Indexed OCR Text

Pages 141-160

٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٤١
بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ . قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرِ (١) الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ(٢)، فَوَجَدْنَا
العِقْدَ تَحْتَهُ(٣) .
٣١١٧ - [قال أبو عمر ](٤): هذا الحَدِيثُ عِنْدِي أصحٌّ حديثٍ رُوِيَ في التيمْمِ ،
والله أعلمُ .
٣١١٨ - والسَّفْر المذكورُ [ فيه كانَ في ](٥) غزوةِ المُرَيسيع(٦) إلى بني المصطلق بن
خزاعة ، في سنة ست من الهجرة . وقيل : سنة خمس .
= القاسم عند البخاريّ في التفسير، إذ قال فيها: فنزلت آية: ﴿يأيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) -
الآية . واستدل به على أن الوضوء كان واجبا قبل نزول الآية ، ولذا استعظموا نزولهم على غير ماء .
(١) ( فبعثا البعير ) أي أثرناه .
(٢) (الذى كنت عليه ) أي حالة السير .
(٣) موطأ مالك (١: ٥٣)، وأخرجه البخاري في التيمم، ح (٣٣٤) فتح الباري (١: ٤٣١) وفي
النكاح، وفى المناقب، وفى التفسير، ورواه مسلم فى الطهارة ، حديث (٧٩٤)، باب ((التيمم)
(٢ : ٣٤٢) في طبعتنا، وص (١: ٢٧٩) في طبقة عبد الباقي ، وأخرجه النسائى في الطهارة
(١: ١٦٣)، باب ((بدء التيمم))
(٤) ما بين الحاصرتين من (ك) فقط.
(٥) زيادة من (ك) تستقيم بها العبارة ، وكانت العبارة في (ص): والسفر المذكور كانت غزوة
المريسيع .
(٦) المصطلق : بضم وسكون الصاد وفتح الطاء المهملتين وكسر اللام بعدها قاف - مفتعل من الصلق
وهو رفع الصوت، وهو لقب واسمه جذيمة - بجيم فذال معجمتين مفتوحة فتحتية ساكنة - ابن
سعيد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة : بطن من بني خزاعة .
والمر يسيع - بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتياتين وسين مهملة مكسورة وآخره عين مهملة -
وهو ماء لبني خزاعة بينه وبين الفرع مسيرة يوم مأخوذ من قولهم : رسعت عين الرجل إذا دمعت
من فساد .
انظر في هذه الغزوة: طبقات ابن سعد (٢: ٦٣)، سيرة ابن هشام (٣: ٢٤٧) ، مغازي الواقدي
ص (١ : ٤٠٤)، صحيح البخاري (٥: ١١٥)، تاريخ الطبري (٢: ٦٠٤)، أنساب الأشراف
(١ : ٦٤)، ابن حزم (٢٠٣)، دلائل النبوة لأبي نعيم (٤٤٧)، دلائل النبوة للبيهقي (٤ : ٤٤)
تاريخ ابن كثير (٤: ١٥٦)، نهاية الأرب (١٧: ١٦٤)، عيون الأثر (٢: ١٢٢)، السيرة
الحلبية (٢ : ٣٦٤)، السيرة الشامية (٤ : ٤٨٦).
=

١٤٢- الاستذكار الجامع لِمذاهب فُقهاء الأمْصارِ / ج٣ -
٣١١٩ - في هذا الحديثِ مِنَ الفِقْهِ خروج النِّسَاءِ في الأسفارِ مَعَ أزواجِهِنَ
[جهاد](١) كانَ السفر أو غيره؛ لأَنَّهُ إذَا جَازَ جَازَ خروجهنٌ مَعَ ذوي المحارِمِ والأزواج إلى
الجِهادِ - مَعَ الخوفِ عليهنَّ وعلى مَنْ معهُنَّ مِنَ الرّجالِ في الإيغالِ فِي أَرْضِ العدوِ -
فأحْرى أنْ يخرجنَ إلى غَيْرِ الجِهادِ: مِنَ الحَجِّ ، والعُمرَةِ، وسائِرِ الأَسْفَارِ المَبَاحَةِ .
٣١٢٠ - وخروجُهُنّ إلى الجهادِ مَعَ ذَوِي المحارِمِ والأزواجِ إِنَّما يصحُّ - واللهُ أعلمُ -
في العَسْكَّرِ الكَبِيرِ الذي الأغْلَبُ مِنْهُ الأَمْنُ عليهنّ.
٣١٢١ - وقد ذكرتُ في ((التمهيدِ))(٢) حديث أَنَسٍ: أنَّ النبيَّ - عليه السلام - كانَ
= اختلف في زمن هذه الغزوة : فقال ابن إسحاق : في شعبان سنة ست ، وبه جزم خليفة بن
خياط والطبري .
وقال قتادة ، وعروة : كانت في شعبان سنة خمس .
ووقع في صحيح البخاري نقلاً عن ابن عقبة أنها كانت في سنة أربع . قال الحافظ : وكأنه سبق
قلم : أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع . والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة
طرق أخرجها الحاكم وأبو سعد النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم : سنة خمس .
ولفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب: ثم قاتل رسول الله عَّ بني المصطلق وبني لحيان في
شعبان سنة خمس . ويؤيده ما أخرجه البخاري في الجهاد عن ابن عمر أنه غزا مع النبي صَّه بني
المصطلق.
وقال الحاكم في الإكليل : قول عروة وغيره إنها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق.
قال الحافظ : يؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في
أصحاب الإفك ، أي المذكور في الحوادث ، فلو كانت هذه الغزوة في شعبان سنة ست ، مع أن
الإفك كان فيها ، لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطا ؛ لأن سعدبن معاذ مات
أيام قريظة وكانت سنة خمس على الصحيح ، كما سيأتي تقريره ، وإن كانت سنة أربع فهو أسد،
فظهر أن غزوة بني المصطلق كانت سنة خمس في شعبان ، فتكون وقعت قبل الخندق ؛ لأن
الخندق كانت في شوال من سنة خمس ، فتكون بعدها ، فيكون سعد بن معاذ موجوداً في
المريسيع . ورمي بعد ذلك بسهم في الخندق ، ومات من جراحته بعد أن حكم في بني قريظة .
(١) ما بين الحاصرتين زيادة متعينة .
(٢) ((التمهيد)) (١٩ : ٢٦٦).

٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٤٣
يغزُو بِأُمِّ سُلَيْم ونسوة مِنَ الأنْصَارِ يسقين(١) الماءَ، ويداوينَ الجِرْحَى(٢)، وحديثُ الرَّبِيّع
بنت مُعَوَّذ بن عفراء: أَنَّهُ قِيلَ لَها: هَلْ كُنْنَّ تخرجْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لَّهِ فِي الغَزْوِ ؟
قالتْ: نعمْ. كُنَّا نَخْرُجُ مَعَهُ نَسْقِي الجرْحِى، ونداوِيهِم(٣).
٣١٢٢ - وهذا كُلُّهُ مُقَيِّدٌ بقَوْلِهِ عليه السلام: لا تُسافر المرأةُ مسيرةَ يومٍ وليلةٍ إلاَّ مَعَ
زوجِها أو ذِي مَحْرَمٍ منْها (٤).
(١) في (ص): ((يستقين)).
(٢) أخرجه مسلم فى الجهاد والسير، حديث (٣٥ - ١٨١٠) فى طبعة عبد الباقى ص (٣: ١٤٤٣)،
باب (( غزوة النساء مع الرجال)).
(٣) رواه البخاري في الجهاد، ح (٢٨٨٢)، باب ((مداواة النساء الجرحي في الغزو))، فتح الباري
(٦: ٨٠)، والإمام أحمد في مسنده (٦: ٣٥٨)، وغيرهما .
٠
(٤) روي من حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم في الحج، باب ((سفر المرأة مع محرم إلى حج
وغيره))، وعند أبي داود في الحج رقم (١٧٢٦)، باب ((في المرأة تحج بغير محرم)) . وأخرجه ابن
ماجه في المناسك (٢٨٩٨)، باب (( المرأة تحج بغير ولي)). وأخرجه ابن خزيمة (٢٥١٩)،
والبيهقي في الكبرى (٣: ١٣٨)، والدارمي (٢: ٢٨٦)، والترمذي في الرضاع (١١٦٩)،
باب (( ما جاء في كراهية أن تسافر المرأة وحدها )).
ومن طريق عبد الله بن عمر أخرجه مسلم في الحج، باب ((سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره)).
والبخاري في تقصير الصلاة رقم (١٠٨٧)، باب (( في كم الصلاة))، وأبو داود في الحج رقم
(١٧٢٧)، باب ((في المرأة تحج بغير محرم))، والإمام أحمد في مسنده (٢: ١٤٣)، وابن خزيمة
في صحيحه (٢٥٢١)، وموضوعه في سنن البيهقي الكبرى (٣: ١٣٨).
وعن أبي هريرة أخرجه الطحاوي في ( شرح معنى الآثار) (٢: ١١٥)، والبيهقي في الكبرى
(٥ :٢٢٦) .
كما روي أيضا من حديث ابن عباس عند مسلم في الحج، باب ((سفر المرأة مع محرم إلى حج
وغيره))، وعند البخاري في الجهاد (٣٠٠٦)، باب ((من اكتتب في جيش المسلمين ))، وفي
النكاح (٥٢٣٣)، باب «لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم)). وأخرجه الشافعي في (المسند)
(١ : ٢٨٦)، وأحمد فى مسنده (١: ٢٢١)، وابن خزيمة حديث (٢٥٢٩)، والبيهقي في الكبرى
(١٢٩:٣)، (٢٢٦:٥).

١٤٤ - الاستذكار الجامع لِمذاهب فقهاء الأمْصارِ / ج٣ ســـ
٣١٢٣ - ومقيَّدٌ أيضًا بحديثٍ عائشة قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ عَ لَيهِ إذا أرادَ أنْ يسافِرَ
أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ . فَأَيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِها(١).
٣١٢٤ - وسيأتي القولُ في هذا المعنى في موضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
٣١٢٥ - وقَدْ ذَكَرْنا في ((التَّمهيدِ) (٢) أيضًا اختلافَ أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ لهذا الحديث عَنْ
(١) أخرجه البخاري في الشهادات، ح (٢٦٨٨)، باب ((القرعة في المشكلات)). الفتح (٥:
٢٩٣)، ومسلم في التوبة ح (٥٦ / ٢٧٧٠) من طبعة عبد الباقي، ص (٤: ٢١٢٩)، باب في
حديث الإفك . وغيرهما .
(٢) في (( التمهيد )) (١٩ : ٢٦٧ - ٢٧٠)، حيث قال : أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا
أحمد بن سلمان ، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ، قال
حدثنا أبي، قال حدثني الحسن بن زيد بن حسين بن علي بن أبي طالب ، عن عبد اللّه ابن أبي بكر
ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجاري ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة - مثله
والسفر المذكور في هذا الحديث يقال أنه كان في غزاة بني المصطلق - والله أعلم .
وأما قوله في هذا الحديث : حتى إذا كنا بالبيداء أو ذات الجيش ، فهكذا في حديث عبد الرحمن
ابن القاسم وروى هشام بن عروة هذا الحديث فاختلف عنه في اسم الموضع الذي انقطع فيه العقد :
حدثني يونس بن عبد اللّه بن محمد، قال حدثنا محمد بن معاوية ، قال حدثنا جعفر بن محمد
الفريابي ، قال حدثنا منجلب بن الحرث ، عن علي بن مسهر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عن
عائشة، أنها استعارت من أسماء قلادة لها- وهي في سفر مع رسول اللّه عَّه فانسلت منها
وكان ذلك المكان يقال له الصلصل، فذكرت ذلك للنبي ﴾ فطلبوها حتى وجدوها،
وحضرت الصلاة فلم يكن معهم ماء ، فصلوا بغير وضوء ؛ فأنزل الله آية التيمم ، فقال لها أسيد
بن الحضير: جزاك الله خيرا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل اللّه لك فيه وللمسلمين خيرا.
هكذا في الحديث : أن القلادة كانت لأسماء ، وأن عائشة استعارتها منها ، وقال : قلادة ولم يقل
عقدا ، وقال في المكان يقال له الصلصل .
وروى ابن عيينة هذا الحديث عن هشام بن عروة ، فقال : فيه سقطت قلادتها ليلة الأبواء فأضاف
القلادة إليها ، وقال في الموضع : الأبواء :
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان ، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن
إسماعيل ، قال حدثنا الحميدي ، قال حدثنا سفيان قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه ، عن
عائشة، أنها سقطت قلادتها ليلة الأبواء، فأرسل رسول اللّه عَّه رجلين من المسلمين في طلبها ،
فحضرت الصلاة - وليس معهما ماء ، فلم يدريا كيف يصنعان ؟ قال : فنزلت آية التيمم ، قال=

٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٤٥
عائشَةَ في العقدِ : لِمَنْ كانَ؟ ، في الموضع الذي سَقَطَ فِيهِ ، وَمَنْ سمَّاهُ عِقِد ، ومن سمَّهُ
قلادة وكلّ ذلكَ مِنْ نقْلِ الثَّقَاتِ ، ولا يقدحُ شَيءٌ مِنْ ذلِكَ في المعنى المقصود إليه مِنَ
الحديث .
٣١٢٦ - وليسَ في الموطٍ حديث مرفوع في التيمّم غير هذا، وهُوَ أَصْلُ التيمُّم ، إلاّ
أَنَّهُ لَيسَ فِيهِ رتبةُ التيمُمِ وكيفيتِهِ .
= أسيد بن حضير: جزاك الله خيرا، فما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل اللّه لك منه مخرجا،
وجعل للمسلمین فیه خيرا .
قال أبو عمر: الرجلان اللذان بعثهما رسول الله عَّ في طلب القلادة ، كان أحدهما أسيد
ابن حضير :
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر ، قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا عبد اللّه
ابن محمد النفیلي ، قال حدثنا أبو معاوية ، قال أبو داود وحدثنا عثمان بن أبي شيبة ، قال حدثنا
عبدة - جميعا عن هشام بن عروة - المعنى واحد - عن أبيه عن عائشة ، قالت : بعث رسول الله
عَّ أسيد بن حضير وأناسا معه في طلب قلادة أضلتها عائشة ، فحضرت الصلاة فصلوا بغير
وضوء، فأتوا رسول اللّه عَّ فذكروا ذلك، فنزلت آية التيمم . زاد ابن نفيل فقال لها أسيد : -
رحمك اللّه ، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل اللّه للمسلمين فيه فرجا .
قال أبو عمير : ليس اختلاف النقلة في العقد والقلادة ولا في الموضع الذي سقط ذلك فيه لعائشة،
ولا في القاسم عن عائشة عقد لي ، وقول هشام : إن القلادة استعارتها من أسماء عائشة - ما
يقدح في الحديث ، ولا يوهن شيئا منه ؛ لأن المعنى المراد من الحديث والمقصود إليه هو نزول آية
التيمم ، ولم يختلفوا في ذلك .
وفي هذا الحديث من رواية هشام بن عروة حكم كبير قد اختلف فيه العلماء وتنازعوه - وهو
الصلاة بغير طهور بماء - ولا تيمم - لمن عدم الماء - ولم يقدر على التيمم لعلل منعته من ذلك ،
وسنذكر هذا الحكم وما للعلماء فيه في هذا الباب - إن شاء اللّه :
حدثنا يونس بن عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن ، قال حدثنا
جعفر بن محمد بن المستفاض ، قال حدثنا إبراهيم بن الحجاج السلمي ، قال حدثنا حماد بن
سلمة، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن عائشة كانت في سفر مع رسول الله عَّه وكان في
عنقها قلادة لأسماء ابنة أبي بكر ، فعرسوا فانسلت القلادة من عنقها ، فلما ارتحلوا قالت : يا
رسول الله انسلت قلادة أسماء من عنقي ، فأرسل رسول الله رجلين إلى المعرس يلتمسان القلادة =

-
١٤٦- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقهاء الأمْصارِ / ج٣.
٣١٢٧ - وقَدْ نُقلت آثار(١) عَنِ النّبِيِّ - عليه السلام - مختلفة في كيفيةِ التيمُمِ: هَلْ
هُوَ ضربَةٌ أو ضَرْبَتَانِ؟ [ وهلْ يبلغ به المرفقان أمْ لا ](٢) وهَلِ الروايةُ في التيمُّمِ إلى الآباطِ
عَنْ عمار منسوخة ، أمْ لاَ ؟
٣١٢٨ - وكلٌّ ذلِكَ مبسُوطٌ في التمهيد(٣). ويأتي فيه ها هنا ما يغني، ويكفي إن
شَاءَ اللَّهُ .
٣١٢٩ - وأجْمَعَ العُلَمَاءِ(٤) بالأمْصَارِ بالمشْرِقِ والمغْرِبِ - فيما(٥) علمت - أنَّ التَيْمَّمَ
بالصَّعيدِ عِنْدَ عدمِ الماءِ طهورُ كُلِّ مُسْلِمٍ مريضٍ ، أو مُسافِرٍ . وسواء كانَ جنًّا أو على غيرٍ
وضُوءٍ، ولا يختلفونَ في ذلِكَ .
= فوجداها ، فحضرت الصلاة فصلوا بغير طهور ، فأنزل اللّه آية التيمم : ﴿ فلم تجدوا ماء
فتيمموا صعيدا طيبا ﴾ ، فقال أسيد بن حضير: يرحمك الله يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه
إلا جعل اللّه فيه للمسلمين فرجا .
قال أبو عمر : فهذا ما في حديث عائشة في بدو التيمم والسبب فيه وقد رواه عمار بن ياسر
بأتم معنى حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، قال
حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال حدثني أبي ، قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ،
قال حدثني أبي عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، قال: حدثني عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن
ابن عباس، عن عمار بن ياسر، أن رسول اللّه عَّ عرس بأولات الجيش ومعه عائشة زوجته ،
فانقطع عقد لها من جزع ظفار ، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الصبح - وليس مع
الناس ماء، فأنزل اللّه - تبارك وتعالى - على رسوله رخصة التطهر بالصعيد الطيب ؛ فقام
المسلمون مع رسول الله ي فضربوا بأيديهم الأرض ثم رفعوا أيديهم - ولم يقبضوا من التراب
شيئا ، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ، ومن بطون أيديهم إلى الآباط .
(١) في (ك) الآثار .
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من (ص).
(٣) ((التمهيد)) (١٩: ٢٧٠) وما بعدها .
(٤) في (ك) : علماء الأمصار .
(٥) كذا في (ك)، وفي (ص): ((مما))، وهو تحريف .
٠٠

٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٤٧
٣١٣٠ - وكانَ(١) عمرُ بنُ الخطاب وعبدُ اللَّه بنُ مسعودٍ يقولانِ: إِنَّ الجنبَ لا
يطهرهُ إلَّ الماءُ، وأَنَّهُ لا يستبيحُ بالتيمُّمِ الصَّلاةِ(٢) أبدًا بقولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جَنْبًا
فَاطَّهْرُوا﴾ ( سورة المائدة: ٦) وقوله: ﴿وَلاَ جُنْبًا إلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حتَّى تغْتَسِلُوا ﴾
(سورة النساء: ٤٣) وخفيت عليهما السّنّة في ذلك، ولَمْ يَصلْ إليهما مِنْ ذلِكَ إِلاَّ قول
عمَّارٍ . وكانَ عمرُ حَاضِرًا ذلِكَ مَعَهُ فَأُنسي قصدَ عمار(٣) ، وارتابَ في ذلِكَ بِحضُورِهِ
(١) في (ك) : وقد كان
(٢) في (ك): ((صلاة)).
(٣) إذا احتاج المسلم إلى الوضوء ولم يجد الماء جاز له التيمم بالإجماع، أما إذا كان جنباً ولم يجد
الماء فهل يجوز له التيمم ؟.
كان الصحابة رضوان اللّه عليهم يجيزون ذلك له إلى أن يجد الماء ، فإذا وجده اغتسل ، لما
رواه عمران بن حصين رضي اللّه عنه أن رسول الله رأى رجلاً معتزلاً، لم يصل في القوم ، فقال:
يا فلان، ما منعك أن تصلي مع القوم؟ فقال: يا رسول اللّه أصابتني جنابة ولا ماء، فقال عَّه
(عليك بالصعيد فإنه يكفيك ) ، ولكن ذلك خفي على عمر وعبد اللَّه ابن مسعود فكانا لا يجيزان
للجنب التيمم ويأخذان بظاهر قوله تعالى ﴿وإن كنتم جُنْباً فاطّهروا﴾ وقوله تعالى ﴿ولا جُنُبا إلا
عابري سبيل حتى تغْتسلوا﴾ فلم ير الجنب داخلا في المراد بقوله تعالى ﴿ وإن كنتمْ مرضى أو على
سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامسْتم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدا طيباً ﴾ لأن
الملامسة قد فسرها في هذه الآية الكريمة بالملامسة باليد لا بالجماع ، فكان يوجب الوضوء من لمس
المرأة وذلك - كما قال ابن عبد البر - جائز في التأويل في الآية لولا ما بينه رسول الله عَليه من
تيمم الجنب ، في حديث عمران بن حصين ، وعمار بن ياسر، وأبي ذر الغفاري رضي الله عنهم.
وبقي عمر كذلك إلى أن ذكّره عمار بن ياسر بحادثة معهما ، فلم يذكرها عمر ، ولكنه لم
يكذبها ، روى عبد الرحمن بن أبزى أن رجلاً اتى عمر فقال: إني أجنبت ولم أجد ماء؟ فقال: لا
تصل ، فقال عمار : أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأصابتنا جنابة ، فلم نجد الماء ،
فأما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت ؟ فقال رسول اللّه: إنما يكفيك ان
تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ، ثم تمس بهما ، وجهك وكفيك . فقال عمر: اتق اللّه يا عمار،
فقال : إن شئت لم أحدث به ، فقال عمر : نوليك ما توليت .
قال النووي : قال ابن الصباغ : وقيل إن عمر رجع عن ذلك ، وجزم به القرطبي .
البخاري في التيمم ، ومسلم باب التيمم ، وأحكام الجصاص (٢ : ٣٦٩).

-
١٤٨- الاستذكار الجامع لِمذاهب فُقهاء الأمْصارِ / ج٣ -
مَعَهُ ، ونسيانه لذلِكَ ( فلم)(١) يقنعْ بقولِهِ. فذهبَ هو وابنُ مسعودٍ إلى أنَّ الْجُنُبَ لَمْ
يدخلْ في المُرادِ بقولِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنْبًا فاطَهِرُوا، وإِنْ كُنْتُمْ مرضى أو على سَفَرٍ أو جَاءَ
أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغائِطِ أوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَيَمِّمُوا ﴾ وكانَا يذهبَانِ إلى أنَّ
الملامَسَةَ ما دونَ الجِمَاعِ .
٣١٣١ - وَقَدْ ذَكَرْنا اختلاف العلماءِ في معنى الملامَسَةِ فيما مضى، والحمدُ للَّهِ(٢).
٣١٣٢ - وروَى أبو مُعَاوِيَةٍ، عَن الأعمش، عَنْ أَبي وائِلٍ، عَنْ أَبْنٍ مَسْعُودٍ ، قالَ:
لا يتيمِّمُ الجُنُبُ ، وإِنْ لَمْ يَجِدِ الماءَ شَهْرًا(٣).
٣١٣٣ - ولَمْ يَتَعَلَّقْ أحدٌ من فقهاءِ الأُمْصَارِ: مَنْ قَالَ: إِنَّ الملامَسَةِ الجماعُ، ومَنْ
قالَ : إِنَّها ما دونَ الجماعِ بقَوْلِ عمر ، وابن مسعود في ذلِكَ ولا ذهبَ إليْهِ ، لِما رُوِيَ عَنِ
النّبِيِّ - عليه السلام - مِنْ حَدِيثٍ عمار(٤)، وحديث عِمران بن حُصَين(٥) ، وحديث أبي
(١) كذا في (ك) وفي (ص) : ولم ، وما أثبتناه أشبه .
(٢) انظر ما تقدم فى باب ((الوضوء من المذي))، وحديث مالك عن أبى النضر.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (١: ١٥٧)، ومعرفة السنن والآثار (٢: ١٦٢٩)
(٤) حديث عمار، رواه ناجية بن كعب ، قال : قال عمار بن ياسر لعمر :
((أما تذکر إذ كنت أنا وأنت في الإبل، فأصابتني جنابةً ، تمعگْتُ كما تتمعك الدابة ، ثم
أتيت النبي ټ﴾ فذكرت له، فضحك ، ثم قال :
((( كان يكفيك من ذلك التيمم)).
أخرجه البخاري في كتاب ((الطهارة)) باب ((إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو
خاف العطش تيمم)). فتح الباري (١: ٤٥٥)، ومسلم في الطهارة باب (التيمم) (١: ٢٨٠)
من طبعة عبد الباقي، وأبو داود في الطهارة (٣٢١) باب التيمم (١: ٨٧)، والنسائي في الطهارة
(١: ١٧٠) باب ((تيمم الجنب)).
الحديث موقعه في سنن البيهقي الكبرى (١: ٢١١)، والسنن الصغير له (١ : ٩٤).
(٥) حديث عمران بن حصين، روي عن أبي رجاء العطاردي ، عن عمران بن حصين قال : كنا في
سفر مع النبي عَّة ، فذكر الحديث بطوله ، وفيه :
((أنّه صَلّى بالناس، فلما انْفَتَل من صلاته إذا رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ لم يُصَلِّ مّعَ القَوْم .
=

٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٤٩
ذر (١): أَنَّه - عليه السلام - أمَرَ الْجُنُبَ بالتيمُمِ إِذَا لَمْ يجدِ الماءَ، ولو غابَ عَنِ الماءِ شهرًاً .
٣١٣٤ - وقَدْ ذَكرنا الآثارَ بذلِكَ في التمهيدِ (٢) .
٣١٣٥ - وقَدْ غلطَ بعضُ النَّاسِ في هذا المعنى عَنِ ابنِ مسعودٍ ، فزعم أنَّهُ كانَ یری
الُجْتُبَ إِذَا تيمَّمْ ثُمَّ وجَدَ الماءَ لَمْ يَغْتَسِلْ ، ولا وضوءَ عليه حتّى يحدثَ .
٣١٣٦ - وهذا لا يقولُهُ أحدٌ مِنْ علماءِ المسلمينَ، ولا رُوِيَ عَنْ أحدٍ مِنَ السَّلَفِ ولا
الخَلَفِ - فيما علمتُ - إلاَّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمن، ولا يُعرفُ(٣) عَنْهُ. والمحفوظُ
عَنِ ابنِ مسعودٍ ما وصفْنَا عَنْهُ .
= قال: ((ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟)).
قال : يارسول اللّه ! أصابتني جنابة ، ولا ماء.
قال رسول الله عميل: ((عليك بالصعيد، فإنه يكفيك)).
أخرجه البخاري في التيمم حديث (٣٤٤) باب ((الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء))
فتح الباري (١ : ٤٤٧)، ومسلم في المساجد باب (( قضاء الصلاة الفائتة)) ص (٤٧٤:١ -
٤٧٥) من طبعة عبد الباقي، وأورده الشافعي في كتاب «الأم)) (٧ : ١٦٤).
(١) وأما حديث أبي ذر، فقد رواه خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجْدَان، قال: سمعتُ
أبا ذر يقول: ((اجتمعتْ عندَ رسول اللّه عَلَّه ◌َغَتَمّ من غنم الصدقة فقال: ((ابد فيها يا أبا ذرّ،
فبدوت فيها إلي الرّبَذَة ، فكان يأتي عليّ الخمس والست، وأنا جُنُب ، فَوَجَدْتُ في نفسي ،
فأتيتُ رسولُ اللّهِ عَه، وهو مسند ظهره إلى الحجر، فلما رآني، قال: ((مَالَكَ يا أبا ذر (قال)
فجلستُ، قال: ((مالَكَ يا أبا ذر! ثكلتك أمك)) قلت: يا نبي اللّه! إني جُنب. قال: فأمر
جاريةً له سوداء فجاءت بعس فيه ماء ، فسترني بالبعير والثوب فاغتسلتُ ، فكأنما وضعت عني
جبلا ، قال: ((أدنه، إنّ الصعيدَ الطيب وضوء المسلم، ولو عشر حجج ، فإذا وجد الماء فليمس
بشره ، فإن ذلك خير .
أخرجه أبو داود فى الطهارة حديث (٣٣٢) باب ((الجنب يتيمم)) ص (١ : ٩٠ - ٩١)،
والترمذي في باب ((التيمم للجنب إذا لم يجد الماء))، وقال : حسن صحيح ، والنسائي في
الطهارة باب ((الصلوات بتيمم واحد))، وموقعه في سنن البيهقي الكبرى (١ : ٢١٢)، والسنن
الصغير له (١ : ٩٥) ;٢٧
(٢) ((التمهيد)) (١٩ : ٢١٧ - ٢٧٣)
(٣) في (ك):((ولا يصح)).

١٥٠- الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمْصارِ / ج٣
٣١٣٧ - وفي قولِ رسولِ اللَّهِ مَيِ لأبي ذَرِّ وغيرِهِ: ((التُرابُ كافيكَ مَا لَمْ تَجِدِ
الماءَ، ولو أَقَمْتَ عشْرَ سنينَ لا تجدهُ، فإذا وجدتَ الماءَ فاغْتَسِلُ(١) )) وفِي بَعْضِ الرواياتِ:
(((فأمسّه بَشَرتكَ)) - دليلٌ وَاضِحٌ على أنَّ الجنبَ إِذَا وجدَ الماءَ لَزِمَهُ استعمالُهُ ، وأنَّ تِيمُّمَهُ
ليسَ بطهارَةٍ كَامِلَةٍ ، وإنَّما هُوَ استباحَةٌ للصِّلَاةِ(٢) ثمَّ هُوَ على حالِهِ جْنُب(٣) عندَ وجودٍ
الماءِ
٣١٣٨ - وقَدْ أملَّيْتُ في هذه المسألةِ ما فيه كفاية في بابٍ أَفْردَتُهُ لها والحمدُ للهِ ..
٣١٣٩ - واخْتلَفَ الفقهاءُ في الذِي يَدخلُ عليه وقْت الصَّلاةِ ويخشى خروجَهُ، وهُوَ
لاَيَجِدِ الماءِ(٤) ولا يستطيع الوصولَ إليهِ ، ولا إلى صعيدٍ يتيمُمُ بِهِ .
٣١٤٠ - فقالَ ابنُ القاسِم في المحبُوسِ إِذَا لَمْ يجدْ ماءٌ ولَمْ يَقْدِرْ على الصَّعيدِ -،
صلَّى كمَا هُوَ ، وأعادَ إِذَا قدرَ على الماءِ(٥) أو على الصعيد .
٣١٤١ - وقالَ أشهبُ في المتهدِّمِ(٦) عليهم، والمحبوسِ، والمرْبوطِ ، ومَنْ صُلِبَ في
خشبةٍ وَلَمْ يمتْ وحانَ وقتُ الصَّلاةِ عليه: إِنَّهُ لا صلاةَ على واحدٍ مِنْ هُؤُلاءِ حتَّى يقدرُوا
على الماءِ أو على الصَّعِيدِ . فإنْ قدروا على ذلِكَ توضّوا أو تيمِّمُوا، وصلّوا .
٣١٤٢ - وقالَ ابنُ القاسم في هَؤْلاَءٍ ، وفي كلّ مَنْ معهُ عقلهُ؟ : إنَّهُمْ يصلّون على
حَسَبٍ ما يقدرونَ، ثُمَّ يعيدُونَ إِذَا قدرُوا على الطَّهَارَةِ بالماءِ أو بالصَّعِيدِ عِنْدَ عدمِ الماءِ ،
٣١٤٣ - وروَى مَعْنُ بنُ عيسى عَنْ مالِكٍ فيمنْ كتفَه الوالي، وحبسهُ عَنِ الصَّلاةِ
(١) تقدم في حديث أبي ذر رقم (٣١٣٣)، والحاشية (١) ص (١٤٩).
(٢) كذا في (ك)، وفي العبارة سقط في (ص) .
(٣) كذا في (ك)، وفي (ص): ((جنباً)) وهو تحريف .
(٤) العبار مكررة فى (ص) .
(٥) في (ص): ((وعلي))، وسقطت الهمزة قبل الواو.
(٦) في (ك): ((المنهدم)).

٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٥١
حتّى خَرَجَ وقتُها: إِنَّهُ لا إِعادَةَ عليهِ .
٣١٤٤ - وإلى هذهِ الرواية - والله أعلم - ذهبَ ابنُ خُوازَ منداذ(١)، لأَنَّهُ قال(٢):
في الصِّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ مالِكٍ: أنَّ كلَّ مَنْ لَمْ يقدِرْ على المَاءِ ولا الصِّعِيدِ حتّى خَرَجَ
الوقتُ أَنَّهُ لا يُصَلِّي ، ولاَ إِعادَةَ عليهٍ .
٣١٤٥ - قالَ: ورواهُ المدنيونَ عَنْ مالك: وهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ .
٣١٤٦ - قالَ أبو عمر: لا أُدْري كيفَ أقدمَ على أنْ جَعَلَ هذَا الصِّحِيحَ مِنْ مذهَبٍ
مالِكٍ مَعَ خلافِهِ جمهور السَّلَفِ ، وعامَّةُ الفقهاءِ ، وجماعَةُ المالكيينَ ؟ وأظنَّهُ ذهَبَ إلى
ظاهِرٍ حديث مالك في هذا في قولِهِ : وليسوا على ماءٍ ، وليسَ معهم ماء ، فَامَ رسولُ اللَّهِ
حتّى أصْبَحَ . وهذا لا حجَّةَ فِيهِ ، لأَنَّهُ لَمْ يذْكرْ أنَّهم لَمْ يُصلّوا ، بَلْ فيه : نزلَتْ آيَةُ التَّيَّهُمِ.
٣١٤٧ - وفي حديثٍ عمر أنّهم تيمّموا يومئذ إلى المناكب في حين نزول الآية .
٣١٤٨ - وقَدْ روى هشامُ بنُ عروةَ في هَذَا الحديثِ أَنْهُمْ صلّوا بغيرٍ وضوءٍ، إلاَّ أنَّهُ
لَمْ يذكرْ إِعادَةٌ .
٣١٤٩ - ويحتملُ أنْ تكونَ الإعادَةُ مأخوذَةٌ مِنْ حديثِ عمَّار، كأنَّهم إذ نزلت آية
التيمُّمِ توضّوا ، وأعادوا ما كانوا قَدْ صلَّوا بغيْرِ وضُوءٍ .
٣١٥٠ - وعلى هذا ترتبت الآثارُ، وعلى هذَيْنِ القولَيْنِ فقهاءُ الأَمْصَارِ .
٠
٣١٥١ - وأمَّا قولُ ابن خواز منداذ في سقوطِ الصَّلاةِ عمَّن مَعَهُ عَقْلُهُ ، لعدَمِ الطَّهَارَةِ
- فقوْلٌ ضَعِيفٌ ، مهجُورٌ ، شاذٌ ، مَرْغُوبٌ عَنْهُ .
٣١٥٢ - وقالَ ابنُ القاسم: كيفَ تسقطُ الصَّلاةُ عَمِّنْ مَعَهُ عقِلُهُ [لِعَدَمِ
(١) تقدم في (١ : ١٧٠).
(٢) (ك): قال الصحيح .

١٥٢- الاستذكار الجامع لمذاهب فُقهاء الأمْصارِ /ج ٣.
الطَّهارَةِ ](١) لَمْ يُغْمَ عليهِ ولَمْ يُجْنِ(٢) وعلى هذا سائر العلماءِ فيمنْ لَمْ يصلْ إلى الصَّعيدِ
ولا الماءِ ، فإذَا زَالَ المانِعُ لَهُ توضأ أو تيمَّمَ(٣) وصَلَّى .
٣١٥٣ - وذكرَ ابنُ حبيبٍ ، قالَ: سأَلْتُ مطرِّفًا ، وابنَ الماجشون، وأصبغَ بنَ الفرجِ
عَنِ الخائِفِ تحضُرُهُ الصَّلاةُ، وهُوَ على دابتهِ على غيرِ وضُوءٍ ، ولا يجد إلى النزولِ للوضُوءِ
والتيمَمٍ سبيلاً. فقالَ بعضُهم: يصلّي كما هُوَ على دائِهِ إِماءً، فإذا أَمِنَ توضّاً إِنْ وجَدَ
الماءَ، أو تيمَّمَ إِنْ لَمْ يجدِ الماءَ، وأعادَ الصَّلاةَ في الوقْتِ ، وبعدَ الوقْتِ .
٣١٥٤ - وقالَ لي أصبغُ بنُ الفرج: لا يصلِّي وإِنْ خَرَجَ الوقْتُ، حتّى يجدَ السبيلَ
إلى الطهورِ بالماءِ ، أو الصَّعيد عِنْدَ عَدَمِ الماءِ .
٣١٥٥ - قالَ : ولا يجوزُ لأحدٍ أنْ يصلّي بغَيْرٍ طهورٍ .
٣١٥٦ - قالَ عبدُ الملك بنُ حبيب : وهذا أحبُّ إليّ قالَ: وكذلِكَ الأَسيرُ المغلولُ،
لا يجد السبيل إلى الوضوءِ والمريض (٤) المُثْبَتُ(٥) الَّذي لا يجدُ مَنْ يناوله الماءَ، ولا
يستطيعُ التيمُمَ، هما مثل الَّذي وصفْنا مِنَ الْخَائِفِ.
:
٣١٥٧ - وكذلِكَ قالَ أصبغُ بنُ الفرج في هؤلاءِ الثلاثة .
٣١٥٨ - قالَ: وهُوَ أُحْسَنُ ذلكِ عِنْدِي ، وأقواهُ .
٣١٥٩ - وأمَّا الشَّافعيُّ فعنْهُ في هذا روايتان : إحداهما لا يصلِّي حتّى يجدَ طهارةٌ ،
والأخْرى يصلّي كما هوَ ويعيد الصَّلاةَ ، وهُوَ المشهورُ عنهُ.
(١) ثابت فى (ك)، وساقط من ( ص)
(٢) في (ص) : يجز ، وهو تحريف ظاهر .
(٣) كذا في (ك)، وفي (ص) : توضأ وصلى . سقط
(٤) في (ص): ((ولا المريض)) ولا مكان للفظ ((لا)) هنا.
(٥) المثبت : من لا حراك به من المرض .

٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٥٣
٣١٦٠ - قالَ المزنيّ: وإذَا كانَ محبُوسًا لا يقدرُ على طهارَةٍ بماءٍ أو تُرابٍ نظيف
صلَّى ، وأعادَ إذا قدر(١).
٣١٦١ - وقالَ أبو حنيفة في المحبوسِ في المِصْرِ: إِذا لَمْ يجدْ ماءً ولا تُرَاباً نظيفاً لَمْ
يصلِّ ، فإذا وجدَ ذلك صَلَّى .
٣١٦٢ - وقالَ أبو يوسُفَ، ومحمدٌ، والثَّوريّ، والشافعيَّ، والطبريّ: يصلِّي
ويعيد ، كقولٍ ابن القاسم .
٣١٦٣ - وقالَ أبو ثَوْرٍ: القِيَاسُ أَلاَّ يُصَلِّي مَنْ لا يَجِدُ الماءَ، ولا قدرَ عليهِ ولا على
الصَّعِيدِ وإِنْ خَرَجَ الوقْتُ ، فإِذا قدرَ على ذلِكَ صَلَّى بِالطَّهَارَةِ تلك الصَّلاة، ثُمَّ رَجَعَ،
فقالَ بقولِ الشَّافِعِيِّ، ومَنْ تابعهُ في هذا الباب .
٣١٦٤ - وقد قالَ أبو ثَوْرٍ أيضًا: إنَّ القِيَاسَ فيمنْ لَمْ يقدرْ على الطَّهَارَةِ أنْ يُصَلِّي
كما هُوَ ، ولا يُعِيدُ ، كَمَنْ لا يقدرُ على الثوبِ وصلَّى عُرْيانًا الصَّلاة لازِمَة لهُ ، يصلِّي
على ما يَقْدِرُ ، ويؤدِّي ما عليْهِ بِقدْرٍ طاقَتِهِ .
٣١٦٥ - وعندَ أبي يوسُفَ (٢)، وأبي حنيفَةَ، ومحمَّدٍ ، والشَّافعيِّ إِنْ وجدَ المحبوس
في المصْرِ ترابًا نظيفًا صلَّى في قولِهِم، وأعادَ .
٣١٦٦ - وقالَ زفر: لا يتيمِّمُ، ولا يصلِّي، وإنْ(٣) وجَدَ تُرابًا نظيفًا على أصْلِهِ،
لأَنَّهُ لا يتيمَّمُ أحدٌ في الحضرِ .
٣١٦٧ - وقالَ ابنُ القاسم: لَو تيمَّمَ مَنْ لا يجدُ الماءَ في المِصْرِ عَلَى التَّرابِ النظيفِ ،
أو على وَجْهِ الأرْضِ لَمْ تكنْ عليه إعادة إذا وجدَ الماءَ بعدَ الوقْتِ .
(١) مثبت في (ك)، وساقط في ( ص)
(٢) في (ك): (( وعند أبي حنيفة وأبي يوسف)).
(٣) كذا في (ك)، وفي (ص): ((فإن))، وهو تحريف .

١٥٤- الاستذكار الجامع لمذاهب نُقهاء الأمْصار /ج ٣
٣١٦٨ - قال أبو عمر: هَا هُنا مسألة أخرى في تيمُّمْ(١) الَّذِي يَخشى فوتَ الوقْتِ
وهُوَ في الحضرٍ ، نذكرُها بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ .
٣١٦٩ - قال أبو عمر: أمَّ الذينَ ذَهَبُوا إلى ألاَّ يصلِّي حتَّى يجدِ الطَّهَارَةَ،
فحُجَّتُهم قولُ رسولِ اللَّهِ عَّهِ: ((لا يَقبَلُ اللَّهُ صلاةٌ بِغَيْرٍ طَهُورٍ)). ولَيْسَ فرض الوقت
بأوكد مِنْ هذا، كَما أَنَّهُ لا يقبلُها قَبْلَ وْتِها .
٣١٧٠ - وأمَّا الذينَ ذَهَبُوا إلى أنْ يصلِّي كَمَا هُوَ ، ويعيد فاحتاطُوا الصَّلاةِ في الوقْتِ
على حسبِ الاسْتِطَاعَةِ ، لاحتِمالِ قولِهِ: ((بِغَيْرِ طهورٍ)) لِمَنْ قدرَ عليهِ ، ولَمْ يَكُونُوا على
يقينٍ مِنْ هذا التأويلِ ، فَرَأوا الإعادَةَ واجِبَة معَ وجودِ الطَّهارَةِ .
٣١٧١ - قالَ أبو عمر: في حديثِ مالكٍ هذا، عَنْ عبد الرحمن بنِ القاسِمِ ، عَنْ
أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قولها: ((فَنَامَ رسولُ اللَّهِ عَهُ حتَّى أصْبَحَ على غيْرِ ماءٍ ، ولَمْ يكنْ يومَئِذٍ
طهارَة غير (٢) الماءِ ، وحينئذٍ نزلتْ آيَةُ التيمُّم ، دليلٌ على أنَّ مَنْ عدمَ الماءَ(٣) لَمْ يُصَلِّ حَتَّى
يمكنه ، واللَّهُ أعلمُ .
٣١٧٢ - وقَدْ يحتملُ قولها: ((حتَّى أصْبَحَ ))، قاربَ الصباحُ، أو طلع الفجرُ ، ولَمْ
تطلع الشَّمْسُ حتَّى نزلت آيةُ التيمُّم . واللهُ أعلم .
٣١٧٣ - وَقَدْ ذكرْنا في «التمهيدِ(٤) » في هذا الموضع الأحاديث عَن النّبيِّ عليه
السلام أنَّهُ قَالَ: (( لا يَقْبَلُ اللَّهُ صلاةٌ بِغَيْرٍ طهورٍ ، ولا صدقَةٍ مِنْ غُلُولٍ ))(٥).
(١) كذا في (ك)، وفي (ص): ((في الذي )) ، سقط .
(٢) كذا في (ص)، وفي (ك): ((ولم تكن لهم طهارة يومئذ ) .
(٣) في (ك): (( الطهارة ))
(٤) (( التمهيد)) (١٩ : ٢٧٦).
(٥) من حديث ابن عمر رواه مسلم في كتاب ((الطهارة)) ح (٥٢٤) من طبعتنا ص (٢: ٨) باب
((جوب الطهارة للصلاة))، وصفحة (١: ٢٠٤) من طبعة عبد الباقي ، وأخرجه الترمذي في =

٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٥٥
٣١٧٤ - وقولُهُ عليه السلام: ((لا يَقْبَلُ اللَّهُ صلاةَ أحدكم إِذَا أُحدَثَ حتَّى يتوضًاً(١))
بالأسانيدِ الصِّحاحِ ، والحمدُ للهِ .
٣١٧٥ - وقولُهُ في حديثِ مالك: وليسُوا على ماءٍ ، وليسَ معهم ماءٌ ، دليلٌ واضحٌ
على أنَّ الوضُوءَ بِالْمَاءِ قَدْ كانَ لازمًا لهم قبلَ نزول آية التيمُّمِ . وهيَ آيَةُ الوضُوءِ، وأنّهم لَمْ
يكونوا يصلونَ إلاَّ بوضُوءٍ قَبْلَ نزولِ الآية .
٣١٧٦ - أُلّ ترى قولَه: ((فَأَنزَلَ اللَّهُ آيَةَ التيمُّمِ))، وهي آيةُ الوضُوءِ المذكُورَة في
تفسيرِ المائِدَةِ ، أو الآية التي في سورَةِ النِّسَاءِ ، ليسَ التيمِّمُ مذكوراً في غيرٍ هاتّيْن الآيتين ،
وهُمَا مَدنيتان .
٣١٧٧ - وليست الآيةُ بالكلمةِ أو الكلمتيْنِ ، وإنَّما هي: الكلامُ المجتمعُ الدَّالَّ على
الإِعْجَازِ ، الجامعُ لمعنى يستفادُ ، القائم بنفسِهِ .
٣١٧٨ - ومعلومٌ أنَّ غسل الجنابَةِ لَمْ يفترضْ قَبْلَ الوُضُوءِ، فكما أنَّهُ معلومٌ عِنْدَ جميع
أَهْلِ السيرٍ أنَّ النبيِّ مَِّ اقْتُرضتْ عليهِ الصَّلاة بمكَّة والغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ قَطْ
بمكّةٍ (٢) إِلاَّ بُوُضُوءٍ مثل وضوئِهِ بالمدينَةِ ، ومثل وضوئِنا اليومَ .
٣١٧٩ - وهذا ما لاَ يجهلهُ عالمٌ ، ولا يدفعهُ إلاَّ مُعَانِدٌ .
= الطهارة ح (١)، با ((ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور))، ص (١ : ٥) وابن ماجه في
الطهارة باب ((لا يقبل اللّه صلاة بغير طهور))، ص (١: ١٠٠) وموضعه في سنن البيهقي
الكبرى (٢ : ٢٥٥).
(١) رواه أبو داود في الطهارة ح (٢٠٥) باب ((من يحدث في الصلاة))، والترمذي في كتاب
(الرضاع)) ح (١١٦٤ و١١٦٦) في باب ((ما جاء في كراهية إتيان النساء في أدبارهن ))، ص
(٣: ٤٥٩) وقال: حديث علي بن طلق حديثٌ حسنٌ، وموقعه في سنن البيهقي الكبرى (٢ :
٢٥٥) السنن الصغير له (١: ٢٧)، الفقرة (٢٨).
(٢) في (ص) : بمكة صلاة .

-
١٥٦- الاستذكار الجامع لمذاهب فُقهاء الأمْصارِ /ج ٣ -
٣١٨٠ - وفيما ذكرْنا دليلٌ على(١) أنَّ آيَةَ الوضُوءِ إِنَّما نزلتْ ليكونَ فرضُها المتقدمُ
مثلُوّاً في التَّنْزِيلِ ، ولها نظائر ليس هذا موضع ذكرها .
٣١٨١ - وفي قولِهِ في حديثِ مالِكٍ: ((فنزلتْ آيةُ التيمُّمِ))، ولَمْ يَقُلْ: فنزلت آيةُ
الوُضُوءِ ما يدَلَّكَ أنَّ الذي طرأ عليهم مِنَ العلْمِ في ذلِكَ الوقت(٢) حكمُ التيمُمِ ، لا حكمُ
الوضُوءِ بالماءِ واللَّهُ أُعلَمُ .
٣١٨٢ - ومِنْ فَضْلِ اللَّهِ ونعمَتِهِ على عِبَادِهِ أنْ نصَّ على حكم الوُضُوءِ وهيمتِهِ بِالماءِ،
ثُمَّ أَخَبَرَ بحكْمِ التيمُمِ عِنْدَ عِدَمِ الْمَاءِ . فقالَ أُسَيد بنُ الْحُضَيْرِ: ((مَا هِيَ بأوَّلِ بركِكُم يا آل
أبي بكر )) .
٣١٨٣ - وفي قَوْلِهِ: ((وليسَ معهم ماءٌ)) دليلٌ على أنَّهُ غيرُ واجبٍ حمل الماء
للوضُوءِ، وأَنَّهُ جَائِرٌ سلوك كلّ طريق مباح سلوكها ، وإنْ عُدِمَ الماءُ في بعضِها .
٣١٨٤ - وأمّا التيعُمُ فمعنَاهُ في اللُّغَةِ: القصد مُجْملاً، ومعنَاهُ في الشريعَةِ: القصد
إلى الصَّعيدِ خاصَّةً للطَّهَارَةِ للصَّلاةِ عندَ عَدَمِ الماءِ ، فيضرِب عليه بياطِنِ كفّيْهِ ، ثُمَّ يمسح
٠٫٠
بهما وجهه ويديهِ .
٣١٨٥ - وقَدْ ذَكَرْنَا شَواهِدَ الشّعْرِ واللُّغَةِ على لفظِ التيمُمْ فِي التَّمْهِيدِ(٣).
(١) كذا في (ك)، وفي (ص) : دليل أن .
(٢) كذا في (ك)، وفي (ص) : في ذلك حكم ، سقط .
(٣) في ((التمهيد)) (١٩: ٢٨٠)، وفي ذلك:
قال الممزق أو المثقب :
وما أدري إذا يممت وجها
أالخير الذي أنا أبتغيه
أريد الخير أيهما يليني
أم الشر الذي هو يبتغيني
یرید قصدت واعتمدت وجها .
وقال آخر :
(وفي) الإظعان آنسة لعوب تيمم أهلها بلدا فساروا
=

٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٥٧
٣١٨٦ - وأمَّا الصعيد فقيلَ: وَجْهُ الأرْضِ، وقيلَ: بل التراب خاصَّة. والطّيِّبُ
طَاهِرٌ ، لا خلافَ في ذلِكَ .
٣١٨٧ - وأمَّا اختلافُ العلماءِ في الصَّعيدِ فقالَ مَالكٌ وأصحابُهُ : الصَّعِيدُ: وجه
الأرضِ . ويجوزُ التيمُّمُ عندَهُمْ على الحصْبَاءِ(١) والجبلِ ، والرَّمْلِ، والتّرابِ، وكلّ ما كانَ
وجه الأرْضِ(*).
٣١٨٨ - وقال أبو حنيفة، وزفرُ: يجوزُ أنْ يتيمِّمَ بالنُّورةِ، والحَجَرِ ، والزرنيخِ ،
= يعني قصد أهلها بلدا .
وقال حميد بن ثور :
وما يلبث العصران : يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
وقال امرؤ القيس :
تیممتها من أذرعات وأهلها
بیٹرب أدنی دارها نظر عال
وقال خفاف بن ندية :
فإن تك خيلي قد أصيب صميمها فعمدا على عيني تيممت مالكا
معناه : تعمدت مالكا .
(١) (الحصياء) = الحصى ، والمفرد : حصبة ، كقصبة .
(*) المسألة - ٥٥ - وهي مسألة الصعيد الطاهر الذي هو فرضٌ عند المالكية ، وشرط عند غيرهم:
فالصعيد عند المالكية : كل ما صعد عن الأرض من أجزائها كتراب وهو الأفضل ، ورمل ،
وحجارة ، والحصى .
ومذهب الحنفية كالمالكية بأنه يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض كالتراب والغبار
والرملِ والحجر والكلس، وما إلى ذلك، وإن لم يكن عليها غبارٌ ؛ لأن الصعيد اسم لوجه
الأرض.
بينما قال الشافعية والحنابلة : لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهرٍ ذي غبارٍ يعلق باليد ، وأضاف
الشافعية : يجوز برملٍ فيه غبارٌ وعند الحنابلة لا يتيمم برمل وحجارةٍ ونحوهما . وانظر في هذه
المسألة : فتح القدير (١: ٨٨)، بدائع الصنائع (١: ٥٣)، اللباب (١: ٣٧)، المهذب (١: ٣٢)
مغني المحتاج (١: ٩٦)، والشرح الصغير (١: ١٩٥)، الشرح الكبير (١: ١٥٥) ، غاية المنتهى
(١ : ٦١)، المغني (١: ٢٤٧)، كشاف القناع (١: ١٩٧)، بحيرمي خطيب (١: ٢٥٢) الفقه
الإسلامي وأدلته (١ : ٤٣٢ - ٤٣٥).

١٥٨- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقهاء الأمْصارِ /ج ٣.
والجصِّ ، والطِّينِ ، والرَّخَامِ ، وكلّ ما كانَ مِنَ الأرْضِ.
٣١٨٩ - وقالَ الأوزاعيُّ: يجوزُ التيمُّم على الرَّمْلِ.
٣١٩٠ - وقالَ الثوريُّ، وأحمدُ بنُ حنبل: يجوزُ التيمُمُ بغبارِ الثَّوْبِ واللّبْد ، ولا
يجوزُ عِنْدَ مالكٍ .
٣١٩١ - وقال ابن خويز منداد(١): يجوزُ التيمُّمُ عندنا على الحشيشِ إذَا كانَ ذلِكَ
وَجْهُ الأَرْضِ .
٣١٩٢ - واختلفت الروايةُ عَنْ مالكٍ في التيمُمِ على الثلج فأجازَهُ مَرَّةٌ، وكرِهَهُ
أُخْرَى، ومنعَ منهُ .
٣١٩٣ - ومِنَ الحُجَّةِ لِمِذْهَبِ مالكٍ في هذا البابِ قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا زَلْقًا ﴾
(الكهف: ٤٠]، و﴿صَعِيدًا جُرُزًا ﴾ [ سورة الكهف: ٨].
٣١٩٤ - والجرزُ: الأرْضُ الغليظَةُ التي لا تُنبتُ شيئًا .
٣١٩٥ - وقولُهُ عليه السلام: ((جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًاً))(٢).
٣١٩٦ - فكُلُّ مَوْضِعٍ جَازَتِ(٣) الصَّلاةُ فيهِ مِنَ الأرْضِ جائز التيمم بِهِ.
٣١٩٧ - وقالَ - عليه السلام -: ((يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ على صَعيدٍ وَاحِدٍ(٤) أي
(١) محمد بن خويز منداد، تقدم في (١ : ١٧٠).
(٢) أخرجه البخاري في الطهارة (٣٣٥) باب «التيمم))، فتح الباري (١: ٤٣٥) ، وفي الصلاة باب
(((قول النبي ◌َّي: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)). وفي الخمس باب («قول النبي ◌ّ:
(أحلت لي الغنائم)) وأخرجه مسلم في أول كتاب المساجد حديث (١١٤٣) ص (٢ : ٦٦١) من
طبعتنا، وص (٣٧٠) من طبعة عبد الباقي، والنسائي في الطهارة (١ : ٢٠٩) باب (( التيمم
بالصعيد).
(٣) في (ك): ((تجوز)).
(٤) من حديث طويل أوله عند مسلم :
حدثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ ( وَتْفَقَا فِي سَيّاقِ الْحَدِيثِ ، إلا مَا =

٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٥٩
أرْض واحدة .
٣١٩٨ - وقالَ الشَّافعيُّ، وأبو يُوسُفَ: الصَّعِيدُ: التُرابُ، ولا يجزي عندهم التيْمُمَ
بِغَيْرِ التّرابِ .
٣١٩٩ - وقال الشَّافعيّ: لا يقعُ الصَّعِيدُ إلاَّ على ترابٍ: غُبارٍ، أو نحوه: فأمَّا
الصَّخْرَةُ(١) الغَلِيظَةُ ، والرقيقَةُ ، والكثيبُ الغليظُ - فلا يقَعُ عليهِ اسْمُ صَعِيدٍ .
٣٢٠٠ - وقال أبو ثور: لا تيمُم إلاَّ على ترابٍ، أو رَمْلٍ .
٣٢٠١ - قال أبو عمر: أجْمَعَ العلماءُ على أنَّ التيمُّمَ بالترابِ جائزٌ ، واخْتُلفُوا فيما
عَدَاهُ [ مِنَ الأرْضِ](٢).
٣٢٠٢ - وَقَدْ قَالَ رسولُ اللَّهِ مَِّ: ((جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا، وجُعِلَت تربتُها
= ◌َزِيدُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْحَرْفِ بَعْدَ الْحَرْفِ) قَلاَ: حَدَثْنَا مِحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا أَبُو حَيّانَ عَنْ أَبي
زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتِي رَسُولُ اللّهِ لَّهُ يَوْماً بِلَحْمٍ . فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجُبُه.
فَهَسَ مِنْهَا فَقَالَ (( أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَوْلِينَ
والآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ . فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِ وَيَنْغُذُهُمُ الْبَصَرُ. وَتَدْنُوِ الشَّمْسُ. فَيَبْلِغُ النَّاسِ مِنَ
الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَالا يُطِيقُونَ. وَمَالاَ يَحْتَمِلُونَ. فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلا تَرَوْن مَا أنْتُمْ فِيهِ؟ ألا
تَرَوْنُ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لَبَعْضِ: اثْتُوا آدَمَ ،
فَيَأْتُونَ آدَمَ ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ! أَنْتَ أَبُو الْبِشَرِ. خَلَقَكَ اللّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ
الْمَلائِكَة فَسَجَدُوا لَكَ. اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ. أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ إلى آخر الحديث الطويل
الذي أخرجه البخاري في التفسير (٤٧١٢) باب ((ذرية من حملنا مع نوح)) الفتح (٨: ٣٩٥)،
وفي أحاديث الأنبياء، وأخرجه الترمذي فى صنعة القيامة (٢٤٣٤) باب ((ما جاء في الشفاعة))
(٤ : ٦٢٢)، وكذلك في الأطعمة، ومسلم في الإيمان، ح (٤٧٢) من طبعتنا، ص (١ :
١٠٤١)، وبرقم (٣٢٧)، ص (١: ١٨٤) من طبعة عبد الباقي، باب (( أدنى أهل الجنة منزلة
فيها)) . ( وأخرجه النسائي في الوليمة وفي التفسير في الكبرى على ما جاء في التحفة (١ :
٤٥١)، وأخرجه ابن ماجه في الأطعمة (٣٣٠٧) باب ((أطايب اللحم)) (٢ : ١٠٩٩).
(١) كذا في (ك)، وفي (ص): الصحراء، وهو تحريف .
(٢) ما بين الحاصرتين زيادة من (ك) تكسب العبارة فضل بيان .

١٦٠- الاستذكار الجامع لِمذاهب فُقهاء الأمْصارِ /ج ٣.
لي طَهوراً ))(١).
٣٢٠٣ - وروى هذا جماعةٌ مِنْ حُفَّاظِ العلماءِ، عَنِ الصَّحابَةِ ، عَن النبيِّ - عليه
السلام - وهو يُغْضِي(٢) على رواية مَنْ روى: ((جعلتْ لي الأرضُ مَسْجِدًا وطهوراً))،
ويفسرها(٣)، والله أعلم .
٣٢٠٤ - ذكر أبو بكر بن أبي شيبة، قالَ حدَّثَنَا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عَنْ أبي مالكٍ
الأشْجَعي، عن ربْعِيّ بن حِرَاش(٤)، عَنْ حذيفةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ لَّهِ: ((فُضِلْنَا
على الأنبياء(٥) بثلاثٍ: جُعِلَتْ لَنا الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدًا، وجُعِلَتْ تُرْبَتُها لنا طَهُورًا)).
وذكرَ تمامَ الحديثِ(٦) .
٣٢٠٥ - قالَ: حدَّثَنا يحيى بنُ أبي بكير، عَنْ زهيرِ بنِ محمد، عَنْ عبدِ اللَّه بنِ
محمد بن عقيل ، عَنْ محمدِ بنِ الحنفية أنَّهُ سمع علي بن أبي طالب يقولُ : قالَ رسولُ
اللَّهِ عَُّ: ((أعطيتُ(٧) مَا لَمْ يُعْطَ أحَدٌ ، مِنَ الأَنْيَاءِ: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ، وَأُعطيتُ مفاتيح
الأرضِ ، وسُميتُ أحمد، وجعل(٨) لي الترابُ طَهوراً، وجُعِلَتْ أُمتي خيرَ الأُمَم (٩)).
(١) رواه مسلم في كتاب المساجد عن حذيفة ، حديث رقم (٤) ، باب المساجد ومواضع الصلاة (١ :
٣٧١) من طبعة عبد الباقي .
(٢) (يفضي) = يقر ، ويوافق ، من قولهم: أغضى عن الشيء: إذا سكت عنه . وفي (ك) : يقضي ،
وهو تحريف ، وقد تكون العبارة : يفضي إلى = بالفاء .
(٣) في (ص) : يفسره ، وهو تحريف .
٠
(٤) في (ص): خراشى، بالخاء المعجمة ، وذكره صاحب القاموس بالحاء المهملة في ( حرش) ،
(وربع) ، ومن قوله في (حرش): ((وربعي والربيع ومسعود بنو حراش، ككتاب: تابعيون )).
(٥) كذا في (ص)، وفي (ك): والسراج المنير (٣:٢) ((الناس)).
(٦) رواه مسلم (١ : ٣٧١)، ح (٤) من كتاب المساجد فى طبعة عبد الباقى عن حذيفة .
(٧) كذا في (ك)، وفي السنن الكبرى للبيهقي (١: ٢١٢)، والجامع الصغير بشرح السراج المنير (١:
٢٣٠) ، وفي (ص) : أعطينا ، وهو لا يلائم ما بعده .
(٨) في (ص): ((وجعلت)) وهو تحريف، ورواية البيهقي: وجعلت لي الأرض.
(٩) ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١: ٢٦٠)، وقال : رواه أحمد ، وفيه عبد الله بن محمد بن
عقيل ..... وحديثه حسن .