Indexed OCR Text

Pages 141-160

مِنْ مَكَّةَ .
ثم ذكر رواية عبد الرزاق عن يَزِيدُ بْنُ الأصمِّ أَنَّ النبيَّ ◌َّهِ تَزوَّجَ مَيْمُونَ حلالا ، ثم
عقب قائلاً :
قَدْ نَقَلَ قَومٌ حَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ الأصمِّ مُرْسِلاً؛ لِظَاهِرِ رِوايَةِ الزهريِّ ، وَلَيْسَ كَمَا ظَهَرَ إِلا
روايةَ الرُّهريِّ فحملت للتَّأويلِ .
وجَاز لمنْ أَخْبِرَتْهُ مَيْمُونَةُ أَنَّ النبيَّ ◌َهُ تَزَوَّجَها حلالا أَنْ يخبرَ بأنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَّ
تَزَوَّجَ مَّيْمونَةَ حلالا يحدثُ بِهِ هَكذا وَحدُهُ ، يَقُولُ: حدَّثْتَنِي مَيْمونَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَهُ.
تزوّجَها حلالا .
عَلَى أَنَّهِم ◌ِلْزمهم مِثْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنٍ عَبَّاس: (( أَنَّ رسولَ اللَّهِ عَّهُ تزوَّجَ مَيْمُونَةَ وهُو
مُحْرِمٌ)) ، لأَنَّهُ لَيسَ فِيهِ أَنَّ مَيْمُونَةَ أَخْبَرَتْهُ ، وَمَوضْعُ ابْنٍ عَّاسٍ مِنْ مَيْمُونَةَ بِمَوضْعِ يَزِيدَ بْنِ
الأصمِّ سَواءٌ .
وانْظُرْ - بَعْدَ ذلك - في (١٢: ١٦٧٩٧ ) كيف يَنْقُدُ أصحابَهُ المالكيين في
احتجاجِهم بحديثٍ رواهُ عبد الرزاق ، عن الثَّوْري في الحجِّ عن الأبِ إنْ لم يَزِدْهُ خَيْراً لم
يَزِدْهُ شَرًا، وأَثْبَتَ أَنَّ هذا الحديث قَدْ أنِكرَ على عبد الرزاق، وخُطِّئ فيه لأَنَّهُ لم يَرْوِهِ أحدٌ
عن الثَّوْرِيِّ غيره، ولا يوجد في غير كتابِهِ ، وَأَنَّهُ لا يُشبه ألفاظَ النبي (عٌَّ)، لأَنَّهُ محالٌ
أَنْ يَأْمُرَ النبي (عَُّ) بما لا يَدْرِي أَيَنْفَعُ أَمْ لا؟ وأنَّ عبد الرزاق قد وَهِمَ فِي لَفْظِهِ وأشْبِهَ عليه .
وفي (١٥ : ٢٢٠٨٢) انظرْ إلى أَسْرارِ التشريع في استنباطِهِ للمعاني الدقيقة وهو
يَذْكُرُ أَصْلَ النَّهْيَ في القرآن والسُّنَّةِ وكيف يكونُ النَّهيُ للأدبِ والإرشادِ والاختيارِ ، ومتى
يكونُ على النَّحْرِيمِ .
ومثله عندما يقولُ في (١٧ : ٢٥٠٥٩ ) أنَّ الطلاقَ ليس من القُرَبِ إِلى اللَّه تعالى .
ثم انْظُرْ لتقريرِهِ لقاعِدَةٍ أُصولِيَّةٍ في (٢٤: ٣٥١٤٨) حيث يقول: ((الصحيحُ عندي
ألا يُحْكَمَ بِنَسْخِ شَيْءٍ من القرآنِ إلاّ ما قامَ الدَّليلُ الذي لا مَدْفَعَ لَهُ ... لأَنَّهُ لا يصحّ إلا
بإجماعٍ لا تنازعَ فيه ، أوْ لِسُنَّةٍ لا مَدْفَعَ لها ، أو يكونَ التدافعُ في الآيتين غَيْرَ مُمْكِنٍ فيهما
استعمالهما ولا استعمال أحدهما .
- ١٤١-

ذلك يقينه أنَّ السُّنَّةَ قَدْ أَحْكَمَتْ كُلَّ مسائِلِ الفِقْهِ الاسلامي، وأَنْهُ لا تَثْبُتُ سنة مع
الأختلاف ( ٨: ١١٢٧٠)، وفي (٤: ٥١٦٦): الحُجَّةُ عند التَّنَازُعِ: الكتابُ والسَّنَّةُ
لا ما سواهُما .
أيّ شيء أبين من هذا ؟
التوازن في فقه ابن عبد البر
وتتمثلُ شخصيتهُ ابن عبد البر الفقهية بأنه لا يستطيع أن يمرَّ به شيءٌ فيه خلافٌ بين
الأئمة يعرفه ، أو حُكْمٌ يجب التنبيهُ عليه إلا بَّنَ ذلك وأَوْضَحَهُ ، وهذا ما قَصَدَهُ عندما
نَعَتَ كتابه بـ (( الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار ... )) فهوَ في كُلِّ
مَسْأَةٍ يَأْتِي بِأَقْوالِهِمْ، وَيَسْرُدُ اختلافاتهم، وعِنْدَهُ أَنَّ الاختلافَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، وإنما الحُجَّةُ
في ((الإجماع))(١) .
والإجماعُ مَسْأَلَةٌ من مَسائِلِ الأُصولِ ، وهوَ المَطْمَحُ الذي يَطْمَحُ إليه ابنُ عبد البَرّ في
كتابِهِ هذا، وهو الخَطُّ الذي يَرْبُطُ أَوَّلَ الكتابِ وَآخِرِهِ ، تَلْمَحْهُ فِي كُلِّ فَقْرَةٍ ، وفي كل
مَسأَلَةٍ ، ووراءَ كل لفظٍ : قال أبو عمر .
في (٨: ١١٢٤٥) قَالَ أَبُو عُمَرَ: اَّفَقَ الفُقهاءُ أَهْلُ الفَتْوى بِالأَمْصارِ عَلَى أَنَّ
التّكْبِيرَ عَلَى الْجَنَائِ أَرْبَعٌ لا زِيادَةٍ، عَلَى مَا جَاءَ فِي الآثارِ المُسْنَدَةِ مِنْ نَقْلِ الآحادِ الثَّقَاتِ وَمَا
سِوِى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ شُذُوذٌ لاَ يُلْتَفَتُ إِليهِ اليَومَ وَلا يعرجُ عَلَيْهِ .
فَإِذا كانَ السَّلَفُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوَلَيْنِ أو أَكْثَرَ ثُمَّ أَجْمَعَ أَهْلُ عَصْرٍ فِي آفاقِ الْمُسْلِمِينَ
بَعْدَهُمْ عَلَى قَولٍ مِنْ أَقاوِيِلِهِم وَجَبَ الاحْتِمَالُ عَلَيْهِ والوُقُوفُ عِنْدَهُ وَالرُّجُوعُ إِليهِ .
وفي (٢٤ : ٣٦٣٦٩) قَالَ أَبُو عُمَرَ : انْعَقدَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، رَضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ،
فِي زَمَنِ عمر ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَلَى الثَّمانِينَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ ، وَلَا مُخالِفَ لَهُمْ مِنْهُمْ، وَعَلَى
ذَلِكَ جَمَاعَةُ الَّابِعِينَ، وَجُمْهُورُ فُقهاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالخِلافُ فِي ذَلِكَ كَالشُّذُوذِ المَحْجُوجِ
بِالْجُمْهُورِ .
(١) انظر المجلد الرابع، الفقرات : ٤٣٠٦، ٤٣٣٦، ٤٤٢٦، ٤٥٣٤.
- ١٤٢ -

وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ الأَحْرُفِ ، الَّتِي قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ عَّهِ: أُنْزِلَ القُرآنُ عَلَيْها، وَمَنْعُوا مَا عَدَا مُصْحف عُثْمَانَ مِنْها، وَاَنْعَقَدَ الإِجْمَاعُ
عَلَى ذَلِكَ ، فَلَزِمَتِ الْحُجَّةُ بِهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ:
﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ .. ) الآية [النساء: ١١٥ ].
وَقَالَ أَبْنُ مَسْعُودٍ : مَا رَأَهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَناً ، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ حَسَنٌ .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهُ: ((عَلَيْكُمْ بِسُنَِّي، وَسَنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الَهْدِيِّن بَعْدِي)) .
وفي (٨: ١٠٤٦٢) الذي عليهٍ جَماعَةُ الأُمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الأَثَرِ والرَّأْيِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ
لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَا فِي صَلاَتِهِ نَافِلَةً كَانَتْ أَو مَكْتُوبَةً بِغَيرٍ مَا فِي الْمُصْحَفِ المُجْتَمعِ عَليهِ سَواءٌ
كَانَتِ القراءَةُ مُخَالِفَةً لَهُ مَنْسُوبَةٌ لاِبْنٍ مَسعُودٍ أو إِلى أَبِيِّ أو إِلى ابْنِ عَبَّاسٍ أو إِلى أبي بَكْرٍ أو
عُمَرَ أو مُسْتَدَةً إِلى النَّبِيِّ ◌َِِّ .
إِذَنْ فالوصولُ إلى الحَقِّ ، وتحقيقِ مقاصِدِ الشَّرْعِ هو مَطْمَحُ الفَقِيهِ المتوازِن : ابن عبد
البَرِّ من وراءِ استعراضِهِ لإِقْوالٍ فُقَهاءِ الأُمْصَارِ ، وعُلَماءِ الأَقْطارِ لأِنَّ الإختلافَ بَيْنَ البَشَرِ
أَمْرٌ واقِعٌ ولا يُشَكِّلُ خَطراً ما دامَ الوصولُ إلى الحَقِّ لِوَجْهِ الحَقِّ هُوَ الُبْتَغِى.
ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في (١٣ : ١٨٧٨٦ ) أنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِت ، وَابْنَ عَبَّاسٍ تَمَارَيَا فِي
صُدُورِ الحَائِضِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا الطَّوَافَ بِلَبْتِ:
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تَنْفُر .
وَقَالَ زَيْدٌ : لا تَنْفرُ ! فَدَخَلَ زَيْدٌ عَلى عَائِشَةَ فَسَأْلَها، فَقَالَتْ: تَنْفِرُ، فَخَرَجَ زَيْدٌ ،
وَهُوَ يَقُولُ : مَا الكَلامُ إِلا مَا قُلْت .
وأخرج الإمام أحمد في «مسنده)) (٤ : ١٩٦): لما وقع الطاعون قال عمرو بن
العاص : إِنَّهُ رِجْسٌ فتفرَّقُوا عنه ، فبلغ ذلك شُرَحْبِيل بن حَسَنَة ، فقال : لقد صحبتُ رسولَ
اللّهِ (عٌَّ) وعَمْرو أضلّ من بعيرٍ أَهْلِهِ، إِنَّهُ دعوةُ نبيّكم، ورحمةُ ربكم ، وموتُ الصالحينَ
قبلكم ، فَاجْتُمِعوا له ولا تفرّقوا عنه، فبلغَ ذلك عَمْرو بن العاص ، فقال : صَدَقَ .
وأخرج البخاري ومسلم ، وغيرهما أنَّ النبي ◌َِّ قال يوم الأحزاب: ((لا يُصَلِيَنَّ أحَدٌ
- ١٤٣ -

٦
العَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ)) ، فغربتِ الشمسُ قَبْلَ أن يأتوهُمْ ، فقالَتْ طَائِفَةٌ من المسلمينَ : إِنَّ
رسولَ اللَّهِ عَّهِ لم يُرَدَّ أنْ تَدَعُوا الصَّلاةَ فَصلُّوا، وقالت طائفةٌ: إِنَا لَفِي عَزِيمَةِ رسولِ اللَّهِ
عَّهِ مَا عَلَيْنَا من إِثْمٍ، فَصَلَّتْ طائِفَةٌ إِاناً وَاحْتِساباً ، وَتَرَكَتْ طَائِفَةٌ إِيماناً واحْتِسَاباً ، ولم
يُعَنِّفْ رسولُ اللَّهِ عَّهِ واحِداً مِنَ الفريقين.
وقد اختلف العلماءُ في الُصيبِ يومئذٍ مَنْ هُوَ ؟ بل الإجماعُ على أن كُلاّ من الفريقين
مأجورٌ ومعذورٌ ، غير معنَّف . فقالت طائفة من العلماءِ: الذينَ أَخَّروا الصلاةَ يومئذٍ عن
وقتها المُقَدَّرِ لها حَتَّى صَلُّوها في بني قريظةَ هم المصيبونَ ؛ لأنَّ أمرهم بتأخيرِ الصلاة يومئذ
خاصٌ ، فيقدم على عموم الأمر بها في وقتها المقدر لها شرعاً ، وقالت طائفةٌ أخرى من
العلماء: بل الذين صَلُّوا الصلاةَ في وَقْتِها لما أَدْرَكَتْهُمْ وهم في مسيرهم هم المصيبونَ ،
لأنهم فَهِمُوا أنَّ الأمرَ المرادَ إنما هو تعجيلُ السَّيْرِ إلى بني قُرِيظَةَ لا تأخير الصلاة ، فعملوا
بمقتضى الأدلة على أفضليةِ الصلاةِ في أوَّلِ وقتها مع فَهْمٍ عَنِ الشارعِ ما أراد ، ولهذا لم
يُعنفهم ولم يأمرهم بإعادةِ الصَّلاةِ في وقتها التي حُوِّلتْ إليه يومئذ كما يَدَّعيهِ أولئك ، وأما
الذين أخَّروا فعذُروا بِحَسْبِ ما فَهِموا . وأكثر ما كانوا يؤمرونَ بالقضاءِ وقد فَعلوهُ .
وقد اختلفَ الصحابَةُ قبل ذلك في أسارى بَدْرٍ : أَيُفادون ، أم يُقتلون ؟ فقد استشارَ
النبي عَّهُ الناس في الأسارى يوم بدر، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه هؤلاءٍ بنو العَمِّ
والعشيرةِ والإخوان ، وإني أرى أن تأخُذَ منهم الفدية ، فيكون ما أخذناه قوة لنا على
الكفار، وعسى أن يَهْدِيَهُم اللَّه فيكونوا لنا عَضُداً. فقال رسول اللَّه عَّه: ((ما ترى ياابن
الخطاب؟)). قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكنني من فلان -
قريب لعمر - فأضرب عنقه ، وتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقهُ، وتمكن حمزة من أخيه
فلان فيضربَ عنقه ، حتى يعلم اللَّه أنه ليستْ في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء
صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهوى رسولُ اللَّه عَّهُ ما قالَ أبو بكر ولم يُهْوَ ما قال عمر ،
ثم خرج عليهم ، فقال: ((إن اللَّه لِيُلِّنُ قلوبَ رجال فيه حتى تكونَ ألين من اللَّبَنِ ، وإن اللَّه
ليشدد قلوبَ رجال فيه حتى تكونَ أشدٌ من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم
- ١٤٤ -

قال: ﴿ فَمَنْ تَبعني فَإِنَّه مِنِّي ومَنْ عَصَانِي فِنَّك غفورٌ رحيم﴾ [ إبراهيم: ٣٦]. ومثلك
يا أبا بكر كمثل عيسى قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فإنَّهم عبادُك وإنْ تغفرْ لهمْ فإِنَّك أنتَ العزيزُ
الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨]، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح ﴿قالَ ربِّ لا تذرْ على
الأرض من الكافرينَ ديَّاراً﴾ [ نوح: ٢٦]، وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال: ﴿ ربنَا
اطمسْ على أموالِهِمْ واشْدُدْ على قلوبهم فلا يُؤمِنُوا حتى يَرَوا العذاب الأليم ﴾ [ يونس:
٨٨] . أنتم عالة فلا يبقينَّ أحد إلا بغداءٍ أو ضَرْبَةٍ عُنُقٍ )).
أرأيت كيف وقع الاختلاف في موضوع ما أخطره، وكيف أقرَّ رسول اللَّهِ مَله كُلاً
على رأيه وأخَذَ بما هو أصلح للإسلام والمسلمين ؟ .
ليس هذا فقط ، بل وقع الاختلاف بعد ذلك في أحدٍ ما بين الخروج إلى العدوّ ، وبين
التحصينِ في المدينة ، وفي الحديبية عندما لم يُطِقْ بعض المسلمينَ شروطَ الصلح ، وفي
الصوم والفطر في السفر ؛ كان الصحابَةُ يسافرونَ ومنهم الصائم ومنهم المفطر ، فلا يَعِبْ
أحدٌ على أحَدٍ ، والرسول ◌َّهُ يُقِرُّ كلاً على ما هو عليه.
وانظر هُنَيْهَةً في قِصَّةِ الفاروق عمر رضي اللَّه عنه مع هشام بن حكيم لما سَمِعَهُ يقرأ
سورة الفرقان، قال: فسمعته يقرأ على حروفٍ كثيرةٍ لم يُقرئنيها رسولُ اللَّهِ عَِّ، فقال
له: من أقرأكَ هذه السورة التي سمعتُكَ تقرأ بها؟ فقال: أقرأنيها رسولُ اللَّه ◌ِلَّهِ ، فقال
له: كذبتَ فإِنَّ رسولَ اللَّهِ عَّهِ قد أقرأنيها على غير ما سمعتُك تقرأ من حروفٍ ، فانطلقتُ
بِهِ أُقُودُه بردائه إلى رسول اللَّه عَّة ، فقلت: إني سمعته يقرأ سورة الفرقان على قراءةٍ لم
تُقرئنيها. فقال: ((أَرْسِلْهُ، إِقْرَأْ يا هشام)). فقرأ تلكَ القراءة التي سمعتُها منه، فقال:
(كذلك أُنْزِلَتْ)). ثم قال: ((اقرأ يا عُمر)) فقرأتُ القراءةَ التي أقرأنيها. فقال: ((كذلك
أُنزلتْ، إنَّ هذا القرآنَ أُنزِلَ على سَبْعَةٍ أَحْرَفٍ )) .
واختلفَ الصدّيقُ أبو بكر مع الفاروق عمر في قضية ما نعي الزكاة ، وفي جَمْع
القرآن ، ووصلَ هذا الاختلاف إلى حَدِّ أنْ مزَّق الفاروق عمر الكتابَ الذي كتبه أبو بكر
لبعضٍ من كانَ يتألفهم حينما أرادوا من عمر أن يشهد عليه ، ويقول لهم : ليس لكم
شيء ، إنما كان ونحن في ضَعْفٍ ، أما اليوم وقد أعزّنا اللَّه فلا ، فرجَعوا إلى أبي بكر
- ١٤٥ -

وقالوا : الخليفةُ عمر أم أنتَ ؟ فيقول لهم: عمر إن شاء. ثم يُرسل إليه ويسأله ، فيقول له
ما قاله سابقاً ، ويعلمهم إما أن يبقوا على إسلامهم وإما السيف بينهم . فما غضبَ أبو بكر
لفعل عمر ، ولا تعصَّب لرأيه، ولا أثَّر في نفسه تمزيق كتابه ، إذا الغرضُ هو مصلحة
الإسلام والمسلمين(١) .
وتعتبرُ جميعُ الخلافاتِ المَذْهَبِيَّةِ وجهات نظرٍ فقهيةٍ ؛ ذلكَ أنَّ مَصادِرَ المبادئ
والأحكام الإسلامية إِمَّا دَلَّتْ عليها أدِلَّةٌ قَطْعِيَّةٌ فاكتسبتْ صِفَةَ القَطْعِ مِنْ أدلتها، ومِنْ ثَمَّ
(١) هذا في عصر الرسول عَّه، وعهد الصحابة ، والسلف الصالح من العلماء يعذر بعضهم بعضاً إذا ما
اختلفوا ، ولا يعيب أحد منهم رأياً رآه غيره ، فكانوا بهذا أقرب في الوصول إلى الصواب وأُسرع
بلوغاً إليه إذا لمحوه ، وأقوى تمسكاً به إذا أدركوه ، وكان شعارهم جميعاً في ذلك هو أن الرجوع
إلى الحق من أمهات الفضائل .
وكان من أثر ذلك في علاقة بعضهم ببعض نموَ روح التسامح فيما بينهم ، وقوة المحبة والأخوة في
اللَّه ، وفي سبيل الحق، والتعاون على كل ما يوصل إلى رضاء اللَّه تعالى، وإلى سعادة الأمة فبارك
اللَّه لهم في أعمارهم وأعمالهم ، وحفظها من أن تضيع في جدل عقيم ، ومراء سقيم ليس له من
باعث سوى العناد للرأى ، والانتصار للمذهب ، مهما بعد عن الحق ، أو ظهر خطؤه .
وحفظهم سبحانه كذلك من التخاصم ، والتحاسد ، ومن كل ما يفسد القلوب ، ويحبط
الأعمال ، فنفعهم بأعمالهم ، ونفع بها الأمة .
وها هي ذي آثارهم ، لا زالت مناراً يهتدي به من أراد سلوك طريقهم ، ونموذجاً لمن وهبه اللَّه ما
وهبهم من فقه في الدين ، وحرص على تحري الحق ، وأراد أن ينفع كما نفعوا ، ويثمر كما أثمروا .
ولعل من أسباب نجاحهم أنهم كانوا جميعاً يغترفون من نهر واسع الجنبات ، عميقالغور ، ذلك هو
كتاب الله وسنة رسوله، يرتوى منه كل منهم على قدر استعداده ، ولا يقابل من غيره بعتاب ولا
ملام .
كان بعضهم يفهم في الآية أو الحديث فهماً ، ويفهم غيره فيهما فهما آخر ، فيناقش كل صاحبه
بالتي هي أحسن ، فإن كانت النتيجة اتفاقاً حمدا للَّه تعالى، وإن كانت الأخرى عذر كل صاحبه ،
وانصرفا صديقين متحابين .
ثم خلف من بعدهم خلف قدسوا هذه الآراء، وبالغوا في التعصب لها ؛ والطعن فيما سواها ،
فتشعبت بهم الطرق ، وتعرجت المسالك على السالك، وأبعدتهم عن الأصل الأول (( الكتاب
والسنة)) حتى أهملوا النظر فيه ، وتخاصموا وتعادوا كما يتخاصم ويتعادى أتباع الأديان المختلفة .
حتى جعل من أبناء الأمة الواحدة شيعاً وأحزاباً ، يخاصم كل حزب غيره ويعاديه .
-١٤٦ -

فلا يَسَعُ الْمُسْلِمَ أَنْ يَسُكَّ فيها، ولا يُعذر أحدٌ بجهلها كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة
وآتوا الزكاة ﴾ [البقرة: ٤٣]. و﴿ كُتُبَ عليكم الصِّيامُ﴾ [ البقرة: ١٨٣ ]. ﴿ولله
عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [ آل عمران: ٩٧ ]. في وجوب ذلك على المسلمين وكقوله
تعالى: ﴿حُرِّمتْ عليكُمُ الَيْتَةُ والدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ [ المائدة: ٣]. في النواهي ، وقوله :
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاص حَيَاةٌ ﴾ [ البقرة: ١٧٩]. في الحقوق عموماً، وقوله : ﴿فَمَنْ
تَمَتَّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي فمِنْ لَمْ يَجِدْ فَصيامُ ثَلاثِةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسبعةٍ
إذا رَجَعْتُم تِلكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٍ ﴾ [ البقرة: ١٩٦]. وهذه مما لا اجتهادَ فيه .
أو دَلَّتْ عليها أدلةٌ صحيحةٌ غير صريحة ، أو صريحة غير صحيحة ، مما أطلق عليه :
((الأدلة الظنية)).
فمن الصحيح غير الصريح : مثل قوله تعالى: ﴿إِلا أَنْ يَعِفُونَ أَو يَعفُوَ الذي بيدهِ
عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [ البقرة: ٢٣٧]. فهو دائِرٌ بين الزوج والولي ، وليس صريحاً في واحدٍ
منهما . ومثل قوله تعالى: ﴿لاَ تُضَارٌ والدةٌ بولدِهَا﴾ [ البقرة: ٢٣٣] فهو دائر بين اسم
الفاعل واسم المفعول ، فيحتمل أن يكون الكلام موجهاً إليها بالنهي أنْ تضر الوالد بسبب
ولدها ، ويحتمل أن يكون موجهاً للوالد دفاعاً عنها أن تضر في ولدها . ومن ذلك ما يكون
اللفظ مشتركاً : اسماً أو فعلاً أو حرفاً. فمن الأسماء المشتركة : لفظ القرء في ﴿ثَلاثةَ
قُروء﴾ [ البقرة: ٢٢٨]. حيث يستعمل للحيض وللطهر.
وَلَمْ يختلفِ الأَئِمَّةُ اختلافاً جوهرياً في أيِّ مسألةٍ من المسائل ، أو اختلافاً يقوم في
جَوْهَرِهِ على عَصَبِيِّةٍ أو هوى أو جهل ، إنما اختلفوا في بعض المسائل ذاتِ الأدِلَّةِ الظنية
اختلافاً اقْتَضَتْهُ ضرورةُ النَّظَرِ والاجتهادِ والبَحْثِ .
أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول اللَّه عَّهُ وقف فِي حَجَّةٍ
الوداع فجعلوا يَسْأَلُونَهُ فقال رجلٌ: حلقتُ قبل أن أذبحَ، فقال: اذْبْح ولا حَرَجَ ، فجاء
رجل آخر فقال: نَحَرْتُ قَبْلَ أن أرميَ؛ فقال: ارم ولا حرجَ، فما سُئِلَ النبي عَّهِ يومئذ
عن شيء قُدِّم أو أُخْرَ إلا قال: افعلْ ولا حَرَجَ، وعدّد بعضهم الأشياء التي سُئِلَ عنها عَّه
-١٤٧ -

حتى أَوْصَلَها إلى (٢٤) صورة: الحَلْقُ قَبْلَ الرَّمْيِ، والحَلْقُ قَبْلَ الذِّبْحِ، والذّبْحُ قَبْلَ الرَّمْي،
والإفاضَةُ قَبْلَ الذَّبْحِ، والسَّعْيُ قبلَ الطوافِ ...
أَرَأَيْتَ في باب التيسير أَفْسَحَ من هذا الأفق !! وَمِمَّنْ؟ من صاحبِ الشريعة الغَرَاءِ .
أليسَ في هذا دليل على أنَّ كل فعلٍ طُلِبَ من المكلف ولم يَرِدْ عن النبيِ عَِّ شيء
يحددُ كيفيته ، أو ترتيب بعضه على بعض، يكونُ الأمر فيه واسعاً ، يفعلُ كُلَّ مكلف ما
يَغْلِبُ على ظَنِهِ أنَّهُ هو المطلوبُ ، ولا حرجَ عليه بعد ذلك ، لأنه لو كان غير ذلك لوجَبَ
على النبي عَِّ أنْ يُبَيْنُهُ للناسِ .
أَيْنَ هذا التيسير والتسامح من صاحب الشريعة الغراء مما يسود اليوم من تعصب لبعض
المذاهب ، وما يجره هذا التعصب من كوارٍثَ على الأمة !
إِنَّ هذا الروح السامي في التيسيرِ والتسامح هو الذي ينبغي أن يسودَ العالم الإسلامي
إذا أريدَ لهذه الأمة أنْ تَتَوَحَّدَ كلمتُها ، وألا تكونَ شَيعاً وأحزاباً يضربُ بعضهم أعناقَ
بعضٍ ، والمسلمونُ أمة واحدة ﴿إِنَّ هذه أمتكم أمةً واحِدةً وأنا رَبُّكُمْ فاعبدُون﴾
[ الأنبياء: ٩٢ ] .. المسلمونَ جَماعَةٌ واحِدَةٌ ، ومهما تَعَدَّدَتْ أفرادهم وشعوبهم،
يجتمعون على عبادة ربِّ واحد: ﴿اللَّه الذى جعل لكم الأرْض قراراً، والسماء بناء
وصورّكم فأحسنَ صوركُم ورزقكم من الطيبات ، ذلكُم اللَّه ربكُمْ فَتبارك اللَّه رب
العالمين﴾ [ غافر: ٦٤ ] .. ﴿إِلهُكم إله واحد، فالذين لا يؤمنون بالآخرة قُلوبهم منكرة
وهم مستكبرون ﴾ [ النحل : ٢٢ ]
وكما يجتمعونَ على عبادةِ ربِّ واحدٍ يجتمعونَ على وَحْدَةٍ في الصلاةِ بين بعضهم
بعضاً ، ووحدة في الفعل والترك فيما يتصل بخير أنفسهم وخير جماعتهم ، ووحدة في
طاعة الله ورسوله وفيما جاء عن الله ورسوله: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضُهم أولياءُ بعض
يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتُون الزكاة، ويطيعُون اللَّه
ورسوله أولِيِّك سيرحمهُم اللَّه، إن اللَّه عَزيز حكيم﴾ [ التوبة: ٧١ ].
وقوةُ المسلمينَ في ولاءِ بعضهم لبعض، يقول اللَّه تعالى: ﴿والمؤمنونَ والمؤمنات
- ١٤٨ -

بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: ٧١] .. ويقول رسوله الكريم: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان
يشد بعضه بعضا )) هذا هو نداءُ الإسلامِ للمسلمينَ للإبقاءِ على علاقاتِ الأخوَّةِ والموَّدةِ
والولاءِ بين بَعْضِهِمُ البعض . إذْ في الإبقاءِ على علاقاتِ المودَّةِ والأخوَّةِ والولاءِ إبقاءٌ على
شخصية المجتمع وعلى أهدافِهِ وغاياته ، وهي أهدافٌ وغاياتٌ تتصلُ بسيادتكم . وسيادتكم
في عدم طواعيتكم لمن لا يؤمن باتجاهكم ودينكم: ﴿ولا تؤمنُوا إلا لمن تَبَعَ دينكم﴾ [ آل
عمران: ٧٣ ] .. يقول ذلك القرآن الكريم تحذيراً من تفتَّتِ الجماعةِ ومن وهنها إذا ما
اتبعت ودانت بالولاء لمن لا يؤمن بإيمانها في الحياة .
إن المسلمينَ جماعةٌ قامتْ على مبدأ الإيمان باللَّه، ناضلتْ في سبيلِ الاحتفاظِ به ،
وَعَرِفَتْ بين الجماعاتِ الأخرى بِنَّها الجماعة التي أُسلمتْ للَّه ولرسوله، جماعة هذا
وضعها من الطبيعي أن يكون مستقبلها مرتبطاً بما ارتبط به قيامها من الإيمان بالله والنضال
والكفاح في سبيله: (( لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)).
ولا شيءَ أقوى في هَدْمِ كيانِ المجتمعِ منْ أَنْ تَتَوَزَّعَ أفراده بين نِحَلٍ مختلفةٍ ومذاهبَ
متفرقة واتجاهات متباينة ، تجعل العدو يستغل هذه الثغرة ويوسعها ويباركها كما يبارك
الشيطان فعل الكبائر ، فأصبحنا نرى هذه الخصومات المذهبية وهذا الغلوّ الممقوت،
والمذاهب المتعددة في ظل دين واحد ، ورسول واحد ، يستغلها ذوو النيات السيئة ،
وأصحاب المقاصد الدنيئة في ضرب المسلمين بعضهم ببعض .
أخرج الإمام أحمد في المسند، حديث رقم (٣٩٨١)، (٦ : ٣٥)، وقال عنه
الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح عن عبد الله بن مسعود قال: أقرأنى رسول اللَّه ◌َلّه
سورة من الثلاثين من آل حم ، يعني الأحقاف ، قال : وكانت السورةُ إذا كانت أكثر من
ثلاثين آية سُمِّيَتِ (( الثلاثين))، قال: فُرُحْتُ إلى المسجد ، فإذا رجل يقرؤها على غير ما
أقرأني، فقلت: من أقرأكَ؟ فقال: رسول اللَّهُ عَُّ، قال: فقلت لآخر : اقرأها ، فقرأها
على غير قراءتي وقراءةٍ صاحبي ، فانطلقتُ بهما إلى النبي ◌َّةٍ، فقلت: يا رسول اللَّه، إن
هذين يُخالفاني في القراءة! قال : فغضب وتمعرَّ وجههُ، وقال : إنما أهلك من كان قبلكم
-١٤٩ -

الاختلافُ، قال زرّ: وعنده رجل ، قال: فقال الرجل: إن رسول اللَّه عَّه يأمركم أن يقرأ
كل رجل منكم كما أقْرِئَ ، فإنما أهلك من كان قبلكم الاختلافُ، قال : قال عبد اللَّه : لا
أدري أشيئاً أُسرِّه إليه رسول اللَّه عَُّ، أو عَلِمَ ما في نفس رسول اللَّه عَّه؟ قال: والرجل
هو علي بن أبي طالب .
أرأيت روح الإسلام ، والمثل السامي في التيسير والتسامح وكراهة الاختلاف ؟!
وسوف ترى في المجلد الثلاثين في جدول المسائل الفقهية عند أصحاب المذاهب
الأربعة انحصار الخلاف في أمور جد فرعية ، وتبين أوجه الاختلاف الذي ما وقع إلا
بسبب أن يكون العمل الذي حصل من النبي (َّه) قد حضره جمع من أصحابه وغاب عنه
جمع، وانظر في حصر أسباب الخلاف معرفة السنن والآثار (١ : ٦٠ - ٦٤ ).
إن كتاباً كالاستذكار يزيد وحدة المسلمين تماسكاً حيث يقدم فهماً ايجابياً للمسلم في
هذا العصر ، ويقدم للباحثين منهجاً متكاملاً في بناء الفقه الإسلامي .
فرَّقَتِ السياساتُ قديماً أمْر المسلمينَ وشتتت شَمْلَهُمْ، ثم عَزَّزَها أهلُ الكَهْدِ والدس
بغشهم حتى جعلوها تتغلغلُ في الأديانِ والعقائدِ ، وصارَ الدينُ الواحدُ أدياناً والأمةُ
الواحدة أمماً . وما الأمرُ كله بالذي يستوجبُ بعض ذلك ، فلنأخذه بالتوسعة والتسامح ،
ولكلِّ رأيهِ في السياسة وفهمه للتاريخ فلا يضيقنَّ أحد ذرعاً بفهم أخيه ، ولا نجعلنَّ خلافَ
الرأي في السياسات والحزبيات ماضيها وحاضرها مفرقاً وحدتنا وصادِعًا شملنا ومخْمِدًا
نارنا ، ولا نجعلنَّ هذه الأحقاد والعداوات تتوارث إلى يوم الدين .
إنَّ الأمم من حَوْلنا اليوم كالجياع على القصاعِ كما أخبر بذلكَ الرسولُ الأعظم عَّهِ ،
فلن يجدينا في موقفنا اليوم ذلك الجدلُ ولا تلكَ الفُرْقَةَ ، بخُويصَّة أنفسنا ما يشغلنا عن هذا
الباطل ، وفي مطالب الحياةِ الجادَّةِ ما يلفتنا عن التفرقِ ... فلنقابلها صفاً واحداً وأمة واحدة
كما بدأنا اللَّه، ولننبذَ عصور الظلامِ بآثارها جميعاً . إنَّ ربنا واحد، ورسولنا واحد ،
وكتابنا واحد ، فلنعد أمة واحدة كما أراد اللَّه لنا، ولنبرأ من كل فتنة وخلاف وتفرقة . إنا
محاطون بالأعداء داخلا وخارجاً ، وهم دائبون على توسيع الشقة بيننا فلا نعيننهم على
أنفسنا ، ولا نضعنَّ في أيديهم السلاح الذي يقتلنا ويجعلنا لهم طعمة سائغة .
- ١٥٠ -

المبحثان الثالث والرابع
في وصف النسخ الخطية العزيزة المعتمدة فى نشر الكتاب
والمنهج الذي اتبعته في إخراج الكتاب وتنسيقه
لقد سَلَخْتُ عقدً من الزمنِ فى نسخِ هذا الكتاب ومن ثمَّ تحقيقه، كنتُ فيها حيالَ
معجزةٍ لا يجدُّ القلمُ إلى وَصْفِها سَبِيلاً، وأَخَصُّ ما يَبْهِرُكَ فيه علمٌ زاخرٌ كالبحرِ : بَعْدَ غَوْرِ،
وتلاطم أمواجٍ، وسعةُ آفاقٍ، فما شئتَ ممَّا تُطْلبُهُ إلا أنْتَ واجدٌ منه ما يروعكَ من دقّةٍ،
وَفَصَاحَةٍ، وبيانٍ، وأهمّ من هذا وذاك النتائجُ الباهرةُ التى يُرَكِّزُ عليها، فهو المصنّفُ الواعي
الذي يأْخُذُ بيدكَ، وهو يَعْرِفُ أَيْنِ سَينتهى بِكَ المطافُ، من أجْلِ ذلكَ، فَقَدْ طال عليّ الَّمَنّ
وأنا بِصَدَدَ إخراج هذا الكتاب، والنسخ الخطية مبتورة علي قلَّتها وندرتها، ولم يكن مقدراً لهذا
العمل أن يرى النور لندرة نسخ هذا الكتاب الخطية الغير متوافرة، زد على ذلك ما اعترى هذه
النسخ من تشويه، واضطراب ونقص .
وَلَسْتَ بسبيلٍ بيانٍ ذلك الآن، وإنَّما أُخبركَ بِأنَّ أَوَّلَ اتصالي بنسخَة دار الكتب المصرية
كان في أواخر العام (١٩٨٢) ولم أفرغٌ من الاطلاعِ عليها، وقراءة بَعْضِ الأبوابِ حتى
عَزَمْتُ على نَشْرِهَا النَّاسِ، بل اعْتَقَدْتُ أني أُسْأَلُ عنْ إهمالِ هذِهِ الدَّخَيرِةِ، فَلَمْ يَهْداً لي
بالٌ حتى اقتنيت كل ما وصَلَتْ إليه يدي، وهداني إليه تَفْكِيري، ويسّره الله لي من نسخِ هذا
الكتابِ النَّفيس.
١- النسخة الأولى = النسخة الأم
دار الكتب المصرية، رمزت لها بالحرف (ك)
هذه النسخةُ التي أُخَذَتْ رقم (٢٤) حديث - على كلِّ ما فيها من خرم، وتآكل - هي
أدقُّ النسخِ طُرًا، وتشملُ أَكْثَرَ أبواب الكتاب، وكانتْ ملْكاً للعلاّمة عبد الحليم بن
- ١٥١ _

عبد السلام بن تيميّة والد أحمد بن تيميّة، ثم آلْت إلى الأمير صرغتمش الذي وقفها على
طَلَبَةِ العِلْمِ فى مَدْرَسِهِ التي كانَتْ تُجَاوِرُ جامعَ أحمد ابن طولون.
تقعُ هذه النُّسْخَةُ في مجلّديْنٍ كبيرينٍ يَشْتمِلَ كل مجلّدٍ على نصف الكتاب تقريبًا،
المجدّدُ الأوَّلُ ناقص من أوَّلِه وآخِرِهِ، والباقي منه: (٣٧٨) لوحة، كل لوحة بها صفحتان،
بالصفحة ٣٥ سطرًاً، بالسطر (٢٠) كلمة تقريبًا، وفوقَ ذلك فالمجلَّدُ في أوراقه تَقْطِيعٌ من
أوّلِهِ إلي الوَرَقَةِ (١٤٤) وهو تقطيعٌ متفاوت ؛ يَذْهَبُ في الصفحات الأولى بأكثر من نصف
الورقَةِ، ثم ينقُص على التدريجِ حتى يذهبَ بالقليلِ من الكلماتِ.
والمجدّدُ الآخرُ ناقص من آخره، ويبدأ بفهرسٍ لما يحتويه من كتبٍ وأبواب، وأوّله: باب ما
ينهى عنه من الضحايا، وعدد أوراقه (٣٥٣) ورقة، وفي كل ورقة (٣٥) سطرًا كما في
المجلد الأول.
وكلا الجزأين مكتوب بخطِّ أندلسيِّ، قديم من خطوط القرن السابع الهجري، وتميزت
أسماء الكتب والأبواب بخطٍ أكبر، وكذا لفظ ((قال أبو عمر)) فقد جاء في خاتمتها أنها
كُتبت في سنة (٦٠٦)، كما كان يردّ عند انتهاء كل جزء من تجزئة المصنّف ما يدلُّ على
ذلك، مثل ذلك ما ورد بعد الفقرة (٧٥١٠): نَجْزَ الجزء الثانى بحمد اللّهِ وَعَونِهِ وصَلَّى الله
على محمد رسوله وعبده وعلى آله وصحبهِ وذُرّيّته وأهل بيتهِ وسلّم تسليماً كثيراً، وذلك في
العَشْرِ الأوَّلِ من شهر شعبانَ المكرم سنة ست وستمائة، فرحم اللَّهُ كاتبَه والقارىء فيه ومن
دعًا لهم بالرَّحْمَةِ والمغفرةِ ولجميع المسلمين أجمعين آمين .. آمين ... والحمدُ لله ربِّ
العالمين.
كما جاء فى آخر كتاب القرآن بعد الفقرة (١٠٩٥٢): ((تَمَّ شَرح كتاب الصِّلاة،
ويتلوه - إن شاء الله - كتاب الجنائزِ في الجزءِ الرَّابِعِ، وذلك فى يوم الاثنين الثانى عشر من
رجب الفرد سنة ست وستمائة )).
وَقَدْ ذَكَرَ فؤاد سزكين في ((تاريخ التراث العربي)) ص (٤٦١) من الطبعة الألمانية أنّهما
جزءان تالفان .
- ١٥٢ -

وينتهى المجلَّدُ الثاني قَبْلَ الحديث (١٨٦١) من ترقيم أحاديث الموطأ)) أثناء: ٥٦ - كتاب
الكلام (٥) باب ما جاء فيما يخاف من اللسان.
والنسخةُ تكادُ توافقُ في ترتيب كتبها وأبوابها نسخة (( الموطأ) المطبوع برواية يحيى، خَلا
تقديم وتأخير في بعض الكتب ككتاب الجهاد، والمدبّر، وقد جعلتها أصْلاً اعتمدتُ عليها
فى نشر الكتاب، وأكملت النقص من النسخ الأخرى التالية وصفاً.
٢- النسخةُ الثانيةُ: نسخةُ صنعاء
تعتبر النسخة الأم من أَوِّلِ الكتابِ حتى باب قيام رمضان
وقد رمزت لها بالحرف (ص)
نسخةٌ صنعاء يوجد منها الجزء الأوّل، وهو كامل، وفي دار الكتب مصورة له، رقمها:
(٢٧٨٠٥ ب) وتشتمل على (١٦٦) لوحة، وتنتهي بنهاية باب قيام رمضان. خَطَّها
أندلسيُّ قديم، التزمَ الناسخ فيها حَذْفَ الألفِ من الأعلامِ التي تشبه: مالكا، وسليمان. وربما
حَذَفها من غيرها أيضاً، نحو السلام. والتزم كذلك حذف الهمزة من نحو: النائم. والذئب،
والفقهاء. وفيها خطأ قليل في الرسم: ككتابة ألّف بلامين، وكتابة يَنْجَى بالألف. ويكثرُ فيها
التحريفُ ، والسَّقط، والطمسُ، واستبهامُ الرسمِ، ولا تسلم مع ذلك من البياض. وبهوامشها
استدراك لبعض الجملِ والمفرداتِ وساعدَ على كثرة الطمسِ واستبهام الرسم فيها أمران:
أحدهما: أنَّ الناسخَ شديد الحرصِ على عدمٍ تجاوز الحدَّ الذي حَدِّدَه لنَهايةِ السطور، فإذا
لم تتسعْ بقيةَ النهاية للكلمةِ الأخيرة في السطر لم يكتبها في أول السطر التالي، ولكن يضُّم
الأحرف حتى يدخلَ بعضها في بعضٍ، لئلا يجاوز حد النهاية. بل ربما اضطره هذا النهج
المتشدّدُ إلى رسمِ الكلمة مائلة أو رأسية.
والأمر الآخر أنَّ الخَطَّ الفاصلَ بين نصف اللَّوْحَة قد يستعرضُ، حتى يغطي أواخر السطور
في النصف الأيمن، أوائلها فى النصف الأيسر، أو يغطي هذه وتلك جميعاً.
- ١٥٣ -

وقد انتهتْ هذه النسخة عند آخر باب (( ما جاء في قيام رمضان)) وجاء في آخرها: كمل ..
م
السفر الأول من كتاب ((الاستذكار)) والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله
وسلم تسليماً، يتلوه بحول الله تعالى فى أول الثاني: (( باب صلاة الليل )).
ثم جاء: انتقل هذا الكتاب إلى ملّك الفقيه سعيد بن محمد بن عبد الله ... بالشراء
الصحيح، وباللفظ الماضى الصريح، بثمن قبضه المشترى، وهو ستون ....
٣ - النسخة الثالثة وهي نسخة اليمن الثانية
وقد رمزت لها بالحرف (ى)
وهى من مكتبةٍ خاصة، صَوّرها لي الأخ الكريم الفاضل الأستاذ سليمان بن صالح
الغصن حفظه الله - وتقع فى (٣٨٠) لوحة، فى اللوحة (٣٥) سطرًا، وخطّها خط نسخ
عاديٍّ واضحٍ مقروءٍ بسهولةٍ، وبها طمْسٌ شديد في بعض المواضعِ، وميِّزَتْ عناوينها بمداد
أسودٍ ثقيلٍ [لعله أحمر في الأصل] وكذا لفظ ((قال أبو عمر)).
: أولها ((باب الإفاضة)) وآخرها عند باب ((ما يؤمر به من العمل في السفر)) عند الحديث
(١٨٤٠) أي قبل نهاية نسخة (ك)، وليس فيها كتابا : الجهاد، والنذور والأيمان إذا أخذنا
فى الاعتبار ترتيب نسخة ((الموطأ)) المطبوع.
كما أنَّ هذه النسخة متوافقة مع نسخة (س) التالية، وبها سقط كثير متوافق مع نسخة
(س) أيضًا وبها تقديم وتأخير لبعض الجمل لا يؤثر على المعنى، وقد سقطت منها كثيراً
العبارة المألوفة (( قال أبو عمر)).
٤ - النسخة الرابعة: نسخة استامبول
وقد رمزت لها بالحرف (س)
هذه النسخة من مكتبة طوبقبو سراي مدينة، وتتكون من أربعة أقسام:
- القسم الأول: وهو الجزء الثاني من الكتاب، رقمه (٣٠٨) ويتكون من (١٤٥) ورقة.
- ١٥٤ _

- القسم الثاني: هو الجزء الخامس من الكتاب، رقمه (٣٠٩) ويتكون من (٢٧٠) ورقة،
وتاريخ نسخ هذين القسمين ١٢٣١ هـ.
- القسم الثالث: رقمه (٣٢٦) ويتكون من (١٣٠) ورقة.
- القسم الرابع: رقمه (٣٢٧) ويتكون من (١٣٠) ورقة أيضًا، وتاريخ نسخ القسمين
الأخیرین (٨٥٠ هـ).
بدايةُ الموجود من نسخة (استامبول) كتاب صلاة الليل، حتى باب ((إعادة الصلاة مع
الإمام)) ثم خَرم من باب العمل في صلاة الجماعة إلى أوَّل كتاب العيدين، حتى باب
((العمل فى صدقة عامين إذا اجتمعا)) وقال عند آخر لوحةٍ في هذا القسم: ((يتلوه فى، أوَّلِ
السفر الثالث باب ((زكاة ما يخرص من النخيل والأعناب))، وهذا السفرُ مفقود، أما السفر
ءَ
الرابع فقد بدأ بباب الإفاضة وانتهى بباب القضاء في المكاتب )).
والقسم الثالث بدأ بأوّل البيوع إلى آخر الحدود، أما القسم الأخير فقد بدأ بباب ((جامع
القطع )» حتى نهاية الكتاب.
وهذه النسخةُ خَطُّها نسخيُ عادي. وبها تصحيفٌ كثير وسَقْطُ بالمقابلة مع النُّسخ
الأخرى، وهذا كُلُّهُ أَثْبتناهُ في حواشي الأجزاء، وقد ميّزَت الأبوابُ بمدادٍ أسودَ ثقيل، وعليها
استدراكات قليلة في حواشيها، وفي أعلى اللوحة أقصى اليسار عنوان مختصر للباب يتغير بتغير
الباب فمثلاً فى باب (( ما جاء فى العتمة والصبح)) نرى العنوان ((العتمة والصبح)) .... وهكذا،
واللوحات مرقمة أقصى اليسار أيضاً، فى كل لوحة (٤٢) سطرًا.
ويَبْدُو أن النسختين (ي) و (س) متفقتان بنسبة كبيرة، وتختلفان عن بقية النسخ كلها،
ويمكن أن أسجل بعض ذلك.
١ - بهما خرم في عدة مواضع متفق فيما بينهما، غير موجود في النسخ الأخرى.
٢- أسماء الأعلام تذكر بهما مختصرة، كأن يقول: عمر ، ابن عمر، عبد الله، سالم،
بينما هذه الأسماء ترد في نسخة (ك) كاملة: عمر بن الخطاب ، عبد الله بن عمر،
عبد الله بن مسعود، سالم بن عبد الله، وهكذا.
- ١٥٥ _

٣ - عدا فروق أخرى بينهما وبين النسخ الأخرى أثبتها في الحواشي.
٤- وأحياناً يقع خرم كبير في إحدى النسخ كما فى (٢٨٧٤٨ - ٢٨٧٧١) فى نسخة
(س) فيكون الاعتماد حينئذ على نسخة (ك).
٥- النسخة الخامسة: نسخة الرباط ورمزت له بالحرف (ط)
هى نسخة الخزانة الملكية بالرباط، ورقمها (٩٨٥٣)
أولها: باب (( القضاء باليمين مع الشاهد))
وآخرها: مبتورَ ينتهى أثناء باب ((أسماء النبى عَ)).
خطها: أندلسيٍّ جيدٌ من القرن السابع تقريباً
عدد لوحاتها (٣٠٠) لوحة، وكل صفحة بها (٢٩) سطراً مقاس (١٧ ×٢٧,٥) سم،
وبها آثارُ أَرَضَةٍ ورطوبة، وأسماء الأبواب فيها مميزة، وغير متداخلة مع المتن، بما يُسَهَّلُ سرعةً
قراءتها .
٦- النسخة المساعدة الأولى: نسخة جوامع أنوار
المنتقى والاستذكار
وهي من تأليف الشيخ الفقيه العلامة أبي عبد الله محمد بن سعيد بن أحمد بن زرقون
الأنصاري المتوفي (٥٨٦)(١).
وأول الموجود من هذه النسخة باب (( ما جاء في الخلع)) وآخرها باب («القضاء فيما
يعطى العمال)).
وهي نسخة المكتبة الأزهرية، حديث (٤٢)، وعدد لوحاتها (٢٨٤) لوحة، وخطها
نسخيٍّ جيد، وكل لوحة بها (٢٩) سطراً، وكتبت في القرن السابع الهجري، والموجود منها
المجلد الثالث فقط.
(١) معجم المؤلفين (١٠ - ٢٥)
- ١٥٦ -

٧- النسخة المساعدة الثانية: نسخة المختار الجامع بين المنتقى
والاستذكار = شرحي «الموطأ)) لأبي الوليد الباجي، وأبى
عمر ابن عبد البر.
من تأليف: أبي عبد الله محمد بن عبد الحق بن سليمان اليعفري التلمساني المتوفى
(٦٢٥ هـ)، والموجود من النسخة الجزء الأخير، وأوله باب ((ما جاء في سكنى المدينة
والخروج منها ... )) وتنتهي بما جاء في أسماء النبي ث﴾.
وهي بخط أندلسي، تاريخ نسخها (٧٣٠ هـ)، كتبها محمد بن قاسم بن عيسى،
ورقمها في الخزانة العامة بالرباط (٤٠/١٨٠)، وتتكون من (١٨٨) قطعة مقاس (٢٤×
٢٩ سم)، وبكل لوحة (٢٩) سطراً، والنسخة مقابلة، وبها بياض: كلمة، أو جملة، أو
سطور في أكثر من موضع، وهناك خرّم بين لوحتي (٧٤، ٧٥)، وبين (٩٣٫٩٢)، وبين
(٢١٩,٢١٨).
***
إنّ كلامَ المُصنّف في ((التمهيد)) (١: ٢١-٢٢) صريح أنّه صَنَفَ الاستذكار بعد
التمهيد، ومع أنه كثيراً ما يحيل في ((الاستذكار)) على ((التمهيد))، فلم أجد في ((التمهيد))
سوى إحالة واحدة على ((الإستذكار)) حيث قال في (٢٣٤:٤): ((وقد ذكرنا هذا الحديث
بإسناده في كتاب الزكاة من كتاب الاستذكار)) ولا يمكن تفسير وضع هذه الإحالة إلا أنها
مما ألحقه أثناء المراجعة في نسخةٍ واحدةٍ، ذلك أنَّ ((الاستذكار)) من أواخر ما صنّفَ ابن
عبد البرّ، ولذلك فإنَّ نُسَخَهُ قليلة، خاصة النسخ الكاملة، حتى نسخة دار الكتب المصرية
اعتورها النقص الشديد، وبقيةَ النَّسخ غير كاملة، لذا فقد اعتمدت نسخة ((دار الكتب
المصرية))، مع ترتيب كتب ((الموطأ)) الوارد في طبعة (( محمد فؤاد عبد الباقي))، والمفهرس
عليه في ((المعجم المفهرس لألفاظ الحديث))، ذلكَ أنَّ ترتيب الكتب في النسخ الخطية ليس
على نَسَقٍ واحدٍ، بل التقديم والتأخير وارد، فترى قوله في الفقرة (٣٣٣٠٤): وقد تقدّم
القول في ذلك في كتاب ((الْمَدَيّ)) مع أن كتاب المدبر في ترتيب ((الموطأ)) في نسخة يحيي بن
يحيي بعد ذلك.
ولا بأسَ هنا أن أستطردَ إلى نسخة محمد بن الحسن الشيباني ونسخة أبي مصعب الزبيري
- ١٥٧ -

الأُسَجّلَ أنَّ كلاهما يختلفُ ترتيبه للكتب تقديماً وتأخيراً عن نسخة ((الموطأ)) المطبوعة، إذن
صار في المعلوم أنّ نسخة (ك) هي أقدم نسْخَةٍ وهي الأقرب إلى وفاة المصنف؛ إنّهُ عدا ما
ذكرتُ آنفاً من أنَّ تاريخ نسخها يرجع إلى عام (٦٠٦ هـ) فإنَّ فيها إشارات إلى أنَّ نَسْخَ
بَعْضِ كُتبها كان قبل ذلك التاريخ؛ ففي آخر كتاب الذَّبائح (١٥: ٢١٨٢٩) وردت العبارة
التاليةُ (( ثَمَّ كتابُ الذَّبائِحِ وهوَ آخر الجزءِ السادسِ، وذلك في العشر الآخر من ذي القعدة سنة
اثنتين وخمسين وخمس مئة ... )) فباتَ من الواضح العناية بنسخة ((ك)) هذه، وترميم
صفحات التالفَةِ، فكانَ أَنْ عانّيْتُ أَشَدِّ الصعوبةِ أَمامَ بعضِ اللَّوْحَاتِ الكثيرة المتآكِلَةِ، وعدتُ
إلى كثيرٍ من المظانِّ؛ لَقَدْ كُنْتُ أَقِفُ عِنْدَ بَعْضِ العباراتِ السَّاعَاتِ الطَِّيَلِةِ، لا بَلٍ الأيام
ذواتِ العددِ، وكذا عندَ بعض الكلمات المطموسة، أو تلكَ التي جلِّلَها السَّوادُ، أَو التي
تأكلتْ مِنْ سوءِ الِحِفْظِ، فغابت مَعالِمِها، فكنتُ أَبْحَثُ عنها في مَظانّها من مراجِعَ أُخرى
أَحْدِسُ أنَّ بَعْض المصنفينَ نَقَلوا عن ابن عبد البَرّ، فلا أَعْثَرُ على شيء اللهمَّ إلا في القليلِ
النادر.
لقد جردت كتابَ عَمْدَة القاري للبدْر العيني، وجوامع الأنوار في الجمع بين المنتقى
والاستذكار، والمختار الجامع بين المنتقى والاستذكار، وشرح الزرقاني على موطأ مالك، والمنتقى
لابن الباجي، والتمهيد، والموطأ، حتى استطعتُ أنْ أَظْفَرَ بالنّصِّ الكامِلِ للاستذكار كما
صَنَّفَهُ ابنُ عِبْدِ البَرّ، وَتَذَكَّرْتُ ما قالَهُ شيخنا الفاضل المرحوم ((محمد محى الدين
عبد الحميد)): إنَّ الذي يلاقيه محقق كتاب من كتب الأقدمين يزيد كثيراً على ما يلاقيه إذا
أرادَ أَنْ يُؤْلِّفَ كتابا فى موضوعِ الكتابِ الذي يُحَقّقَهُ، لأنه يستطيع - إذا أرادَ أنْ يتركَ في
تأليفه ما أغلق علیه فهمه، ویخصّ بالذ کر ما وضح له واستبانَ وجه الصواب فيه (١)
ومع ذلك فإن كتابين من كتب الموطأ هما: ٢١ - كتاب الجهاد، و٢٢ - كتاب النذور
والأيْمان تَمَّ نسخهما من نسخة واحدة فقط هي نسخة (ك)، وكذا من أوّلِ الكتابِ حتى
الفقرة (٧٧٠) في المجلد الأول تَمَّ نسخه من نسخة (ص) فقط
(١) مقدمة المنهج الأحمد .
- ١٥٨ -

وبدأَ الاعتمادُ على نسخة (ك) في المقابلَةِ فيما بعد التآكلِ والقطع الحادثِ في أَوَّلِ
نسخة (ك)، وفيما بعد الفقرة (٧٧٠) في المجلَّدِ الأوّل في (٦) باب ((النوم عن الصلاة))
من ١ - كتاب وقوت الصَّلاة، وحتى قبل الحديث (١٨٦١) من ترقيم أحاديث الموطأ البالغ
(١٨٩٧) حديثا، وعند (٥) باب ((ما جاء فيما يخاف من اللسان))، في: ٦٥ - كتاب
الكلام.
وقد انتهت نسخة (ص) في نهاية ٦ - كتاب الصلاة في رمضان، وبدأت نسخة (س) في
الكتاب التالي له مباشرة وهو: ٧ - كتاب صلاة الليل.
وهكذا تَمَّ نَسخ كتاب صلاة الليل، وكتاب صلاة الجماعة، وكتاب قصر الصلاة في
السفر، وكتاب العيدين، وكتاب صلاة الخوف، وكتاب صلاة الكسوف، وكتاب صلاة
الاستسقاء، وكتاب القبلة، وكتاب القرآن، وكتاب الجنائز، وكتاب الزكاة، وكتاب الصيام،
وكتاب الاعتكاف، وكتاب الحج كلهم من نسخة (ك) وتمت المقابلة على نسخة (س)
ودَخَلَتْ نسخة (ي) اعتباراً من (٧٣) باب ((الإفاضة)) وانتهى المجلِّد الأول في نسخة (ك)
أثناء باب (٧٧) (( فدية من أصاب شيئاً من الجراد وهو محرم)).
ويبدأ المجلد الثاني في نسخة (ك) بكتاب الضحايا، وقوبل علي نسختي (ي) و (س)،
وكذا كتاب الذبائح والصيد والعقيقة، والفرائض، والنكاح، والطلاق، والرضاع، والبيوع،
والقراض، والمساقاة، وكراء الأرض، والشفعة، والأقضية، ودخلت نسخة (ط) عند (٤)
باب القضاء باليمين مع الشاهد، ومن هنا أضحت المقابلة على ثلاث نسخ وشملت مع
الأقضية : الوصية، والعتق، والمكاتب، والمدبر، والحدود، والأشربة، والعقول، والقسامة،
والجامع، والقدر، وحسن الخلق، واللباس، وصفة النبى #، والعين، والشّعر، والرؤيا،
والسلام، والاستئذان، وانتهت نسخة (ي) أثناء (١٥) باب ما يؤمر به من العمل في السفر
في كتاب الاستئذان، ومن هنا عادت المقابلة على نسختين هما (ط، س)، سوى النسخة
الأم (ك) ، حتى نهايتها أثناء (٤) باب ما جاء فيما يخاف من اللسان في: ٥٦ - كتاب
الكلام، ثم اعتبرتَ نسخة (س) أصلاً، وقابلتها على نسخة (ط) إلى نهاية الكتاب سوى
ورقة متآكلة في نسخة (ط).
- ١٥٩ _

أما المنهجُ الذي تَرَسّمَتَهُ بعد تَوْلِيفِ نُسْخَةٍ كامِلَةٍ من ((الاستذكار))، فكانَ الالتفاتُ إلى
النِّصِّ ومقابلة نصوصه على ((الموطأ)) وعلى ((التمهيد))، ثم جوامع الأنوار، والمختار، وعمدة
القارىء ثم تنظيم مادة الكتاب بما يفيدُ فَهْمَ النص فهما جيداً، وجعلتُ همي أن يكون الناظر
فيه ماضياً في مطالعته والرجوع إليه، دونَ أن يَتَعَثّر أو يتلفَّت تلفُّتاً يعوقه عن المضيّ في قراءته،
فأعنته بترقيم أحاديث الموطأ ترقيماً مستقلاً عن نصوص الكتاب، وقد رأيت أن يكون تنضيدَ
الموطأ بحروف أكبر تمييزاً له عن الاستذكار، ثم تقسيم الكتاب إلي فِقَرِ مرقمةٍ، والتي بلغت
(٤١٨١٥) فقرة، وعلى هذا الترقيم تم صنع الفهارس الملحقة بآخر الكتاب.
وقد عُنيتُ بضبط النّصّ عنايةً بالغَةً، وتَحَرِّيْتُ غايَةَ التحرّي، ورجعتُ في حِلِّ ما أشكل
الي كتب المعاجم وأسماء البلدان .
وقد اجتهدت في المقابلة بين النسخٍ والتي أثبتّها في مواضعها من حواشي الكتاب،
وبسطتُ المسائلَ الفقهية الواردة، وحاولتُ أنْ أوجز كل ما أحال عليه المصنف في التمهيد
حتى لا يضطرَ الباحث إلى الرجوع إلى نسخة ((التمهيد)) لما ورد فيها من إحالات خطأ»
وكلامٍ مبتور غير كامل، وفهارس ضعيفة مخلة، وأخطاء مطبعية لا تحصى، وأخطاء تخل
بالمقصود .
كما أثبتُّ تخريج الأحاديث النبوية كلها، وتراجم لفقهاء الأمصار، وعلماء الأقطار الذين
أُوْرَدَ ابن عبد البرّ أقوالهم في كل مسألة، وأوردتَ الإضافات الضرورية التي وجدتها عند
العلماء الذين اعتنوا بالاستذكار، وأثبتُّ الأحاديث التي فاتَها المصنف وهي قليلة، واقتصرت
بعد ذلك على شرحِ الغريبِ وما تمسّ إليه الحاجة .
وإن أُخْتُمَ بِشْىٍ فهو الإعجابُ الذي لا يُحدّ بالمحدثينِ الذين قَيِّضَهُمُ الَّلهُ لهذا العِلْمِ
فجاهدُوا لعلمهم وأخْلَصوا له أكبر جهادٍ، وأتم إخلاصٍ، وكانوا فى دِفَّتهم وتحرّيهم
وإخلاصهم وإحاطتم وإتقانهم معجزة اللَّه فى المؤلفينَ، لقد آمنت بِعَظمَتَهمْ، وعظمةٍ عَمَلهمْ
وأنّهمْ الشهداء الصامتونَ وأنَّ مدادَهم أثمن من دمٍ شهداء المعركة، وأيقنتُ أنّ ما قَدّموا هو
شيءٌ فَوْقَ طَوْق البَشَرِ الذي نعرفٌ، فرحمهم الله، وأثابَهم، ونَفَعَ بهم، وقَيِّضَ لهذا العِلْمِ
الجليلِ من يعنى به على غرارهم .
- ١٦٠ -