يجب عليه في هذه الحالة أن يقطع الصلاة ، ويأت
بصلاة جديدة ، أما إذا كان الشك عادة له فإنه لا يقطع الصلاة ولكنه يبني على ما يغلب على
ظنه، مثلاً إذا صلى الظهر وشك في الركعة الثالثة : هل هي الثالثة أو الرابعة ، فإن عليه أن يعمل
بما يظنه؛ فإن غلب على ظنه أنه في الرابعة وجب عليه أن يجلس ويتشهد ويصلي على النبي ، ثم
يسلم ، ويسجد للسهو ، وإن غلب على ظنه أنه في الركعة الثالثة فإنه يجب عليه أن يأتي بالركعة
الرابعة
ويتشهد كذلك ، ويصلي على النبي ، ثم يسلم ، ويسجد للسهو بعد السلام .
وقال المالكية : من شك في صلاته ، هل صلى ركعة أو اثنتين فإنه بيني على الأقل ، ويأتي بما
شك فيه ، ويسجد للسهو بعدالسلام .
وقال الحنابلة : إن شك أصلى ثلاثًا أم أربعًا، أتى بركعة وسجد، والأصح أنه يسجد ، وإن
زال شكه قبل سلامه. وكذلك يسجد للسهو لما يصلي مترددًا، واحتمل كونه زائداً، لتردد في
زیادته وإن زال شكه قبل سلامه .
- ٣٤٧ -

٣٤٨- الاستذكار الجامع لمذاهب نُقهاء الأمصارِ / ج٤
رَبِعَةً ، فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ)) (١).
٥٣٦١ - لم يُخْتَلَفْ عَنْ مالِكِ فِي إِرْسَالِ هذا الحديثِ إِلَّ مَا رُوِيَ عَنِ الوليدِ بنِ
مسلمٍ، عَنْ مالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بن أسلم ، عَنْ عطاءِ بنِ يَسارٍ ، عَنْ أبي سعيد الخدريّ ،
عَنِ النّبِيِّ - عليه السلام .
٥٣٦٢ - وقَدْ ذَكَرْنا في [ النِّمْهِيدِ مَنْ، وَصَلَهُ عَنْ](٢) زيدِ بنِ أَسْلَمٍ مِنَ الثّقَاتِ،
ومَنْ أرسلَهُ عَنْهُ ، وتابعَ مالِكًا على ذلِكَ(٣).
(١) هكذا روى الحديث عن مالك، جميع الرواة مرسلاً، وموضعه في كتاب ((الصلاة )) من موطأ
مالك رقم (٦٢) باب ((إتمام المصلي ما ذكر إذا شك في صلاته))، ص (١ : ٩٥)، والموطأ
برواية محمد بن الحسن : ٦٦ ، ومعنى ترغيم الشيطان : إغاظته وقهره .
قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٥: ١٩): ((والحديث متصل مسند صحيح ، لا يضره تقصير
من قصر به في اتصاله؛ لأن الذين وصلوه حفاظ مقبولة زيادتهم)). وانظر الفقرة (٥٣٦٣) في
تخريجه موصولاً .
وهذا الحديث وإن كان الصحیح فيه عن مالك الإرسال ، فإنه متصل من وجوه ثابتة من حديث
من تقبل زيادته ، فمن ذلك رواية ابن أبي سلمة الماجشون ، الذي أورده ابن عبد البر في التمهيد
(٥ : ٢١) وحديث ابن عجلان ، وسليمان بن بلال ، وغيرهم ، وكله مما أورده ابن عبد البر في
التمهيد، وقد أورد البيهقي في معرفة السنن والآثار (٣: ٤٥١١) وما بعدها وصل الحديث، كما
أخرجه مسلم في صحيحه ، وساق أيضًا رواية ابن عجلان وغيرها من الروايات التي تؤكد وصل
الحديث على ما سيأتي بعد حاشيتين .
(٢) ما بين الحاصرتين من (ك)، وبمكانه في ( ص ) كلام غير بين الرسم .
(٣) قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٥: ١٩): وَصَلَ هذا الحديث وأُسْنَدَهُ من الثقاتٍ - على حسب
رواية الوليد بن مسلم له عن مالك ، - عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، ومحمد بن عجلان ،
وسليمان بن بلال ، ومحمد بن مطرف أبو غسان ، وهشام بن سعد ، وداود بن قيس - في غير
رواية القطان .
والحديث متصل مسند صحيح، لا يضره تقصير من قصر به في اتصاله ؛ لأنَّ الذين وصلوه
حفاظً مقبولة زيادتهم ، وبالله التوفيق .

٣ - كتاب الصلاة (١٦) باب إتمام المصلي ما ذكر إذا شك في صلاته - ٣٤٩
٥٣٦٣ - قالَ الأثرَمُ: سألتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ عَنْ حديثِ أبِي سَعِيدٍ(١) في السّهو :
(١) انتهى هذا الحديث موصولاً إلى روايته عن أبي سعيد الخدري من عدة طرق :
١ - مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخُدري أن رسول
اللَّهِ عِّْ قال: ((إذا صلَّى أحَدُكُم، فَلَمْ يَدْرِ ثلاثًا صَلّى أَمْ أَرْبِعًا، فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً،
ولَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلامِ ، فإنْ كانتْ ثالثةً شَفَعَتْها السَّجْدِتَانِ ، وإنْ كانَتْ رَابِعَةٌ
فالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ للشَيْطانِ » .
أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٩٥/١) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، مرسلاً.
وأخرجه أبو داود (١٠٢٦) في الصلاة : باب إذا شك في الثنتين والثلاث من قال : يلقي الشك ،
والطحاوي (٤٣٣/١)، والبيهقي (٣٣١/٢)، من طريق مالك، وأبو داود (١٠٢٧) من طريق
يعقوب بن عبد الرحمن القاري ، كلاهما عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار ، مرسلاً .
وأخرجه أحمد (٧٢/٣ و٨٤ و ٨٧)، والدارمي (١ / ٣٥١)، ومسلم (٥٧١) من طبعة عبد
الباقي في المساجد : باب السهو في الصلاة والسجود له ، والنسائي (٢٧/٣) في السهو : باب
إتمام المصلي على ما ذكر إذا شك، والطحاوي (٤٣٣/١)، وأبو عوانة (١٩٣/٢) ، والبيهقي
(٣٣١/٢)، والدار قطني (٣٧٥/١) من طرق عن زيد بن أسلم ، به موصولاً .
٢ - أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي
سعيد الخدري، قال: قالَ رسولُ اللَّهِ عَّهُ: ((إذا شَكَّ أحدُكم في صلاتِهِ، فِلَيُلْقِ
الشكَّ، ولْيَيْنٍ على اليقينِ ، فإن اسْتَيْقَنَ التَّمامَ سجدَ سَجدتَيْن ، فإن كَانتْ صَلاَتُهُ
تَامَّةً كَانتِ الرِّكعَةُ نافلةً ، والسجدَتَانِ نافلة ، وإن كانت ناقصةً ، كانَتِ الرِّكَةُ تمامًا
لِصلاتِهِ والسجدَتَانِ تُرْغِمانِ أَنْفَ الشَّيطانِ » .
وأخرجه أبو داود (١٠٢٤)، وابن ماجه (١٢١٠) في إقامة الصلاة : باب فيمن شك في صلاته
فرجع إلى اليقين ، من طريق محمد بن العلاء، وابن أبي شيبة (٢٥/٢) كلاهما (محمد بن العلاء
وابن أبي شيبة) عن أبي خالد الأحمر ، به. وصححه ابن خزيمة (١٠٢٣).
وأخرجه النسائي (٢٧/٣)، والطحاوي (٤٣٣/١) من طريقين عن محمد بن عجلان، به.
وصححه ابن خزيمة (١٠٢٤) .
٣ - هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عياض بن هلال عن أبي سعيدٍ
الخدري ، قال: قال رسول اللَّه عَّه: ((إذا صلَّى أحدُكُم، فلَمْ يَدْرٍ ثَلاثًا صَلَى، أمْ أَرْبَعًا ،
فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنٍ وهو جَالِسٌ ، وإذا أَتَّى أَحَدَكُمْ الشَّيْطانُ، فقالَ: إِنَّكَ قد أَحْدَثْتَ ، فَلْيَقُلْ : =

٣٥٠- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقهاء الأمْصارِ / ج٤
أَذْهَبُ إليهِ؟ قالَ: نَعَم ، أَذْهَبُ إلَيْهِ . قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَخْتِفُونَ في إِسْنَادِهِ. قَالَ :
إنّما قَصِّر بِهِ مالِكٌ، وَقَدْ أَسْنَدَهُ عدةٌ مِنْهم : ابنُ عجلان(١)، وعبدُ العزيز بنُ
= كَذَّبْتَ ، إلا ما سَمِعَ صوتَهُ بِأُذُنِهِ ، أو وَجَدَ رِيحهُ بأنْفِهِ )) .
وأخرجه أبو داود (١٠٢٩) في الصلاة : باب من قال: يتم على أكبر ظنه، والترمذي (٣٩٦) في
الصلاة: باب ما جاء في الرجل يصلي فيشك في الزيادة والنقصان ، والطحاوي (٤٣٢/١) ، من
طريق إسماعيل بن إبراهيم ، عن هشام الدستوائي ، بهذا الإسناد ، وعياض موثق عند ابن حبان
(٥ : ٢٦٥) ، مجهول عند غيره .
٤ - خالد بن مخلد ، عن سليمان بن بلال ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن
يسار عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه لعمّ: ((إذا شكّ أحدُكُم ، فلَمْ يَدْرِ حَم
صلَّى ثلاثًا أو أَرْبَعًا، فَلَقُمْ فَلَيْصَلِ رَكْمَةً يُتِمِّ رُكُوعها وسُجُودها، ثم يَسْجُدُ سجدتين وهو
جالسٌ ، فإنْ كانَ قد صلَّى خمسًا ، شَفَعَ بالسِّجدتيْنِ ، وإنْ كانَ قد صلَّى أربعًا كانَتِ السجدتانِ
تَرغيمًا للشَّيْطانِ » .
وأخرجه أحمد (٨٣/٣)، ومسلم (٥٧١) (٨٨) من طبعة عبد الباقي في المساجد: باب السهو
في الصلاة والسجود له ، وأبو عوانة (١٩٢/٢ - ١٩٣، والبيهقي (٣٣١/٢) من طريق موسى بن
داود ، عن سليمان بن بلال ، به .
٥ - له رواية أخرى عن عبد العزيز بن محمد ، قال : حدثني زيدُ بنُ أسلم ، عن عطاء بن يسار .
عن ابن عباس أن رسول اللَّه تَّه قال: ((إذا صَلّى أحدُكُمْ فَلَمْ يَدْرِ ثَلاثًا صلَّى أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيُصَلُ
رَكْعَةٌ ، ولَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنٍ قَبْلَ السَّلامِ، فإنْ كانتْ رابِعَةٌ ، فالسَّجدتَانِ ترغيمًا للشَّيْطانِ ، وإن
كانتْ خامسَةً شَفَعَتْها السَّجدتانِ » .
وقد وهِمَ في هذا الإسنادِ الدِّرَاوِرْدِي حيث قال: عن ابن عباس ، وإنما هو عن أبي سعيد الخدري
وكان إسحاق يُحَدِّثُ مِن حفظه كثيراً، فلعله مِن وهمه أيضًا = نبه على هذا الوهم الحافظ في
(التلخيص)) (٢: ٥)، وأخرجه النسائي في الكبرى على ما في ((تحفة الأشراف)» (٥: ١٠٦).
(١) هو محمد بن عجلان المدني القرشي مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة ، أبو عبد الله:
أحد العلماء العاملين ، روى عن أنس بن مالك ، وقد وثقه الإمام أحمد ، وموسى بن عقبة ، وابن
معين والعجلي ، وأبو حاتم ، والنسائي ، وابن حبان ، وغيرهم ، وترجمته في تاريخ ابن معين
(٢: ٥٣٠)، وتاريخ الثقات للعجلى من طبعتنا رقم (١٤٨٤)، وثقات ابن حبان (٧: ٣٨٦)،
وتهذيب التهذيب (٣٤١:٩).

٣ - كتاب الصلاة (١٦) باب إتمام المصلي ما ذكر إذا شك في صلاته - ٣٥١
أبي سلمة(١).
٥٣٦٤ - وفي هذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ أَصْلٌ عَظِيمٌ جَسِيمٌ يطردُ في أكثَرِ الأحْكامِ ،
وهوَ أنَّ اليَقِينَ لا يزيلُهُ الشَّكُ ، وأنَّ الشّيءَ مَنِيٌّ على أصْلِهِ المعروف حتّى يزيلَهُ يقينٌ
لا شَكَّ معَهُ ، وَذلِكَ أنَّ الأُصْلَ فِي الظُّهْرِ أَرْبَعُ ركَاتٍ ، فإِذَا أَحرَمَ بها لزمَهُ إِثْمامُها .
فإِنْ شَكَّ في ذلِكَ فيقينُهُ أَنَّهُ على أصْلٍ فَرْضِهِ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ ، لا يخرجُهُ مِنْهُ إِلاَّ
يقينٌ مثلُهُ .
٥٣٦٥ - وقَدْ غلطَ قَوْمٌ مِنْ عوامٌ المنتَسِبِينَ إلى الفِقْهِ في هذا البابِ ، فَظَنُوا أَنَّ
الشَّكَّ أَوْجَبَ على المُصَلِّي إِنْمَامَ صَلاتِهِ وَالإِثْيَانَ بِالرَّكْعَةِ، واحْتَجُوا بذلِكَ(٢) لِإِعْمَالِ
الشَّكَّ في بعضٍ نوازِلِهم .
٥٣٦٦ - وهذا غلطٌ بَيِّنٌ، بَل اليقِينُ بأنَّها أُرْبَعُ ركعاتٍ فَرْضًا أوجبَ عليهِ
إتمامَها.
٥٣٦٧ - ويُوَضْحُ ذلك أيضًا حديثُ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أنَّ النبيَّ - عليه
السلام - قَالَ ((إِذَا(٣) أَتَى أَحَدَكُمْ الشَّيْطَانُ فِي صَلاتِهِ فقالَ: إِنَّكَ أَحْدَثْتَ فَلاَ
يَنْصَرِفْ حَتَّى يسمَعَ بُذُنَيْهِ صَوَتَهُ أو يجِدَ بأنْفِهِ رِيحَهُ (٤) ) .
(١) هو عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، من أهل المدينة ، كنيته أبو عبد اللَّه، روى عن الزهري
وروى عنه الليث بن سعد والحجازيون وأهل العراق ، مات بالعراق سنة ست وستين ومائة ،
وكان فقيهاً ورعاً متابعًا لمذهب أهل الحرمين من أسلافه مفرعًا على أصولهم ذابًا عنهم ، وكان
مولى لآل المنكدر. ترجمته في التاريخ الكبير (٣: ١٣:٢)، وثقات ابن حبان (٧ : ١١٠)،
وغير ذلك من المصادر .
(٢) كذا في (ك)، وفي (ص): ((لذلك))، وهو تحريف .
(٣) كذا في (ك)، وفي ( ص): ((إنما))، وهو تحريف .
(٤) تقدم الحديث بهذا الإسناد في رقم (٣) من حاشية الفقرة (٥٣٦٣).

٣٥٢- الاستذكار الجَامع لِمذاهب فُقهاء الأمْصارِ / ج٤.
٥٣٦٨ - وكذلِكَ حديثُ عبدِ اللهِ بن زيد بن عاصمٍ قالَ: شَكَا إلى رَسُولِ
اللَّهِ- عليه السلام - الرجلُ يخيلُ إليْهِ الشّيءُ في الصَّلاةِ فقالَ: ((لا تَنْفَتِلِ))، وربَّما
قالَ: (( لا تَنْصَرِفْ حَتّى تَسْمَعَ صَوَتَا أو تَجِدَ رِيحًا))(١).
٥٣٦٩ - ألا تَرَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ عَّهِ لَمْ يَنْقُلْهُ عَنْ(٢) أَصْلٍ طَهَارَتِهِ الَّتِى كَانَ قَدْ
تَيَقْنُهَا بِشَكَّ عَرَضَ لَهُ حَتّى يَسْتَيْقِنَ الَحَدَثَ .
٥٣٧٠ - والأصْلُ في هذا وفي البِناءِ على اليَقِينِ سواء إلاَّ أنَّ مالِكًا قالَ : مَنْ
شَكَّ فِي الحَدَثِ بَعْدَ يَقِينِهِ بالوُضُوءِ فِعَلَيْهِ الوضُوءُ ، ولَمْ يتابعُهُ على هذا القولِ أحدٌ
غيرِهُ(٣) إلا مَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ .
٥٣٧١ - وقَدْ خالَفَ ابنُ نافع مَالِكًا في هذه المسألةِ ، فقالَ: لا وضوءَ عليْهِ ..
٥٣٧٢ - وقالَ أبو الفَرَجِ: إنَّ ذلِكَ اسْتِحْبَابٌ مِنْ مالِكٍ واحْتِيَاطٌ مِنْهُ .
٥٣٧٣ - وقالَ ابنُ خُواز بنداذ : اخْتَلَفتِ الروايةُ عَنْ مالِكٍ فيمنْ توضاً ثُمَّ شَكَّ:
هَلْ أَحدَثَ أمْ لا؟ فقالَ: عليْهِ الوضوءُ، وقالَ : لا وضُوءَ عليْهِ .
٥٣٧٤ - قالَ : وَهُوَ قولُ سَائِرِ الفقهاءِ .
٥٣٧٥ - قالَ أبو عمر: مَذْهَبُ الثوريِّ، وأبي حنيفَةَ ، والأوزاعيِّ، والشّافعيّ:
البناءُ على الأصْلِ حَدَثًا كَانَ أَو طَهَارَةٌ .
(١) رواه البخاري في الوضوء (١٣٧) باب ((لا يتوطأ من الشك حتى يستيقن)) الفتح (١: ٢٣٧)،
ورواه في البيوع وفي الوضوء في موضع آخر . ومسلم في الطهارة ، ح (٧٨٢) من طبعتنا ، باب
((الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك)) (٣٢٩:٢)،
وصفحة (٢٧٦) في طبعة عبد الباقي ، ورواه أبو داود في الطهارة (١٧٦) باب ((إذا شك في
الحدث)) (١: ٤٥)، والنسائي في الطهارة (١: ٩٨) باب ((الوضوء من الريح))، وابن ماجه
فى الطهارة (٥١٣) باب ((لا وضوء إلا من حدث)) (١: ١٧١).
(٢) كذا في (ك)، وفي ( ص): (( في ))، وهو تحريف .
(٣) كذا في (ك)، وفي ( ص): (( القول عنده))، سقط وتحريف .

٣ - كتاب الصلاة (١٦) باب إتمام المصلي ما ذكر إذا شك في صلاته - ٣٥٣
٥٣٧٦ - وهُوَ قَوْلُ أحمدَ ، وإسحاق ، وأبي ثَوْرٍ ، وداود ، والطبري .
٥٣٧٧ - وقَدْ قَالَ مالِكٌ : إِنْ عَرَضَ لَهُ ذلِكَ كثيرًا فَهُوَ على وضُوءٍ .
٥٣٧٨ - وقالَ فيمِنْ وَجَدَ في ثَوْبِهِ احْتِلَامًا وَقَدْ باتَ فيهِ ليالي وأيامًا: إنّهُ لا
يُعِيدُ صَلاَتَهُ ولا يَغْتَسِلُ ، إِلَّ مِنْ أَحْدَث نومٍ نَامَهُ .
٥٣٧٩ - وأُجْمَعَ العَلَمَاءُ أنَّ مَنْ أَيقَنَ بِالحَدَثِ وَشَكَّ في الوضُوءِ: أنَّ شَكَّهُ لا
يُفِيِدُ فَائِدَةٌ وَأَنَّ الوُضُوءَ واجِبٌ عليْهِ .
٥٣٨٠ - ولا خلافَ - علمتُهُ - بينَ أهْلِ المدِينَةِ وسَائِرٍ فقهاءِ الأُمْصَارِ أَنّهُ لا
يُرِثُ أَحَدٌ أحدًا بالشَّكُ فِي حَيَاتِهِ وموْتِهِ .
٥٣٨١ - وفي هذا الحَدِيثِ أيضًا دَلِيلٌ على أنَّ الزيادةَ في الصَّلاةِ لا تفسِدُها ، ما
كانتْ سَهْواً أو في إصلاحِ الصَّلاةِ؛ لأنَّ الشَّاكَّ في صَلَاتِهِ إِذَا أمَرْنَاهُ بالِناءِ على
يَقِينِهِ وهُوَ يَشُكُّ: هَلْ صَلَّى وَاحِدَةٌ أو اثْنَتَيْنِ ؟.
٥٣٨٢ - وممكِنٌ أنْ يكونَ صَلَّى اثْنَتَيْنِ فغير مأمونٍ عليْهِ أنْ يزيدَ في صَلاتِهِ
رَكْعَةٌ .
٥٣٨٣ - وقَدْ أَحْكَمَتِ السَّنَّةُ أَنَّ ذلِكَ لا يضُرُّهُ، بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ .
٥٣٨٤ - وإذَا كانَ ما ذَكَرْنَا كَمَا ذَكَرْنا بطلَ قولُ مَنْ قَالَ : إِنَّ مَنْ زادَ في
صَلاتِهِ مثلَ نِصْفِها سَاهِيًا إِنَّ صَلاَتَهُ فَاسِدَةٌ .
٥٣٨٥ - وهُوَ قولٌ لِبِعْضِ أَصْحابِنا ضَعيفٌ لا وَجْهَ لَّهُ يصحّ . والصّحِيحَ في
مَذْهَبٍ مالِكٍ غيرُ ذلِكَ .
٥٣٨٦ - وقَدْ أَجْمَعَ العلماءُ على أنَّ مَنْ شَكَّ فِي صَلاةِ الصِّبْحِ: هَلْ صَلَّى
واحِدَةً ، أو اثْنَتَيْنِ؟ حُكْمُهُ في ذلكَ حكمُ مَنْ شَكَّ في مثلِ ذلِكَ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ أو
العصْرِ على أصْلِهِ ، مَنْ قَالَ بالتحرِّي ، ومَنْ قَالَ بالِناءِ على اليَّقِينِ .

٠
٣٥٤- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقهاء الأمْصارِ / ج٤
٥٣٨٧ - على أنَّ التَّحَرِّي عنْدَنَا يُعُودُ إلى البِناءِ على اليَقِينِ على ما نبيّنْهُ إنْ شاءَ
اللهُ .
٥٣٨٨ - وقَدْ صَلَّى رسولُ اللَّهِ الظُّهْرَ خَمْسًا (١) ساهِيًا فَسَجَدَ لِسَهْوِهِ(٢).
٥٣٨٩ - وحُكْمُ الرَّكْعَةِ والرِّكْعَيْنِ في ذلِكَ سواءٌ في القياسِ والمعْقُولِ
والأُصُولِ(٣).
٥٣٩٠ - وقَدْ زِدْنا هذا المعنَى بَيَانًا في التَّمْهِيدِ، والحمْدُ للَّهِ(٤).
(١) عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد اللَّه بن مسعود ((أن رسول اللَّه عَّهِ صَلَّى
الظُّهْرَ خَمْسًا ، فَقِيلَ لَهُ: زِيدَ في الصَّلاةِ، أوْ قَالُوا له: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فاسْتَقِبَلَ
القِبْلَةَ فِسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ )) .
رواه البخاري في الصلاة - في أبواب السهو - الحديث (١٢٢٦) باب ((إذا صلى خمسًا)) فتح
الباري (٣: ٩٣)، وفي أخبار الآحاد باب ((ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق)).
وأخرجه مسلم في كتاب ((الصلاة)) (١٢٥٨) من طبعتنا ص (٢: ٧٦٢) باب (( السهو في
الصلاة))، ورقم (٩١) ص (١: ٤٠١) من طبعة عبد الباقي .
ورواه أبو داود في الصلاة ح (١٠١٩) باب ((إذا صلى خمسًاً)) (١: ٢٦٨).
والترمذي فى الصلاة (٣٩٢) باب ((ما جاء في سجدتي السهو بعد السلام والكلام)) (٢ :
٢٣٨).
ورواه النسائي في الصلاة (٣: ٣١) باب ((ما يفعل من صلى خمسًا)).
وأخرجه ابن ماجه في الصلاة (٥ ١٢٠) باب ((من صلى الظهر خمسًا وهو ساهٍ)) (١: ٣٨٠).
(٢) قال الشافعي فيما بلغه عن أبي معاوية ، وحفص ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن
عبد الله: ((أن رسول اللَّه عَيه تكلم ثم سجد سجدتي السهو بعد الكلام)).
وهذه الرواية عند مسلم في كتاب الصلاة )) رقم (١٢٦٤) من طبعتنا ص (٢ : ٧٦٥) باب (
السهو في الصلاة))، ورقم (٩٦) ص (١ : ٤٠٣) من طبعة عبد الباقي ، وعند الترمذي في
الصلاة رقم (٣٩٣) باب ((ما جاء فى سجدتي السهو بعد السلام والكلام))، والنسائى فى الصلاة
(٣ : ٦٦) باب ((سجدتي السهو بعد السلام والكلام)).
(٣) في ((التمهيد)) (٥: ٢٩): ((في القياس والنظر والمعقول)).
(٤) قال المصنف في ((التمهيد)): (٥: ٢٩): لو كانت الزيادة على غير التعمد والقصد للإفساد
مفسدة للصلاة ، وقد قصد المصلي بذلك إصلاح صلاته ، أو فعل ذلك ساهيًا ؛ الأمر الشاك في =

٣ - كتاب الصلاة (١٦) باب إتمام المصلي ما ذكر إذا شك في صلاته - ٣٥٥
٥٣٩١ - وفي هذا الحَديثِ أيضًا أنَّ السّاهي في صَلَاتِهِ إِذَا فَعَلَ ما يجِبُ عليه
فعلُهُ يسجُدُ لِسَهْوِهِ .
٥٣٩٢ - وفيهِ أنَّ سجودَ السَّهْرِ في الزِّيَادَةِ قبلَ السَّلامِ . وهذا موضعٌ اختُلَفَ فيهِ
العلماء(*) :
٥٣٩٣ - فَقَالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ ما قدَّمْنَا عَنْهم ذكرَهُ قالُوا: كُلُّ سَهْرٍ كَانَ
نُقْصَانًا مِنَ الصَّلاةِ فالسُّجُودُ لَهُ قَبْلَ السَّلامِ، لِحدِيثِ ابنٍ بُحينة عَنِ النبيّ عليه
السلام:
١٨٦ - أَنَّهُ قَامَ مِن اثْنَيْنٍ دُونَ أنْ يَجْلِسَ، فَسَجَدَ لِسَهْوِهِ قَبْلَ السَّلامِ(١).
وقَدْ نقصَ الجلْسَةِ الوسْطَى والتشهد .
= صلاته الذي لم يدر كم صلى أثلاثًا أم أربعًا ؟ أن يقطع ويستأنف ؛ وهذا خلاف ما وردت
السنة الثابتة به في البناء على اليقين . ولا أعلم أحداً من فقهاء الأمصار قال في الساهي في صلاته
أن يقطع ويستأنف ، وإن كان ذلك قد رُوِيَ عن بعض الصحابة ، وعن جماعة من التابعين ؛ وإنما
تَرَكَ الفقهاءُ ذلك - والله أعلم - لحديث أبي سعيد هذا، ولمثله من الآثار الثابتة عن النبي صَّهُ فِي
إصلاح صلاته ، نحو حديث ذي اليدين ، وحديث ابن مسعود ؛ - فيمن صَلَّى خمسًا ساهيًا ،
وحديث ابن بحينة وغيره فيمن قام من ركعتين ، ونحو ذلك من الآثار واللَّه أعلم .
(*) المسألة - ١٠٩ - قال الشافعية: إذا زاد في صلاته ركعة أو ركوعاً، أو سجودًا، أو
قيامًا أو قعودًا : سجد للسهو بدليل ما روى ابن مسعود في الحديث التالي في الفقرة التالية .
وقال الحنفية : زيادة فعل في الصلاة ليس من جنسها وليس منها : كأن ركع ركوعين ، أو زاد
ركعة ، فإنه يسجد للسهو وكذا قال المالكية .
وقال الحنابلة : إذا ذكر أنه زاد في صلاته ، عاد إلى ترتيب الصلاة بغير تكبير ، لإلغاء الزيادة ،
وعدم الاعتداد بها . وإن زاد ركعة كثالثة في صبح أو رابعة في مغرب ، أو خامسة في ظهر أو
عصر أو عشاء ، قطع تلك الركعة بأن يجلس في الحال متى ذكر بغير تكبير ، وبنى على فعله قبل
تلك الزيادة ولا يتشهد ، إن كان تشهد ، ثم سجد للسهو ، وسلم .
(١) يأتي حديث ابن بحينة في أول الباب التالي ((من قام بعد الإتمام أو في الركعتين))، ورقمه
(١٩٠)، وسنخرجه ثمة إن شاء الله .

٣٥٦- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقهاء الأمْصارِ / ج٤ -
٥٣٩٤ - قَالَ مالِكٌ: وإنْ كانَ السُّهْوُ زيادةٌ فالسُّجُودُ لَهُ بعدَ السَّلامِ على
حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ؛ لأَنَّهُ - عليه السلام - سَها فِسَلَّمَ مِنْ رِكَعَتَيْنِ يَوْمَئِذٍ وتَكَلِّمَ ، ثُمْ
انْصَرَفَ وَبَ، فَرَادَ سَلَامًا وعَمَلاً وكَلامًا وهُوَ سَاهِ لا يظنُّ أَنَّهُ فِي صَلاةٍ (١ [ثُمَّ
سَجَدَ بَعْدَ السَّلامِ]١).
٥٣٩٥ - وهذا كُلُّهُ قولُ أبي ثَوْرٍ .
٥٣٩٦ - ويقُولُ مالِكٌ هذَا ومَنْ تَابَعَهُ: يَصِحُ اسْتِعْمَالُ الْخَرَيْنِ جَمِيعًا في
الزِّيَادَةِ والنَّقْصِ .
٥٣٩٧ - واسْتِعْمالُ الأخبارِ على وجُوبِها أولى مِنِ ادْعاءِ النّسْخ(٢) فِيها، ومِنْ
جِهَةِ الفَرْقِ بِينَ الزَّيَادَةِ والنّقْصِ بَيِّنَ في ذلِكَ ؛ لأنَّ السُّجُودَ في النُّقْصَانِ إِصْلاحٌ
وجَبْرٌ، ومُحالٌ أنْ يكونَ الإصْلاحُ والَجَيْرُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلاةِ .
٥٣٩٨ - وأمَّا السُّجُودُ في الزِّيَادَةِ فإِنَّمَا هُو ترْغِيمٌ للشَّيْطَانِ، وذلِكَ [ينبغي أن
يكون ](٣) بَعْدَ الفَراغِ .
٥٣٩٩ - وجُمْلَةُ مذْهَبِ مالِكٍ وأصْحابِهِ أنَّ مَنْ وَضَعَ السُّجُودَ الذي قَالُوا: إنّهُ
بَعْدُ - قَلُ(٤) فَلاَ شَيءَ عليْهِ، إِلَّ أَنَّهُمْ أَشَدّ اسْقَالاً(٥) لِوَضْعِ السُّجُودِ الذِي بَعْدَ
السَّلامِ قَبْلَ السَّلامِ. وذلِكَ لِمَا رُبِّيَ وعُلِمَ مِن اخْتِلافِ أَهْلِ المدِينَةِ فِي ذَلِكَ .
(١) ما بين الحاصرتين ثابت في ( ك)، وساقط في ( ص) .
(٢) في التمهيد: ((التناسخ)).
(٣) ما بين الحاصرتين من ((التمهيد)) (٥: ٣٠).
(٤) معنى العبارة : أنه لا شيء على من قدم السجود الذي قالوا : إنه بعد السلام فجعله قبله ، وفي
التمهيد (٥: ٣١) جاءت العبارة هكذا: (( وجملة مذهبه أنَّ من وضع السجود - الذي قلنا: إنه
قبل - أو بعد ، أو وضع السجود الذي قلنا : أنه بعد - قبل ، فلا شيء عليه ... )) .
(٥) في التمهيد : لمن وضع السجود .

٣ - كتاب الصلاة (١٦) باب إتمام المصلي ما ذكر إذا شك في صلاته - ٣٥٧
٥٤٠٠ - وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ ، والثوريُّ: السُّجُودُ كُلُّهُ في السَّهْرِ زيادَةٌ
كَانَ أو نُقْصَانًا بَعْدَ السَّلامِ .
٥٤٠١ - وهُوَ قَوْلُ أبي سلمة بنِ عبد الرَّحمن ، وعمر بنِ عبد العزيزِ.
٥٤٠٢ - وحُجَّةُ الكوفيينَ في ذلِكَ حديثُ ابن مسعودٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَُّ
صَلَّى خَمْسًا سَاهِيًا وسَجَدَ لِسَهْوِهِ بَعْدَ السَّلامِ(١). وحديثُ المغيرةَ بن شعبةَ: أَنَّهُ قَامَ
مِنِ اثْنَيْنِ وسَجَدَ بَعْدَ السَّلامِ(٢).
٥٤٠٣ - وقَدْ ذَكَرْنا هذه الآثارَ كلَّها في التَّمْهِيدِ(٣).
٥٤٠٤ - وعارَضُوا حديثَ ابنٍ بُحَيْنَةَ بحدِيثِ المغيرة بن شعبة، وزَعَمُوا أَنَّهُ
أولى؛ لأنَّ فيه زيادةَ النَّسْلِيمِ والسُّجُودِ بعدَهُ . وهذا لَيسَ بِشَيءٍ ؛ لأنَّ حديثَ ابنٍ
بُحَيْنَةَ ثابتٌ بِنَقْلِ الأئمّةِ، وحديثُ المغيرة ضَعِفُ الإِسْنَادِ لِيسَ مِثْلُهُ بحجَّةٍ (٤).
(١) تقدم الحديث فى حاشية الفقرة (٥٣٨٨).
(٢) حديث المغيرة يأتي في الحاشية بعد التالية .
(٣) في ((التمهيد)) (٥ : ٣١) .
(٤) حديث المغيرة رواه الترمذي بإسنادين أحدهما صحيح، والآخر لا يقل عن درجة الحسن المحتج به
ولا سيما إذا تابعه غيره كان الحديث صحيحًا :
الإسناد الأول : قال الترمذي: حدّثنا أحمد بن مَنِيعِ حدثنا هُشَيْمٌ أخبرنا ابن أبي لَيْلَى عن
الشَّعْبِيِّ قال: ((صَلَّى بنا المغيرةُ بن شُعْبَةَ، فنهضٍ في الركعتين، فسَبْحَ بهِ القومُ وسَبْحَ بِهِم ، فلما
صلّى بقيّةَ صلَاتِهِ سَلْمَ، ثم سجد سجدتي السَّهْرِ وهو جالسٌ، ثمّ حدَّثهم أن رَسُولَ اللَّه عَّهُ
فعل بهم مثلَ الذي فعل )) .
قال : وفي البابِ عن عُقْبَةَ بن عامٍ، وسَعْدٍ ، وعبد اللَّهِ بِن بُحَيْنَةَ .
قال أبو عيسى : حديثُ المغيرة بن شعبةً قد رُويَ من غير وجهٍ عن المغيرة بن شعبة .
قال أبو عيسى : وقد تكلّم بعضُ أهل العلم في ابن أبي لَيْلَى مِن قِبَلِ حِفْظِهِ .
قال أحمدُ : لا يُحْتَجِّ بحديثِ ابنِ أبي ليلَى .
وقال محمد بنُ إسماعيل : ابنُ أبي ليلى هو صَدُوقٌ ، ولا أرْوِي عنه؛ لأنه لا يَدْرِي صحيحٌ
حَدِيثِهِ مِن سَقِيمِهِ ، وكلُّ من كان مثلَ هذا فلا أروي عنه شيئاً .
=

٣٥٨- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقهاء الأمْصارِ / ج٤ -
٥٤٠٥ - ومِنْ حُجَتِهِم أيضًا مِنْ جِهَةِ النّظَرِ إجْماعُهم على أنَّ حُكْمَ مَنْ سَها في
صَلاتِهِ ألاَّ يسجُدَ في موضعٍ سَهْرٍ ولا في حالِهِ تلك، وأنَّ حكمَهُ أنْ يُؤْخِرَ ذلِكَ إلى
آخِرِ صَلَائِهِ لِتَجمَعَ السجدَتَانِ كلّ سَهْرٍ فِي صَلاتِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ السَّلامَ قَدْ يُمْكِنُ فِيهِ
السَّهْوُ أيضًا، فواجِبٌ أنْ تُؤخَّرَ السَّجْدَتانِ عَنِ السَّلامِ أيضًا، كَما تُؤْخِّرُ أيضًا عَنِ
الَّشَهُدِ .
٥٤٠٦ - وقالَ الأوزاعيُّ، الشافعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ: سجُودُ السَّهْرِ كُلُهُ في
الزَّادَةِ والنَّقْصَانِ قَبْلِ السَّلامِ .
= الإسناد الثاني: قال الترمذي: حدّثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن أخبرنا يزيد بن هارونَ عن
المسعوديِّ عَن زيادٍ بن عِلَاقَة قال: ((صلَّى بنا المغيرةُ بن شعبةَ، فلمّا صلَّى ركعتين قام ولم
يجلسْ، فَسَبِّحَ بِهِ مَنْ خَلْفَهُ ، فأشار إليهم أن قُومُوا ، فلمَّا فرغ من صلاتِهِ سَلَّمَ وسجدَ سجدتَي
السَّهْرِ وسلّم، وقال: هكذا صَنَعَ رسولُ اللَّه ◌َِيٍ )).
قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ .
فبالنسبة للإسناد الأول فإنَّ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى كان من كبار الفقهاء ، بل
قال زائدة: ((كان أفقه أهل الدنيا)). وكان قاضيًا نبيلاً، ولكن أخطأ في بعض أحاديثه ، وأعدل
ما قيل فيه قول يعقوب بن سفيان: ((ثقة عدل ، في حديثه بعض المقال ، لين الحديث عندهم)).
ومثل هذا لا يقل حديثه عن درجة الحسن المحتج به ، وإذا تابعه غيره كان الحديث صحيحًا ، كما
في هذا الحديث ، إذ روي من غيروجه .
أما بالنسبة للإسناد الثاني فهو إسناد صحيح ، رواه أيضًا الطيالسي في مسنده رقم
(٦٩٥) عن المسعودي، ورواه أحمد (ج ٤ ص ٢٤٧ و ٢٥٣) عن يزيد بن هارون عن
المسعودي. ورواه أبو داود في الصلاة باب ((من نسي أن يتشهد وهو جالس)) عن عبيد اللّه بن
عمر الجشمي عن يزيد بن هارون . ثم قال أبو داود: (( وكذلك رواه ابن أبي ليلى عن الشعبي عن
المغيرة بن شعبة ورفعه، ورواه أبو عميس - بضم العين وفتح الميم - عن ثابت بن عبيد قال :
صلى بنا المغيرة بن شعبة ، مثل حديث زياد بن علاقة . قال أبو داود : أبو عميس أخو المسعودي.
وفعل سعد بن أبي وقاص مثل ما فعل المغيرة ، وعمران بن حصين ، والضحاك بن قيس ، ومعاوية
بن أبي سفيان ، وابن عباس أفتى بذلك ، وعمر بن عبد العزيز . قال أبو داود : وهذا في من قام
من ثنتين ثم سجدوا بعد ما سلموا )) .

٣ - كتاب الصلاة (١٦) باب إتمام المصلي ما ذكر إذا شك في صلاته - ٣٥٩
٥٤٠٧ - وهُوَ قَوْلُ ابنِ شهابٍ، وربيعةً، ويحيى بنِ سعيدِ الأنْصَاريّ ، وابنٍ
أبي ذئبٍ .
٥٤٠٨ - وقالَ ابنُ شهابٍ: كانَ آخرُ الأمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ السجودَ قبلَ
لسَّلامِ.
٥٤٠٩ - والحُجَّةُ لهم حديثُ مالِكِ هَذَا عَنْ زيد بن أسلم عَنْ عطاء بن يسار ،
وهُو عَنْ أبي سعيدٍ الْخُدرِي عَنِ النَّبِيِّ، عليْهِ السَّلَامِ صَحِيحٌ .
٥٤١٠ - وفيهِ البِناءُ على اليَقِين وإلغاءُ الشَّكِّ، والعلمُ مُحِيطٌ بأنَّ ذلِكَ إِنْ لَمْ
يَكُنْ زِيادةً لَمْ يَكِنْ نُقْصَانًا .
٥٤١١ - وقَدْ أمَرَ رسولُ اللَّهِ لَّهِ مَن نابَهُ ذلك في صَلاتِهِ أنْ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ
قبلَ النَّسْلِيمِ . والزِّيَادَةُ مع ذلِك مُمْكِنَةٌ غيرُ مدْفُوعَةٍ .
٥٤١٢ - وأمَّ النّقصانُ فلحديثِ ابنِ بحينةَ، إذْ قَامَ مِن اثْنَيْنِ وسَجَدَ قبلَ
السّلامِ. وهُوَ مِنْ أَثَبَتِ ما يُروى في بابِ سُجُودِ السَّهْوِ عَنِ النَِّيِّ ، عليه السلام .
٥٤١٣ - قالُوا: فَعَلِمْنا بهذا أنْ ليسَ الَعْنَى في ذلِكَ زيادةً ولا نقصانًا ، وأنَّ
المعنى في ذلِكَ إصْلاحُ الصَّلاةِ، وإِصْلاحُها لا يَكُونُ إِلاَّ قبلَ الفراغِ مِنْها، وإنَّما
جازَ تأخِيرُ السَّجْدَتَيْنِ عَنْ جَمِيعِ الصَّلاةِ ما خَلَا السَّلَامَ؛ لأنَّ السَّلَامَ يُخْرَجُ بِهِ مِنْ أَنْ
تكونَ السَّجْدَتَانِ مُصْلِحَتَيْنِ .
٥٤١٤ - ألا ترى أنَّ مُدْرِكَ بعض الصَّلاةِ مَعَ الإمامِ لا يشْتَغِلُ بالقَضَاءِ، ويتبعُ
الإمامَ فيما بقي عليهِ حاشَا السَّلام؛ لما ذكرْنَا؟ ولكُلِّ واحِدٍ مِنْهِم حُجَّةٌ مِنْ جِهَةٍ
النَّظَرِ يطولُ ذكرُها ، والمعتمدُ عليه ما ذكَرْنا .
٥٤١٥ - وكلُّ هؤلاءٍ يقولُ: إِنَّ المصَّلِّي لَو سَجَدَ بعدَ السَّلَامِ لَمْ يضرّهُ ،

٣٦٠- الاستذكار الجَامع لِمذاهب فُقهاء الأمْصارِ / ج٤
وكذلِكَ لو سَجَدَ بعد(١) السَّلامِ فيما قالوا فِيهِ: السّجُودُ قبلَ السَّلَامِ لَمْ يضُرُّهُ ، وَلَمْ
يكنْ علَيْهِ شَيءٌ .
٥٤١٦ - وأمَّا ابنُ حنبل، فذكرَ الأثرمُ قالَ: سأَلْتُ(٢) ابنَ حنبل عنْ سجودٍ
السَّهْوِ ، قَبْلَ السَّلامِ أمْ بعدَهُ؟ فقالَ في مواضع: قبل السَّلامِ ، وفي مواضع: بعد
السَّلامِ ، على حديث أبي هريْرَةَ في قَصَّةٍ ذي اليدَيْنِ .
٥٤١٧ - ومَنْ سَلَّمَ مِنْ ثَلاثٍ سَجَدَ أيضًا بَعْدَ السَّلامِ ، على حديثٍ عمران بن
حصين(٣) .
٥٤١٨ - وفي [ التّحرِّي يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلامِ، على حديثِ ابنِ مسعُودٍ حديث
منصور (٤) .
(١) كذا في (ص)، وفي (ك): ((قبل))، وهو تحريف .
(٢) كدا في (ص)، وفي (ك): (( سمعت ابن حنبل يسأل)).
(٣) هذا الحديث رُوِي عن محمد بن سيرين، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أبي
المهَلَّبِ ، عن عمران بن حصين: ((أن النبيِّ عَّهِ صلَّى بهم فسها، فَسَجَدَ سجدتين ،
ثم تشَهَّدَ بَعْدُ ، ثم سَلَّمَ )) .
رواه مسلم في الصلاة (١٢٧٠) من طبعتنا ص (٢: ٧٦٧ - ٧٦٨) باب (( السهو في الصلاة))
وصفحة (١ : ٤٠٤ - ٤٠٥) من طبعة عبد الباقي، وأبو داود في الصلاة (١٠١٨) باب ((السهو
في السجدتين)) (١: ٢٦٧)، والنسائى فى الصلاة (٣: ٢٦) باب ((ذكر الاختلاف على أبى
هريرة في السجدتين))، وابن ماجه في الصلاة (١٢١٥) باب « فيمن سلم من اثنتين أو ثلاث
ساهيا ص (١ : ٣٨٤).
(٤) في ((التمهيد)) (٥: ٣٣) ((وفي التحري بعد السلام على حديث منصور: حديث عبد اللَّه )) ،
وسيأتي أن راوي حديث ابن مسعود هو منصور ، والحديث عن جَرِير عَن منصورٍ ،
عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ؛ قالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ عَّهِ (قَالَ إِبراهِيمُ:
زَادَ أَوْ نَقَصَ ) فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَارَسُولَ اللَّهِ! أحَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ؟ قالَ (( وَمَا
ذَاكَ؟)) قالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وكَذَا. قَالَ فَثَنَى رِجْلَيْهِ. وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فسَجَدَ =