Indexed OCR Text

Pages 81-100

(تنبيه آخر): سيأتي - إن شاء الله تعالى - تفصيل القول في حكم
زيادة الثقة في السؤال (٢١٧).
س ٢٠٧: الراوي إذا ذكروا في ترجمته أنَّه لا يروي إلاَّ عن ثقة،
ورأينا أنه التلميذ الوحيد عن أحد المشايخ، أو شاركه غيره في الرواية عنه،
ولم نجد في هذا الشيخ جرحاً ولا تعديلاً، فهل نحكم عليه بأنَّه ثقة، لأنَّ
تلميذه لا يروي إلاَّ عن ثقة، أم لا؟
ج ٢٠٧: لا يلزم من ذلك أن يكون الشيخ ثقة عند هذا التلميذ،
فضلًا عن غيره؛ وذلك لأسباب:
١- الغالب على الأئمة الذين وُصفوا بهذا الوصف، أنهم ما التزموا
الرواية عن الثقات إلا مؤخراً، فالإمام منهم في بداية أمره، يطلب الحديث
عند مشايخ بلده، ثم يرحل للمشايخ الآخرين، وهو في أثناء ذلك: يجالس
العلماء، ويستفيد منهم، ثم إذا اتّسعت حصيلتهُ في الرواية، واشتهر
بالطلب: وقف على الغرائب والفوائد، وذاكر أهل العلم بالرواية، وعرف
مصدر الأحاديث التي ليست عنده، فيرحل إلى أهلها، ويأخذ عنهم هذه
الروايات، وهو في أثناء ذلك؛ يحدِّث بما عنده من الروايات، فإذا رسخ
قدمه، وعرف العالي والنازل، والعزيز والغريب والمشهور، وعرف أحوال
الرواة ومراتبهم، وعرف الراوي وعدد أحاديثه، وأن هذا الحديث حديث
فلان، دون فلان، أو حديث البلد الفلاني، دون الآخر، وسئل عن الرواة
والأحاديث: جرَّح وعدّل، وصحح وأعلَّ، ثم بعد ذلك؛ إذا أراد الإمام أن
ينتقي في مشايخه انتقى، فتكون روايته عن الرجل تعديلاً له عنده - في
الغالب - ويكون تركه الرواية عن الراوي طعناً فيه، وهذا كله لا يتيسر
للإمام منهم في أول الطلب، إنّما يكون ذلك في نهاية المطاف، لأنَّه لو
ترك الرواية عن أشخاص في بداية الطلب، لا بد أن تفوته روايات عن ثقات
مشاهير، لم يتثبت هو من معرفتهم، ومن المعلوم أنَّ المحدثين في
رحلتهم، أو في أثناء انتظارهم لمجلس أحد المشايخ، يحدث بعضهم بعضاً
بما عنده، وليس معنا دليل - من صنيعهم - على أن المحدث يكتب فترة
٨١

من الزمن، ولا يروي رواية واحدة أثناء كتابته الحديث، فإذا كان ذلك
كذلك، ورأينا أحد المشاهير بالانتقاء يروي عن رجل، وليس فيه جرح ولا
تعديل؛ فنحن لا نجزم بأنَّ رواية هذا الإمام عن ذلك الشيخ؛ كانت بعد
رسوخ قدم التلميذ في هذا الشأن، أو بعد بلوغه مرتبة التمييز بين الرواة، أو
أنها كانت قبل ذلك.
٢- وقد يروي الإمام منهم عن أحد الرواة بعد اشتهاره بالانتقاء،
لكنه عندما روى عنه؛ ذهل عن هذا الشرط الذي التزمه مؤخراً.
وقد ذكر السخاوي في ((فتح المغيث)) (٢/ ٣٥ - ٣٦) هذين السببين،
فذكر احتمال ذهول الإمام عن قاعدته، أو كونه لم يسلك ذلك إلّا في آخر
أمره، قال: كما روى أنَّ ابن مهدي كان يتساهل أولًا في الرواية عن غير
واحد، بحيث كان يروي عن جابر الجعفي، ثم شدد، اهـ.
وفي ((الكفاية)) (ص: ١٥٤) نقل هذا الخطيب عن أحمد، فقال: قال
أبو عبدالله: كان عبدالرحمن أولًا يتسهّل في الرواية عن غير واحد، ثم
تشدد بعد، كان يروي عن جابر: قال - يعني: الجعفي -، ثم تركه، اهـ.
وما ذهب إليه السخاوي أدق مما ذهب إليه الخطيب، حيث اعتبر هذا
الشرط من الإمام؛ مع تسمية شيخه تزكية منه له.
٣- يحتمل أن الإمام الذي اشترط الانتقاء رأى حديثاً غريباً أو فائدة
عن أحد الشيوخ الذين ليسوا على شرطه، فلا يصبر على ترك هذا الحديث،
فيرويه عن ذلك الشيخ الضعيف إما للمعرفة والتحذير منه، وإما لاشتهار
الشيخ بالضعف، وإما للأصل، وهو جواز الرواية عن الضعفاء والمجهولين،
ومن أراد العمل بالحديث لزمه التفتيش عن حال رجاله، وانظر قصة حول
هذا في (المجروحين)) لابن حبان (٢٠٩/١) ترجمة جابر بن يزيد الجعفي،
وفي سند القصة نعيم بن حماد، وفيه كلام، والاعتماد في الجواب مع
السبب الأول أكثر من الاعتماد على السبب الثاني والثالث، كما لا يخفى.
٤- لو نظرنا إلى كل من وُصف بأنَّه ينتقي، رأينا منهم من يروي
عن المتروكين أو الضعفاء والمجهولين، أو عن أصحاب الوهم الخفيف،
٨٢

مما يدلنا على أن قولهم: ((فلان لا يروي إلا عن ثقة)) - على أحسن
أحواله - أنَّ المراد بالثقة ما هو أعم من رجال الصحيح والحسن، وهو كل
من يصلح أنْ يُحتج به، أو يستشهد به - وإن لم يُحتج بما تفرد به - وانظر
((شرح علل الترمذي)) (٣٧٦/١).
وقد قال ابن رجب في (١/ ٣٨٦ - ٣٨٧): والذي يتبين من عمل الإمام
أحمد وكلامه، أنّه يترك الرواية عن المتهمين، والذين كثر خطؤهم للغفلة
وسوء الحفظ، ويحدث عمن دونهم في الضعف، مثل من في حفظه شيء،
ويختلف الناس في تضعيفه وتوثيقه، وكذلك كان أبو زرعة الرازي يفعل. اهـ.
وعلى ذلك فلا تطمئن النفس إلى نسبة التزكية للشيخ من تلميذه،
فضلًا عن الاعتداد بها، ولكن لا يلزم من ذلك أيضاً أن يُهدر قول الإمام
منهم: ((لا أروي إلَّا عن ثقة))، وتكون روايته بمنزلة رواية غيره؛ الذي لم
يُعرف بالنقاوة في شيوخه، أو الذي عُرف بأنَّه يروي عن كل أحد.
والدليل على هذه التفرقة صنيع العلماء؛ فإنَّ رواية الثقات بصفة عامة
عن الراوي يَنْفع، فما ظنك برواية الأئمة الذي عُرفوا بالانتقاء؟!
وقد قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٣٦/٢):
(باب في رواية الثقة عن غير المطعون عليه، أنَّها تُقَوِّيه، وعن
المطعون عليه أنَّها لا تُقَوِّيه).
قال عبدالرحمن: سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة، مما
يقويه؟ قال: إذا كان معروفاً بالضعف، لم تقوه روايتهم عنه، وإذا كان
مجهولًا نفعه رواية الثقة عنه.
قال عبدالرحمن: سألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما
يقوي حديثه؟ قال: إي لعمري، قلت: الكلبي روى عنه الثوري، قال: إنما
ذلك إذا لم يتكلّم فيه العلماء، وكان الكلبي يُتكلّم فيه ...
قال أبو محمد: قلت لأبي: ما معنى رواية الثوري عن الكلبي، وهو
غير ثقة عنده؟ فقال: كان الثوري يذكر الرواية عن الكلبي على الإنكار
والتعجب، فتعلقوا عنه روايته عنه، وإن لم تكن روايته عن الكلبي قبوله، اهـ.
قلت: وقد تأملت صنيع الحافظ في ((التقريب)) فرأيته أحياناً إذا انفرد
٨٣

من ينتقي بالرواية عن شيخ، دون جرح أو تعديل في الشيخ، يقول: ثقة،
وأحياناً يقول: صدوق، وأكثر المواضع يقول: مقبول، وهذا هو الأولى،
فيكون الشيخ سالماً من جهالة العين، ومع ذلك لا يُحتج بحديثه، إلّا إذا
حفّته قرائن أخرى، والله أعلم.
ولما سألت شيخنا الألباني - حفظه الله - عن ذلك، ذكر أنّه ليس
عنده جواب قاطع في ذلك، إلّا أنّه مال إلى الاعتداد بالراوي، ما لم يكن
فيه مخالف. اهـ. وفيما سبق كفاية والله أعلم.
وقد صرَّح الحافظ ابن كثير في ((مختصر علوم الحديث)) بأن رواية من
ينتقي لا تكون توثيقاً، انظر الباعث)) (ص: ٢٩٠)، وفي ((تهذيب التهذيب))
(٨٩/١) ترجمة أحمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني روى عنه النسائي
وقال: ثقة، وقال الذهبي: لا يعرف، فتعقبه الحافظ فقال: بل يكفي في
رفع جهالة عينه رواية النسائي عنه، وفي التعريف بحاله توثيقه له.
(تنبيه):
يُعرف الراوي بالانتقاء: إذا صرح بذلك إمام، أو صرح هو عن نفسه
بذلك، كأن يقول: لا أروي إلّا عن ثقة، أو في صدري لفلان كذا وكذا
من الحديث، ولا أحدث به، أو لا أستجيز الرواية عنه، أو كتبت عنه كذا
وكذا، فما رويت عنه شيئاً، أو لو كان فلان ثقة لوجدته في كتبي، أو نحو
ذلك، والله أعلم.
س ٢٠٨: من هم الرواة الذين وصفوا بالانتقاء في مشايخهم؟
ج ٢٠٨: السبيل إلى معرفة ذلك سعة الاطلاع في كتب الجرح
والتعديل، والتصحيح والتعليل، وقد يسّر الله لي بالوقوف على عدد من
هؤلاء الرواة، ولا شك أنَّ من توسع في الاطلاع، فقد يقف على من لم
أقف عليه، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
وها أنذا أذكر هؤلاء الرواة، مرتّباً لهم على حروف المعجم، ليسهل
الرجوع إليهم على طالب العلم، وسأذكر - إن شاء الله عزّ وجلّ - عند كل
راوٍ من وصفه بذلك، ومصدر هذا الوصف، ولا أشترط الاستيعاب، مع بيان
٨٤

من اختلف فيه منهم، وترجيح ما أمكن ترجيحه، والعلم عند الله تعالى:
إبراهيم بن الحسين بن علي الهمذاني الكسائي - المعروف بابن
ديزيل، ويلقب بـ((دابة عفان)) -:
قال صالح بن أحمد الحافظ: سمعت أبي، سمعت علي بن عيسى
يقول: إنَّ الإسناد الذي يأتي به إبراهيم، لو كان فيه أن لا يُؤكل الخبز،
لوجب أن لا يؤكل، لصحة إسناده، اهـ من ((النبلاء)) (١٨٨/١٣) و((تذكرة
الحفاظ)) (٦٠٩/٢).
وهذا معناه أن ابن ديزيل ينتقي في الإسناد كله، فضلًا عن مشايخه،
والله أعلم.
إبراهيم بن يزيد النخعي:
قال ابن عبدالبر في ((التمهيد)) (٣٠/١): وأما الإرسال: فكل من عُرف
بالأخذ عن الضعفاء، والمسامحة في ذلك، لم يُحتج بما أرسله، تابعياً كان
أو من دونه، وكل من عُرف أنّه لا يأخذ إلَّا عن ثقة، فتدليسه ومرسله
مقبول، فمراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي
عندهم صحاح، اهـ، وانظر كلام ابن التركماني في ((الجوهر النقي))
(١٠٩/٥) من ((سنن البيهقي))، و((قواعد في علوم الحديث)) للتهانوي (ص:
٢١٧ - ٢١٨).
وقد قال الشافعي: وكان ابن سيرين وإبراهيم النخعي وغير واحد من
التابعين يذهب هذا المذهب، في أن لا يقبل إلّا ممن عرف، قال: وما
لقيت ولا علمت أحداً من أهل العلم بالحديث يخالف هذا المذهب اهـ من
(معرفة السنن والآثار)) للبيهقي (٨١/١) وانظر ((الكفاية)) (ص: ٢١).
· أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي - أبو بكر: صاحب
((المستخرج)) و((المعجم)) -:
٨٥

قال الإسماعيلي في خطبة ((المعجم)) (٣٠٩/١):
فإني استخرت الله - عزّ وجلّ - في حصر أسامي شيوخي الذين
سمعت منهم، وكتبت عنهم، وقرأت عليهم الحديث، وتخريجها على
حروف المعجم، ليسهل على الطالب تناوله، وليُرجع إليه في اسم إن التبس
أو أُشكل، والاقتصار منهم لكل واحد على حديث واحد يُستّغرب، أو
يُستفاد، أو يُستحسن، فينضاف إلى ما أردته من ذلك جمع أحاديث؛ تكون
فوائد في نفسها.
وأبيّن حال من ذممتُ طريقه في الحديث، بظهور كذبه فيه، أو اتهامه
به، أو خروجه عن جملة أهل الحديث، للجهل به، والذهاب عنه، فمن
كان عندي ظاهر الأمر؛ منهم لم أخرجه فيما صنفت من حديثي، وإن أثبتُ
أسامي من كتبت عنه في صغري إملاءً بخطي في سنة ثلاث وثمانين
ومائتين، فأنا يومئذ ابن ست سنين، فضبطته ضبط مثلي، من حيث يدركه
المتأمل له من خطي، وذلك على أني لم أخرج من هذه البابة شيئاً فيما
صنفت من السنين(١) وأحاديث الشيوخ.
والله أسألُ التوفيق لاستتمامه في خير وعافية، وأن ينفعني وغيري
به ... ، اهـ.
قلت: فهذا يدل على أنَّ من سكت عنه الإسماعيلي من مشايخه في
كتابه ((المعجم))، أنَّهِ مقارب الحال، وقد يصرح بالتعديل، وقد يصرح
بالتجريح، كما هو ظاهر لمن نظر في كتابه، والله أعلم.
أحمد بن الحسين أبو بكر البيهقي صاحب ((السنن الكبرى)).
قال في مقدمة «دلائل النبوة)) (١/ ٤٦- ٤٧): ويُعلم أنَّ كل حديث
أوردته فيه - أي: في ((دلائل النبوة)) - قد أردفته بما يشير إلى صحته، أو
تركته مبهماً، وهو مقبول في مثل ما أخرجته، وما عسى أوردته بإسناد فيه
(١) ينظر هل الصواب: (السنن)) أم لا؟
٨٦

ضعف أشرت إلى ضعفه، وجعلت الاعتماد على غيره ... إلى أن قال:
وعادتي في كتبي المصنفة في الأصول والفروع الاقتصار من الأخبار على ما
يصح منها، دون ما لا يصح، أو التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح،
ليكون الناظر فيها من أهل السنة على بصيرة مما يقع الاعتماد عليه، لا يجد
من زاغ قلبه من أهل البدع عن قبول الأخبار مغمزاً فيما اعتمد عليه أهل
السنة من الآثار.
هذا ومن أنعم النظر في اجتهاد أهل الحفظ في معرفة أحوال الرواة
وما يُقبل من الأخبار وما يُرد، علم أنهم لم يألوا جهداً في ذلك، حتى إذا
كان الابن يقدح في أبيه، إذا عثر منه على ما يوجب ردَّ خبره، والأب في
ولده، والأخ في أخيه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا تمنعه من ذلك
شجنة رحم ولا صلة مال، والحكايات عنهم في ذلك كثيرة، وهي في كتبي
المصنفة في ذلك مكتوبة، ومن وقف على تمييزي في كتبي بين صحيح
الأخبار وسقيهما، وساعده التوفيق؛ علم صدقي فيما ذكرته.
ومن لم ينعم النظر في ذلك، ولم يساعده التوفيق، فلا يغنيه شرحي
لذلك وإن أكثرت، ولا إيضاحي له وإن بلغت، كما قال الله - عزّ وجلّ -:
﴿وَمَا تُغْنِ اَلْأَيَتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾، اهـ
فهذا يدل على أن البيهقي ما لم يضعف حديثاً فهو عنده مما يحتج
به، وكون غيره لا يُسلم له نقده، فهذا أمر آخر، فلو عزا أحد توثيق
البيهقي - في الجملة - لراو أخرج له في مصنفاته، ولم يتعقب روايته بشيء
فلا غبار عليه، والله أعلم(١).
(تنبيه): الذي حملني على احترازي بقولي: ((ـ في الجملة -)) خشية
أن يكون البيهقي قد صحح الحديث بشواهده، وإن كان راوية لا يحتج به،
لكن لو كان عنده متروكاً؛ لما استشهد به، ففي صنيعه هذا مدح للراوي في
الجملة، والله أعلم.
(١) انظر الاستزادة في هذا الموضوع قواعد في علوم الحديث للتهانوي ص١١١ وحاشيته.
٨٧

· أحمد بن شعيب النسائي صاحب ((السنن)):
جاء في («الميزان)) (١١٥/١) ترجمة أحمد بن عبدالرحمن البُسْري، قال
الذهبي: حدث عنه النسائي، وحسبك به، اهـ.
وفي (تهذيب التهذيب)) (٨٨/١) ترجمة أحمد بن نفيل السَّكوني
الكوفي، روى عنه النسائي، وقال: لا بأس به، قال الذهبي: مجهول،
فتعقبه الحافظ وقال: قلت: بل هو معروف، يكفيه رواية النسائي عنه، اهـ.
وقد قال الذهبي - نفسه - في ((المغني)) (١٠٦/١ - ١٠٧) برقم
(٤٧٨): شيخ للنسائي لا يُعرف، لكن النسائي نظيف الشيوخ، وقد قال
فیه: لا بأس به اهـ.
وفي (تهذيب التهذيب)) (٨٩/١) ترجمة أحمد بن يحيى بن محمد بن
كثير الحراني، روى عنه النسائي، وقال: ثقة، وقال الذهبي في الطبقات: لا
يُعرف، فتعقبه الحافظ، فقال: بل يكفي في رفع جهالة عينه رواية النسائي
عنه، وفي التعريف بحاله توثيقه له، وانظر ((تهذيب التهذيب)) (١٧٩/١).
اهـ.
لكن جاء في ((تهذيب التهذيب)) (٣١٥/٩) ترجمة محمد بن
عبدالكريم بن محمد بن عبدالرحمن بن حويطب الحراني: قال حمزة
الكناني: سألت النسائي عنه، فقال: كتبت عنه شيئاً يسيراً، ولم أخرج عنه
إلا حديثاً واحداً في الصلاة، قلت: ما حاله، قال: لا أدري، اهـ، فهذا
يدل على أن بعض شيوخه لا يعرف حالهم، بل قد ذكر العلامة المعلمي -
رحمه الله - أنه قد يوثق المجاهيل من القدماء، انظر ((التنكيل)) (ص: ٢٥٥)
في باب كيف البحث عن أحوال الرواة، والله أعلم.
وقد يُخْتَجُّ على تساهل النسائي بقوله: لا يُتْرك الرجل عندي، حتى
يُجمع الجميع على تركه، إلا أن الحافظ بيّن أن هذا إجماع خاص، أي
إجماع المتشدد والمعتدل في الطبقة الواحدة، انظر ((النكت)) (٤٨٤/٤٨٢/١).
· أحمد بن محمد بن حنبل إمام أهل السنة:
٨٨

ذكر التهانوي في ((قواعد في علوم الحديث)) (ص: ٢١٨) أن الحافظ
الهيثمي قال في ((مجمع الزوائد»: ثابت بن عبدالله بن جُميع، روى عنه
أحمد، وشيوخه ثقات، اهـ وعزاه المحقق في الحاشية إلى (٨٠/١) من
«مجمع الزوائد»، ولم أقف عليه.
وفي ((تهذيب التهذيب)) (٩٤/١١) ترجمة الهيثم بن خارجة الخراساني،
قال عبدالله بن أحمد: كان أبي إذا رضي عن إنسان، وكان عنده ثقة، حدث
عنه وهو حي، فحدثنا عن الهيثم بن خارجة وهو حي، اهـ.
وفي ((تهذيب التهذيب)) (١١٤/٩) ترجمة محمد بن الحسن بن آتش،
قال الحافظ: وكلام النسائي فيه غير مقبول لأن أحمد وعلي بن المديني لا
يرويان إلا عن مقبول .... اهـ.
وذكر السخاوي في ((فتح المغيث)) (٤٢/٢) أن أحمد ممن كان لا
يروى إلا عن ثقة، إلا في النادر اهـ.
ومعلوم أن أحمد روى عن البعض المتكلم فيهم كما في ((تهذيب
التهذيب)) (٤٥٨/٩) ترجمة محمد بن مصعب بن صدقة القرقساني، قال أبو
داود: سمعت أحمد يقول: حديث القرقساني عن الأوزاعي مقارب، (وما)
له عن حماد بن سلمة ففيه تخليط، قلت لأحمد: تحدث عنه؟ قال: نعم
اهـ.
بل قد روى عن عامر بن صالح بن عبدالله بن عروة بن الزبير بن
العوام، الذي كذبه يحيى بن معين، ودهّاه آخرون، حتى قال أبو داود:
سمعت يحيى بن معين يقول: جُنَّ أحمد، يحدث عن عامر بن صالح اهـ
وهذا النص يدل على أن يحيى بن معين يرى رواية أحمد عن عامر خلاف
ما اشتهر عن أحمد من الانتقاء، وانظر ما قاله التهانوي حول رواية أحمد
عن المتكلم فيهم (ص: ٢١٩).
قد كان الإمام أحمد يشير على ولده عبدالله بالكتابة عمن يرضاهم
أحمد من أهل السنة الثقات، انظر ((تعجيل المنفعة)) (ص: ١٥) ترجمة
إبراهيم بن الحسن الباهلي العلاف المقرىء، وانظر (ص: ١٩) ترجمة
٨٩

إبراهيم بن عبدالله بن بشار الواسطي، فما كان أحمد ليضيق على ولده في
الرواية عن الضعفاء، ويوسّع لنفسه في ذلك، وانظر ذلك في ((التنكيل))
(ص: ٢٨٢) ترجمة إبراهيم بن شماس، (ص: ٦٥٨ - ٦٦٠) ترجمة
محمد بن أعين أبي الوزير، وانظر ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة
عبدالله بن أحمد بن حنبل والله أعلم.
إسماعيل بن علية هو ابن إبراهيم بن مقسم الأسدي - مولاهم أبو
·
بشر البصري -:
جاء في ((الميزان)) (٤١١/٤) ترجمة يحيى بن ميمون أبي معلى العطار:
بصري واهٍ عن سعيد بن جبير، كذبه الفلاس وغيره، قال الذهبي، قلت:
بل صدوق حدث عنه مثل شعبة وابن علية، واحتج به النسائي، اهـ.
فهذا القول بظاهره يدل على انتقاء ابن علية، مع أنه ليس ظاهراً في
ذلك، لاحتمال أن الذهبي مدحه لاحتجاج النسائي به، وهذا فرع عن توثيقه،
وإن كان ظاهر سياق كلام الذهبي، يشير إلى ما حررته أولًا، والله أعلم.
· إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي - مولاهم -:
جاء في ((تهذيب التهذيب)) (٢٩٢/١) ترجمة إسماعيل، قال العجلي:
وكان ربما أرسل الشيء عن الشعبي، فإذا وقف أخبر، وكان صاحب سنة،
وكان حديثه نحواً من خمسمائة حديث، وكان لا يروي إلا عن ثقة، اهـ.
قلت: ولم أجد الوصف بأنه لا يروي إلا عن ثقة في ((معرفة الثقات))
للعجلي، ولا في ((تاريخ الثقات)) للعجلي، ولا في ((تهذيب الكمال))، فلعل
الحافظ وقف على نسخة فيها ذلك.
مع أن يحيى بن سعيد قال: مرسلات ابن أبي خالد ليست بشيء، اهـ
من ((تهذيب التهذيب)) فهذا يدل على أنه لا ينتقي، والله أعلم.
· أيوب بن أبي تميمة السختياني:
٩٠

جاء في ((تهذيب التهذيب)) (٢٦٦/٧): قال أيوب: كنت أريد أن أرحل
إلى عكرمة؛ فإني لفي سوق البصرة، إذ قيل: هذا عكرمة، قال: فقمت إلى
جنب حماره، فجعل الناس يسألونه، وأنا أحفظ، وقال حماد بن زيد عن
أيوب: لو لم يكن عندي ثقة، لم أكتب عنه، اهـ ترجمة عكرمة البربري أبي
عبدالله المدني - مولى ابن عباس - إلّا أنَّ ابن أبي حاتم ساق سنده إلى ابن
معين، قال: حدّثني من سمع حماد بن زيد، يقول: سمعت أيوب وسئل
عن عكرمة: كيف هو؟ قال: لو لم يكن عندي ثقة لم أكتب عنه اهـ. فإن
كان ما في (تهذيب التهذيب)) من طريق هذا المبهم، فالعمدة على ما في
ترجمة أبي يزيد الآتية، وإن كان للحافظ طريق أخرى، فذاك.
وقد نقل ابن شاهين كلام أيوب في عكرمة، انظر ((تاريخ الثقات)) لابن
شاهين (ص: ٢٥٤) برقم (١٠١٩) ترجمة عكرمة بن عمار، مع أن قول
أيوب في عكرمة مولى ابن عباس، والله أعلم.
وفي ((تهذيب التهذيب)) (٢٠٨/١٢) ترجمة أبي يزيد المدني في أهل
البصرة، قال الآجري عن أبي داود: سألت أحمد عنه، فقال: تسألني عن
رجل روى عنه أيوب؟! اهـ وانظر ((سؤالات أبي داود لأحمد)) (ص: ٢١٠)
برقم (١٦٣)، وانظر ((شرح علل الترمذي)) (٣٥٥/١).
• بشر بن الحارث بن عبدالرحمن - المشهور بالحافي -، -
رحمه الله -:
- قال السلمي: وسألته ــ أي: الدارقطني - عن بشر بن الحارث
الحافي؟ فقال: زاهد، جبل، ثقة، ليس يروي إلا حديثاً صحيحاً، ورعاً،
تكون البلية ممن يروي عنه، اهـ من ((سؤالات أبي عبدالرحمن السلمي
للدار قطني)) (ص: ٦٨) برقم (٧٩) وانظر ((النبلاء)) (١٠/ ٤٧٤ - ٤٧٥).
وقد يقول قائل: قول الدارقطني: ليس يروي إلّا حديثاً صحيحاً،
ظاهره أنَّ بشر بن الحارث ممن ينتقي في الرواة، لكن هذه الكلمة
بالاستقراء لا يلزم منها الانتقاء الذي نحن بصدده، فالراوي إذا روى عن
٩١

ضعيف، وذكر اسمه، ولم يسقطه، فالعهدة في النكارة على الضعيف، لا
على الثقة الذي روى عنه، وإذا كان الثقة إذا سمي سمي ثقة، وكان من
دونه ثقة - أيضاً - فحديثه يكون صحيحاً، بمعنى: أنَّه لم يهم على الثقات،
لا أنَّه لا يروي إلّا عن ثقة، يدلُّك على ما ذكرت؛ بقية كلام الدار قطني:
((تكون البلية ممن يروي عنه)) أي: إن رأيت المناكير في حديثه، فمن
تلامذته، لا منه، والله أعلم.
والأمر كما قال القائل، إلا أن قول الدارقطني هذا في تلامذة
الحارث، يشير إلى أن مشايخه ليسوا كذلك، وإلا لقال: إذا روى عن ثقة،
وروى عنه ثقة؛ فحديثه صحيح، ولما لم يتكلم على مشايخه؛ دل هذا -
والله أعلم - على الانتقاء، ولأن الثقات الذين لا ينتقون، ويروون عن كل
ضرب، لا يتحملون عهدة نكارة أحاديث شيوخهم هؤلاء، إذا صرحوا
بأسمائهم، فلماذا لا يقال في أحدهم: ((لا يروى إلا حديثاً صحيحاً، كما
قال الدارقطني في بشر الحافي؟! فلما لم يقولوا فيهم هذه المقالة، دلّ ذلك
على أن قول الدارقطني يشير إلى ما فهمته منه، والله أعلم.
بقي بن مخلد بن يزيد - أبو عبدالرحمن الأندلسي القرطبي -:
جاء في ((تهذيب التهذيب)) (٢٢/١) ترجمة أحمد بن جوّاس: قال
الحافظ: وروى عنه بقي بن مخلد، وقد قال: إنه لم يحدث إلا عن ثقة، اهـ.
وفي (٣٠/١) ترجمة أحمد بن سعد بن الحكم، قال الحافظ: وروى
عنه بقي بن مخلد، وكان لا يحدث إلا عن ثقة، اهـ وانظر ((التنكيل)) (ص:
٣٠٥)، وفي (٤١٠/١) من ((تهذيب التهذيب)) ترجمة أيوب بن محمد بن
أيوب الهاشمي: قال الحافظ: وروى عنه بقي بن مخلد، ومن شأنه أن لا
يروي إلا عن ثقة، اهـ.
وفي (٣٩١/٦) ترجمة عبدالملك بن حبيب بن سليمان: قال الحافظ :
روى عنه ابن وضاح وبقي بن مخلد، ولا يرويان إلا عن ثقة عندهما، اهـ.
٩٢

وقد قال محقق ((تهذيب الكمال)) (٢٨٦/١) ترجمة أحمد بن جواس،
الحاشية (٢): وفي ((تاريخ قرطبة)) قال بقي: كل من رويت عنه فهو ثقة، اهـ.
· بکیر بن عبدالله بن الأشج القرشي - مولاهم -؛ - نزيل مصر -:
قال أحمد بن صالح المصري: إذا رأيت بكير بن عبدالله روى عن
رجل؛ فلا تسأل عنه؛ فهو الثقة الذي لا شك فيه، اهـ من ((تهذيب
التهذيب)) (١/ ٤٩٢ - ٤٩٣) ترجمة بكير بن عبدالله.
• جعفر بن محمد بن أبي عثمان أبو الفضل الطيالسي:
قال الخطيب: وكان ثقة ثبتاً، صعب الأخذ ... وساق الخطيب سنده
إلى يحيى بن معين، قال لجعفر: لو أدركت أنت زيد بن الحُباب وأبا أحمد
الزبيري لم تكتب (عنهما) - قال: يعني: في شدة أخذه عن الشيوخ - قلنا
لجعفر: لِمَ؟ قال: إنما كانوا شيوخاً. اهـ من (تاريخ بغداد)) (٧/ ١٨٨-
١٨٩) ترجمة جعفر الطيالسي.
· حبيب بن صالح الطائي :
في (تهذيب التهذيب)) (١٨٦/٢) عبارة لأبي زرعة الدمشقي، اعتراها
تصحيف، فيظن من وقف عليها أن حبيباً ممن ينتقي، وليس كذلك، بل
المراد أنّ شعبة هو الذي ينتقي، انظر ((تهذيب الكمال)) (٣٨٢/٥).
حبيب بن الشهيد الأزدي أبو محمد:
جاء في ((تاريخ الثقات)) لابن شاهين (ص: ٩٨) برقم (٢١٧): أخبرنا
يحيى بن محمد بن صاعد: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد:
حدثني أبي، قال: لقيت شعبة في الطريق، فقال: ما كان أبوك بأقلهم
حديثاً، ولكن كان شديد الاتقاء، اهـ، وسنده صحيح.
وهذا يدل على أنه ما كان يروي عن كل أحد، وإلا لکثر حديثه،
٩٣

وانظر ((تهذيب التهذيب)) (١٨٦/٢) ترجمة حبيب بن الشهيد، والله أعلم.
حريز بن عثمان الرحبي :
جاء في ((سؤالات الآجري)) (١٧٤١/٢٤٨/٢): قال الآجري: سألت
أبا داود عن سعيد بن مرثد الرحبي، فقال: من التابعين؛ ثقة، قلت: حدث
عنه حريز، قال: شيوخ حريز كلّهم ثقات، اهـ.
وقال فيه دحيم: حمصي، جيد الإسناد، صحيح الحديث، وقال
أحمد: صحيح الحدیث.
وقال ابن عدي: وحريز من الأثبات في الشاميين، ويحدث عن
الثقات ... ، اهـ. من ((تهذيب التهذيب)) (٢/ ٢٣٧ - ٢٤٠) ترجمة حريز.
ونقل الحافظ كلام أبي داود - مستدلاً به - في ((اللسان)) (٢/ ٣٦٠ -
٣٦١) ترجمة حمزة بن هانىء عن أبي أمامة الباهلي، وقال الذهبي في ابن
هانىء :... لا يعرف، وعنه حريز بن عثمان لكن شيوخ حريز وُثقوا. اهـ
(«الميزان)) (٥٩٧/٤).
• حسان بن عطية المحاربي - مولاهم؛ أبو بكر الدمشقي -:
قال خالد بن نزار: قلت للأوزاعي: حسان بن عطية عن من؟ قال:
فقال لي: مثل حسان كنا نقول له عن من؟!، اهـ من ((تهذيب التهذيب))
(٢٥١/٢).
وقد ساق ابن عساكر سنده إلى خالد بن نزار بهذه القصة - كما في
((تاريخ دمشق)) (٤٤٠/١٢) -، وهذا معناه: أن حسان كان رجلًا مهيباً
لجلالته وعلو قدره، وقد يكون بمعنى أنه ينتقي في الرواية، ويتحفظ في
روايته عن الضعفاء والمجهولين، ولا يروي إلا عن ثقة، فلا يحتاج إلى
سؤال، ولعل ذلك من أسباب علو قدره وجلالته عند تلامذته، وهذا بخلاف
ما فهمه مُخْتصر ((تاريخ دمشق)) (١٤٥/٤) لثناء الأوزاعي على حسان، وقد
تكلمت على ذلك في ((شفاء العليل)) (١/ ٧٢ - ٧٣)، فارجع إليه.
٩٤

ومما يدل على ذلك قول ابن سيرين: كانوا لا يسألون عن الإسناد،
فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة، فيؤخذ
حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم، اهـ من ((مقدمة مسلم))
(٤٤/١)، فترك السؤال عن الإسناد، سببه الثقة في الواسطة، وذلك بالثقة
في نقد الناقل، والله أعلم.
• زائدة بن قدامة الثقفي أبو الصلت:
قال العجلي في ((تاريخ الثقات)) (ص: ١٦٣) برقم (٤٥٢): ثقة لا
یحدث أحداً حتی یسأل عنه، فإن کان صاحب سنة حدثه، وإلا لم يحدثه، اهـ.
فإذا كان لا يحدث إلّا سُنّياً، فمن باب أولى أن لا يحدث إلا عن
سني مرضي عنده؛ لأنَّ المشهور: أنَّ الذين ينتقون، إنّما ينتقون في المشايخ
والانتقاء في التلاميذ - قليل جداً -، فيستبعد أن يلتزم زائدة بذلك في
التلاميذ - مع أنَّه لا يلحقه من رواية غير المرضي عنه عيب - ويسهّل في
روايته عن غير المرضيين، وهذا مما يلحقه به عيب، وانظر ((النبلاء))
(٣٧٧/٧)؛ ولذلك قال الحاكم في ((المستدرك)) (٢١١/١): وقد عُرف من
مذهب زائدة أنَّه لا يحدِّث إلّا عن الثقات، اهـ ــ ك/ الصلاة، ب/ من كتاب
الإمامة وصلاة الجماعة، وانظر ((تهذيب التهذيب)) (٣/ ٣٠٦ - ٣٠٧)،
و ((النبلاء)) (١٨٩/١٣).
زيد بن أسلم العدوي - أبو أسامة المدني -:
قال العطاف بن خالد: حدث زيد بن أسلم بحديث، فقال له الرجل:
يا أبا أسامة! عمن هذا؟ فقال: يا ابن أخي! ما كنا نجالس السفهاء، اهـ،
من ((تهذيب التهذيب)) (٣٩٦/٣) لكن العطاف صدوق يهم، ففي النفس من
هذا شيء، لا سيما وزيد قد ذكر عنه ابن عبدالبر في ((التمهيد)) (١/ ٣٦ -
٣٧) ما يدل على التدليس، وانظر ((تهذيب التهذيب)) (٣٩٧/٣)، وقد ذكره
الحافظ في المرتبة الأولى؛ الذين يدلسون نادراً، ولكن قد يقال: الضعيف
إذا حكى قصة، دل على أنه قد ضبطها، فالله أعلم.
٩٥

سعید بن المسیب بن حزن المخزومي - أبو محمد -:
وصفه بذلك ابن عبدالبر في ((التمهيد)) (٣٠/١) وقد سبق في ترجمة
إبراهيم بن يزيد النخعي، وانظر هناك المصادر الأخرى.
• سفيان بن عيينة الهلالي أبو محمد:
قال ابن حبان في مقدمة ((صحيح ابن حبان)) (١٦١/١) - أثناء كلامه
على ردّ رواية المدلس -: اللّهم إلا أن يكون المدلِّس يُعلم أنه ما دلس -
قط ــ إلا عن ثقة، فإذا كان كذلك قُبلت روايته، وإن لم يُبيّن السماع،
وهذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده؛ فإنه كان يدلس، ولا يدلس
إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه؛ إلا وُجد
ذلك الخبر بعينه قد بيَّن سماعه عن ثقة مثل نفسه، والحكم في قبول روايته
لهذه العلة، وإن لم يبين السماع فيها، كالحكم في رواية ابن عباس إذا روى
عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما لم يسمع منه، اهـ.
وفي ((التبيين لأسماء المدلسين)) لبرهان الدين الحلبي (ص: ٩٤) برقم
(٢٩) ترجمة سفيان بن عيينة: لكنه لم يدلس إلا عن ثقة كثقته.
وحكى ابن عبدالبر عن أئمة الحديث أنهم قالوا: يُقبل تدليس ابن
عيينة؛ لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما، وهذا ما
رجحه ابن حبان ... ، اهـ.
وكلام ابن عبدالبر موجود في ((التمهيد)» (٣١/١)، قال برهان الدين
الحلبي: وقد سبق ابن عبدالبر أبو بكر البزار وأبو الفتح الأزدي - أي إلى
هذه الدعوى -، اهـ.
وفي الحاشية (ص: ٩٦) برقم (٧): في هامش (س) لفظ ابن
الملقّن: وصرح بذلك أبو الفتح الأزدي والبزار، وإن كانت هذه صفته،
وجب قبول حديثه، وكذا قال أبو بكر الصيرفي في ((دلائله)): كل من ظهر
تدليسه عن غير الثقات، لم يُقبل خبره حتى يقول: حدثني أو سمعت،
انتهى لفظ ابن الملقن - رحمة الله عليه -، وفي ((النبلاء)) (٤٦٢/٨): قال
٩٦

ذؤيب بن عمامة السهمي: سمعت ابن عيينة يقول: سمعت من صالح مولى
التوأمة هكذا وهكذا، وأشار بيديه - يعني: كثرةً - سمعت منه ولعابه يسيل،
فقال عبدالرحمن بن أبي حاتم: فلا نعلمه روى عنه شيئاً، كان منتقداً
للرواة. اهـ.
وفي ((مقدمة مسلم)) (١/ ٦٢ - ٦٣) من طريق الحميدي قال: حدّثنا
سفيان، قال: سمعت جابراً يحدث بنحو من ثلاثين ألف حديث، ما أستحل
أن أذكر منها شيئاً، وأن لي كذا، وكذا. اهـ.
وهذا كله يدل على ورع سفيان في الرواية، وتحاشيه من رواية
المناكير، لأنّ استكثار المحدثين أمر مشهور، ولا يصبر على ترك هذا القدر
من الحديث، إلّا إمام ورع ناقد بصير، والله أعلم.
وقال الدارقطني :... وأما ابن عيينة فكان يدلس عن الثقات. اهـ من
(تهذيب التهذيب)) (٤٠٥/٦) ترجمة عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج
المكي، وانظر كلام الدارقطني في ((سؤالات الحاكم)) (ص: ١٧٥) برقم
(٢٦٥)، اهـ.
وهناك من ذكر أن ابن عيينة دلس عن الحسن بن عمارة أحد
المتروكين، وقد أفادني بعض طلبة العلم، أنه قد بحث هذا السند؛ فرأى أن
ابن عيينة روى الحديث بذِكر الحسن بن عمارة، وبدون ذكره، وأن من رواه
عنه بذكر الحسن بن عمارة، أرجح ممن رواه عنه بإسقاط الحسن، وانظر
(فضائل الصحابة)) لأحمد (٣٤/٧١/١) برقم (٣٠٢٩) و((العلل)) لأحمد برقم
(٢٥٣٢) و((العلل)) للدارقطني (١٤٤/٣) السؤال (٣٢٣) مع الحاشية، وترجمة
أبي بكر في ((تاريخ دمشق))، فإن كان ما أفادني به ذاك الأخ صحيحاً؛
فذاك، وإلا فيحمل على أن تدليس ابن عيينة عن الثقات، إلا في النادر،
والله أعلم.
بقي أن يقال: هذا نص العلماء فيما دلس فيه ابن عيينة، لكن: هل
يكون كذلك فيما صرح بالسماع؟ وأنه إن صرح بالسماع سمي شيخاً ثقة
كذلك، أم لا؟
٩٧

· وجه من يراه كذلك: أنه إذا كان يدلس - والتدليس مظنة الريبة - لا
يدلس إلا عن ثقة، فكيف إذا صرح بالسماع؟ ووجه من لا يراه كذلك،
قول من قال: من أسند فقد أحالك، ومن أرسل فقد كفاك، أي: أنه لدينه
وأمانته إذا أسقط شيخه؛ تحرى ثقته؛ لأنه يعلم أن من سمع منه، فسيعمل
بخبره، كي لا يدخل في الدين ما ليس منه، أما إذا أظهر شيخه، فمن
احتاج للعمل بخبره فتّش عن حاله، وعهدة الراوي تبرأ بذكره اسم من
حدثه .
هذا وجه القولين، ولكني لم أقف على من توقف في مشايخ ابن
عيينة إذا صرح بالسماع؛ ولذا فالراجح عندي أنه يُذكر في جملة من ينتقي -
في الجملة - والله أعلم.
· سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني:
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٢/١): ومن كان من مشايخ
الطبراني في ((الميزان)) نبهت على ضعفه، ومن لم يكن في ((الميزان)) ألحقته
بالثقات الذين بعده ... اهـ.
وهذا من تساهل الهيثمي - رحمه الله -، لأنَّ الشيخ قد يكون مجهولًا
وليس في ((الميزان)) بل قد يكون شديد الضعف، ومع ذلك لا يوجد في
((الميزان))، وفي ((اللسان)) زوائد لم توجد في أصله، كما هو ظاهر.
· سليمان بن حرب الأزدي الواشحي:
جاء في ((الجرح والتعديل)) (٢٥٥/٧) ترجمة محمد بن أبي رزين: قال
أبو محمد: سئل أبي عنه، فقال: شيخ بصري، لا أعرفه، لا أعلم روى
عنه غير سليمان بن حرب، وكان سليمان قلَّ من يرضى من المشايخ، فإذا
رأيته قد روى عن شيخ، فاعلم أنه ثقة، اهـ، وانظر ((الميزان)) (٥٤٥/٣)
ترجمة محمد بن أبي رزين.
وقد قال أبو حاتم - كما في ((الجرح والتعديل)) (١٠٨/٤) في ترجمة
٩٨

سليمان بن حرب -: إمام من الأئمة، كان لا يدلّس، ويتكلم في الرجال
وفي الفقه، اهـ وانظر ((تهذيب التهذيب)) (١٧٩/٤) ترجمة سليمان، وانظر
((فتح المغيث)) (٤٢/٢) فقد ذكره مع جماعة.
وقول أبي حاتم ((كان لا يدلس))، يحتمل أمرين لا ثالث لهما عندي:
الأول: أن يكون هناك من اتهم سليمان بالتدليس، وأراد أبو حاتم أن
يدافع عن سليمان، فقال ما قال، ولم أقف على أحد قد رماه بالتدليس.
الثاني: أن يكون المراد من هذا أن سليمان ينتقي في المشايخ، ولا
يحدث عن المجهول أو الضعيف؛ لأن الحامل للمدلسين - غالباً - على
التدليس ضعفُ شيوخهم، أما سليمان فإنه يفاخر بشيوخه، فيذكرهم
ویسمیھم .
ومما يدل على تعيُّن هذا الوجه: ما قاله أبو حاتم من قبل، وما اشتهر
عن سليمان من التحري والتحفظ فيمن يحدث عنهم.
فإن قيل: وهل كل من لا يدلس كذلك؟
قلت: الرواة على أقسام:
منهم من صرح بعض الأئمة بأنه يدلس، ومنهم من صرح بعض الأئمة
بأنه لا يدلس - كما في سليمان بن حرب - ومنهم من لم يُذْكَر بهذا ولا
ذاك.
والذي يصح أن يقال: إنه ينتقي، من كان من القسم الثاني فقط.
فإن قيل: قولهم: فلان لا يدلس، يُراد منه - فقط - نفي تدليس
الراوي .
قلت: ولماذا لم يقولوا هذا في كل من لا يدلس، أو في كثير
منهم؟! وهذا مما يُدلك عن أن قولهم: ((فلان لا يدلس)) مدح رفيع، وليس
مجرد الدفاع عن الراوي، والله أعلم.
· شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي - أبو بسطام الواسطي -:
٩٩

جاء في ((الميزان)) ترجمة توبة بن عبدالله - أبي صدقة - (٣٦١/١):
قال الأزدي: لا يحتج به، قال الذهبي: قلت: ثقة روى عنه شعبة، اهـ.
وفي (٣٩٩/١) ترجمة جعدة عن أم هانىء، قال الذهبي: روى عنه
شعبة: لا يُدرى من هو، لكن شيوخ شعبة عامتهم جياد، اهـ.
وفي (٥٣٢/٢) ترجمة عبدالأكرم بن أبي حنيفة عن أبيه، وعنه شعبة،
لا يُغْرف، لكن شيوخ شعبة جياد، وقال أبو حاتم: شيخ، اهـ.
وفي ((فتح المغيث)) (٤٢/٢) ذكره السخاوي فيمن كان لا يروي إلا
عن ثقة، إلا في النادر، وذكر أن ذلك في شعبة على المشهور؛ فإنه كان
يتعنت في الرجال، ولا يروي إلا عن ثبت، وإلا فقد قال عاصم بن علي:
سمعت شعبة يقول: لو لم أحدثكم إلا عن ثقة، لم أحدثكم إلا عن ثلاثة،
وذلك اعتراف منه بأنه يروي عن الثقة وغيره، فينظر، وعلى كل حال فهو
لا يروي عن متروك، ولا عمن أجمع على ضعفه، اهـ.
قلت: والذي يظهر لي من قول شعبة: (( ...... لم أحدثكم (إلا)
عن ثلاثة))، أنه يقصد نوعاً معيناً من الثقات، وهم الأئمة المشاهير، وإلا
ففي مشايخ شعبة من يوصف بكونه: (ثقة)) عدد كثير، والله أعلم.
وفي ((الكامل)) لابن عدي (٨٣/١) قول لحمزة بن زياد الطوسي نحو
قول عاصم بن علي السابق، والله أعلم.
وذكر في (٨٤/١) قولًا مقيداً، مع التصريح بثلاثة مشاهير، فارجع إليه
إن شئت.
وفي ((الضعفاء الكبير)) للعقيلي (٤٣/٣) قال شعبة: نعم الشيخ
عبدالحميد بن بهرام، ولكن لا تكتبوا عنه، فإنه يروي عن شهر بن
حوشب، اهـ فإذا كان يُنكر على غيره، فإنه لا يقع فيما أنكر، وفي
(المجروحين)) لابن حبان (٢٠٩/١) ترجمة جابر بن يزيد الجعفي، قال ابن
حبان: فإن احتج محتج بأنه شعبة والثوري رويا عنه؛ فإن الثوري ليس من
مذهبه ترك الرواية عن الضعفاء، بل كان يؤدي الحديث على ما سمع، لأن
١٠٠