Indexed OCR Text
Pages 201-220
ليحيى: ما يبرئه؟ قال: يُخرج كتاباً عتيقاً فيه هذه الأحاديث، فإذا أخرجها في كتاب عتيق، فهو صدق، فيكون شُبِّه له فيها، وأخطأ كما يخطىء الناس، فيرجع عنها، قلت: فإن قال: قد ذهب الأصل، وهي في النسخ؟ قال: لا يقبل ذلك عنه، قلت له: فإن قال: هي عندي في نسخة عتيقة، وليس أجدها؟ قال: هو كذاب أبداً، حتى يجيء بكتابه العتيق، ثم قال: هذا دين لا يحل فيه غير هذا، اهـ. وملخص أدلة من يرى رد رواية الكذاب في الرواية - وإن تاب ـ: أ - أن هذا من باب التغليظ في زجره وردع أمثاله. ب - سد الباب أمام من يريد أن يتوصل بإظهار توبته إلى قبول باطله، قاله ابن الوزير في ((التنقيح))، وانظر ((توضيح الأفكار)) (١٤٩/٢). ج - أن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس كالكذب على غيره، فإن الكذب عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تشريع دين للناس، ما أنزل الله به من سلطان. د - عدم اطمئنان النفس إلى صحة توبته، لاحتمال أن يكون كاذباً في ذلك، لا سيما إذا تعلق ذلك بمصلحة له، وكما لا يُقبل قوله بإقراره بوضع بعض الحديث، لأنه فاسق بذلك، فكذلك لا يقبل قوله بتوبته، بل منهم من قال: لا تصح توبته - أصلًا، وإن أظهرها - لأنَّ ما وضعه من الحديث سيعمل به الناس الذين لم يبلغهم تراجعه عنه، فكيف يقال بتوبته، وفي هذا الدليل كله بحث يطول، والله أعلم. هـ - أن هناك من كفّره بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو راجع إلى الدليل السابق في (ج)، ولو سُلُم ففي ردّ روايته بحث . وقد ذهب الإمام النووي إلى قبول رواية من كذب في الرواية، إن صحت توبته، فقال في مقدمة صحيح مسلم (٢٩/١) في باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ٢٠١ ثم إن من كذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عمداً في حديث واحد، فسق ورُدَّت رواياته كلّها، وبطل الاحتجاج بجميعها، فلو تاب وحسُنت توبته، فقد قال جماعة من العلماء، منهم أحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري وصاحبُ الشافعي أبو بكر الصيرفي من فقهاء أصحابنا الشافعيين وأصحاب الوجوه منهم ومتقدميهم في الأصول والفروع: لا تؤثر توبته في ذلك، ولا تقبل روايته أبداً، بل (يتحتم) جرحه دائماً، وأطلق الصيرفي، وقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه، لم نَعُذْ لقبوله بتوبة تظهر، ومن ضعَّفنا نَقْله، لم نجعله قوياً بعد ذلك . قال: وذلك مما افترقت فيه الرواية والشهادة . قال النووي: ولم أر دليلاً لمذهب هؤلاء، ويجوز أن يُوجَّه بأن ذلك جُعل تغليظاً وزجراً بليغاً عن الكذب عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعاً مستمراً إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإنَّ مفسدتهما قاصرة ليست عامة. قال النووي: قلت: وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية، والمختار: القطع بصحّة توبته في هذا، وقبول رواياته بعدها، إذا صحت توبته بشروطها المعروفة، وهي الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافراً فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة، وأجمعوا على قبول شهادته، ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا، والله أعلم، اهـ. وذهب إلى ذلك - أيضاً - الصنعاني في ((توضيح الأفكار)) (٢/ ١٤٨- ١٤٩). والظاهر لي صحة ما ذهب إليه النووي، للدليل الذي استدل به، ولضعف أكثر الآثار المعزوة للأئمة بخلاف ذلك، ولصنيع بعض العلماء على هذا . ٢٠٢ فمن ذلك: (أ) ما جاء في تاريخ بغداد (٣٣٢/١١) ترجمة علي بن أحمد بن الحسن محمد بن نعيم أبي الحسن البصري، المعروف بالنعيمي، قال الخطيب: حدثني الأزهري، قال: وضع النعيمي عَلَى أبي الحسين بن المظفر حديثاً لشعبة، ثم تنبّه أصحاب الحديث على ذلك، فخرج النعيمي عن بغداد لهذا السبب، وأقام حتى مات ابن المظفر، ومات من عرف قصته. في وضعه الحديث، ثم عاد إلى بغداد، اهـ. قال الذهبي في ((الميزان)) (١١٤/٣) ترجمة النعيمي هذا: قد بدت منه هفوة في صباه، واتُّهم بوضع الحديث، ثم تاب إلى الله، واستمر على الثقة، أهـ. (ب) وفي ((تهذيب التهذيب)) (٣١٢/١) ترجمة إسماعيل بن عبدالله بن أويس : من طريق البرقاني قال: ثنا أبو الحسن الدارقطني، قال ذكر محمد بن موسى الهاشمي وهو أحد الأئمة، وكان النسائي يخصه بما لم يخص به ولده، فذكر عن أبي عبدالرحمن قال: حكى لي سلمة بن شبيب قال: بم توقف أبو عبدالرحمن؟ قال: فما زلت بعد ذلك أداريه أن يحكي لي الحكاية، حتى قال: قال لي سلمة بن شبيب: سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول: ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة، إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم، قال البرقاني: قلت للدارقطني: من حكى لك هذا عن محمد بن موسى؟ قال: الوزير، كتبتها من كتابه، وقرأتها عليه - يعني بالوزير الحافظ الجليل جعفر بن خنزابة - قال الحافظ: قلت: وهذا هو الذي بَانَ للنسائي منه، حتى تجنب حديثه، وأطلق القول فيه بأنه ليس بثقة، ولعل هذا كان من إسماعيل في شبيبته، ثم انصلح، وأما الشيخان فلا يظن بهما أنها أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه، الذي شارك فيه الثقات، وقد أوضحت ذلك في مقدمة شرحي على البخاري، والله أعلم اهـ. وهذه الحكاية موجودة في ((سؤالات أبي بكر البرقاني في الجرح ٢٠٣ والتعديل)) (ص: ٤٦ - ٤٨) برقم (٩) قال البرقاني: قلت لأبي الحسن: لم ضَعَّف أبو عبدالرحمن النسائي إسماعيل بن أبي أويس؟ فذكر الحكاية. ووجه الاستدلال بذلك صنيع الحافظ ابن حجر، وقد يقال: ومع ما حكى إسماعيل عن نفسه في شبيبته، فلم يتأخر صاحبا ((الصحيح)) عن إخراج روايته، ولم يُتعقب عليهما ذلك من جهة ما وقع من إسماعيل في شبيبته، مما يدل على قبول توبة من كذب في الرواية، بشرط أن تكون توبته صحيحة، وليست من جملة أكاذيبه، وهذا الحكم بشرط أن يصرح بأنه وضع كذا وكذا، من الحديث، وأن كذا وكذا من الحديث قد سمعه من فلان، لأنَّ عموم الأدلة يدل على قبول توبة التائب، والعمل بقوله فيما أخبر به بعد توبته، سواء كان سابقاً أو لاحقاً، والله أعلم. وقد ألحق السخاوي في ((فتح المغيث)) (٧١/٢) بالعمد من أخطأ، وصمم بعد بيان ذلك له ممن يثق بعلمه مجرد عناد، قال: كما سيأتي في الفصل الثاني عشر. اهـ. وانظر الأقوال والمذاهب في مسألة توبة الكاذب في الرواية ((شروط الأئمة الخمسة للحازمي)) (ص: ٥٤) و((المسودة)) (ص: ٢٦١) وما بعدها. وفي ((التقييد)) (ص: ١٥٠ - ١٥١)، و((المقنع)) (٢٧١/١) وما بعدها، و ((فتح المغيث)) (٧١/٢) وما بعدها و((الغاية)) (١/ ٢١٠ - ٢١١)، و ((التدريب)) (٣٩٠/١) وما بعدها و ((التوضيح)) (٢/ ١٤٨ - ١٤٩)، (٢٣٧/٢) وما بعدها. وأمّا من تاب من الكذب في حديث الناس ومعاملاته، ويلتحق به الفاسق بغير الكذب: فمن باب أولى أن يُقبل حديثه، والجمهور على ذلك، خلافاً للصيرفي، كما سبق، وهو خلاف الصواب، وقد قال الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ١٩٠): قد ذكرنا آنفاً قول مالك بن أنس في ذلك - أي في رد رواية الكاذب في غير حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ويجب أن يُقبل حديثه إذا ثبتت توبته، والله أعلم اهـ وقد سبق الكلام على التفرقة بين من كذب في الرواية خطأ، ومن كذب فيها عمداً. ٢٠٤ وأمّا التفرقة بين من كذب في الرقاق والأحكام: فقد قال السخاوي في ((فتح المغيث)) (٢/ ٧١ - ٧٢): وأما من كذب عليه في فضائل الأعمال، معتقداً أن هذا لا يضر، ثم عرف ضرره، فتاب، فالظاهر - كما قال بعض المتأخرين - قبول رواياته، وكذا من كذب دفعاً لضرر يلحقه من عدو، ورجع عنه، اهـ وإذا كنا قد قبلنا التائب من الكذب في الرواية بعد تعمده، فكيف لا يُقبل في هذا الموضع؟! (تنبيه) : رُوي أثر عن الثوري يدل على قبوله رواية الكذاب - وإن لم يتب ـ: قال الترمذي - رحمه الله -: حدثنا إبراهيم بن عبدالله بن المنذر الباهلي ثنا يعلى بن عبيد، قال: قال لنا سفيان الثوري: اتقوا الكلبي، قال: فقيل له: فإنك تروي عنه؟ قال: أنا أعرف صدقه من كذبه، اهـ من ((شرح علل الترمذي)) (٧٧/١). وهذا أثر ضعيف: شيخ الترمذي مستور، وهو باهلي صنعاني. ويعلى بن عبيد في حديثه عن الثوري لين، وهو ثقة في غيره، فلا يحتج بهذا الأثر، وقد أخرجه بهذا السند من طريق الترمذي ابن عدي في ((الكامل)) (٢١٢٧/٦) وابن حبان في ((المجروحين)) (٢٥٦/٢) ترجمة الكلبي. ومما يدل على أن الثوري لم يرو عنه احتجاجاً بما صدق فيه، ما جاء في ((الجرح والتعديل)) (٧/ ١٤٧٨/٢٧٠) ترجمة محمد بن السائب الكلبي: قال الثوري: عجباً لمن يروي عن الكلبي. قال عبدالرحمن: فذكرته لأبي، وقلت له: إن الثوري يروي عن الكلبي؟ قال كان لا يقصد الرواية عنه، ويحكى حكاية تعجباً، فيعلقه من حضره، ويجعلونه رواية عنه، اهـ. (تنبيه آخر): قد يكون الرجل متروكاً في عِلْم، حجةً في علم آخر، أو يستشهد به في علم آخر، كما في حفص بن سليمان الأسدي أبي عمر البزار الكوفي المقرىء، فإنَّه متروك في الحديث، مع إمامته في القراءات. وكما في محمد بن عمر الواقدي، فإنَّه متروك في الحديث، ويروون كلامه في التاريخ والمغازي. ٢٠٥ وقد ذكر ابنُ حبان أحمدَ بن طاهر بن حرملة بن يحيى المصري في المجروحين (١/ ١٥١ - ١٥٢) وذكر من كذبه القبيح، ثم قال: فأما كتاب السنن التي رواها عن الشافعي، فهي كلها صحيحة في نفسها، من كتب حرملة - يعني جده، وهو يروي عن جده - من المبسوط أو سمع من جده تلك، اهـ. وفي ((الأنساب)) للسمعاني (ت: ٥٦٢هـ) (٣/ ٣٢٤ - ٣٢٥): قال ابن أبي معدان - وهو محمد بن أحمد بن راشد بن معدان الأصبهاني ـ في محمد بن عبدالله بن موسى السني: كان ثقة في الحديث، كذوب اللّهجة في حديث الناس وفي المعاملات، اهـ. وانظر («اللسان)) (٢٤٠/٥) وفي («الميزان)) (٣٨٦/٤) ترجمة يحيى بن أبي طالب جعفر بن الزبرقان، قال: محدث مشهور، وذكر أن الدارقطني وثقه، وقال: قال موسى بن هارون: أشهد أنه يكذب. قال الذهبي: عنى في كلامه، ولم يعن في الحديث، فالله أعلم، والدارقطني من أخبر الناس به، اهـ وانظر ((اللسان)) (٣٨٦/٤)، و((النبلاء)) (٦٢٠/١٢)، وليس في هذه الترجمة دلالة ظاهرة على المراد، كما لا يخفي وانظر ((تهذيب التهذيب)) (١٢٤/٢) ترجمة جويبر بن سعيد، و ((تذكرة الحفاظ)) (١٠٣١/٣) ترجمة الحليمي الحسين بن الحسن. والخلاصة: أنَّ من كان كذاباً أو متروكاً؛ فالأصل رد حديثه كله، إلَّا ما صرح إمام بقبوله: إمّا مطلقاً أو مقيداً، فيُعمل به، وإلّا فلا، والله أعلم. س ٢٢٠: هل رواية الرجل - الذي في حفظه ضعف - للحديث، مصحوباً بقصة، تُقبل منه أم لا؟ ج ٢٢٠: سبق الكلام - مختصراً - على ذلك في السؤال رقم [٣٥] وأفصّل الكلام في هذا المقام، فأقول: جاء في ((هدي الساري)) (ص: ٣٦٣) في الفصل الثامن، الحديث ٢٠٦ الثاني والأربعين: قال الدارقطني: وأخرج البخاري حديث العوام بن حوشب عن إبراهيم السكسكي عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((إذا مرض العبد أو سافر، كتب الله له مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً)) قال: وهذا لم يسنده غير العوام، وخالفه مسعر، فقال: عن إبراهيم السكسكي عن أبي بردة قوله، لم يذكر أبا موسى، ولا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الحافظ: قلت: مسعر أحفظ من العوام بلا شك، إلّا أنّ مثل هذا لا يقال من قبل الرأي، فهو في حكم المرفوع، وفي السياق قصة تدل على أن العوام حفظه، فإنَّ فيه: اصطحب يزيد بن أبي كبشة وأبو بردة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: افطر، فإني سمعت أبا موسى مراراً يقول ... فذكره. قال الحافظ: وقد قال أحمد بن حنبل: إذا كان في الحديث قصة، دل على أن راويه حفظه، والله أعلم، اهـ. قلت: الحديث أخرجه البخاري في ك/الجهاد، ب/يُكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، برقم (٢٩٩٦) (١٣٦/٦) من ((الفتح)). والعوام ثقة ثبت، إلّا أن مخالفته لمسعر هنا؛ تزعزعه في هذا الموضع. وقد قوّى الحافظ روايته بحكايته القصة عن السكسكي بها، ونقل كلام أحمد في ذلك. وشبيه بهذا أن يروى المتكلّم في حفظه حديثاً أو أثراً حسن السياق، كما جاء في ((سنن البيهقي)) (٢/ ٢١٠ - ٢١١): ك/الصلاة، ب/دعاء القنوت، وقد ساق سنده إلى أسيد بن عاصم ثنا الحسين بن حفص عن سفيان، قال: حدثني ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير أن عمر - رضي الله عنه - قنت بعد الركوع، فقال: اللّهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، والّفْ بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللّهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويكذِّبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللّهم خالف بين ٢٠٧ كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين، بسم الله الرحمن الرحيم، اللّهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك، ولا نكْفُرك، ونخلع ونترك من يفجرك، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، ولك نسعى ونحفد، ونخشى عذابك الجد، ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكافرين ملحق. قال البيهقي: رواه سعيد بن عبدالرحمن بن أبزي، عن أبيه، عن عمر، فخالف هذا في بعضه ..... ، ثم ساقه مختصراً مع ذكر القنوت قبل الركوع، ثم قال: وهو وإن كان إسناداً صحيحاً، فمن روى عن عمر قنوته بعد الركوع أكثر، فقد رواه أبو رافع وعبيد بن عمير وأبو عثمان الهندي وزيد بن وهب، والعدد أولى بالحفظ من الواحد، وفي حسن سياق عبيد بن عمير للحديث دلالة على حفظه، وحفظ من حفظ عنه، اهـ. وسند حديث عبيد بن عمير حسن، كله ثقات إلّا الحسين بن حفص، فإنه صدوق، وعنعنة ابن جريج فيه لا تضر - إن شاء الله - كما في موضعه، وقد صرح البيهقي بأن حسن السياقة يدل على الحفظ من رواة السند، والله أعلم. وفي ((الإرواء)) (٢٢٥/٢٤٢/١) قال الحسن العبدي: رأيت أبا زيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يؤذِّن قاعداً، وكانت رجله أصيبت في سبيل الله. قال شيخنا الألباني - حفظه الله - بعد ذكره سند البيهقي للحسن بن محمد، وهو العبدي: قلت: وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى، رجاله كلهم ثقات معروفون غير الحسن بن محمد هذا، وهو العبدي، كما في رواية الأثرم، وقد أورده ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٣٥/٢/١) فقال: روى عن أبي زيد الأنصاري، روى عنه علي بن المبارك الهنائي، اهـ. قال: قلت: فقد روى عنه إسماعيل بن مسلم أيضاً كما ترى - يعني في رواية البيهقي - وهو العبدي القاضي وبذلك ارتفعت جهالة عينه، وقد ٢٠٨ ذكره ابن حبان في الثقات (١٥/١) ثم هو تابعي، وقد روى أمراً شاهده، فالنفس تطمئن إلى مثل هذه الرواية والله أعلم، اهـ. وقد يستدل البعض بما جاء في ((العلل)) للرازي (١٢٠٣/٤٠٢/١) قال: سألت أبي عن حديث رواه أشعث بن عبدالملك عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن التبتل، ورواه معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن التبتل. قال: قلت: أيهما أصح؟ قال أبي: قتادة أحفظ من أشعث، وأحسب الحديثين صحيحين، لأن لسعد بن هشام قصة في سؤاله عائشة عن ترك النكاح يعني التبتل، اهـ. فقد يقول قائل: هذا دليل على أن الحديث لو كان فيه قصة، دلّ على حفظ راويه. والجواب: أنَّ مراد أبي حاتم؛ أنَّ النهي عن التبتل محفوظ من حديث عائشة؛ لأن عائشة قد سألها عن ذلك سعد بن هشام في رواية أُخرى، مما يدل على أن أشعث لم يخطىء في روايته عن الحسن، وجعله الحديث من مسند عائشة، مخالفاً في ذلك لقتادة الذي رواه عن الحسن، فجعله من مسند سمرة، فاستدل أبو حاتم على حفظ أشعث بدليل خارجي، يقوي أنَّ لذكر عائشة في الحديث أصلًا، لا لأنَّ في الحديث قصة، فإن أشعث لم يرو القصة أصلًا، والله أعلم. والخلاصة : أنَّ ذكر القصة في الحديث مع حُسن سياقها - السالم من النكارة - يقوي في النفس ثبوتها، وإن كان الراوي لذلك فيه لين - فضلًا عن أن يكون ثقة، قد خالف من هو أولى منه، كما في الأمثلة السابقة، وكذا لو حكى الضعيف شيئاً وقع له، فهذا ونحوه يقوي في النفس ثبوت الحديث، وقد يستدل بعض العلماء بطول الحديث عن نكارة سياقه ووهم راويه، كما استنكر صالح بن عبدالله على أبي مقاتل السمرقندي روايته عن عون بن أبي ٢٠٩ شداد الأحاديث الطوال، التي كانت تروى في قصة لقمان، وقتل سعيد بن جبير، انظر ((شرح علل الترمذي)) (١/ ٧٨ - ٧٩) تحقيق عتر، وهذا بخلاف تقويتهم الحديث لحسن سياقه، والله أعلم. س ٢٢١: معلوم أن عطية بن سعد العوفي يروي عن الكلبي، والكلبي متروك، ويُكثِّ الكلبي بأبي سعيد، موهماً أنه الخدري، فهل يُستشهد به إذا رَوَى عن أبي سعيد، أم لا؟ وماذا إذا صرح بأنه الخدري؟ هل يعتمد قوله في ذلك؟ أم يقال: هذه النسبة من تصرُّف من بعده من الرواة، ويحتمل أنه الكلبي أيضاً؟ ج ٢٢١: عطية العوفي ضعيف من قبل حفظه، ومدلس، ويتشيّع، وقد روى عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، وروى عن محمد بن السائب الكلبي وغيرهما، وقد ذكره أحمد فضعفه، ثم قال: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي، ويسأله عن التفسير، وكان يكنيه بأبي سعيد، اهـ من (الجرح والتعديل)) (٣٨٣/٦) بدون ذكر التكنية، و ((الضعفاء الكبير)) للعقيلي (٣٥٩/٣) و((المجروحين)) (١٧٦/٢) و((الكامل)) (٢٠٠٧/٥) و ((الكفاية)) (ص: ٥٢١) و ((تهذيب التهذيب)) (٢٢٥/٧). وقول أحمد: ((بلغني)) يدل على ضعف السند. وقال الكلبي: كنّاني عطية أبا سعيد، اهـ من ((الضعفاء الكبير)) للعقيلي (٣٥٩/٣) و((المجروحين)) (١٧٧/٢) و((الكامل)) (٢٠٠٧/٥) و(تهذيب التهذیب)» (٢٢٥/٧). والكلبي متهم متروك، فلا يعتمد على قوله هذا. ولم أجد ما يدل على صحة ما قيل في حق عطية العوفي، ومع هذا فكثير من العلماء يحكى هذا عن عطية، وقد قال ابن حبان في المجروحين (١٧٦/٢): سمع من أبي سعيد الخدري أحاديث، فلما مات أبو سعيد، جعل يجالس الكلبي، ويحضر قصصه، فإذا قال الكلبي: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بكذا، فيحفظه، وكنّاه أبا سعيد، ٢١٠ ويروى عنه، فإذا قيل له: من حدّثك بهذا؟ فيقول: حدثني أبو سعيد، فيتوهمون أنّه يريد أبا سعيد الخدري، وإنّما أراد به الكلبي، فلا يحل الاحتجاج به، ولا كتابة حديثه، إلا على جهة التعجب ... اهـ. فإن كان دليل ابن حبان وغيره ما قد سبق، ففيه ما قد سبق، وإن كان هناك دليل آخر، فلا أعلمه، ولذلك فقد قال ابن رجب رحمه الله في ((شرح علل الترمذي)) (٨٢٣/٢) بعد ذكره قول أحمد والكلبي: ولكن الكلبي لا يعتمد على ما يرويه، وإن صحت هذه الحكاية عن عطية، فإنما يقتضي التوقف فيما يحكيه عن أبي سعيد من التفسير خاصة، فأما الأحاديث المرفوعة التي يرويها عن أبي سعيد، فإنما يريد أبا سعيد الخدري، ويصرح في بعضها بنسبته، اهـ. فهذا ابن رجب - رحمه الله - قد توقف في صحة هذه الحكاية - وحُقَّ له ذلك بعد بيان ما سبق. ولو فرضنا صحة هذه الحكاية، فالأمر كما قال ابن رجب - رحمه الله -، أنّنا نقف في روايته التفسير إذا روى عن أبي سعيد، أمّا إذا قال: عن أبي سعيد الخدري، وصرّح بنسبته، فيعتمد على قوله، ودعوى أن هذا من تصرف أصحابه؛ خلاف الظاهر، وفيها بحث واحتمال، وقد ذهب شيخنا الألباني - حفظه الله - إلى الوقف في كل روايات عطية عن أبي سعيد، وإن قال: عن أبي سعيد الخدري، في التفسير أو غيره، لاحتمال أن يكون ذلك مما توهمه تلامذته، ودليل شيخنا - حفظه الله تعالى - الاحتياط والتحرز في باب الرواية، وهذا كلام له وجهه، لكن ذلك خاص بالتفسير كما قال ابن رجب - رحمه الله -، وهذا كله بعد افتراض صحة الحكاية السابقة. والذي تطمئن إليه النفس بعد عدم ثبوت تلك الحكاية عن عطية، أنَّه يستشهد بروايات عطية عن أبي سعيد في التفسير وغيره، والله أعلم. وقد ذكر الحافظ أن الترمذي يحسن لعطية إذا توبع على روايته، انظر ((التلخيص الحبير)) (٢٩/٢) و((نتائج الأفكار)) (١١٥/١) حديث: ((ما من عبد يقول حين يتنبه من نومه .... )) الحديث، اهـ. ٢١١ وفي ((موافقة الخُبرِ الخَبر)) (٢٤٥/١) في المجلس الحادي والستين، قال الحافظ :... وأشدهم ضعفاً عطية، ولو توبع لحكمت بحسنه، اهـ وهو من رواية العوفي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - والعلم عند الله - تعالى -. س ٢٢٢: الراوي إذا كان مدلساً، وروى عن شيخ قد لازمه، وأكثر عنه، هل يزيل ذلك علة تدليسه - وإن عنعن - أم لا؟ ج ٢٢٢ : سبق شيء من هذا في السؤال [١٧٩] وهذا موضع التفصيل. فأقول: المدلس إذا لازم الشيخ وأكثر عنه - مع ثقته وتيقظه - فالفرض أنَّه قد استوعب حديث شيخه وعرفه وميزه من حديث غيره، فإذا سمع أحداً يحدث عن شيخه حديثاً لا يعرفه؛ استنكره، بل وربّما كذَّب راویه . فإذا روى الحديث عن شيخه بصيغة محتملة، فهو أحد أمرين: إمّا أن يكون قد سمعه من شيخه، وفي هذه الحالة فلا إشكال. وإمّا أن يكون قد سمعه من غيره عن شيخه، وهو يعلم أنه من حديث شيخه؛ لأنَّ الفرض معرفته لحديث شيخه؛ فإن حدث به عن شيخه بدون واسطة، فلا يضر الحديث؛ لأنَّ القصد من معرفة ثقة الواسطة؛ ثبوت الحديث للشيخ، وقد كفانا ذلك تلميذه بنسبته الحديث إلى شيخه، فدينه ومعرفته يمنعانه من نسبة الحديث المكذوب على شيخه إلى شيخه. وقد قال العلامة المعلمي - رحمه الله - في ((التنكيل)) (ص: ٨٦٥) في المسألة الرابعة عشر من المسائل الفقهية: وهذا ابن جريج أعلم أصحاب عطاء، وألزمهم له، جاء عنه أنه قال: لزمت عطاء سبع عشرة سنة، وقال: جالست عمرو بن دينار بعدما فرغت من عطاء، وكان يدلس عن غير عطاء، فأما عن عطاء فلا، قال: إذا قلت: ((قال عطاء))، فأنا سمعته منه، وإن لم أقل: ((سمعت)). ٢١٢ قال: وإنما هذا لأنه كان يرى أنه قد استوعب ما عند عطاء، فإذا سمع رجلًا يخبر عن عطاء بما لم يسمعه منه، رأى أنه كذب، فلم يستحل أن يحكيه عن عطاء، وهذا كما قال أبو إسحاق: قال أبو صالح ذكوان وعبدالرحمن بن هرمز الأعرج: ليس أحد يحدث عن أبي هريرة، إلا علمنا أصادق هو أم كاذب، يريدان أنه إذا حدث عن أبي هريرة بما لم يسمعاه عنه، علما أنه كاذب، لإحاطتهما بحديث أبي هريرة، وقال الإمام أحمد، ابن جريج أثبت الناس في عطاء ... ، اهـ. وقد جاء في (تهذيب التهذيب)) (٤٠٦/٦) ترجمة عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج، أن أبا بكر بن أبي خيثمة قال: حدثنا إبراهيم بن عرعرة عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: إذا قلت: ((قال عطاء))، فأنا سمعته منه، وإن لم أقل: «سمعت)). وقد صحح شيخنا الألباني - حفظه الله - هذا السند في ((الإرواء)) (٦٢٩/٩٧/٣)، ثم قال: فهذا نص منه: أن عدم تصريحه بالسماع من عطاء، ليس معناه أنَّه قد دلسه عنه، ولكن هل ذلك خاص بقوله: ((قال عطاء))، أم لا فرق بينه وبين ما لو قال: ((عن عطاء))؟ ثم قال: الذي يظهر لي الثاني، وعلى هذا: فكل روايات ابن جريج عن عطاء محمولة على السماع، إلا ما تبين تدليسه فيه، والله أعلم، اهـ. وبنحو ذلك قال - حفظه الله - في ((الصحيحة)) (٣٦/٥٢/١) في حديث: ((الأذنان من الرأس)). قلت: النفس إلى ما ذكره المعلمي - رحمه الله - تميل، وإن كان هناك احتمال: أن المكثر عن شيخ وإن طالت ملازمته إياه، قد يفوته بعض الحديث من حديث شيخه، لكنه احتمال نادر، والنادر لا يُعَوَّل عليه، إلا إذا ظهرت قرينة تدل على النكارة في الحديث. وقد أشار الحافظ الذهبي إلى هذا المعنى الذي دندن حوله العلامة المعلمي - رحمه الله -، فقال في ((الميزان)) (٢٢٤/٢) ترجمة سليمان بن مهران الأعمش: وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف، ولا يدري به، فمتى ٢١٣ قال: ((حدثنا)) فلا كلام، ومتى قال: ((عن)) تطرّق إليه احتمال التدليس، إلّا في شيوخ له أكثر عنهم: كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمان، فإنَّ روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال، اهـ. وقد صحح الحافظ لابن جريج عن عطاء، كما في ((نتائج الأفكار)» (٢/ ١٤٩ - ١٥٠) في المجلس، (١٥٠) مع أن ابن جريج قال: ((عن عطاء). وذهب أخونا الفاضل الشيخ أبو إسحاق الحويني في ((النافلة)) (ص: ٢٩ - ٣٠) برقم (١٠٨) إلى أن ابن جريج يُمَشَى قولُه: إذا قال: قال عطاء، أما إذا أتى بصيغة محتملة أُخرى فلا، واستدل بأن المدلس إنما توزن أقواله وألفاظه - أي ولا يقاس على أقواله. والراجح عندي ما تقدم، لما قاله الذهبي والمعلمي - رحمهما الله تعالى -، ولأن الظاهر من كلام ابن جريج أنه يريد أن يقول: لا يلزمني أن أقول: سمعت عطاءً، بل لو قلت لكم: ((قال عطاء)) - وهذا على سبيل المثال لا الحصر - فهو مما سمعته منه، إذ لو كان قد كتم نية أُخرى، وهي التفرقة بين ((قال)) وغيرها من الصيغ المحتملة، لكان مدلساً موهماً أيضاً في هذا القول، وهو خلاف الظاهر لمن تأمل. ولو لم يقل ابن جريج ما قال؛ لكان في كلام الذهبي والمعلمي كفاية في قبول رواية ابن جريج عن عطاء مطلقاً، ما لم تظهر نكارة في الحديث، والله أعلم. وقد يُستدل لأخينا الحويني - سلمه الله - بما قال الخطيب - رحمه الله - في تفرقة الأئمة بين ((عن)) و((قال)) عند المدلسين، فجعلوا (عن)) أكثر في استعمال المدلسين من ((قال)) انظر ((تغليق التعليق)) (٩/٢) و((النكت)) (٢/ ٦٠١ - ٦٠٢) و ((هدي الساري)) (ص: ١٧) الفصل الرابع - إلا أن الراجح ما قد تقدم، والعلم عند الله - تعالى -. س ٢٢٣: الرواة الذين وصفت مراسيلهم بأنها أضعف المراسيل، هل يستشهد بمراسيلهم أم لا؟ ٢١٤ ج ٢٢٣: معلوم أن جمهور الأئمة على عدم الاحتجاج بالمرسل، وقد أطال الخطيب النفس في ((الكفاية)) في ذكر أدلة ذلك، والرد على مخالفيه. وبعض هؤلاء التابعين الذين يروون عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، دون ذكر من حدثهم بذلك، قد تتبع الأئمة أحاديثهم، وفتشوا عنها، فمنهم من قوَّوْا مراسيله، لتحريه في شيوخه، ومنهم من وهَّوْا مراسيله، لأخذه عن كل ضرب، وقد نظرت في كلام العلماء في ذلك، فظهرت لي عدة أسباب، جعلت الأئمة يطلقون القول بوهاء بعض المراسيل، فقد ذكر ابن رجب - رحمه الله - أقوال القطان في مراسيل بعض العلماء، وذكر أنها تتفاوت في الرتبة قوة وضعفاً، ثم قال: وكلام يحيى بن سعيد في تفاوت مراتب المرسلات بعضها على بعض، يدور على أربعة أسباب: أحدها: ما سبق من أن من عُرف بروايته عن الضعفاء، ضُعِّف مرسله بخلاف غيره. والثاني: أن من عُرف له إسناد صحيح إلى من أرسل عنه، فإرساله خير ممن لم يُعرف له ذلك، وهذا معنى قوله: مجاهد عن علي ليس به بأس، قد أسند عن ابن أبي ليلى عن علي. والثالث: أن من قَوِىَ حفظه، يحفظ كل ما يسمعه، ويثبت في قلبه، ويكون فيه ما لا يجوز الاعتماد عليه، بخلاف من لم يكن له قوة الحفظ، ولهذا كان سفيان إذا مَرّ بأحد يتغنى يسد أذنيه، حتى لا يدخل إلى قلبه ما يسمعه منه، فيقرّ فيه. وقد أنكر مرة يحيى بن معين علَى عليّ بن عاصم حديثاً، وقال: ليس هو من حديثك، إنّما ذُوكِرْت به، فوقع في قلبك، فظننت أنك سمعته، ولم تسمعه، وليس هو من حديثك. وقال الحسين بن حريث: سمعت وكيعاً يقول: لا ينظر رجل في كتاب لم يسمعه، لا يأمن أن يعلق قلبه منه، وقال الحسين بن الحسن ٢١٥ المروزي: سمعت عبدالرحمن بن مهدي يقول: كنت عند أبي عوانة فحدث بحديث عن الأعمش، فقلت: ليس هذا من حديثك، قال: بلى، قلت: لا، قال: بلى، قلت: لا، قال: يا سلامة! هات الدرج، فأخرجته، فنظر فيه، فإذا ليس الحديث فيه، فقال: صدقت يا أبا سعيد، فمن أين أُتِيتُ؟ قلت: ذُوكِزْت به وأنت شاب، فظننت أنك سمعته. الرابع: أنَّ الحافظ إذا روى عن ثقة لا يكاد يترك اسمه، بل يسميه، فإذا ترك اسم الراوي، دلّ إبهامه على أنَّه غير مرضي، وقد كان يفعل ذلك الثوري وغيره كثيراً، يكنّون عن الضعيف، ولا يسمونه؛ بل يقولون: عن رجل، وهذا معنى قول القطان: لو كان فيه إسناد لصاح به، يعني: لو كان أخذه عن ثقة؛ لسماه وأعلن باسمه. وخرج البيهقي من طريق أبي قدامة السرخسي، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: مرسل الزهري شر من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكلما يقدر أن يسمى سمى، وإنّما يترك من لا يستجيز أن يسميه. قال يحيى بن معين: مراسيل الزهري ليست بشيء، وقال الشافعي: إرسال الزهري عندنا ليس بشيء، وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم ... اهـ من ((شرح علل الترمذي)) (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤). وقد جاء عن الشافعي مدح مشايخ الزهري، فقال: وابن شهاب عندنا إمام في الحديث والتخيير - أي اختيار الرجال الذين يروي عنهم - وثقة الرجال، إنّما يسمى بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم خيار التابعين، ولا نعلم محدثاً يُسمى أفضل ولا أشهر ممن يحدث عنه ابن شهاب، قال الشافعي: قال - أي السائل -: فأنى تُراه أتي في قبوله عن سليمان بن أرقم؟ (قلت): رآه رجلًا من أهل المروءة والعقل، فقبل عنه، وأحسن الظن به، فسكت عن اسمه، إمّا لأنَّه أصغر منه، وإمّا لغير ذلك، وسأله معمّر عن حديثه عنه، فأسنده له، فلما أمكن في ابن شهاب أن يكون يروى عن سليمان مع ما وصفت به ابن شهاب، لم يُؤْمَن مثل هذا على غيره، اهـ. ٢١٦ فأنت ترى الأسباب التي ذكرها ابن رجب - رحمه الله - تدور على تصرف المرسِل، وقد ذكر الذهبي سبباً آخر يرجع إلى طبقة المرسِل، فقال في ((الموقظة)) (ص: ٣٨ - ٤٠): المرسل: عَلَمٌ على ما سقط ذِكر الصحابي من إسناده، فيقول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: ويقع في المراسيل الأنواع الخمسة الماضية - أي الصحيح والحسن والضعيف والمطروح والموضوع - فمن صحاح المراسيل: مرسل سعيد بن المسيب ومرسل مسروق، ومرسل الصنابحي، ومرسل قيس بن أبي حازم، ونحو ذلك. فإنَّ المرسَل إذا صح إلى تابعي كبير، فهو حجة عند خلق من الفقهاء، فإن كان في الرواة ضعيف إلى مثل ابن المسيب، ضُعِّف الحديث من قبل ذلك الرجل، وإن كان متروكاً أو ساقطاً: وَهَنَ الحديث وطُرح. قال: ويوجد في المراسيل موضوعات، نعم، وإن صح الإسناد إلى تابعي متوسط الطبقة، كمراسيل مجاهد وإبراهيم والشعبي، فهو مرسل جيد لا بأس به، يقبله قوم، ويرده آخرون - ومن أوهى المراسيل عندهم: مراسيل الحسن، وأوهى من ذلك: مراسيل الزهري وقتادة. وغالب المحققين يعدون مراسيل هؤلاء معضلات ومنقطعات، فإن غالب روايات هؤلاء عن تابعي كبير عن صحابي، فالظن بمرسَله أنه أَسْقَط من إسناده اثنين، اهـ وبعد ذكر الأسباب التي جعلت الأئمة يصفون بعض المراسيل بالوهاء، أعود إلى الجواب على السؤال: فأقول، وبالله التوفيق : كثير من الرواة الذين وصفت مراسيلهم بذلك، لم يُسَلَّم للقائل قوله، فالزهري والحسن البصري وغيرهما فيهم اختلاف، فمِنَ العلماء مَنْ قَوَّي مراسيلهم، ومنهم من ضعف مراسيلهم، وانظر ((شرح علل الترمذي)) (٢٨٤/١) وما بعدها. ٢١٧ ومجرد وجود روايات عن ضعفاء أو متروكين؛ لا يلزم منه أن يكون الراوي ممن لا يبالي عمن يأخذ. فلو سلمنا بأن عامة شيوخ الراوي متروكون، لقلنا بعدم الاستشهاد بمرسله، وكذلك إذا صرحوا بأن غالب مشايخه كذلك، بل لو صرحوا بكثرة هذا الصنف في مشايخه، وإن لم يكونوا أكثر من غيرهم، وكذلك إذا كان هناك من لا يرسل إلا عن مجروح، أما مجرد وجود من اشتد ضعفهم في مشايخه، فلا يلزم من ذلك رد كل مراسيله، وعدم الاعتبار بها. والذي تطمئن إليه النفس في ذلك: الاستشهاد بمراسيل من وصفوا بذلك، ما لم تكن روايتهم منكرة سنداً أو متناً - على التفصيل السابق - مع الأخذ في الاعتبار تفاوت درجة هذه المراسيل، كما سبق، وإذا كان الشاهد والمشهود له ممن وصف بوهاء مرسله، ففي النفس من الاستشهاد بهما شيء، هذا إذا كان القول بوهاء المرسل مقبولًا لا مرجوحاً، والله أعلم. وقد ذكر صاحب ((مناهج المحدثين)) (ص: ١٥٠) أن الاستشهاد بمن وصف بوهاء مرسله صنيع الشافعي والبيهقي وابن الملقّن وابن حجر. وقد أحال إلى عدة مواضع في الحاشية فانظر ((الجوهر النقي)) مع السنن الكبرى للبيهقي (٣٠٥/١٠) ك/الولاء ب/من قال: من أحرز الميراث احرز الولاء، وانظر ((شرح علل الترمذي)) (٣٠٧/١) في الكلام على مذهب الشافعي وأحمد في المرسل، وانظر ((السنن الكبرى)) للبيهقي (١٧٨/١) ك/الطهارة ب/فرض الغسل، و (٣٩٧/٣) ك/الجنائز ب/ غسل المرأة زوجها، (٩/٤) ك/الجنائز ب/السقط يُغَسَّل ويُكَفَّن ... وانظر ((البدر المنير)) (ص: ٦٢٨) رسالة ماجستير، و ((فتح الباري)) (٢٩٣/١)، (٤٣٩/٨)، و ((نتائج الأفكار)) (٣٤٥/١)، (٣٩٢/١) المجلس (٨٠)، (٥٠٦/١) المجلس (١٠٦)، (٢/ ٦١ -٦٢)، المجلس (١٢٦)، و ((نصب الراية)) (٢/ ١٩٦ - ١٩٧)، اهـ مع تصرف وزيادة - والله تعالى أعلم. س ٢٢٤: الحديث المرسَل هل يتقوى بمرسل آخر، ويُحتج بهما، أم يبقى على الضعف أبداً؟ ٢١٨ ج ٢٢٤: قد تكلم الإمام الشافعي - رحمه الله - في هذا الأمر، وأسهب في ذلك، ويليق بي في هذا الموضع أن أذكر كلامه هنا، وأن أذكر كلام الأئمة حول كلام الإمام الشافعي، وأبين ما ترجح عندي في ذلك. فقال - أي: السائل - فهل .. قال الإمام الشافعي - رحمه الله -: تقوم بالحديث المنقطع حجة على من علمه؟ وهل يختلف المنقطع؟ أو هو وغيره سواء؟ قال الشافعي: فقلت له: المنقطع مختلف: فمَنْ شَاهَدَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من التابعين، فحدث حديثاً منقطعاً عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اعتُبر عليه بأمور: منها: أن يُنظر إلى ما أَرْسل من الحديث: فإن شركه فيه الحفاظ المأمونون، فأسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمثل معنى ما روى، كانت هذه دلالة على صحة من قَبِل عنه وحفظه. وإن انفرد بإرسال حديث، لم يَشرَكه فيه من يُسنده؛ قُبِلَ ما ينفرد به من ذلك. ويعتبر عليه بأن يُنظر: هل يوافقه مرسِلٌ غيرُه، ممن قُبل العلمُ عنه، من غير رجاله الذين قُبل عنهم؟ فإن وُجد ذلك، كانت دلالة يَقْوَى له مرسله، وهي أضعف من الأولى، وإن لم يوجد ذلك، نُظِر إلى بعض ما يُروى عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قولًا له، فإن وجد يوافق ما رَوَى عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ كانت في هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح، إن شاء الله . وكذلك إن وُجد عوامٌّ من أهل العلم يُفتون بمثل معنى ما روى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الشافعي: ثم يُعتبر عليه: بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم ٢١٩ (يسم) مجهولًا ولا مرغوباً عن الرواية عنه، فيُستدل بذلك على صحته فيما روى عنه . قال: ويكون إذا شَرَك أحداً من الحفاظ في حديث؛ لم يخالفه، فإن خالفه (ووجد) حديثه أنقص: كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه . قال: ومتى خالف ما وصفتُ أضرَّ بحديثه، حتى لا يَسَعَ أحداً منهم قبولُ مرسَلِهِ. قال: وإذا وُجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفتُ، أحببنا أن نقبل مرسَلَه، ولا نستطيع أن نزعُم أن الحجة تثبت به ثبوتها (بالمتصل). قال: وذلك أن معنى المنقطع مُغيَّب، يحتمل أن يكون حُمل عمن يُرغب عن الرواية عنه إذا سُمِّي، وأنَّ بعض المنقطعات - وإن وافقه مرسل مثله - فقد يحتمل أن يكون مخرجها واحداً، من حيث لو سُمِّي لم يقبل، وأنَّ قول بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا قال برأيه لو وافقه، يدل على صحة مخرج الحديث دلالة قوية إذا نُظِر فيها، ويمكن أن يكون إنّما غلط به حين سمع قول بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوافقه، ويحتمل مثل هذا فيمن وافقه من بعض الفقهاء. قال الشافعي - رحمه الله -: فأمّا من بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فلا أعلم منهم واحداً يُقبل مرسله، لأمور: أحدها: أنَّهم أشد تجوزاً فيمن يروون عنه. والآخر: أنَّهم توجد عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه. والآخر: كثرة الإحالة، كان أمكن للوهم وضعف من يُقبل عنه ..... قال: ومن نظر في العلم بخبرة وقلة غفلة، استوحش من مرسل كل من دون كبار التابعين بدلائل ظاهرة فيها . ٢٢٠