Indexed OCR Text

Pages 221-240

حجر - رحمه الله - كيف لا؟ وهو إمام وفارس هذا الشأن، ومنه استفادت
المكتبة الإسلامية والعلماء وطلاب العلم في هذا العصر وقبله، فمثل هذا لا
يفوته ولا يغيب على ذهنه أنَّ الطرق شديدة الضعف لا تنجبر بكثرتها، بل
وهو ممن يصرح بذلك(١).
مخارجها دلّ ذلك على أنَّ لها أصلًا، وقد ذكرت أنَّ ثلاثة أسانيد منها على شرط
=
الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد
بعضها ببعض، وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، ثم ذهب
- رحمه الله - إلى تأويل هذه القصة.
وكما قال المؤلف - حفظه الله تعالى -: فإن الحافظ لم يسلم بأن مفردات هذه الأسانيد
شديدة الجرح كما صرح - رحمه الله -.
(تنبيه):
قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - في تعليقه على ((سنن الترمذي)) (٤٦٤/٢ - ٤٦٥)
منبهاً على ضعف قصة الغرانيق ــ وهي قصة باطلة مردودة، كما قال القاضي عياض،
والنووي - رحمهما الله - وقد جاءت بأسانيد باطلة ضعيفة أو مرسلة، ليس لها إسناد
متصل صحيح، وقد أشار الحافظ في الفتح إلى أسانيدها ولكنّه حاول أن يدّعي أنَّ
للقصة أصلًا لتعدد طرقها، وإن كانت مرسلة أو واهية !! وقد أخطأ فى ذلك خطأ لا
نرضاه له، ولكل عالم زّة - عفا الله عنه -.
أقول: وقد ألف فضيلة الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني - حفظه الله تعالى
- رسالة موجزة جامعة في إبطال هذه القصة وسماها «نصب المجانيق لنسف قصة
الغرانيق)) وألف كذلك الشيخ علي بن حسن الحلبي رسالة أخرى اسمها ((دلائل التحقيق
لإبطال قصة الغرانيق رواية ودراية)) والله أعلم.
(١) في ((التدريب)) (١٧٧/١) قال السيوطي: وأما الضعيف لفسق الراوي أو كذبه فلا يؤثر فيه
موافقة غيره له إذا كان الآخر مثله، لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر، نعم يرتقي
بمجموع طرقه عن كونه منكراً أو لا أصل له، صرّح به شيخ الإسلام - أي الحافظ ابن
حجر - قال بل ربّما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور السيء الحفظ،
بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة
الحسن. اهـ.
وفي ((النزهة)) (ص: ٦٨) ذكر الحافظ - رحمه الله - حديث عمر بن الخطاب: ((إنّما
الأعمال بالنيات ... )) الحديث، فقال: تفرد به علقمة عن عمر، ثم تفرد به محمد بن
إبراهيم، به عن علقمة، ثم تفرد يحيى بن سعيد به عن محمد، على ما هو الصحيح
المعروف عند المحدثين، وقد وردت لهم متابعات لا يعتبر بها لضعفها. اهـ.
٢٢١

س ٨٩: الاستشهاد بطرق مختلفة، وفي كل طريق مجهول، ألا
يحتمل أن يكون هذا المجهول متروكاً أو كذّاباً؟
ج ٨٩: لو كان متروكاً أو كذّاباً لما غاب على الأئمة حاله، ولو
طردنا ذلك لقلنا في مجهول الحال الذي يستشهد به اتفاقاً: ألا يحتمل أن
يكون متروكاً أو كذّاباً؟ بل ولقائل أن يقول: يحتمل أن يكون مجهول العين
ثقة، وكلها احتمالات مردودة، فلو جاء الحديث من طرق كثيرة تدل على
أنَّ للحديث أصلًا فعند ذاك تطمئن النفس إلى الاحتجاج به وارتقائه إلى
درجة الحسن لغيره، وقد يقول قائل: كم عدد هذه الطرق؟ والجواب: أنّه
أمر اجتهادي، ففي حديث قد أقبله إذا جاء من طرق في إسناد كل واحد
منها مجهول عين أو أقل من ذلك، وقد لا أقبله من طرق أكثر، لأنّني أرى
فيه نكارة، وليس مجهول العين الذي يروي عنه رجل ثقة مشهور، كمجهول
العين الذي يروي عنه ضعيف، فهذا مجهول عين، وذاك مجهول عين، لكن
الذي يروي عنه ضعيف متوغل في الجهالة، ومجهول العين الذي يروي عنه
ثقة - لا يعرف بتدليس - ليس كمجهول العين الذي ينفرد بالراوية عنه رجل
مدلس، فإنَّ انفراد المدلس هذا بالراوية عنه أمر يثير الريبة والخوف من
شيخه أكثر وأكثر، فالحقيقة أنَّ المسألة تحتاج إلى إلمام بكل القرائن، والله
أعلم .
س ٩٠: بعض الناس إذا ذكرت له حديثاً صحيحاً، يرده قائلاً:
يحتمل أنَّ فيه ضعفاً، يحتمل كذا، يحتمل كذا، فما هو الجواب على
ذلك؟
ج ٩٠: لو فُتِح باب الاحتمال الذي لا ينبني على الأدلة العلمية
الصحيحة، لبطلت كثير من الأمور الصحيحة، فعلى سبيل المثال ننظر إلى
تعريف العلماء للحديث الصحيح: قالوا: الحديث الصحيح: ((الذي يتصل
إسناده)) وفي مسألة الاتصال خلاف كثير: الاتصال على شرط البخاري أو
شرط مسلم؟ وفلان أدرك فلاناً، لكنَّه لم يسمع منه، أو أدركه إدراكاً بيناً
فيحتمل السماع منه، أو فلان يثبت السماع، ولكن فلاناً نفاه، ففي داخل
٢٢٢

شرط الاتصال خلافات كما رأيت، ثم قولهم: ((بنقل العدل)) من هو العدل؟
اختلفوا في تعريف العدل، وكل من طالع كتب علوم الحديث، علم الكلام
في ذلك، وهل المعدِّل أو الموثق متشدد، أو متساهل، أو معتدل؟ وقولهم
في تعريف الصحيح: ((الضابط)) ما معنى الضابط؟ فمنهم من يحكم عليه
المعاصرته إياه، أو لسبر روايته، ومنهم من يتوسع في سبر روايته، ومنهم
من يحكم عليه لمجرد حديث واحد أو مجلس واحد، هذه كلها مسائل
احتمالية خلافية، فلو فتح باب الاحتمال، فمن الممكن أن لا يصح حديثٌ
في الدنيا، ولكن العبرة بالقواعد، ما لم يكن هناك ما يناقضها، أو يَزْجح
عليها من القواعد الأخرى، فحينذاك يوضع كل أمر في موضعه، وتركك
القاعدة لقاعدة أخرى، عملٌ بالقواعد، وأخذٌّ بكلام أهل الحديث، المهم أن
تكون موفقاً في استخدام كل قاعدة في موضعها، وأن تكون مخلصاً في
عملك، لا تكن كبعض المتعصبين، فإنَّه إذا كان الأمر له، أتى بالقواعد
محررة أحسن تحرير، وإذا كان الأمر عليه حاول أن يفلت، وأن يحرِّف
كلمات الجرح والتعديل، وأن يطعن في الإمام منهم، إذا لم يستطع أن
یحرف كلمته، فالله المستعان.
س ٩١: المحدث إذا عمد إلى مشهور بكثرة الحديث فيأتي عنه بما
ليس عند كبار تلامذته، فهل هذا دليل على نكارة الحديث؟ وخاصة أنَّ
مسلماً جعله من علامات النكارة؟
ج ٩١: كلام مسلم هذا في ((مقدمة الصحيح)) (١)، وخلاصة الأمر
(١) قال - رحمه الله تعالى - في ((مقدمة صحيحه)) (٥٦/١ - ٥٨): (( ... وعلامة المنكر
في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ
والرضا خالفت روايتهم أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان
مهجور الحديث غير مقبوله، ولا مستعمله.
فمن هذا الضرب من المحدثين عبدالله بن محرر، ويحيى بن أبي أنيسة، والجراح بن
المنهال، أبو العطوف، وعباد بن كثير، وحسين بن عبدالله بن ضميرة، وعمر بن
صهبان، ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث فلسنا نعرج على حديثهم ولا =
٢٢٣

الذي سألت عنه: أنَّ المحدِّث إذا روى عن إمام من الأئمة، بما لا يُعْرف
عنه ضُعِّف وتُكُلّم فيه، وقولنا: ((بما لا يعرف عنه)) ما وصلنا إلى الحكم
بهذا إلّا بعد أن مررنا بمرحلة، رأينا فيها أنَّ الثقات وكبار تلامذته، أو
أصحاب الطبقة الأولى من تلامذته، ما رووا هذه الجملة، أو ما رووا هذا
الحديث أصلًا، إنَّما انفرد به من لا يستحق أن يُقْبل تفرده، فلذلك قلنا:
أتى عنه بما لا يُعرف عنه، ومن هنا قسم العلماء الرواة عن الأئمة إلى
طبقات، والطبقات هنا ليس المقصود بها السن، وإنَّما المقصود بها الملازمة
والتثبت، ومعرفة حديث هذا الشيخ، كما ترى في كتاب ((العلل)) لابن
المديني - رحمه الله - أشياء كثيرة من هذا (١)، فالراوي إذا كان كذلك،
نتشاغل به لأنَّ حكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث
=
من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا وأمعن
في ذلك على الموافقة لهم فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئاً ليس عند أصحابه
قبلت زيادته فأمَّا من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين
لحديثه وحديث غيره أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك
قد نقل أصحابُهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره فيروى عنهما أو عن
أحدهما العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما وليس ممن قد شاركهم في
الصحيح مما عندهم فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم.
(١) قال ابن رجب - رحمه الله - في ((شرح العلل)) (ص: ٢٣١): (( ... أصحاب الزهري
خمس طبقات :
الطبقة الأولى: جمعت الحفظ والإتقان وطول الصحبة للزهري والعلم بحديثه، والضبط
كمالك وابن عيينة ... وهؤلاء متفق على تخريج حديثهم عن الزهري.
الطبقة الثانية: أهل حفظ وإتقان لكن لم تطل صحبتهم للزهري؛ وإنّما صحبوه مدة
يسيرة، ولم يمارسوا حديثه وهم في إتقانه دون الطبقة الأولى كالأوزاعي، والليث ...
وهؤلاء يخرج لهم مسلم عن الزهري.
الطبقة الثالثة: لازموا الزهري وصحبوه ورووا عنه، ولكن تكلّم في حفظهم، كسفيان بن
حسين ومحمد بن إسحاق ... ، وهؤلاء يخرج لهم أبو داود، والترمذي، والنسائي،
وقد يخرج لهم مسلم لبعضهم متابعة .
الطبقة الرابعة: قوم رووا عن الزهري من غير ملازمة ولا طول صحبة، ومع ذلك تكلّم
فيهم مثل، إسحاق بن يحيى الكلبي ... وهؤلاء قد يخرج الترمذي لبعضهم.
الطبقة الخامسة: قوم من المتروكين والمجهولين كالحكم الأيلي وعبدالقدوس بن =
٢٢٤

أي: يروي عن الثقات بما لا يُعرف عنهم ضُعِّف بسبب ذلك، فإن كثر هذا
في حديثه وفحش، تُرِك، واعلم أن الراوي وإن كان ممن يُحتج به، فقد
يردون بعض حديثه عن أحد الشيوخ، بحجة أنه ليس موجوداً عند كبار
تلامذته، لكن محل ذلك إذا كانت هناك نكارة، علمها من علمها، وجهلها
من جهلها، وأما رد كل رواية بسبب عدم وجودها عند تلامذة فلان، فقول
عارٍ عن التحقيق، ولا يسلم من إسراف وغلو، والله أعلم.
س ٩٢: هناك من يقول: إنَّ الشذوذ عبارة عن تفرد الراوي عن شيخه
بالرواية؛ لأنَّ الشيخ إذا كان له تلامذة كثيرون، وانفرد بالراوية عنه أحدهم،
ولم يرو بقية تلامذته هذا الحديث أصلاً، دلَّ هذا على شذوذه فما صحة
ذلك؟
ج ٩٢: لا، الشذوذ يكون إذا اشتركوا جميعاً في أصل الحديث،
وانفرد هو بالزيادة، أمَّا إذا انفرد هو بالحديث تاماً، فلا؛ لأنَّه في هذه
الحالة يكون قد روى حديثاً مستقلًا، وليس الشذوذ أن يروي المقبول ما لا
يرويه غيره، إنّما الشذوذ أن يخالف المقبول من هو أوثق منه، كما ذكر
الشافعي - رحمه الله - قريباً من ذلك(١)، وإذا كان مراد السائل، أن الراوي
المنفرد بحديث مستقل يكون شاذاً، فعلى قوله لا يصح حديث في الدنيا لا
متواتر ولا آحاد، كلها تكون شاذة بناء على هذا القول الفاسد؛ لأنّنا لو
فرضنا أنَّ شيخاً له مائة تلميذ، فروى هذا الحديث عنه واحد، إذاً فالواحد
حبيب ... ونحوهم فلم يخرج لهم الترمذي ولا أبو داود، ولا النسائي ويخرج لبعضهم
=
ابن ماجة ومن هنا نزلت درجة كتابه عن بقية الكتب، ولم يعدُّه من الكتب المعتبرة
سوى طائفة من المتأخرين. اهـ.
(١) قال ابن أبي حاتم في ((أدب الشافعي ومناقبه)) ثنا يونس نفسه، قال: سمعت الشافعي
يقول: ((ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثاً لم يروه غيره إنّما الشاذ من
الحديث: أن يروي فيشذ عنهم واحد فيخالفهم)).
وفي لفظ آخر: ((إنّما الشاذ: أن يروي الثقات حديثاً على وجه ثم يرويه ثقة: خلافاً
لروايتهم، فهذا الذي يقال: شذّ عنهم)) اهـ (ص: ٢٣٣ - ٢٣٤).
٢٢٥

خالف تسعة وتسعين؛ لأنَّ القائل يرى أنَّ مجرد التفرد مخالفة، ويعتبر
شذوذاً، فلو رواه عنه عشرون نفساً - لكانوا حسب هذا القول - مخالفين
الثمانين، فهو شاذ أيضاً، فانظر إلى قول يصل بطلانه إلى هذا الحد !! فلو
سلَّمنا بقول القائل هذا، للزمنا أن نهدم السنة تماماً، ولا يصح فيها حدیث،
وما أدى إلى باطل فهو باطل، لكن الصواب في ذلك: أن يُقْبل حديث
العدل، ما لم تقم قرينة تدل على وهمه، والله أعلم.
س ٩٣: يكثر الحافظ ابن حجر من عبارة: ((إنَّ الزيادة من الثقة
المتقن مقبولة)) فهل يقصد بذلك أنَّها مقبولة مطلقاً؟
ج ٩٣: يراعى في مثل هذا أنَّ العلماء قد تكون لهم عبارات مطلقة
ومجملة في موضع، وتفسر في مواضع أخرى، فالحافظ ابن حجر
- رحمه الله - نفسه من جملة القائلين: ((بأنَّ الشذوذ علة تقدح في صحة
الحديث)) وعرف الشاذ: ((بأنّه مخالفة المقبول لمن هو أولى، أو أوثق منه))،
وكلمة ((المقبول))(١) يدخل فيها الثقة والصدوق، وهذا التعريف هو أدق
التعاريف التي وقفت عليها، فالذي يقول: ((هو مخالفة الثقة للثقات)) غير
صحيح؛ لأنَّ كلمة ((الثقة)) خاصّةٌ، وهم يرون أيضاً أنَّ ((الصدوق)) إذا خالف
من هو أوثق منه يكون شاذاً، وقولهم: ((صدوق)) لا يدخل في تعريف الثقة،
إلّا على تفاصيل أخرى، قد سبق الكلام عليها، كذلك أيضاً قولهم:
((مخالفة الثقة للثقات)) معترض عليه؛ لأنَّه قد يخالف الثقةُ أو الصدوقُ ثقةً
واحداً ومع ذلك يكون شاذاً، لأنَّ المخالَف أحفظ وأثبت وأعلم بالشيخ من
هذا المخالِف له، والتعاريف ينبغي أن تكون جامعة مانعة، والحافظ
- رحمه الله - نفسه نقل عن النقاد من العلماء، أنَّهم يرون: ((أنَّ الشذوذ علة
تقدح في صحة الحديث))(٢)، فإذا أطلق هذا القول في موضع، فالذي ينبغي
(١) ارجع إلى ذلك مفصلًا في السؤال رقم (١٨).
(٢) قال الحافظ في ((شرح النخبة)): ((واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقاً
من غير تفصيل ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا
يكون شاذاً ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والعجب ممن أغفل ذلك =
٢٢٦

أن يُنظر إلى الموضع الذي قال فيها هذه الكلمة، فإذا وجدنا أنَّ ثقة خالف
آخر مثله، فالزيادة من الثقة مقبولة - حينئذ -، ومن باب أولى لو أنَّ ثقة
خالف ثقة حافظاً في نفس الحديث، فالزيادة من الثقة الحافظ مقبولة،
فلا بد من تأمل المواضع التي أطلق فيها الأئمة ذلك؛ لأنَّ رد بعض روايات
العدول، لمخالفة من هم أوثق منهم موجود وثابت عن أئمة الحديث،
والقول بأنَّ الزيادة من الثقة مقبولة مطلقاً، مذهب جمهور الأصوليين والفقهاء
وبعض المحدثين، وفيه توسع غير مرضي(١)، فلا بد أن ندور مع القرائن
منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح، وكذا الحسن
=
والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبدالرحمن بن مهدي، ويحيى القطان،
وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي
حاتم، والنسائي، والدارقطني وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها ولا
يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة وأعجب من ذلك إطلاق كثير من الشافعية
القول بقبول زيادة الثقة، مع أنَّ نص الشافعي يدل على غير ذلك.
فإنّه قال في أثناء كلامه على ما يعتبر به حال الراوي في الضبط ما نصه، ويكون إذا
أشرك أحداً من الحفاظ لم يخالفه؛ فإن خالفه فوجد حديثه أنقص كان في ذلك دليل
على صحة مخرج حديثه، ومتى خالف ما وصفت أضر ذلك بحديثه، انتهى كلامه.
ومقتضاه أنّه إذا خالف فوجد حديثه أزيد أضر ذلك بحديثه فدل على زيادة العدل عنده
لا يلزم قبولها مطلقاً، وإنّما تقبل من الحافظ، فإنّه اعتبر أن يكون حديث هذا المخالف
أنقص من حديث من خالفه من الحفاظ وجعل نقصان هذا الراوي من الحديث دليلًا
على صحته؛ لأنّه يدل على تحريه وجعل ما عدا ذلك مضراً بحديثه فدخلت فيه الزيادة
فلو كانت عنده مقبولة مطلقاً، لم تكن مضرة بحديث صاحبها. والله أعلم (ص: ٩٦
- ٩٧). بتحقيق علي بن حسن.
(١) قال الصنعاني في (توضيحه)) (٣٣٩/١ - ٣٤٠): قال البقاعي: إن ابن الصلاح خلط هنا
طريقة المحدثين بطريقة الأصوليين، فإن للحذاق من المحدِّثين في هذه المسألة نظراً لم
يحكه، وهو الذي ينبغي أن يعدل عنه، وذلك أنّهم لا يحكمون فيها بحكم مطرد، وإنّما
يديرون ذلك على القرائن ... انتهى.
ويأتي ما يفيد هذا في كلام الحافظ ابن حجر، وعنه أخذه البقاعي فإنّه شيخه؛ إلّا أن
عبارته دلّت أنَّ هذا لبعض حذاق المحدثين لا لكلّهم كما أفاده أول كلامه.
قال الحافظ: الذي صححه الخطيب شرطه أن يكون الراوي عدلًا ضابطاً، وأمَّا الفقهاء
والأصوليون فقبول ذلك مطلقاً، وبين الأمرين فرق كبير، قال: وههنا شيء يتعين التنبيه =
٢٢٧

والترجيحات، وهو مذهب أئمة نقاد الحديث، ولشيخنا مقبل - حفظه الله
- بحث مفيد في ذلك، فارجع إليه في مقدمة تحقيقه ((الإلزامات والتتبع)).
س ٩٤: قد يقول قائل: نحن نسلم بأن القول: الزيادة من الثقة
مقبولة، ليس على الإطلاق، لكن إذا خالف من هو أوثق منه مخالفة يتعذر
فيها الجمع بين روايته ورواية الجماعة، أو بين روايته ورواية الأوثق منه،
على هيئة الجمع بين المطلق والمقيد، والعموم والخصوص، لأننا إذا أخذنا
روايته ترتب على ذلك أن نترك رواية الجماعة، وإن أخذنا رواية الجماعة،
لزمنا أن نترك روايته، فحينذاك يكون شاذاً، أمَّا إذا أمكننا الجمع، فلا نقول
بالشذوذ، فما الصواب؟
ج ٩٤: هذه مسألة يقول بها بعض من طلبة العلم، وللحافظ ابن
حجر - رحمه الله - عبارة قريبة من هذا (١)، ولكن هذا الكلام غير صحيح،
والصواب في مثل هذا: أنَّ المخالِف إذا كان دون غيره في العدد، أو في
الوصف، وكان الفارق واسعاً بينهما، فيحكم عليه بالشذوذ، لمجرد انفراده
بهذه الزيادة، فمجرد الانفراد بهذه الزيادة، يسمى مخالفة، وليأتنا قائل
المقالة التي أشرت إليها آنفاً، بحديث واحد يتعذر الجمع فيه بين الزيادة
وبين الأصل(٢) !! فإن كان الخلاف عندنا في الإسناد بين الوصل والإرسال
عليه، وهو: أنَّهم شرطوا في الصحيح ألّا يكون شاذاً وفسروا الشاذ بأنّه ما رواه الثقة
=
مخالفاً فيه من هو أحفظ منه أو أكثر عدداً.
ثم قالوا: تقبل زيادة الثقة مطلقاً، فلو اتّفق أن يكون من أرسل أكثر عدداً أو أضبط
حفظاً أو كتاباً على من وصل أيقبلونه أم لا؟ وهل يسمونه شاذاً أم لا أو لا بد من
الإتيان بالفرق أو الاعتراف بالتناقض؟ والحق في هذا أن زيادة الثقة لا تقبل دائماً ومن
أطلق ذلك من الفقهاء والأصوليين لم يصب ... إلخ.
(١) انظر عبارة الحافظ في التعليق رقم (١٦٤).
(٢) وهذا في حالة الزيادة والمزيد عليه والأمر كذلك غالباً في الحديثين المستقلين فقد قال
الزركشي - رحمه الله - في ((البحر المحيط)): وأمَّا التعارض في نفس الأمر بين حديثين
صحيحين؛ فغير صحيح. قال ابن خزيمة: لا أعرف أنّه روى عن الرسول حديثان
بإسنادين صحيحين متضادين ومن كان عنده فليأت به حتى أولف بينهما، وقال الشافعي =
٢٢٨

مثلًا، فنقول إن الراوي نشط فأسند، أوْ كَسَل فأرسل، وكذا القول في
الوقف والرفع، وهذا غير صحيح لأنَّ العلماء يستخدمون هذه العبارة: ((نشط
فأسند أو كسل فأرسل)) إذا كان تلامذة الراوي المختلفون عليه قريبين من
بعضهم عدداً أو وصفاً، أمَّا رجل ((صدوق)) يخالف أوثق الناس، أو يخالف
ثقة حافظاً، ففي هذه الحالة يقال: نشط فأسند أو كسل فأرسل؟! هذا غير
صحيح، بل يحكم على ((الصدوق)) بالشذوذ أو بالنكارة، على تفاصيل في
ذلك هذا من جهة الإسناد.
وأمَّا من جهة المتن؛ فإننا قد وجدنا العلماء في كتب العلل يعلون
أحاديث كثيرة، ويعلُّون اللفظ الواحد في الحديث، مع أنَّه لا منافاة بينه
وبين الأصل، كما في زيادة ((إذا قرأ الإمام فأنصتوا))(١) في ((صحيح مسلم))
فقد أعلَّها الحفاظ (٢) - وإن كان هناك من يقويها، أو يجد لها شواهد - لكن
لم يقوها من قواها بقوله: لا منافاة بينها وبين الأصل، إنَّما يقويها بطرق
أخرى سالمة من الكلام، مع أني لم أبحث أدلة من قواها، وكذا حديث
((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً، أولاهن، أو أخراهن
بالتراب، أو عفروه الثامنة بالتراب))(٣) وفي رواية ((فليرقِه)) مع أنَّ الإراقة هي
من لوازم الغسل، لأَنَّك لا تستطيع أن تغسل الإناء إلّا إذا أهرقت ما فيه،
ومع ذلك أعلَّ الحفاظ كلمة ((فليرقه)) وانتقدوا على الإمام مسلم تخريجها،
وعلى كل حال: فإلى وقتي هذا لم أجد زيادة تتنافى مع الأصل تنافياً يلزم
= في ((الرسالة)): ولم نجد حديثين مختلفين، إلّا ولهما مخرج أو على أحدهما دلالة إمّا
موافقة كتاب الله أو غيره من السنن، أو بعض الدلائل. انتهى.
(١) أخرجه مسلم (٣٠٤/١) بترقيم عبدالباقي المؤلف.
(٢) قال النووي في زيادة: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) (ج٤ ص: ١٢٣): وقد انتقدها الدارقطني:
فقال النووي بعد ذكره من ضعفها واجتماع هؤلاء الحفاظ على تضعيفها مقدم على
تصحيح مسلم، لا سيّما ولم يروها مسندة في صحيحه والله أعلم. اهـ وقد سبق الكلام
على هذا الحديث وحديث أبي هريرة ((في زيادة فليرقه)) في السؤال رقم (١٨) فليراجع.
(٣) أصل الحديث متَّفق عليه، وقد تكلمت على طرقه بتوسع في ((تحفة القاري بدراسة
وتحقيق فتح الباري)»، كتاب الوضوء برقم (٤٨) المؤلف.
٢٢٩

:
رد الأصل، أو من أخذ الأصل ردها، وما أثبته من الأدلة وغيرها، كثيراً
لمن نظر في كتب العلل، وهنا مذهب العلماء الكبار (١)، وهم القوم الذين
لا يشقى بهم جليسهم، فالزم غرزهم، والله المستعان.
س ٩٥: هل هناك فرق بين قولهم في تعريف الحديث الصحيح: ((من
غير شذوذ ولا علَّة))، وقولهم: (ولا يكون شاذاً ولا معللاً)؟
ج ٩٥: لا شك أنَّ قولهم: ((ولا يكون معللًا)) أدق من قولهم: (ولا
علة))؛ لأنَّ العلة كلمة عامة يدخل فيها القادح وغير القادح، فعلى هذا
احتاج من يقول بالقول الأول، إلى قوله: ((ولا علّة قادحة))، ولم يحتج
لذلك من قال بالقول الثاني، لأنَّ الحديث لا يكون معلَّلًا، إلّا لوجود علة
قادحة فيه، ولو لم تكن قادحة لما صح تسميته بالمعلل، والله أعلم (٢).
س ٩٦: قال ابن عدي: ((إنَّ الثقات إذا رووا عن أحد فهو مستقيم
الحديث)) هل كلمة: ((مستقيم الحديث)) توثيق للراوي أم لا؟
ج ٩٦: لا شك أنَّ كلمة ((مستقيم الحديث)) توثيق للراوي، لكن هل ما
قاله ابن عدي مستقيم؟ سبق الكلام عليه بتوسع عندما سأل ابن أبي حاتم أبا
زرعة: عن الرجل يروي عنه الثقات، هل ينفعه ذلك أم لا؟ فقال: هي
- أي: رواية الثقات - عنه تنفعه(٣)، ولم يصرح بكونها تنفعه أنه يكون بمنزلة
(١) وسيأتي ذلك مفصلًا - بإذن الله تعالى - في الجزء الثاني من ((إتحاف النبيل)) رقم
(٢١٧) جزى الله مؤلفه خير الجزاء.
(٢) قلت: وقد اصطلح على هذا جماعة من أهل العلم منهم ابن الصلاح - رحمه الله - في
((مقدمته)) حيث عرف الصحيح: بأنّه الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل
الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللًا اهـ.
واحترز بقوله: ولا معللًا عمّا فيه علة قادحة. ((المقدمة له)) (٨٣) وقد تابعه على ذلك
الحافظ ابن حجر في ((نكته عليه)) قال: فلمّا اشترط انتفاء المعلل دلَّ على أنَّه اشترط
انتفاء ما فيه علّة خفيّة قادحة، فلهذا قال: ((فيه احتراز عمّا فيه علة قادحة)) (٢٣٦/١).
(٣) سبق ذلك في السؤال رقم (٧٤).
٢٣٠

من يقال فيه: ثقة، لكن ذلك يرفع جهالة عينه، وقد يكون إذا كثر عدد من
روى عنه من الثقات، حسن الحديث، وكلمة ابن عدي مقيدة بعدد الثقات
الذين رووا عنه، فلا بد أن يكونوا كثرة، أو ممن ينتقون، وأن الراوي لم
يجرَّح، فإذا كان مجرحاً، فلا تنفعه رواية الثقات(١)، وأمَّا كلمة: ((مستقيم
الحديث)) فهي تتردد بين ((ثقة))، و((صدوق))، فإذا رفعنا من حاله فهو (ثقة))
وإن شددنا عليه، فهو لا ينزل عن ((صدوق))، أو ((لا بأس به))، والله أعلم(٢).
س ٩٧: ما حكم حديث الراوي المختلف في توثيقه، مع العلم بأن
الحافظ يقول: إنَّ غايته أن يكون حديثه حسناً؟
ج ٩٧: عبارة الحافظ - رحمه الله - معناها: أنَّه ينزل إلى الضعف،
إلّا إذا تسامحنا فيه، فيُحَسّن حديثه، وقد ذكر شيخنا الشيخ ناصر الدين
الألباني - حفظه الله تعالى، وجزاه عن السُّنة خير الجزاء - في ((السلسلة
الصحيحة)) موسى بن وردان، وقال: نقل العراقي أنَّه مختلف فيه، قال:
((والمختلف فيه هو حسن الحديث، لأنَّ رواة الحسن مختلف فيهم))(٣) .
(١) ومثال ذلك ما قاله أبو عيسى الترمذي - رحمه الله تعالى - في أبان بن أبي عياش، قال
- رحمه الله -: وقد روى عن أبان ابن أبي عياش غير واحد من الأئمة، وإن كان فيه
من الضعف والغفلة ما وصفه (به) أبو عوانة وغيره، فلا تغتروا برواية الثقات عن
الناس؛ لأنَّه يروي عن ابن سيرين أنّه قال إنَّ الرجل ليحدثني فما أتهمه ولكن أتهم من
فوقه. ((شرح العلل)) لابن رجب (٣٧٤/١).
قال ابن رجب في شرحه: ما ذكره الترمذي - رحمه الله - يتضمن مسائل من علم
الحديث، أحدها أنَّ رواية الثقة عن رجل لا تدل على توثيقه فإن كثيراً من الثقات رووا
عن الضعفاء كسفيان الثوري وشعبة وغيرهما، وكان شعبة يقول: لو لم أحدثكم إلّا عن
الثقات لم أحدثكم إلّا عن نفر يسير، وقال يحيى القطان: إن لم أرو إلّا عمن أرضى ما
رويت إلّا عن خمسة أو نحو ذلك وقد سبق ذلك في السؤال رقم (٧٤).
(٢) انظر قولهم ((مستقيم الحديث)) أو ((مستقيم الأمر بالحديث)) أو ((الراوية)) في ((شفاء العليل))
(ص: ١٢٤ - ١٢٥) وقد نص مؤلفه - حفظه الله - أن الأصل فيهما أنَّ الراوي بمنزلة
الثقة، والله أعلم.
(٣) كلام الشيخ - حفظه الله تعالى - في ((الصحيحة)) (١ / برقم ٤٦٨) (ص: ٢١٤ - ٢١٥) =
٢٣١

وفي هذا بحث: فما معنى كلمة: ((مختلف فيه))؟ هل معناها؛ أننا قد
نظرنا في ترجمة الرجل، فلم نرَ إلّا كلمة واحدة من أحد الأئمة، وهي
قوله: (مختلف فيه))، أو ((فيه اختلاف)»؟ أم أنَّ معناها؛ أننا نظرنا في ترجمة
الراوي، فرأينا أئمة وثَّقوه، وأئمة ضعَّفوه؟ لا شك أنَّه إذا كان المقصود بهذه
كلمة الأمر الثاني؛ فتحسين من هذا حاله مطلقاً غير صحيح، بل لا بد في
مثل هذا من أن ننظر في الموثّق والمجرِّح من جهة التشدد، والتساهل،
والاعتدال، ومَنْ بلدي الرجل المتكلّم فيه، ومَنْ هو الغريب عنه؟ وهل هو
معاصر له، أو غير معاصر؟ كل هذه القرائن ننظر فيها، ثم ننظر: هل
الجرح مجمل أم مفسر، وهل مَنْ عدَّله عدَّله في جانب، ومن جرَّحه جرّحه
من جانب آخر؟ أم أنَّ الاثنين تواردا على موضع واحد؟ كل هذه الأمور
لا بدّ من دراستها والنظر فيها (١)، وفي النهاية نحكم على الرجل بما
يستحق، فقد يترجح التوثيق، فنقول: (ثقة))، وقد يترجّح التضعيف، فنقول:
(ضعيف))، وقد يترجَّح أنَّه كذّاب، فنقول: ((كذّاب))، هذا معنى الاختلاف
قال ونص قول العراقي في ابن وردان: ((مختلف فيه)) ليس نصاً في تضعيفه، بل هو إلى
=
تقويته أقرب منه إلى تضعيفه لأنَّ المعهود في استعمالهم لهذه العبارة ((مختلف فيه)) أنَّهم
لا يريدون التضعيف، بل يشيرون ذلك إلى أنَّ حديثه حسن، أو على الأقل قريب من
الحسن، ولا يريدون تضعيفه مطلقاً، لأنَّ من طبيعة الحديث الحسن أن يكون في راويه
اختلاف، وإلّا كان صحيحاً.
(١) قلت: والنظر إلى القرائن في هذه الحالة هو صنيع الأئمة المتقدمين، فهذا ابن المديني
- رحمه الله تعالى - يقول: ((إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبدالرحمن بن مهدي على
ترك رجل لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبدالرحمن بن مهدي لأنَّه أقصدهما
وكان في يحيى تشدد)) اهـ، ((تهذيب التهذيب)) (٢٨٠/٦).
الشاهد هو نظر ابن المديني إلى القرائن والترجيح بين قولي الإمامين، ولم يقل أنَّ من
اختلفا فيه فهو حسن على الإطلاق، وقد أجاب بنحو جواب الشيخ - حفظه الله
- شيخنا مقبل بن هادي الوادعي - حفظه الله تعالى - في كتابه ((المقترح)) السؤال رقم
(١٦٥).
وانظر ما قاله المعلمي عند تعقبه على الكوثري في قوله: ((أحمد بن صالح مختلف فيه)»
((التنكيل)) (ص: ٣٠٩) ترجمة أحمد بن صالح وراجع في ذلك ((شفاء العليل)) المرتبة
الأولى من مراتب التجريح (ج١ ص: ١٥٢ - ١٥٣).
٢٣٢

في هذه الحالة، وكثير من التراجم على هذه الحالة، فلو قلنا: ((كل مختلف
فيه - بهذا المعنى - حسن الحديث))، فأكثر الرواة المترجم لهم هم في
منزلة الحسن، وهذا غير صحيح، أمّا إذا لم نرَ فيه إلّا كلمة: ((فيه
اختلاف))، أو ((مختلف فيه))، فهي من عبارات التجريح التي هي في الشواهد
والمتابعات، وهي عبارة جرح خفيف، فلا يكون صاحبها ((حسن الحدیث))،
وقد ذهب إلى ما قررته العراقي وغيره من الذين ذكروا ألفاظ الجرح
والتعديل، فقد ذكروا لفظة: ((فيه اختلاف))، و((فيه خلف))، و((مختلف فيه))،
من عبارات الشواهد والمتابعات، أو من عبارات التجريح الخفيفة(١)، فلا
يكون حديثه حسناً إلَّا بشروط، ليس هذا موضع بسطها، والله أعلم.
س ٩٨: كيف دوّن العلماء الذين صنّفوا في تراجم الرواة نصوص
الأئمة في الرواة جرحاً وتعديلاً؟
ج ٩٨: من أئمة الجرح والتعديل من له تلامذة يسألونه ويدونون
إجاباته في كتبهم، وقد وصلت إلينا هذه الكتب - ولله الحمد والمنّة - مثل
أسئلة تلامذة ابن معين، وتلامذة أحمد له، وأسئلة ابن أبي حاتم لأبيه ولأبي
زرعة، وأسئلة تلامذة الدارقطني له، وغيرهم.
وهناك أئمة صنَّفوا كتباً للرواة، وتكلّموا عليهم وعلى أحاديثهم فيها،
مثل ((تواريخ البخاري))، وهناك من له إسناد إلى هؤلاء الأئمة، فيسوق
نصوصهم، بالإسناد إليهم، كابن عدي في ((كامله))، والعقيلي في ((ضعفائه))،
- على فساد في مطبوعة الكتابين - وابن أبي حاتم كثيراً ما يسوق إسناده
إلى من روى عنه جرحاً أو تعديلًا، كأحمد ويحيى وابن مهدي وغيرهم،
وكذلك يفعل ابن حبان البستي في ((المجروحين)).
وبالنسبة للمتأخرين مثل المزي، والعسقلاني في ((التهذيب))،
(١) انظر ((فتح المغيث)) للحافظ السخاوي - رحمه الله تعالى - (٣٧٢/١ - ٣٧٣) وشرحه
لقول العراقي في ألفيته:
ما هو فيه خُلْف طعنوا فيه كذا سيء حفظ لين
٢٣٣

و(تهذيبه))، والذهبي في ((الميزان))، والعسقلاني في ((اللسان))، وغير ذلك(١)،
فإنهم يتتبعون كلام الأئمة في بطون الكتب، سواء كانت كتب رجال مصنّفة
ومبوبة على حروف المعجم، أو البلدان، أو الطبقات، أو غير ذلك، أو
كتب حديث وأسانيد، أو كتب علل يتكلّم فيها مصنفوها على الرجال بين
مُقِلِّ ومكثرٍ في ذلك، وهذا القسم هو الذي يحتاج إلى مزيد تحرٍ وتثبت
عند نقله إلى الكتب التي صنّفها هؤلاء المتأخرون - رحمهم الله - في
الرجال؛ لأنّه من المحتمل أن يكون أحد الأئمة ضعَّف أحد الرواة في
حديث بعينه، لا في كل حديثه، فمن الخطأ أن يقال: (ضعفه فلان)) بدون
تقیید هذا الضعف بحديث بعينه، أو في شیخ بعينه، أو في بلد دون أخرى،
أو في مجلس دون آخر، وهكذا، وقد تكلَّمت على ذلك بتوسع في ((شفاء
العليل)) عند كلامي على أساليب الأئمة في الكلام على الرواة، فليراجع(٢)،
ونحن من باب حسن الظن بعلمائنا والثقة في فهمهم وإتقانهم لهذه الأمور،
ومن باب العمل بخبر العدل، نأخذ بنقلهم لكلام الأوّلين، حتى يظهر لنا ما
يوجب الوقف في ذلك، إذا تمكّنا من الرجوع للأصول، وقد وقفت أثناء
تحقيقي ـ((التقريب)) على تصرف بعض من ذكرت في العبارات، بما يحيلها
عن وجهها الذي قِيلَتْ فيه، لكن من المحتمل أنَّ هؤلاء الحفّاظ قد وقفوا
على نسخة أخرى فيها ما ذكروه، كما أنَّه من المحتمل أن يكونوا قد ذكروا
هذا النص المتصرَّف فيه من حفظهم، والحفظ قد يخون، فعلى كل حال إن
استطاع طالب العلم أن يرجع للأصول التي نقل منها الحفّاظ المتأخرون
لكان أفضل، وإلّا فالأخذ بخبر هؤلاء العدول قامت عليه الأدلّة الثابتة
والعلم عند الله - تعالى -.
(١) وقد يقف الباحث على كثير من ألفاظ الجرح والتعديل في كتب الأئمة المبوبة على
الأبواب الفقهية مثل كتب السنن، ومنها على سبيل المثال: سنن الإمام الترمذي،
والنسائي، والدارقطني والبيهقي وغيرها وكذلك الكتب المرتبة على المسانيد كمسند
البزار وغيره، وهناك الشيء الكثير في ((مستدرك)) الحاكم - رحمه الله تعالى -. اهـ.
(٢) انظره في (ص: ٥٣١ - ٥٤٨).
٢٣٤

س ٩٩: يقول بعض أئمة الحديث في بعض الرواة: إنَّه أدرك فلاناً،
هل يعني بذلك أنَّه سمع منه؟ أو هل الإدراك يلزم منه السماع؟
ج ٩٩: الأصل في مثل هذا أنَّ الراوي يكون قد سمع من شيخه،
فإذا رأينا في الترجمة أنَّ صاحب الترجمة أدرك فلاناً، وفلاناً، فهذا محمول
على السماع، إلّا أن يأتي قول لأحد الأئمة، يصرح بقوله: ((إنَّه أدركه ولم
يسمع منه))، فحينئذٍ يُعْمل بهذا، لأنَّ هذا معه زيادة علم، فهو يعلم أنه قد
أدركه حقاً، ولكن لم يثبت السماع مع هذا الإدراك، فمن الممكن أنَّه يدرك
الرجل، بل ويلقى الرجل، ولا يسمع منه، كما في الإرسال الخفي، يلقى
الراوي شيخه، لكنّه لم يسمع منه شيئاً (١)، ومع ذلك فالرواية ليست متّصلة،
أمَّا أن نقف في هذه الكلمة، ونقول: نعم قد أدركه، لكنهم لم يصرحوا
بالسماع، أو لا يلزم من الإدراك السماع، كما أنَّه لا يلزم من اللقاء السماع،
أو كما أنَّه لا يلزم من الراوية السماع !! هذا كله احتمال، لكنّه في هذه
.
الحالة ليس راجحاً (٢)
ففي (تهذيب التهذيب)) أو أصله - مثلًا - نجد الحافظ ابن حجر أو
المزي - رحمهما الله - يذكر الراوي، ويقول: روى عن فلان وفلان،
وروى عنه فلان وفلان، فكلمة ((روى)) في ذاتها لا تدل على السماع، لكن
الأصل فيها هنا السماع، إلّا أن يأتي في الترجمة أنَّ سماعه من فلان
(١) انظر أمثلة على ذلك في السؤال رقم (٢٢).
(٢) الإدراك قد يطلقه العلماء ويعنون به اللقاء أو السماع، وإليك بعض الأمثلة على ذلك
فمنها ما جاء في ((العلل الكبير)) للترمذي فقد حكى - رحمه الله - في (ص ١٢٩ برقم
٢٢٠) عن الإمام البخاري أنّه قال لم يدرك محمد بن علي أمَّ سملة يعني أنّه لم يلقها أو
لم يسمع منها وإلّا فإنَّه قد أدركها بالسن وقد صرّح أبو حاتم بذلك فقال: ((لم يلق أم
سلمة))، وقال أبو طالب: سألت أحمد عن محمد بن علي: سمع من أم سلمة شيئاً:
قال لا يصح أنّه سمع. ((تهذيب التهذيب)) (٣٠١/٩ - ٣٠٢) وفي العلل أيضاً في (ص:
٢٤١ رقم ٤٣٧) باب ما قطع من الحي فهو ميت قال الترمذي: سألت محمداً عن هذا
الحديث؟ فقلت له: أترى هذا الحديث محفوظاً؟ قال: نعم، قلت: عطاء بن يسار
أدرك أبا واقد؟ فقال: ينبغي أن يكون أدركه عطاء بن يسار قديم. اهـ.
٢٣٥

مرسل، ولذلك نراه يقول: روى عن فلان وفلان، وروى عن فلان بواسطة
فلان، أو مرسلًا، فهذا يدل على سماعه من الأول مباشرة، ومن الآخر
بواسطة، نعم؛ وإن كان الأمر فيه احتمال، ولكن الاحتمال الراجح الراجع
الصنيعهم يُعمل به، والله أعلم.
س ١٠٠: الراوي إذا وثّقه جماعة وأخرج له البخاري في المتابعات
فما حاله؟
ج ١٠٠: العبرة بمن وثّقه، فإن كان الذين وثّقوه أئمة نقاداً، من أهل
هذا الشأن، غير متساهلين، فلا يلزم من إخراج البخاري له في المتابعات،
أن لا يكون الرجل حجة عند البخاري نفسه، فضلًا عن غيره، فمثلًا
حماد بن سلمة: أخرج له البخاري في غير الاحتجاج، وهو ثقة مشهور
- على كلام فيه - فإخراج البخاري للرجل في المتابعات ونحوها له أسباب،
فقد يخرج للرجل الثقة في المتابعات لأدنى كلام في الرجل، وإن كان هذا
الكلام لا يقدح فيه، كما حدث لحماد بن سلمة، ولذا عاب ابن حبان على
البخاري أنَّه أخرج له في غير الاحتجاج، وأخرج لغيره من المتكلّم فيهم في
الاحتجاج(١)، وقد يخرج البخاري حديث الثقة في الشواهد لنزوله في
(١) قال ابن حبان - رحمه الله - في كتابه ((الثقات)) (٢١٦/٦ - ٢١٧) ترجمة حماد بن
سلمة بن دينار الخزاز: (( ... ولم ينصف من جانب حديثه، واحتجّ بأبي بكر بن عياش
في كتابه، وبابن أخي الزهري، وبعبدالرحمن بن عبدالله بن دينار، فإن كان تركه إيّاه لما
كان يخطىء فغيره من أقرانه مثل الثوري وشعبة، ودونهما وكانوا يخطئون، فإن زعم أنَّ
خطأه قد كثر من تغير حفظه فقد كان ذلك في أبي بكر بن أبي عياش موجوداً وأنى يبلغ
أبو بكر حماد بن سلمة، ولم يكن من أقران حماد مثله بالبصرة في الفضل والدين،
والعلم، والنسك، والجمع، والكتبة، والصلابة في السنة والقمع لأهل البدعة، ولم يكن
يثلبه في أيامه إلّ قدري أو مبتدع جهمي لما كان يظهر من السنن الصحيحة التي ينكرها
المعتزلة وأنى يبلغ أبو بكر بن عياش حماد بن سلمة في إتقانه، أو في جمعه، أو في
علمه أم في ضبطه وأنّا نشيع الكلام في هذا الفصل في كتاب الفصل (بين النقلة)) عند
ذكرنا إياه ــ إن شاء الله تعالى -، وانظر تفاصيل عدم إخراج البخاري لحماد في السؤال
الحادي عشر.
٢٣٦

الإسناد، فعلى كل حال: فقد يخرج البخاري للثقة في المتابعات، وقد
يخرج للضعيف في الأصول، فينبغي على طالب العلم أن يكون مدركاً
للقرائن من كل ناحية، فالعبرة بحال الذين وثقوا المترجم له، فلو وثّقه
واحد متثبت - فضلًا عن جماعة ــ كان ثقة بهذا التوثيق، ولا نقول: إنَّ
البخاري حين أخرج له في المتابعات أن هذا ينزل من قدره، فالبخاري له
أعذار في إخراج حديث الرجل في المتابعات كما سبق، والله أعلم (١).
س ١٠١: هل الأصل في الحديث عدم العلّة حتى تثبت العلة، أم أنَّه
لا بد أن نتأكد من عدم وجود العلّة؟
ج ١٠١: الأمر الثاني هو الصواب، وهو الذي رجّحه الحافظ ابن
حجر - رحمه الله - في ((النكت)) (٤٧٤/١)(٢)، والسخاوي - رحمه الله
(١) انظر ذلك في السؤال رقم (٨٦).
(٢) ذكر ذلك الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - وقد علق على قول ابن الصلاح في
مقدمته (ص: ١١٣) ... غير أنَّ المصنف المعتمد منهم (أي: من أهل الحديث) إن
اقتصر على قوله: إنَّه صحيح الإسناد ولم يذكر له علّة ولم يقدح فيه فالظاهر منه الحكم
له بأنّه صحيح في نفسه؛ لأنَّ عدم العلّة والقادح هو الأصل والظاهر - والله أعلم -.
قال الحافظ: قلت: لا نسلم أنَّ عدم العلّة هو الأصل إذ لو كان هو الأصل ما اشترط
عدمه في شرط الصحيح فإذا كان قولهم: صحيح الإسناد يحتمل أن يكون مع وجود
العلّة لم يتحقق عدم العلّة فكيف يحكم له بالصحة .
وقوله: وإن المصنف المعتمد إذا اقتصر ... إلخ يوهم أنَّ التفرقة التي فرقها أولًا
مختصة بغير المعتمد وهو كلام ينبو عنه السمع لأنَّ المعتمد هو قول المعتمد، وغير
المعتمد لا يعتمد، والذي يظهر لي أنَّ الصواب التفرقة بين من يفرق في وصفه الحديث
بالصحة بين التقييد والإطلاق وبين من لا يفرق فمن عرف من حاله بالاستقراء التفرقة
يحكم له بمقتضى ذلك، ويحمل إطلاقه على الإسناد والمتن معاً وتقييده على الإسناد
فقط ومن عرف من حاله أنّه لا يصف الحديث دائماً وغالباً إلّا بالتقييد، فيحتمل أن يقال
في حقه ما قال المصنف آخراً - والله أعلم -ـ اهـ من ((النكت)) (٤٧٤/١).
قال الإمام الصنعاني - رحمه الله - في ((التوضيح)) (٢٣٥/١) بعد نقله لكلام الحافظ :
ومراده بالإطلاق عدم ذكر السلامة بعد وصفه بالصحة وبالتقييد ذكرها وهو كلام متجه،
والله أعلم.
٢٣٧

- في ((فتح المغيث)) (١)، فلا بد أن نتأكد من عدم وجود العلّة حتى نحكم
على الحديث بأنّه صحيح، ولذلك فرَّق بعض أهل العلم بين قول أحدهم:
((إسناد صحيح)) و((حديث صحيح))(٢).
فالقول الأول باعتبار توفر الاتصال والعدالة والضبط في رجال السند،
والقول الثاني باعتبار وجود الشروط المذكورة، مع زيادة نفي الشذوذ وأي
علّة تقدح في صحّة الحديث، لكن لو أنَّ إماماً من الأئمة صحح الحديث،
وقد وُجِد في كلام بعض المتقدّمين أنّهم لا يفرقون بين قولهم: ((إسناد
صحيح)) و((حديث صحيح)) فيطلقون قولهم: ((إسناده صحيح)) ويقصدون به
أنَّ الحديث صحيح، فإن كان كذلك فنحن نقبل تصحيح الإمام من الأئمة،
أو العالم من علماء هذا الشأن.
ونقول: الأصل أنّه قد نظر في الحديث وصححه بعد أن علم أنَّه
سالم من العلّة، فنحن نعمل به حتى يثبت لنا أنَّ فيه علة، هذا أمر بخلاف
قول من قال: الأصل في الحديث الذي يتصل رواة إسناده بالسماع،
ويكونون عدولًا ضابطين، أن هذا الحديث صحيح حتى تظهر فيه علة؛ لأنَّنا
لا نحكم عليه بالصحة، حتى يثبت أنّه لم يكن فيه علّة، فالأمر الثاني هو
الراجح، والأئمة قد اشترطوا في تعريف الحديث الصحيح شروطاً إيجابية
وسلبية، فالشروط الإيجابية: ثبوت الاتصال، والعدالة، والضبط، وأمّا
(١) ((فتح المغيث)) (١٨/١ - ١٩) قال - رحمه الله -: ((وأما من لم يتوقف من المحدثين
والفقهاء في تسمية ما يجمع الشروط الثلاثة صحيحاً ثم إن ظهر شذوذ أو علة ردّه
فشاذ، وهو استرواح حيث يحكم على الحديث بالصحة قبل الإمعان في الفحص عن
تتبع طرقه التي يُعلم بها الشذوذ والعّة نفياً وإثباتاً، فضلًا عن أحاديث الباب كله التي
ربّما احتيج إليها في ذلك، وربّما تطرق إلى التصحيح متمسكاً بذلك من لا يحسن
فالأحسن سد هذا الباب، وإن أشعر تعليل ابن الصلاح ظهور الحكم بصحة المتن من
إطلاق الإمام المعتمد صحة الإسناد بجواز الحكم قبل التفتيش حيث قال: لأنَّ عدم
العلّة والقادح هو الأصل الظاهر فتصريحه بالاشتراط يدفعه، مع أنَّ قصر الحكم على
الإسناد وإن كان أخف لا يسلم من انتقاد ... إلخ.
(٢) سيأتي تفصيل ذلك - إن شاء الله تعالى - في السؤال رقم (١٤٢).
٢٣٨

الشرطان السلبيان: فنفي الشذوذ، والسلامة من العلة، ففي هذه الحالة لا
نستطيع أن نقول لوجود الشروط الإيجابية فقط: قد صح الحديث.
لكن لنا أن نقول: صح الإسناد، والعلماء لم يعرفوا السند الصحيح
فقط، إنَّما عرفوا الحديث الصحيح، فإذا كان الرجل قد بحث الحديث من
جميع طرقه، وتوسع في ذلك، ونظره في مظانه من كتب أهل العلم،
وترجح له في النهاية أنَّ هذا الحديث صحيح، فله أن يجزم، ويقول: ((هذا
حديث صحيح)) وأمَّا إذا لم يبحث، ولم يعط الأمر هذا حقه، فاحتياطاً
وتحرزاً ينبغي أن يقول: ((إسناده صحيح))، والله أعلم.
س ١٠٢ : بعض أهل العلم يعتمد على قول الذهبي في التوثيق، فهل
الذهبي - رحمه الله - يعتمد عليه في التوثيق؟ وهل هو متشدد أو متساهل
أو متوسط؟
ج ١٠٢: الذهبي - رحمه الله - ليس من الأئمة الذين يتكلمون في
الرواة، كيحيى بن معين، وابن المدنيي وغيرهما، إنّما هو مجتهد في أقوال
الأئمة في الرواة، كطريقة ابن حجر - رحمه الله - في ((التقريب)) والمجتهد
قد يصيب، وقد يخطىء، وقد يسلم لَه، وقد يرد عليه، أو يُقبل منه، وقد
يُنازَع في بعض أقواله، فالإمام الذهبي مجتهد في أقوال الأئمة في الراوي،
لا أنه مجتهد في الراوي نفسه، فلو مات العلماء والراوي من الرواة ليس فيه
توثيق ولا تجريح، وجاء الحافظ الذهبي فوثّقه، فالنفس لا تطمئن إلى هذا،
ونقول: ما دليله على التوثيق؟ كذلك لو أنَّ الإمام أحمد - رحمه الله
- وثّقه، وجاء الذهبي وجرَّحه، ما قبلنا هذا منه، ونقول: ما دليله على أنَّه
مجروح؟ على أنّه قد يظهر قرائن تقوي في النفس قبول قول الحافظ الذهبي
في بعض التراجم، ومع هذا فإنّني أرىٍ كثيراً من أحكام الحافظ الذهبي فيها
تساهل، وهناك كثير من المواضع اضطّرُّ إلى الأخذ باجتهاد الحافظ الذهبي
أو الحافظ ابن حجر - رحمهما الله -؛ لعجزي عن الجمع بين أقوال
الأئمة، ولدقة نظرهما في النقد، وسعة اطلاعهما، والله أعلم.
٢٣٩

س ١٠٣ : قولهم في الراوي: ((فلان أخطأ في أحاديث، ولم يتراجع)) هل
هذه العبارة من عبارات الجرح أو التعديل؟ ومتى تكون جرحاً ومتى تكون تعديلاً؟
ج ١٠٣: هذه العبارة من عبارات الجرح بلا شك، فقولهم: ((أخطأ
في أحاديث)) معناه أنَّ الثقات رووا الحديث على غير الوجه الذي رواه هذا
الراوي به، ويعبرون عن ذلك أحياناً، بقولهم: ((فلان أخطأ ويُصِرُ))، أو
((يُصِرُّ على الخطأ)، وقد جعل شعبة وابن مهدي وغيرهما الإصرار على
الخطأ من أسباب ترك الرجل، وترك روايته، لكن المسألة هنا فيها تفصيل
ذكرته في ((شفاء العليل))(١)، فالإمام من الأئمة قد يصر، ولا يضره شيئاً،
كرواية مالك بن أنس في حديث: ((لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر
المسلم)) (٢) (٣) أمَّا إذا لم يكن المصر من هؤلاء الأئمة الكبار، ويخطىء خطأ
فاحشاً، والعلماء يراجعونه فيه ولم يرجع، كأن يقلب الثقةَ بضعيف، أو
الضعيفَ بثقة، أو يأتي في المتن بزيادة منكرة مخالفة لأصول الشريعة، ففي
هذه الحالة يُضَعَّف الراوي ويُجَرَّح(٤).
فعُلِم أنَّ المصر على هذه الهيئة لا يقبل، بل يترتب على ذلك ترك
(١) ((شفاء العليل)) (١ ص: ٣٤٨ - ٣٥٠).
(٢) أخرجه البخاري (١٥٨٨، ٤٢٨٣)، ومسلم (١٦١٤) اهـ المؤلف.
(٣) أصر الإمام مالك - رحمه الله - على قوله في هذا الحديث عن عمر بن عثمان بضم
العين المهملة، والصواب عمرو بن عثمان بفتح العين المهملة.
(٤) في ((التنكيل)) (ص: ٣٤) ترجمة الهيثم بن خلف الدوري، قال المعلمي - رحمه الله -:
الخطأ الذي يضر الراوي الإصرار عليه هو ما يخشى أن تترتب عليه مفسدة، ويكون
الخطأ من المصر نفسه وذلك كمن يسمع حديثاً بسند صحيح فيخلط فيركب على ذلك
السند متناً موضوعاً فينبه أهل العلم فلا يرجع ... إلخ اهـ.
وفي ((الكفاية)) (ص: ٢٢٨) ساق الخطيب إسناده إلى الحسين بن منصور قال: سئل
أحمد بن حنبل: عمن يكتب العلم؟ فقال: عن الناس كلهم، إلّا عن ثلاثة: صاحب
هوى يدعو إليه، أو كذاب فإنّه لا يكتب عنه قليل ولا كثير أو عن رجل يغلط فيرد عليه
فلا يقبل وفيه كذلك عن الحميدي أنّه قال :
فإن قال قائل: فما الحجة في الذي يغلط فيكثر غلطه؟ قلت: مثل الحجة على الرجل
الذي يشهد على من أدركه ثم يدرك عليه في شهادته أنّه ليس كما شهد به ثم يثبت على =
٢٤٠