Indexed OCR Text
Pages 281-300
أقول: ومن نظر في هذه الأقوال تبين له شدة ضعف ابن حميد، وذلك لوجوه : = أولًا: تكذيب أهل بلده له، وكما قال المؤلف - حفظه الله تعالى - أنَّ أهل بلد الرجل أعلم به من غيره. الأمر الثاني: أنَّ هذا التجريح لم يكن كله بالتجريح المبهم، حتى يقال: التعديل يقدم على الجرح المبهم، بل جاء مفسراً في أكثر المواضع كما نقل عن أبي حاتم وأبي زرعة وغيرهم من الأئمة ولا شك أنّ الجرح المفسر مقدم على التعديل. الأمر الثالث: أنَّ قول المجرحين من أهل بلده ومن الغرباء لا يعارض بقول المعدلين وذلك لما تقدّم من أنَّ الجرح المفسّر مقدّم على التعديل، وأنَّ الذين جرحوه هم جمع غفير من الأئمة يفوق أضعاف عدد المعدّلين بكثير فترجح كفتهم على كفة من عدّله. الأمر الرابع: أنَّ من نظر في كلام المعدلين ومنهم على سبيل المثال الإمام أحمد يجد كلامه ليس بصريح في التعديل بل يشعر أنَّ أحمد لم يعرفه المعرفة التامة التي تؤهله إلى الحكم عليه وقد صرّح بذلك ابن خزيمة - رحمه الله - فقد قال أبو علي النيسابوري : قلت لابن خزيمة: لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه فقال: إنّه لم يعرفه ولو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلًا، وهذا صريح فيما أردناه والله المستعان، وأمّا عن توثيق ابن معين له، فقد شهر عن ابن معين - رحمه الله تعالى - توثيق بعض من لم يعتد بهم كابن حميد هذا، فقد ذكر ابن الجنيد أنّه سأل ابن معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي فقال: ((ما كان به بأس)) فحكى له عنه أحاديث تستنكر، فقال ابن معين: ((فإن كان هذا الشيخ روى هذا فهو كذاب، وإلّا فإنّي رأيت حديث الشيخ مستقيماً، قال المعلمي - رحمه الله تعالى - في ((تنكيله)) (ص: ٢٥٦): وكان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخاً فسمع منه مجلساً، أو ورد بغداد شيخ فسمع منه مجلساً فرأى تلك الأحاديث مستقيمة ثم سئل عن الشيخ؟ وثقه وقد يتّفق أن يكون الشيخ دجالًا استقبل ابن معين بأحاديث صحيحة ويكون قد خلط قبل ذلك أو يخلط بعد ذلك اهـ. قلت: وكلام ابن معين معتبر عندنا إلّا في مثل هذه الحالة فإنّه يحتمل فيه ما نقلنا عن المعلمي - رحمه الله تعالى -. وخلاصة الأمر: ما قاله علامة القطر اليماني المعلمي - رحمه الله تعالى -: أنَّ الراوي الذي يطعن فيه محدثو بلده طعناً شديداً لا يزيده ثناء الغرباء عليه إلّا وهناً، لأنَّ ذلك يشعر بأنّه كان يتعمد التخليط فتزين لبعض الغرباء واستقبله بأحاديث مستقيمة فظن أنَّ ذلك شأنه مطلقاً فأثنى عليه وعرف أهل بلده حقيقة حاله. قلت: وهذه حال ابن حميد هذا فكيف وقد عضد قولهم بقول غيرهم ممن ليس من محدثي بلدهم، والله أعلم. ٢٨١ = س ١٣٥ : هل يجوز العمل بالحديث الضعيف؟ ج ١٣٥: إن الله سبحانه وتعالى قد أمرنا أن نعبده بما شرع لنا، وبما أرسل به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والأحاديث الضعيفة لا يُتعبَّد بها. فالعلم قال الله قال رسوله إن صح والإجماع فاجهد فيه فالأحاديث الضعيفة - لا سيما في هذا الزمان - ضررها شديد؛ فإننا نرى كثيراً من الخطباء والوعاظ وأصحاب المنابر، يتكلمون بالأحاديث الضعيفة والمنكرة والباطلة، محتجين بأن بعض أهل العلم رخص في العمل بالأحاديث الضعيفة، في فضائل الأعمال، وفي الحقيقة مع أنَّ هذا القول غير راجح، إلّا أنَّهم لم يلتزموا بالشروط التي ذكرها أهل هذا القول في رواية الأحاديث الضعيفة؛ فإنَّهم اشترطوا أن لا يكون الحديث ضعيفاً ضعفاً شديداً، واشترطوا أيضاً أن يكون له أصل، أو قاعدة كلية يندرج تحتها، وزاد الحافظ ابن حجر؛ أنَّه لا يُشْهرَ ذلك كي لا يُعْتَقَد أنَّه سُنة، كما في (تبيين العجب))، ولا يكون في العقيدة والأحكام، وأن يُعتقد عند العمل به ضعفه، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - المقصود باندراج هذا الضعيف تحت أصل عام، وذلك بأن يكون الحكم الذي تضمنه هذا الحديث الضعيف، بعينه ثابتاً من وجه آخر صحيح أو حسن، وانفرد الحديث الضعيف بذكر ثواب أو عقاب لهذا الفعل، فذكر هذا يُشَوِّق النفس للعمل أو يرهبها، وبيّن - رحمه الله -، أنَّ الحديث الضعيف لا يثبت به حكم الاستحباب بمفرده؛ لأنَّه قول على الله بغير علم، ولا تثبت به عبادة وراجع ترجمة ابن حميد في المصادر الآتية: ((الجرح والتعديل)) (٢٣٢/٧) ((الضعفاء)) = للعقيلي (٤ / رقم ٧٣٣)، ((الكامل)) (٢٢٧٧/٦ - ٢٢٧٨)، ((المجروحين)) لابن حبان (٣٠٣/٢ - ٣٠٤)، ((تاريخ بغداد)) (٢٥٦/٢ - ٢٩٤)، ((تهذيب الكمال)) (٩٧/٢٥ - ١٠٨)، ((ميزان الاعتدال)) (٥٣٠/٣)، ((سير أعلام النبلاء)) (٥٠٣/١١ - ٥٠٦)، ((تاريخ الإسلام)) ((وفيات سنة ثمان وأربعين ومائتين))، ((تهذيب التهذيب)) (١٢٧/٩ - ١٣١). اهـ. ٢٨٢ بهيئة معينة - وإن كان في فضائل الأعمال -، إلى آخر ما بينه - رحمه الله - من قيود لهذه القاعدة، انظر ((الفتاوى)) (٦٥/١٨ - ٦٦) ومقدمة ((صحيح الترغيب والترهيب)) و(تمام المنة)) و(صحيح الجامع)) لشيخنا الألباني - حفظه الله تعالى - ومتع به. فبعض الناس يفهم خطأً، كبعض الصوفية الذين يخترعون بعض الأذكار أو الأوراد، ويتعبدون الله - سبحانه وتعالى - بأذكار ما أذن الله بها، ولا أذن بها رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإذا نهيتهم قالوا: إنَّ هذا يندرج تحت آية عامة، فإن الله قد مدح الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والأمر ليس كذلك، فلا بد وأن يكون لهذا الأمر بعينه أصل في السنة، وإلّا فمن الممكن أن أي إنسان يبتدع بدعة في الدين، ويدخلها تحت قاعدة عامة، فمثل هذه الاستحسانات المجردة عن الدليل، تجدها عند الخطباء الذين يدندنون بأحاديث لا أصل لها ولا خُطُم ولا أَزِمّة، وهذا من شؤم الأحاديث الضعيفة، ومن شؤم هذه القاعدة التي أخذوا بها، وتركوا الأحاديث الصحيحة، وذهبوا إلى الأحاديث الضعيفة والقصص والمنكرات، وقصدهم في ذلك جمع العامة حولهم بالقصص والمنكرات، فأنا أنصح طالب العلم ألا يُشْغِل نفسه بحديث ضعيف، لكن لا يتسرع في الحكم عليه بأنَّه حديث ضعيف، فعليه أن یتثبت، ويرجع إلى الكتب والمراجع التي هي مظنّة هذا الحديث، فإذا تبين له أنَّ هذا الحديث ضعيف، فإنَّه ينبذه نبذ النواة، فلا يقبله ولا يعمل به، ويحذّر من العمل به، ويبيِّنه للناس، ونجد بعض الناس يقول: أنا ذكرته عند العامة بصيغة التمريض، كقوله: ((رُوي أو ذُكر أو قيل)) والعامة مساكين لا يعرفون التمريض ولا الجزم، فهذا من التلبيس على الناس والتدليس - والعياذ بالله -؛ لأن فاعل ذلك يقصد شيئاً، والناس يفهمون شيئاً آخر، فالواجب على طالب العلم من باب النصح لله ولرسوله وللمؤمنين أئمتهم وعامتهم: أن يبين أنَّ هذا حديث ضعيف، والعامة - بل - وكثير من الخاصة أصبحت هممهم قاصرة تُجاه الأحاديث الثابتة، وعندهم رغبة في الأحاديث الضعيفة، ويجتمع الجموع من الناس فيسمعون هذه القصص الساقطة، ويهزون رؤوسهم، بل ويبكون، وهذا كله من كيد الشيطان، والمشتغل بذلك ما معه شيء، وعلمه مثل السراب، ٢٨٣ يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، فهو يظن أنَّ معه علماً كثيراً، ويغتر بالتفاف العامة حوله، فإذا به عند الحاجة إليه، وعند طلب الدليل منه على كيفية عبادته، أو على فتواه، فلا تجد معه إلّ القصص والمرسلات والمقطوعات والحكايات التي لا يقوم لها أصل، ولا يُرفع بها رأس. ووراء ذلك أمر آخر وهو: هل نحن انتهينا من العمل بالأحاديث الصحيحة؟! هل نحن استوعبنا الأحاديث الصحيحة، وعملنا بكل ما فيها، وأتقنّاها، وما بقي إلّا أن نذكر الأحاديث الضعيفة في باب الفضائل وباب المناقب، وغير ذلك (١)؟! ومن أودية الأحاديث الضعيفة المغازي والسير، والمناقب والملاحم والفتن، كما قال الإمام أحمد - رحمه الله _(٢)، ومسألة التفرقة بين الأحكام والفضائل: فيها نظر، فالأحكام المعروفة عند أهل الأصول خمسة: الواجب والحرام والمكروه والمستحب والمباح. وما من حديث ضعيف، إلّا وفيه حكم من هذه الأحكام، فأين الأحاديث التي لا تتصل بباب الأحكام؟ وإن كانوا يقصدون بباب الأحكام باب الصلاة والزكاة والبيوع والنكاح والطلاق ونحو ذلك، فيقال لهم: والأبواب الأخرى فيها أحكام أيضاً. (١) قال الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ٢١٢): وبسنده إلى عبدالرحمن بن مهدي: لا ينبغي للرجل أن يشغل نفسه بكتابة أحاديث الضعفاء فإن أقل ما فيه أن يفوته بقدر ما يكتب من حديث أهل الضعف يفوته من حديث الثقات. اهـ. قلت: وإذا كان هذا في الكتابة فمن باب أولى في الراوية، والله أعلم. قال المؤلف: ولا يلزم من ذلك أن يكون كلام ابن مهدي منزلًا على أهل الضعف الخفيف. اهـ. (٢) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في ((لسان الميزان)) (١٣/١): وقال الإمام أحمد ثلاثة كتب ليس لها أصول وهي: المغازي والتفسير والملاحم، قال الحافظ : قلت: ينبغي أن يضاف إليها الفضائل فهذا أودية الأحاديث الضعيفة، والموضوعة إذا كانت العمدة في المغازي على مثل الواقدي وفي التفسير على مثل مقاتل والكلبي، وفي (الملاحم)) على الإسرائيليات، وأمَّا الفضائل فلا تحصي كم وضع الرافضة في فضل أهل البيت وعارضهم جهلة أهل السنة بفضائل معاوية وبفضائل الشيخين وقد أغناهما الله وأعلى مرتبتهما عنها. اهـ. ٢٨٤ وقد دخل البلاء على أهل البدع بسبب العمل بالأحاديث الضعيفة، وتوسعهم في ذلك، فأنصح كل طالب علم أن يُقبل على العلم النافع، وأن يشمر عن ساعديه في حفظ الأحاديث الصحيحة، وفي البحث عنها، وفي القراءة فيها، فإنَّها كنوز في بطون هذه الكتب، وبعد ذلك إذا ملأ جَعْبَته من الأحاديث الصحيحة؛ فإنَّه إن شاء الله سينفر بطبعه وسجيَّته من الأحاديث الضعيفة، ولا يُقبل عليها، أقول ذلك وأدري: أنَّ من أهل العلم من رخص في رواية الضعيف بتلك الشروط، بل من كبار أهل العلم مثل الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وغيره من رخّصوا في ذلك(١)، لكن كما قلت من قبل: إنَّ المسائل الخلافية، نُحَكُم فيها القواعد، وننظر فيها إلى المصالح والمفاسد، وأيضاً فالذين يحتجون بهذه القاعدة ما وقفوا عند ضوابطها، مما أدى إلى فساد عظيم، والعلم عند الله تعالى. س ١٣٦: إذا سكت أبو حاتم على الراوي في كتاب ((الجرح والتعديل)) هل يكون مجهول الحال؟ ج ١٣٦: أولًا كتاب ((الجرح والتعديل)) هو لابن أبي حاتم، وهو في هذا الكتاب يسأل أباه وأبا زرعة، وتأتيه أقوال عن الإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما بواسطة عبدالله بن أحمد وغيره، فإذا ذكر الرجل، وذكر تلامذته وشيوخه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، فقد بيّض له؛ عسى أن يقف على كلام فيه، فيلحقه به، كما نص على ذلك في المقدمة(٢)، وقد (١) انظر ((الكفاية)) (ص: ٢١٢ - ٢١٣). (٢) قال ابن أبي حاتم في بيان منهجه في كتابه ((الجرح والتعديل)): (( ... على أنّا قد ذكرنا أسامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل كتبناها ليشتمل الكتاب على كل من روى عنه العلم رجاء وجود الجرح والتعديل فيهم فنحن ملحقوها بهم بعد - إن شاء الله تعالى - اهـ. (٣٨/٢). ولذلك قال الحافظ ابن كثير في ذكره لموسى بن جبير الأنصاري السلمي - مولاهم -: ( ... وذكره ابن أبي حاتم في كتاب ((الجرح والتعديل)) ولم يحك فيه شيئاً من هذا ولا هذا ((فهو مستور الحال)) ((تفسير القرآن العظيم)) (١٣٨/١) وفي ((ذيل ميزان الاعتدال)) للعراقي ترجمة مهدي بن عيسى أبي الحسن الواسطي. ٢٨٥ = فهم بعض المشايخ المعاصرين أن سكوت ابن أبي حاتم عليه، يكون توثيقاً (١)، ولكن ردَّ عليه بعضهم، وبيّن أن المسكوت عليه عند أبي حاتم، أو في كتاب الجرح والتعديل، ليس معناه أنَّه ثقة عنده، والسبب في ضعف هذه القواعد راجع إلى عدم الاستقراء التام. فأنا أنصح كل من أراد أن يدعي قولًا، أو يقعد قاعدة: أن يبذل الوسع في مطالعة كلام الأئمة، لأنَّ القواعد كما يقول أهل العلم: يُسْتَدل لها، ثم يُستدل بها. فالصواب أن نقول فيمن كان هذا حاله: أورده ابن أبي حاتم في كتاب ((الجرح والتعديل))، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلًا، ثم ننظر إلى عدد الرواة عنه، فإن كانوا عدداً ترتفع بهم الجهالة، رفعنا جهالة العين إلى جهالة الحال، وإلّا بقي على جهالة العين، وإن ارتفع عن جهالة العين، فلا يلزم منه توثيق، ويبقى على جهالة الحال، حتى يُذكر فيه توثيق أو تجريح، والله أعلم(٢). قال ابن القطان: مهدي هذا لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحاً ولا تعديلًا، فهو عنده = مجهول الحال، وفي ((بيان الوهم والإيهام)) لابن القطان (٣٩٠/٣ رقم ١١٣٠). قال ... ذكر هذا الخلاف فيه البخاري ولم يعرِّف هو ولا ابن أبي حاتم من حاله بشيء فهي عندهما مجهولة. اهـ. (١) ممن يذهب إلى تلك القاعدة من المعاصرين، الشيخ عبدالفتاح أبو غدة كما في تحقيقه على ((الرفع والتكميل)) الطبعة الثالثة (٢٣٠ - ٢٤٨). (٢) ممن ذهب إلى ذلك ونصره علامة عصرنا ومجدد قرننا الشيخ ناصر الدين الألباني - حفظه الله تعالى - في ((الضعيفة)) (٣١٢/١، ٣١٣). فقد ذكر كلام ابن خزيمة في عمرو بن حمزة القيسي، وقوله فيه: ((لا أعرفه بعدالة ولا جرح وتعقب ابن المنذر له بقوله: قد ذكرهما ابن أبي حاتم ولم يذكر فيهما جرحاً، قال الشيخ: فكان ماذا؟ فإنَّه لم يذكر فيه توثيقاً أيضاً، فمثل هذا أقرب إلى أن يكون مجهولًا عند ابن أبي حاتم من أن يكون ثقة عنده وإلّا لما جاز له أن يسكت عنه ويؤيد هذا قوله في المقدمة: على أنّا ... إلخ ثم قال: فهذا نص منه على أنّه لا يهمل الجرح والتعديل إلا لعدم علمه بذلك، فلا يجوز أن يتخذ سكوته عن الرجل توثيقاً منه له، كما يفعل ذلك بعض أفاضل عصرنا من المحدثين اهـ. قال عداب الحمش في كتابه ((رواة الحديث)) (١٢٤) ويقصد ببعض أفاضل العصر الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله تعالى - فإنّه يذهب هذا المذهب أحياناً. اهـ. ٢٨٦ س ١٣٧ : إذا جاء الحديث موصولاً، وفيه ضعف ينجبر، وجاء مرسلاً صحيحاً، فما درجته؟ ج ١٣٧: إذا كان موصولًا فيه ضعف، وجاء مرسلًا صحيحاً، فالحديث يحسن بذلك، لكن لا بد من معرفة مخرج الحديثين، هل هو مخرج واحد، أم مختلف؟ فيُنظر إلى الطريق التي نعدّها متابعة للطريق الأخرى، فهل هي من نفس المخرج؟ أم أنَّها من طريقين مختلفين؟ فإن كانتا من جهتين مختلفتين: فهذه تقوي تلك(١)، أمّا إذا كان المخرج واحداً؛ فيُحكم للراجح، كما سبق ذلك، فقد يُحكم على ذلك بعلة الحديث، ولا تكون هذه الطرق نافعة بل تضر (٢)، لذا فأنصح بالتنبه لذلك، فإني قد رأيت بعض المشتغلين بالتحقيق، من لا يفرق بين الطريق التي تكون متابعة ومقوية للطريق الأخرى الضعيفة، وبين الطريق التي تعلها وتزيدها ضعفاً، والله المستعان . س ١٣٨: هل سكوت الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - على (١) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في رسالته: القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد، قال - رحمه الله - معلقاً على الأحاديث: في رواية هذا الحديث من لا يعرف حاله إلّا أنَّ كثرة الطرق إذا اختلفت المخارج تزيد المتن قوة، والله أعلم اهـ. من (ص: ٨٩)، ومن كلام الحافظ - رحمه الله تعالى - يظهر أنَّ الحديث الضعيف لا يكون حسناً إلّا إذا كثرت الطرق واختلفت المخارج، وليس هذا على إطلاقه، وذلك لأنَّ الضعف يتفاوت فمنه ما لا يزول بالمتابعات كرواية الكذابين أو المتروكين ونحوهم، والشاهد من نقل كلام الحافظ - رحمه الله تعالى - هو اشتراط اختلاف المخارج كما نبه على ذلك المؤلف - حفظه الله تعالى - والله أعلم. (٢) قال ابن دقيق العيد ((رحمه الله تعالى)): المعروف عندهم أن الطريق إذا كان واحداً، ورواه الثقات مرسلًا، وانفرد ضعيف برفعه؛ أن يعللوا المسند بالمرسل، ويحملوا الغلط على رواية الضعيف. فإذا كان ذلك موجباً لضعف المسند، فكيف يكون تقوية له. اهـ من ((نصب الراية)) (٨/٣). وفيه كذلك (٩٨/١) قال ((الزيلعي)) وتقديم إرسال الأحفظ على إسناد من دونه مشهور في الأصول. اهـ. ٢٨٧ حديث في ((الفتح)) أو ((التلخيص الحبير)) يدل على صحة الحديث أو حسنه عنده؟ ج ١٣٨: أما من ناحية ((الفتح)) فقد صرح الحافظ - رحمه الله - في المقدمة بأنّه سيشرح ((الصحيح)) ويذكر الزيادات التي أخرجها أصحاب كتب السنة، فالذي يتكلّم عليه فذاك حكمه، وما سكت عنه فهو شريطة الصحة أو الحسن، هكذا صرح الحافظ في بداية ((هدي الساري)) (١)، وهذا مقيد (١) أقول: شرط الحافظ - رحمه الله تعالى - مقيد فيما كان زيادة في بعض طرق الحديث الذي أصله في الصحيح وليس المقصود بذاك كل ما يورده من أحاديث مستدلاً بها لأهل المذاهب الفقهية وغيرها. ويظهر ذلك من شرطه - رحمه الله تعالى - في ((هدي الساري)) (ص: ٤): ((في قوله: فإذا تحررت هذه الفصول وتقررت هذه الأصول فتحت شرح الكتاب مستعيناً بالفتّاح الوهاب فأسوق - إن شاء الله - الباب وحديثه أولًا، ثم أذكر وجه المناسبة بينهما إن كانت خفية، ثم أستخرج ثانياً ما يتعلّق به غرض صحيح في ذلك الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية من تتمات وزيادات وكشف غامض وتصريح مدلس بسماع ومتابعة سامع، من شيخ اختلط قبل ذلك: منتزعاً كل ذلك من أمَّهات المسانيد والجوامع والمستخرجات، والأجزاء والفوائد بشرط الصحة، أو الحسن. فيما أورده من ذلك ... إلخ. ومع التأمل يتّضح أنَّ شرط الحافظ ابن حجر - رحمه الله - ليس في كل ما يورده في ((الفتح))؛ إنّما هو خاص بالفوائد المتنية والإسنادية من تتمات وزيادات على أصل الحديث الذي في الصحيح وقد أخذت واستفدت هذه الفائدة في أثناء دراستي مع شيخنا الفاضل أبي الحسن - حفظه الله تعالى - وقال - حفظه الله - أيضاً في أثناء تدريسه لنا: ومع هذا التقييد لما فهمناه من قبل، أي: الإطلاق الوارد في جوابه على سؤال السائل، لم يوف الحافظ ــ رحمه الله تعالى - بشرطه أيضاً ففي حديث: ((من استجمر فليوتر))، قال وزاد أبو داود: ((ومن لا فلا حرج)) وهي زيادة حسنة الإسناد، مع أنّه - رحمه الله - قد ترجم لاثنين من رواته بالجهالة اهـ. أقول: وكما نبّه الشيخ - حفظه الله تعالى - فقد ذكر الحافظ هذه الزيادة في ((التلخيص الحبير)) (١١٣/١) قال ومداره على أبي سعد الحيراني الحمصي وفيه اختلاف وقيل: أنَّه صحابي ولا يصح. قلت: وفي ((التقريب)) ترجم له بمجهول، قال الحافظ: والراوي عنه حصين الحيراني، وهو مجهول، وقال أبو زرعة: شيخ وذكره ابن حبان في ((الثقات))، قلت: وكذلك = ٢٨٨ بما يذكره من تتمات إسنادية ومتنية لحديث الباب، وليس المقصود بذلك كل ما يورده من أحاديث يُستدل بها للمذاهب الفقهية وغيرها، لكن الحقيقة؛ أنَّه - رحمه الله - ما وَفَّى بذلك، وأكبر شاهد على ذلك ما بان لي في عملي في المجلد الأول من ((الفتح)، فقد بان لي أحاديث كثيرة سكت عنها، وهي ضعيفة، بل أحاديث صرَّح بحسنها، وهي ضعيفة، وأحاديث صرح بأنّها على شرط مسلم، مع هذا فهي شاذة، كما في زيادة التسمية عند دخول الخلاء في حديث أنس، فزيادة التسمية هنا ضعيفة شاذة، وقد جمعت طرقها وتكلَّمت عليها في تحقيقي للفتح ((تحفة القاري بدراسة وتحقيق فتح الباري)) وشيخنا الألباني - حفظه الله - حكم عليها أيضاً بالشذوذ، إلّا أنَّ شيخنا الألباني - حفظه الله - اعتبر لها شاهداً من حديث آخر: ((ستر ما بين عورة بني آدم وأعين الجن؛ إذا دخلوا الخلاء أن يقولوا: بسم الله)) هذا ما قوي به الحديث السابق شيخنا الألباني - حفظه الله - في ((إرواء الغليل)) وفي ((تمام المنة)) لكن الحديث لا يرتقي للقوة، فبقيتُ على أنَّ البسملة في دخول الخلاء شاذة، فهذا دليل من الأدلة التي فيها تصريح الحافظ ابن حجر بالصحة أو الحسن، ولم يسلم له بذلك، وكثير الأحاديث التي سكت عنها لم يُسَلَّم له بذلك، وأمّا عن ((التلخيص)) فلم أقف على شرط له فيه، وفيه أحكام على أحاديث ورجال، ينازع فيها (١)، والله أعلم. حكم عليه كشيخه بالجهالة في ((التقريب))، والله أعلم. اهـ. = أقول: هذا وقد نقل المباركفوري - رحمه الله - في (تحفة الأحوذي)) (٩٠/٢) كلام الحافظ السابق ثم قال فقوله: ((بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك يدل على أنَّ حديث وائل وكذا حديث هلب الطائي عنده صحيح أو حسن فتفكر! أقول: ويقيد كلام المباركفوري بالتقييد السابق الذي ذكره شيخنا - حفظه الله تعالى - والله أعلم، وممن ذهب إلى ذلك أيضاً، التهانوي كما في ((قواعد في علوم الحديث)) (ص: ٨٩)، قال: ما ذكره الحافظ من الأحاديث الزائدة في ((فتح الباري)) وسكت عنه فهو صحيح أو حسن عنده كما صرّح به في ((مقدمته)) اهـ. (١). قال الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - في ((رسالة مناسك الحج والعمرة) (ص: ٣٤) : = ٢٨٩ س ١٣٩: ذكر بعض العلماء كما في ((تدريب الراوي) في آخر الكلام على الحديث المقلوب، أنَّ الحديث المرسل أحسن من الحديث المدلّس، فما وجه ذلك؟ ج ١٣٩: لو نظرنا إلى الفرق بينهما من جهة الاتصال وعدمه، فالمدلَّس أحسن حالاً من المرسل(١)، لأنَّ التدليس انقطاع خفيف، بل هو مظنّة انقطاع، ونحن حين نقف في عنعنة المدلس؛ لا لجزم بأنَّه لم يسمع هذا الحديث بعينه من شيخه، بل لريبة في أنفسنا من عنعنته، أو من الصيغة المحتملة التي أتى بها المدلِّس، أما المرسل فهو ما أضافه التابعي إلى رسول الله، دون ذكر من حدّثه بذلك؛ لأنَّه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قطعاً، فهو انقطاع جلي، لكن لو نظرنا إلى هذا الأمر المسؤول عنه من جهة أخرى، وهي الأسباب التي تحمل المدلسين على التدليس، والأسباب التي تحمل المرسلين على الإرسال، لعلمنا صحة ما قاله هؤلاء العلماء (٢)، فالمدلسون غالباً لا يدلسون إلّا الجرح في مشايخهم، وأمّا المرسِلون فقد يرسلون؛ لأنَّهم في مجلس وعظ (( ... وقد قواه ابن القيم في ((التهذيب)) والحافظ ابن حجر في ((التلخيص)) بسكوته = عليه ... إلخ اهـ. وقال التهانوي في ((قواعد في علوم الحديث)) (ص: ٨٩) وكذا سكوت الحافظ عن حديث في ((التلخيص الحبير)) دليل على صحته أو حسنه فإن الشوكاني - رحمه الله - ربّما يحتج بسكوته في ((التلخيص)) أيضاً كما يحتج بسكوته في ((الفتح)) يظهر ذلك بمراجعة ((نيل الأوطار)) وقد ذكر أبو غدة أمثلة على ذلك مجمل هذه الأمثلة أنَّ الشوكاني يورد الحديث ثم يقول سكت عليه الحافظ وليس في ذلك دلالة على ما ذهبا إليه والله أعلم. (١) ذكر ذلك الحافظ السيوطي في ((تدريبه)) بعد نقله لكلام الزركشي فيما ضعف لا لعدم اتصاله وهو سبعة أصناف شرها الموضوع، ثم المدرج، ثم المقلوب، ثم المنكر، ثم الشاذ، ثم المضطرب، ثم قال السيوطي: وهذا ترتيب حسن، وينبغي جعل المتروك قبل المدرج، وأن يقال فيما ضعّفه لعدم اتصاله: شره المعضل ثم المنقطع، ثم المدلس ثم المرسل: وهذا واضح ((تدريب الراوي)) (٢٩٥/١). (٢) انظر أسباب الإرسال في السؤال رقم (٢٣)، وأسباب التدليس في السؤال رقم (٢٤). ٢٩٠ أو مناظرة أو غير ذلك، وقد ذم الأئمة التدليس ولم يذموا الإرسال، لما سبق ذكره من الإيهام الحاصل في التدليس، بخلاف الإرسال، والله أعلم. س ١٤٠: ألا يصح أن يقال جواباً على السؤال السابق: إن المرسل في طبقة القرون المفضلة ولذلك قدِّم على المدلس؟ ج ١٤٠: هذا الجواب ليس مطرداً، فقد وقع التدليس من جماعة من مشاهير التابعين وأتباعهم، وهم من أهل القرون المفضلة بلا شك، وهذا الجواب الذي ذكرته سابق مطرد، ولا يرد عليه ما ورد على هذا الجواب والعلم عند الله - تعالى -. س ١٤١: ما الفرق بين قولهم: ((هذا إسناد رجاله ثقات)) وقولهم: ((هذا إسناد رجاله رجال الصحيح))؟ ج ١٤١: القول الأول أعلى وأرفع من القول الثاني؛ لأنَّ من رجال ((الصحيح)) من لا يصل إلى درجة من يقال فيه: ((ثقة))، فمنهم من يقال فيه: ((صدوق)) أو ((لا بأس به))، بل منهم من يقال فيه: ((صدوق سيء الحفظ))، أو ((ضعيف))؛ وإنَّما أخرج له صاحب ((الصحيح)) بعد الانتقاء من روايته ما علم أنَّ له أصلًا، أو ما توبع عليه، أو من أصوله وكتبه، ولم يأخذ عنه من حفظه، هذا مع أنَّ كلا القولين لا يلزم منه صحة السند - فضلاً عن صحة الحديث - لأنَّه قد يكون أحد الثقتين لم يسمع ممن فوقه في السند، أو قد يكون في سماع أحد الثقتين من الآخر كلام، وإنَّما تقبل رواية كل منهما إذا لم يجتمعا في سند واحد، أو قد يكون في السند شذوذ، وذلك بعد جمع الطرق، الله أعلم (١). (١) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((النكت)) (٢٧٤/١ - ٢٧٥): ولا يلزم من كون رجال الإسناد من رجال الصحيح أن يكون الحديث الوارد به صحيحاً، لاحتمال أن يكون فيه شذوذ أو علّة، وقال في موضع آخر، وليس فيه حكم على الحديث بالصحة لما قدمناه من أنّه لا يلزم من كون الإسناد محتجاً برواته في ((الصحيح)) أن يكون = ٢٩١ س ١٤٢ : هل يلزم من صحة السند أو ضعفه، صحة المتن أو ضعفه؟ ج ١٤٢: لا يلزم ذلك؛ لأنَّ السند قد يكون ضعيفاً، لكن المتن ورد من طرق أخرى صحيحة، أو حسنة، أو ضعيفة ضعفاً ينجبر، فيتقوى بها الحدیث . وأمّا قولهم: ((صحة السند لا يلزم منها صحة الحديث أو المتن)) فالمقصود منه صحة السند في الظاهر، أي: وبعد جمع الطرق اتضح لنا في السند شذوذ، فلو قُيدت هذه العبارة بالظاهر لكان أولى، ويكون الصواب في هذه العبارة: ((لا يلزم من صحة السند في الظاهر صحة المتن أو الحديث)) لأنَّ السند الذي فيه شذوذ ووهم ليس صحيحاً في الحقيقة، والشذوذ علَّة تقدح في الصحة، والشاذ من جملة الضعيف، والله أعلم(١). الحديث الذي يروى به صحيحاً لما يطرأ عليه من العلل، وقد صرّح ابن الصلاح بهذا = في مقدمة شرح مسلم فقال: ((من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه بأنّه من شرط الصحيح عند مسلم فقد غفل وأخطأ بل ذلك يتوقف على النظر في أنّه کیف روى عنه وعلی أي وجه روی عنه)). اهـ. وممن صرّح بذلك - أيضاً - الحافظ الزيلعي - رحمه الله - كما في ((نصب الراية)) (٣٤٧/١). قال: وصحة الإسناد يتوقف على ثقة الرجال، ولو فرض ثقة الرجال لم يلزم منه صحة الحديث، حتى ينتفي منه الشذوذ والعلّة. اهـ. بل قال ابن الجوزي - رحمه الله -: وقد يكون الإسناد كله ثقات، ويكون الحديث موضوعاً أو مقلوباً أو قد جرى فيه تدليس، وهذا من أصعب الأمور، ولا يعرف ذلك إلّا النقاد. اهـ من ((الموضوعات)) (٩٩/١ - ١٠٠). (١) وممن نصّ على ذلك الإمام ابن الصلاح - رحمه الله - كما في ((مقدمته)) (ص: ١١٣)، ونقل الصنعاني في ((التوضيح)) (١٩٥/١ - ١٩٦) من فهرست الحافظ ابن حجر - رحمه الله - أنّه قال: فائدة عزيزة النقل كثيرة الجدوى والنفع، وهي: من المقرر عندهم أنَّه لا تلازم بين الإسناد والمتن لشذوذ أو علة وقد لا يصح السند ويصح المتن = ٢٩٢ س ١٤٣: أحياناً نرى أئمة الجرح والتعديل يصفون الراوي بأنّه حافظ، أو متقن، أو بصير بعلل الحديث، فهل يُقبل حديث هؤلاء، مع أنَّهم لم يصرحوا بعدالتهم في الدين؟ ج ١٤٣: سبق أن ذكرتُ أنَّ الراوي إذا كان مشهوراً بالطلب، ولم يُتَكلَّم فيه بجرح، فهو محمول على الاستقامة في حديثه(١)، كما نصّ على ذلك جمع من العلماء كابن القطان والمزي والذهبي وابن حجر؛ لأنَّه لو كان مطعوناً عليه في دينه، لتكلّموا فيه بالجرح، ولصاحوا بعيبه، فكونه مشتغلًا بالحديث، فهذا يؤدي إلى إتقانه له واطلاعه على خباياه، ثم سكوت المجرّحين عنه، والدواعي متوفرة لذكر الجرح لو كان موجوداً، إما غَيْرة على الدين، أو لاختلاف المذاهب والعقائد، فكونه مشهوراً بالرحلة وكثرة الحديث والمشايخ، وسَلِمَ مع ذلك من الجرح، فهذا يدل على عدالته في الحديث(٢)، والحال هنا من باب أولى؛ لأنَّ المدح بالحفظ والإتقان ومعرفة = من طريق أخرى، فلا تنافي بين قولهم: هذا حديث صحيح لأنَّ مرادهم به اتصال سنده مع سائر الأوصاف في الظاهر، لا قطعاً لعدم استلزام الصحة لكل فرد من أسانيد ذلك الحديث، فعلم أنَّ التقييد بصحة السند ليس تصريحاً في صحة المتن ولا ضعفه، بل هو على الاحتمال فهو دون الحكم بالصحة أو الحسن للمتن إذ لا احتمال حينئذ. اهـ. وانظر كلام العراقي في ((التبصرة)) (ص: ١٣٦)، و((فتح المغيث)) للسخاوي (٣١٠/١). (١) سبق في السؤال رقم (٥٢). (٢) قال السخاوي في ((فتح المغيث)) (٣٢٢/١ - ٣٢٨): ومما تثبت به العدالة - أيضاً - وهو الاستفاضة (استغناء ذي الشهرة) ونباهة الذكر بالاستقامة والصدق، مع البصيرة، والفهم وهو الاستفاضة (عن تزكية) صريحة كـ(مالك) هو ابن أنس (نجم السنن)، كما وصفه به إمامنا الشافعي - رحمهما الله - وكشعبة، ووكيع، وأحمد، وابن معين ومن جرى مجراهم فهؤلاء وأمثالهم كما قال الخطيب وقد عقد باباً لذلك في كفايته فيمن لا يسأل عن عدالتهم وإنّما يسأل عن عدالة من كان في عداد المجهولين أو كلام خفي أمره على الطالبين ... قال: ومن هنا لما شهد أبو إبراهيم المزني صاحب الشافعي عند القاضي بكار بن قتيبة - رحمهم الله - وقيل له: إنّه أبو إبراهيم ولم يكن يعرفه قبلها فقال: تقام البينة عندي بذلك فقط . ٢٩٣ = العلل درجة أعلى من مجرد الشهرة بالطلب، والرجل لا يكون حافظاً بصيراً بالعلل إلّا إذا طال اشتغاله بهذا الفن، وجمع فيه العالي والنازل، والمشهور والغريب، وعرف مخارج الأحاديث، وعرف الراوي وروايته، حتى يتهيأ للحُكم على الحديث بالصحة أو الضعف، ولم ينبغ في باب العلل إلّا القليل النادر، فلو كان هذا البارع في هذا الشأن مجروح العدالة، لصاحوا به، والله أعلم. س ١٤٤: فماذا لو قيل: وكذلك المجهول لو كان مجروحاً لصاحوا به، فيجب أن يحمل على أنّه ثقة، أو على الأقل أنَّه يحتج بروايته؟ ج ١٤٤: ليس هذا الإلزام بصحيح، لوجود الفارق بين هذه الحالة والحال الأولى التي في السؤال السابق، فالراوي في الحالة الأولى مشهور، ومعروف بالاشتغال بالحديث، ومثل هذا المشهور يلتقي به النقاد المعاصرون له، ويرى حديثه النقاد المتأخرون عنه، فسكوت هؤلاء جميعاً عن الكلام فيه دليل على ثقته؛ لأنَّ الدواعي متوفرة للطعن فيه، إذا كان ثَمَّ سبب لذلك، فلمّا لم يُنقل علمنا أنَّه ثقة؟ أضف إلى ذلك أنَّ الاشتغال بالعلم سبب إتقانه، وهذا بخلاف الرجل المجهول، الذي قد لا يسمع به النقاد، وقد لا يقع حديثه لهم، من أجل أن يحكموا عليه بمدح أو قدح، أو قد يكون حديثه قليلًا، فلا يتمكن الناقد من الكلام عليه، كما سبق في غير هذا الموضع. فكيف يقال: هما سواء؟! فما بينهما وجه للتماثل أو التشابه، والله أعلم (١) . وقال الذهبي - رحمه الله -: إنّه حق ولا يدخل في ذلك المستور فإنّه غير مشهور بالعناية = بالعلم فكل من اشتهر بين الحفّاظ بأنّه من أصحاب الحديث وأنّه معروف بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره، فما وجدوا فيه تبيناً، ولا اتّفق لهم علم بأن أحداً وثّقه، فهذا الذي عناه الحافظ وأنّه يكون مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه جرح ... إلخ. اهـ. وانظر ما سبق في السؤال رقم (٥٢) والله أعلم. (١) ويشهد لذلك ما مر من نقل السخاوي عن الذهبي - رحمهما الله -. ٢٩٤ س ١٤٥: ما معنى وصفهم للراوي بأنّه حافظ أو من الحفّاظ؟ ج ١٤٥: الأصل في ذلك أنَّ الراوي يتقن حديثه ويحفظه حفظ صدر، فيؤدي الحديث متى ما طلب منه على وجه واحد، ويكون مع هذا من المكثرين؛ لأنَّ الراوي إذا كان مقلًا، ويتقن هذا القليل، فلا يسمى حافظاً، إنَّما يوصف بذلك من جمع بين الإتقان وسعة الحصيلة، وهؤلاء هم الأئمة المشاهير في الراوية، وقد يجمع بعضهم مع ذلك الخبرة في علل الأحاديث، وهؤلاء هم الأئمة النقاد الذين يُؤخذ بقولهم في حديثهم وحديث غيرهم، مع أنَّه لا يلزم من ذلك نفي الخطأ اليسير الذي قد يقع في السند أو في المتن، كما حدث لمالك وشعبة وغيرهما، إلّا أنَّ هذا اليسير ينغمر في سعة علمهم ومعرفتهم، هذا هو المشهور من إطلاق لفظ ((الحافظ)) على أحد الرواة (١)، إلا أننا أحياناً نرى هذا اللفظ على غير ذلك، فقد يطلقه أحد الأئمة على من كثر علمه، واتسعت حصيلته في الحديث - وإن كان سيء الحفظ ــ ومن طالع ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي رأى عدداً ليس بالقليل من هذا الصنف، وأحياناً يطلقونه ويقصدون بذلك ضبط الكتاب، لا ضبط الفؤاد، وقد بيَّنت ذلك كلّه في ((شفاء العليل))(٢)، فيجب على الطالب والناظر في (١) قلت: وقد اشترط الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في ((النكت)) (٢٦٨/١) شروطاً للتسمية بالحافظ منها : ١ - الشهرة بالطلب والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف. ٢ - المعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم. ٣ - المعرفة بالتجريح والتعديل، وتمييز الصحيح من السقيم حتى يكون ما يستحضره من ذلك أكثر ما لا يستحضره استحضاراً لكثير من المتون. قال الحافظ: فهذه الشروط إذا اجتمعت في الراوي سموه حافظاً. (٢) في ((شفاء العليل)) (٣٣٤/١، ٤٦٥ - ٤٦٦): ومن الأمثلة التي ذكرها المؤلف - حفظه الله - على ذلك ما جاء في ((النبلاء)) (٦٢٤/١٠) ترجمة عبدالله بن عمرو بن أبي الحجاج المقعد الإمام الحافظ المجود. قال أبو زرعة: ثقة حافظ، قال الذهبي: ويعني أنّه كان متقناً محرراً لكتبه. اهـ. هذا وقد يطلق الحافظ على غير ذلك، ففي ((النبلاء)) (١٠١/١٩) ترجمة النَّعالي الشيخ = ٢٩٥ تراجم الرواة التيقظ للقرائن التي تنقل اللفظ إلى غير ما اشتهر فيه، والله أعلم. س ١٤٦ : ما هي الأسباب التي تؤدي إلى قلب الحديث سنداً أو متناً؟ ج ١٤٦: هذا راجع إلى حال الرواة: فإن وقع من رجل سيء الحفظ: علمنا أنَّ ذلك راجع إلى سوء حفظه، وأنَّه لم يتعمد ذلك، بل وقع منه على سبيل الوهم(١)، وإن وقع هذا من كذاب سارق: علمنا أنَّ ذلك وقع منه عمداً، وقصد بذلك الإغراب، وادعى ما لم يسمع، ليرحل المحدثون إليه(٢)، وإذا وقع هذا من أحد الأئمة النقاد: علمنا أنَّه قصد المعمر، مسند العراق، أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة النعالي = البغدادي الحمَّامي (الحافظ) يعني يحفظ ثياب الحمّام وغلته. اهـ. وفي ((لسان الميزان)) (٢٦٨/٢) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: وكان يعرف بالحافظ؛ لأنّه كان يحفظ ثياب الناس في الحمام. اهـ. (١) قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٨٧٤/٢): ومن أمثلته في الإسناد ما رواه ابن حبان في ((صحيحه)) من طريق مصعب بن المقدام عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر - رضي الله عنه - قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يمس الرجل ذكره بیمینه)) . قال أبو حاتم في ((العل)): وهذا وهم فيه مصعب، وإنّما حدث به الثوري عن معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه. هذا وقد سرد الحافظ - رحمه الله - جملة من الأمثلة على المقلوب في الإسناد والمتن (٨٧٤/٢ - ٨٨٦) فليراجعها من شاء والله أعلم. (٢) قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٨٦٤/٢ - ٨٦٦): فممن كان يفعل ذلك عمداً لقصد الإغراب على سبيل الكذب: حماد بن عمرو النصيبي وهو من المذكورين بالوضع . من ذلك روايته عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤوهم بالسلام ... )) الحديث. فإنَّ هذا الحديث قال العقيلي: لا يعرف من حديث الأعمش وإنَّما يعرف من رواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. قلت: كذلك أخرجه مسلم وغيره. ٢٩٦ = اختبار ضبط الراوي، وهل هو ممن يتقن الحديث، أو يقبل التلقين، أو غير ذلك؟ لكن في جواز هذه الحالة خلاف، واشترطوا لجوازها أن يبين الناقد أن الحديث مقلوب، كي لا يتحمله الجالسون وهو مقلوب(١)، والله أعلم. فجعل حماد بن عمرو الأعمش موضع سهيل ليغرب به، هذا في الإسناد. = وأما في المتن، فكمن يعمد إلى نسخة مشهورة، بإسناد واحد فيزيد فيها متناً أو متوناً ليست فيها، كنسخة معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - وقد زاد فيها وكنسخة مالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - زاد فيها جماعة عدة أحاديث ليس منها، منها القوي والسقيم وقد ذكر جلّها الدارقطني في غرائب مالك. اهـ. وانظر ((توضيح الأفكار)) (١٠٢/٢)، الله أعلم. (١) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((النكت)) (٨٦٦/٢): وممن كان يفعل ذلك لقصد الامتحان كان شعبة يفعله كثيراً لقصد اختبار حفظ الراوي، فإنَّ أطاعه على القلب عرف أنَّه غير حافظ، وإن خالفه عرف أنَّه ضابط وقد أنكر بعضهم على شعبة ذلك لما يترتب عليه من تغليط من يمتحنه فقد يستمر على روايته لظنه أنّه صواب، وقد يسمعه من لا خبرة له فيرويه ظناً منه أنّه صواب لكن مصلحته أكثر من مفسدته. اهـ. وفي ((النزهة)» (ص: ١٢٧) قال: وشرطه أن لا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة . اهـ. وممن فعل ذلك يحيى بن معين مع أبي نعيم الفضل بن دكين بحضرة أحمد بن حنبل، وروى الخطيب من طريق أحمد بن منصور الرمادي، قال: خرجت مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين إلى عبدالرزاق، فلما عدنا إلى الكوفة، قال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل: أريد أن أمتحن أبا نعيم فنهاه أحمد فلم ينته، فأخذ ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثاً من حديث أبي نعيم وجعل على رأس كل عشرة أحاديث حديثاً ليس من حديثه، ثم أتينا أبا نعيم، فخرج إلينا فجلس على دكان حذاء بابه، وأقعد أحمد عن يمينه، ويحيى عن يساره، وجلست أسفل، فقرأ عليه يحيى عشرة أحاديث وهو ساكت، ثم الحادي عشر، فقال أبو نعيم: ليس هذا من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشرة الثانية وقرأ الحديث الثاني فقال أيضاً: ليس من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشرة الثالثة، وقرأ الحديث الثالث، فتغير أبو نعيم ثم قبض على ذراع أحمد فقال: أما هذا فورعه يمنعه عن هذا، وأما هذا وأومأ إلى فأصغر من أن يعمل هذا، ولكن هذا من عملك، يا فاعل، ثم أخرج رجله فرفس يحيى بن معين وقلبه عن الدكان وقام فدخل داره، فقال له أحمد: ألم أنهك؟ وأقل لك: إنّه ثبت؟ فقال له يحيى: هذه الرفسة أحب إلي من سفري. انتهى من ((النكت)) (٨٦٦/٢ - ٨٦٧). وفي ((سير أعلام النبلاء)) ترجمة الحسن بن سفيان (١٥٨/١٤ - ١٥٩): ٢٩٧ = س ١٤٧ : هل من الممكن أن الراوي الثقة يروي الأحاديث المنكرة؟ ج ١٤٧: الأصل في الراوي الثقة أنَّ حديثه مستقيم سنداً، مشهور متناً، لكن قد يروي الأحاديث المنكرة، وذلك إذا كان ممن يروي عن كل أحد، ولا ينتقي في مشايخه، والمشايخ الضعفاء والمجهولون يروون المناكير، فتقع المناكير في حديثه، لكن العهدة على غير هذا الثقة (١)، وقد يكون مدلساً، فإن صرح بالسماع عن الضعفاء، وإلّا لزقت العهدة به، وتُكُلّم فيه بسبب ذلك، وقد يهم الثقة فيغلط في الراوية، لكن ذلك نادر وغير فاحش، وإلّا اهتزت الثقة به، والله أعلم(٢) . قال الحاكم: سمعت محمد بن داودَ بنِ سليمان يقول: كنّا عندَ الحسن بن سفيان، = فدخل ابن خزيمة، وأبو عمرو الحيري، وأحمد بنَ علي الرازي، وهم متوجهونَ إلى فرواة، فقال الرازي: كتبت هذا الطبق من حديثك، قال: هاتٍ، فقرأ عليه، ثم أدخل إسناداً في إسناد، فردَّه الحسن، ثم بعد قليل فعل ذلك فردَّه الحسن، فلمّا كان في الثالثة، قال له الحسن: ما هذا؟! قد احتملتك مرتين وأنا ابن تسعين سنة، فاتَّقِ الله في المشايخ، فربما استجيبت فيك دعوة، فقال له ابن خزيمة: مه! لا تؤذٍ الشيخ، قال: إنَّما أردت أن تعلم أنَّ أبا العباس يعرف حديثه. وانظر في هذا الباب حكايات أخرى في ((السير)) (٢٣٧/١٥)، و((النكت)) لابن حجر (٨٦٨/٢ - ٨٧٣)، وفي ((فتح المغيث)) للسخاوي (٣٠١/١ - ٣٠٢) والله أعلم. (١) نبه على ذلك المعلمي - رحمه الله - كما في ((التنكيل)) (ص: ٤٤) من الطليعة. فقال: قولهم: يروي المناكير، يقال في الذي يروي ما سمعه مما فيه نكارة، ولا ذنب له في النكارة، بل الحمل فيها على من فوقه، فالمعنى: أنَّه ليس من المبالغين في التنقي والتوقي الذين لا يحدثون مما سمعوا إلّا بما لا نكارة فيه، ومعلوم أنَّ هذا ليس بجرح ... إلخ اهـ. أقول: ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في سؤالات الحاكم للدار قطني رقم (٣٣٩). قال الدارقطني وقد سئل عن سليمان بن بنت شرحبيل؟ فقال: ثقة، قال الحاكم: قلت: أليس عنده مناكير؟ قال: يحدث بها عن قوم ضعفاء، فأما هو فثقة. اهـ. وفي «فتح المغيث)» (٣٧٣/١) وقال ابن دقيق العيد في ((شرح الإمام» قولهم: روى مناكير، لا تقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في روايته، وينتهي إلى أن يقال فيه: منكر الحديث ... إلخ اهـ. (٢) قال ابن حبان في ((الثقات)) (٢٧٨/٦ - ٢٧٩) ترجمة داود بن أبي هند: كان داود من خيار أهل البصرة، من المتقنين في الراويات إلّا أنّه كان يهم إذا حدّث من حفظه، ولا = ٢٩٨ س ١٤٨: إذا قالوا في الراوي: ((يروي المناكير)) أو (يحدث عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات)) هل يكون بذلك مجروحاً؟ ج ١٤٨: في ذلك تفصيل: فقد يكون ثقة مدلساً، أو ممن يروي عن كل أحد، كما سبق في الجواب على السؤال السابق. وقد يكون سيء الحفظ، ووقع هذا منه عن وهم لا عن عمد، وقد يكون كذاباً، يقع هذا منه عن عمد للإغراب. وقد يكون متروكاً شديد التخليط والاضطراب، وإن كان في أمانته وورعه ودينه لا يُبارَى، كما هو حال كثير من العباد والصالحين الذين فحش تخبطهم وتخليطهم. فلا بد من النظر في سبب ذلك، لكن إذا لم يظهر لنا السبب في ذلك؛ فالقول الأول من عبارات الجرح الخفيفة التي يستشهد بأهلها، إلّا إذا ظهر أنَّه ثقة، فأمر آخر، والله أعلم(١). يستحق الإنسان الترك بالخطأ اليسير، يخطىء والوهم القليل یھم حتى يفحش ذلك منه؛ = لأنَّ هذا مما لا ينفك منه البشر، ولو ما كنّا سلكنا هذا المسلك للزمنا ترك جماعة من الثقات الأئمة؛ لأنّهم لم يكونوا معصومين من الخطأ بل الصواب في هذا ترك من فحش ذلك منه، والاحتجاج بمن كان منه ما لا ينفك منه البشر. اهـ. (١) أمّا عن اللفظ الثاني: وهو قولهم: فلان يحدث عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات. فقد فصل فيه المؤلف - حفظه الله تعالى - كما في كتابه ((الشفاء)) (ص: ٣٩٠). قال: الذي يكثر من استعمال هذا اللفظ هو أبو حاتم ابن حبان البستي - رحمه الله - في كتابه ((المجروحين)) ومعنى ذلك: أنَّ الراوي سواء كان ثقة أو ضعيفاً يروي عن الثقات أحاديث لم يتابع عليها، فغيره من الثقات يروي أحاديث عنهم بخلاف روايته، ولكن هذا اللفظ إذا قيل في الثقة الذي ثبتت عدالته في الراوية فمعنى ذلك: أنّه يدلس عن المجهولين، والمتروكين، والكذّابين، فيسقطهم ويروي عن الثقات، بصيغة محتملة للسماع، كالعنعنة فتكثر المناكير في روايته عنهم وإن قيل هذا في رجل ضعيف، فإما أن يكون سيء الحفظ مغفلًا وإما أن يكون كذّاباً فإن كان سبب ذلك سوء الحفظ فينظر في = ٢٩٩ س ١٤٩: ما الفرق بين قولهم في الراوي: ((فلان روى مناكير))، و(يروي المناكير))، و((في حديثه مناكير))، و((له أوهام أو أخطاء أو أغلاط))، و(له مناكير))، و(سيء الحفظ أو رديء الحفظ))، و((يخطىء كثيراً أو كثير الخطأ))، و((منكر الحديث))؟ ج ١٤٩: قد ذكرت الفرق بين هذه الألفاظ بشيء من التفصيل في ((شفاء العليل)) (٤٥٥/١) وخلاصة ذلك: أنَّ هذه الألفاظ حسب هذا الترتيب تتدرج في الجرح من الأخف إلى الأشد، وهي كلها ألفاظ يصلح أهلها في الشواهد والمتابعات، فالأول أخف من الثاني؛ لأنَّ صيغة المضارعة تقتضي الكثرة والاستمار، وكلاهما ليس فيه أنَّ عهدة ذلك عليه، بل تكون غالباً من غيره، وأما ((في حديثه مناكير)) فالغالب أنَّها منه، وأن العهدة عليه، وأما ((له أوهام)) فهي منه جزماً، والأوهام أخف من المناكير، وسوء الحفظ أشد من ذلك، مع كونه يدل على الغلط القليل لا الكثير، كما صرح بذلك الحافظ في ((هدي الساري))(١)، و((منكر الحديث)) أشد خطأ من ((كثير الغلط)) مع أنَّ هذه المناكير كمّاً وكيفاً ويحكم على الراوي بما يستحق وإن كان سبب ذلك التعمد فهو = كذاب متروك ولا كرامة ففي هاتين الحالتين يكون حديث الراوي متردداً بين النكارة والبطلان، وكثيراً ما يقف الناظر في ((كامل ابن عدي)) - رحمه الله - على قوله: فلان يحدث عن الثقات بالمناكير. ومع ذلك يصفه بسرقة الحديث أو بأنّه فاحش الخطأ بيِّن الضعف كما في ترجمة مصعب بن سعيد أبي خيثمة المكفوف (٢٣٦٣/٦)، وكما في ترجمة مصعب بن إبراهيم (٢٣٦٤/٦). اهـ. (١) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((هدي الساري)) (ص: ٣٨٤): وأمّا الغلط فتارة يكثر من الراوي وتارة يقل فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له إن وجد مروياً عنده أو عندَ غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط علم أنَّ المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وإن لم يوجد إلّا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله، وليس في ((الصحيح)) بحمد الله من ذلك شيء وحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال في سيء الحفظ، أوله أوهام، أو له مناكير، وغير ذلك من العبارات، فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله إلّا أن الراوية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الراوية عن أولئك ... إلخ اهـ. ٣٠٠