Indexed OCR Text
Pages 181-200
س ٥٦: كيف يُعلم اتفاق أهل الحديث على تضعيف حديث أو تصحیحه؟ ج ٥٦: يعلم ذلك بالرجوع إلى كتب أهل العلم في هذا الشأن، فنرجع إلى الكتب التي اهتمت بالتخريج مثل كتاب ((نصب الراية)) للزيلعي وهو كتاب عظيم، وكتاب ((التلخيص الحبير)) للحافظ ابن حجر (١)، ونحن في جمعنا لطرق الحديث، لو رجعنا إلى تراجم الرواة لكان أفضل، ففي كتب التراجم كثيراً ما نجدهم قد كفونا مؤنة البحث في هذا الحديث، فنراهم يحكمون على الحديث بالنكارة، أو اتفاق الحفّاظ على ضعفه، أو أن الحفّاظ يقولون فيه كذا، فمن المهم جداً الرجوع إلى كتب التراجم والرجال، فإن فيها الخير الكثير، وفيها - بفضل الله تعالى - ما يجعل الإنسان خبيراً بهذه الأمور. فأنصح الباحث أن لا يستقل ببحثه حتى يجول في بطون الكتب، فربّما أنّه يبحث البحث، ويكون هزيلاً قاصراً، وخلف ظهره كتاب فيه بحث شامل كامل لهذه المسألة، فيتهم بالقصور، وكلّما كان الإنسان متأنياً في بحثه، وكان طويل اليد والباع في البحوث، وتقليب صفحات الكتب، وعارفاً بمظان الحديث، أي: فإن كان الحديث يتصل بالعقائد، رجع إلى كتب العقائد، وإن كان الحديث يتصل بالفقه، رجع إلى أبواب الفقه من كتب السنن، وإن كان الحديث يتصل باللغة مثلًا، رجع إلى غريب الحديث، وغريب اللغة، فإنّه سيقف على أشياء كثيرة - بإذن الله تعالى - ويقرأ تراجم الرواة في الكتب المطولة والمختصرة، ولا يكتفي بـ«تقريب التهذيب)) فإن ((التقريب)) هو على اسمه ((تقريب))، وليس دقيقاً في كل (١) ومن الأمثلة على ذلك: ما جاء في ((التلخيص الحبير)) (٢٧/١) في الكلام على حديث: ((أن الماء لا ينجسه شيء إلّا ما غلب ... إلخ))، قال الشافعي: لا يثبت أهل الحديث مثله، وقال النووي: اتفق المحدثون على تضعيفه، وفي (٤٤/١) حديث حذيفة: ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ... )) الحديث، متّفق عليه بهذا اللفظ وزيادة: ((فإنَّها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة)) قال ابن منده مجمع على صحتها. اهـ. ١٨١ أحكامه، فنسأل الله سبحانه أن ييسر لي إتمام تحقيقه والكلام عليه (١)، فكلما كان البحث على هذا النحو، كان أقرب للكمال والله - تعالى - أعلم. س ٥٧: في حديث: ((مَنْ عادَى لي ولياً ... )) ذكر الذهبي - رحمه الله تعالى - بخصوص هذا الحديث في ترجمة خالد بن مخلد القطواني أنّه لولا هيبة ((الجامع الصحيح)) لعُدَّ هذا من مناكير خالد، فهل قوله هذا يعتبر اعتراضاً على تصحيحه، أم يعتبر متابعة للبخاري على تصحيحه؟ ج ٥٧: كلمة (لولا) حرف امتناع لوجود، فقد امتنع الذهبي - رحمه الله - من تضعيف الحديث، لهيبته من ((الجامع الصحيح))، فهذا يدل على تصحيحه، وموافقته للبخاري على إدخال الحديث في (صحيحه))، على أنَّ كلام الذهبي عليه مؤاخذات، وهذا يجرنا إلى مسألة قد سبق الحديث عليها(٢)، وهي مسألة الأحاديث التي في ((الصحيحين)) أو أحدهما، ولم يتكلّم فيها الحفاظ بقدح، فما وسع الحفاظَ يسعنا، وما قبله الأئمة نقبله؛ لأنَّهم قبلوا إدخال هذا الحديث في ((الصحيح)) وهو موسوم بالصحة، فقد اشترط صاحبه الصحة، ولما لم ينتقدوا عليه، دل على أنّه قد وفّى بشرطه في الأحاديث التي لم ينتقدوها، فما وسعهم يسعنا، وفي الحقيقة ما ينبغي زعزعة الثقة في ((الصحيحين))، والأمر ينبغي أن يكون وسطاً في ذلك، فما أعلَّه الحفاظ نُعِلُّه، وما قَبله الحفاظ نقبله، ونحن بهذا نُحَكْم القواعد؛ لأنَّ من جملة القواعد: أنَّ ما اتّفق عليه الحفاظ نقبله، سواء كان تصحيحاً أو تضعيفاً أو تعديلاً أو تجريحاً. س ٥٨: هل اتفاق الحفاظ على تصحيح الحديث أو تضعيفه يكون حجة؟ وهل هم داخلون تحت حديث: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة))؟ ج ٥٨: لا شك أنَّ اجتماعهم على شيء يكون حجة، كما صرح (١) انظر السؤال رقم (٨). (٢) انظر تفصيل ذلك في السؤال رقم (١٤). ١٨٢ بذلك أبو حاتم الرازي، ونقله عنه ابنه في ((المراسيل)) (١)، وإذا اتّفق الحفّاظ على ذلك فهم داخلون في هذا الحديث؛ لأنّ معنى الحديث أن لا يجتمع أهل الشأن من أهل العلم على ضلالة، فلو جئنا مثلاً إلى علم الحديث: فلسنا في حاجة إلى تضعيف أو تصحيح واحد ما يعرف علم الحديث، ولسنا أيضاً في حاجة إلى اجتماع العامة، فالعامة في هذا هم تبعّ للعلماء، والمتخصصون في هذا الشأن إجماعهم حجة على غيرهم، وليس إجماعهم كإجماع الأمّة كلّها فقهائها، ومحدِّثيها، وعوامها، وعلمائها، ليس هذا الإجماع في النفس كإجماع الآخرين، إلّا أن المتخصصين في الشأن حجة على غيرهم، فإذا اتّفق أهل الحديث على إعلال حديثٍ ما، وجاء الفقهاء أو الأصوليون بخلاف ذلك، ما قُبل كلام الفقهاء والأصوليين، والقول قول أهل الشأن، وكذلك إذا كان القراء قد اتفقوا على قبول قراءة معيّنة أو حرف معين، أو على الحكم بشذوذ حرف معين، فلا نسمع كلام رواة الأحاديث الذين هم ليسوا من أهل الشأن؛ لأنَّه كم من حامل للعلم وهو غير فقيه، ((ورب حامل فقه غير فقيه))(٢)، وكم من محدث ناقل فقط، لا يعرف ماذا في المتن الذي يحمله، فهناك علوم رواية، وعلوم دراية، وعلوم الدراية للعلماء والنقاد، ونحن طلاب العلم نرجع في كل علم إلى أهله، فاتفاقهم على شيء نقبله، دون أن نفتح باب الزعزعة في اتفاقهم، لكن إن اختلفوا رجعنا إلى القواعد، وعملنا بالقاعدة الراجحة في موضعها، مع العلم بأنّهم لا يتفقون على تضعيف الحديث عن هوى !! فكيف اتفقوا وكل واحد منهم في بلد، هذا في مصر وذاك في خراسان، وذاك في الشام، وذاك في اليمن وذاك في الحجاز، وهؤلاء في عصر، وأولئك في عصر آخر، وجميعاً تتواتر كلمتهم، فكثير منهم ما تقابلت وجوههم، ومع ذلك تتفق كلمتهم، فدلّ على أنَّ هذا الكلام ما جاء عن هوى، ولا خرج عن استحسان، وإلّا فلو استحسنوا لاختلفوا، ولكن نظروا في الحديث على أساس قواعد محكمة (١) سبق تخريجه في السؤال رقم (١٤). (٢) متفق عليه، وقد تكلّمت على طرقه بتوسع في ((تحفة القاري بدراسة وتحقيق فتح الباري)) كتاب العلم برقم: (٦٢) المؤلف. ١٨٣ متقنة، فاتّفقت كلمتهم على اختلاف أعصارهم وأمصارهم وبلدانهم ومذاهبهم، والله أعلم (١) . س ٥٩: الذهبي - رحمه الله - أحياناً يعترض على ابن حبان في بعض التراجم ويقول: ((إنّه لا يدري ما يخرج من رأسه))، فهل هذا جرح في ابن حبان؟ ج ٥٩: لا شك أنّها كلمة جرح، إذا قيلت في رجل: ((إنَّه لا يدري (١) قال ابن أبي حاتم في أول كتاب ((الجرح والتعديل)) (٣٤٩/١ - ٣٥٠): سمعت أبي يقول: جاءني رجل من جلة أصحاب الرأي، من أهل الفهم منهم ومعه دفتر، فعرضه علي، فقلت في بعضه: هذا حديث خطأ، قد دخل لصاحبه حديث في حديث، وهذا باطل، وهذا منكر، وسائر ذلك صحاح، فقال: من أين علمت أنَّ ذاك خطأ وذاك باطل، وذلك كذب؟ أأخبرك راوي هذا الكتاب بأنّي غلطتُ، أو بأني كذبت في حديث كذا؟ قلت: لا، ما أدري هذا الجزء من راويه، غير أنّ أعلم أن هذا الحديث خطأ وأنّ هذا الحديث كذب، فقال: تدّعي الغيب؟ قلت: ما هذا ادّعاء غيب، قال: فما الدليل على ما قلت؟ قلت: سَلْ عمَّا قلت: من يحسن مثلَ ما أحسن، فإن اتفقنا علمت أنّا لم نجازف، ولم نقله إلّا بفهم، قال: من هو الذي محسن مثل ما تُحسن؟ قلت: أبو زرعة، قال: ويقول أبو زرعة كقولك؟ قلت: نعم، قال: هذا عجبُ، قال: فكتب في كاغد ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رجع إليَّ وقد كتب ألفاظ ما تكلّم به أبو زرعة في تلك الأحاديث فقال: ما قلت أنّه كذب، قال أبو زرعة: هو باطل، قلت: الكذب والباطل واحد، قال: وما قلت: إنَّه منكر، قال: هو منكر، كما قلت وما قلت إنّه صحيح، قال: هو صحيح، ثم قال: ما أعجب هذا! تتفقان من غير مواطأةٍ فيما بينكما، قلتُ: فعند ذلك علمت أنّا لم نجازف، وأنّا قلنا بعلم ومعرفة قد أوتيناه والدليل على صحة ما نقوله: أنّ ديناراً بهرجاً يحمل إلى الناقد، فيقول: هذا بُهرج فإن قيل له: من أين قلت: إن هذا بهرج؟ هل كنت حاضراً حين بُهرج هذا الدينار؟ قال: لا، وإن قيل: أخبرك الذي بهرجَه؟ قال: لا قيل فمن أين قلت؟ قال: عِلماً رزقنا معرفة ذلك وكذلك إذا حُمل إلى جوهري فصّ ياقوتٍ وفصّ زجاج، يعرف ذا من ذا، ويقول كذلك وكذلك نحن رزقنا علماً، لا يتهيأ له أن نخبرك كيف علمنا بأن هذا كذب، أو هذا منكر فنعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاماً يصلح أن يكون كلام النبوة، ونعرف سقمه، وإنكاره بتفرد من لم تصلح عدالته. اهـ. ١٨٤ ما يخرج من رأسه))(١)، وسبب ذلك أن ابن حبان مسرف في العبارة التي يجرِّح بها، ويتكلّم بعبارة شديدة الجرح، مع أنَّ السبب لهذا الجرح لا يستحق كل هذه العبارة، فقد يخطىء الرجل خطأ محتملًا عند الآخرين، فيقول ابن حبان مثلًا: وهذا الرجل يروي عن الثقات ما يخالف حديث الأثبات، فاستحق الترك، هذه كلمة فيها غلو وإسراف، فالرجل قد يكون خطؤه محتملًا، فيصلح في الشواهد والمتابعات، وقد لا يضر حديثَه إذا كان مكثراً، ففي هذه الحالة: قد يقول فيه ابن حبان: يروي عن الثقات ما يخالف حديث الأثبات، ولما كثر هذا في حديثه استحق الترك، أو استحق مجانبة حديثه، أو لا يجوز الاحتجاج به، أو إنما أذكر حديثه للاعتبار أو للاتعاظ والزجر عنه أو للتعريف بحاله وشأنه، وغير ذلك من هذه الكلمات، فقد يكون هذا عذر الذهبي، وهذه العبارة تطلق على بعض الرواة الذين يقبلون التلقين، ولا يعرف أحدهم ما يخرج من رأسه، فيكون المعنى حينئذٍ: أنّهم قد ساء حفظهم، واشتدّ ذلك فيهم، حتى أصبحوا لا يعرفون ما يخرج من رؤوسهم. س ٦٠: ذكروا أن ابن حبان متشدد في التجريح، ومتساهل في التوثيق، فكيف يجمع بين التشدد في هذا والتساهل في ذاك، مع أنّ ظاهره الجمع بين النقيضين؟ ج ٦٠: هذا راجع إلى قاعدة التزمها ابن حبان في التوثيق، وصلت به إلى هذا، حين قال: إنّ الرجل يكون ثقة أو صدوقاً، إذا روى عنه ثقة، وروى هو عن ثقة، ولم يرو منكراً، هذا تعريفه للثقة، وقد بينت قبل أن هذا غير صحيح (٢) فذكرت أنّ رواية الراوي عن الثقة لا تنفعه، إنّما ينفعه إذا كان تلميذه ثقة، وكونه أيضاً يقول: ((روى عنه ثقة)) هذا أيضاً لا ينفعه، (١) مثاله ما جاء في ((الميزان)) (٤٤١/١) ترجمة أفلح بن سعيد المدني، قال فيه ابن حبان يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحل الاحتجاج به ولا الراوية عنه بحال، قال الذهبي: ابن حبان ربّما قصب الثقة حتى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه. (٢) انظر السؤال رقم (٨) والكلام على شرط ابن حبان. ١٨٥ إلّا إذا روى عنه ثقات، فالثقة الواحد يروي عن رجل، ومع ذلك لا يرفع جهالة عينه، إذا انفرد بذلك، فهذه النقطة الثانية، وقوله: ((لم يرو منكراً)) لا يُفيد التوثيق، لأنّه قد يكون مقلًا، وليس معه إلّا هذا الحديث، وقد يكون كذَّاباً سارقاً، ومعه حديث صحيح، ومن المعلوم أنَّ الكذاب أو السارق، قد يسرق أحاديث صحيحة، أو يكذب في أحاديث صحيحة، ومتونها مشهورة، فكون هذا الرجل لم يرو منكراً، ما أفادنا شيئاً يُذْكَر، إلّا إذا كان مكثراً، فتعريف ابن حبان للثقة تعريف فيه تساهل، ولو كان الأصل في المسلمين العدالة في باب الراوية، ما احتاج العلماء أن يقولوا في تعريف الحديث الصحيح: ((الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله))، وما احتاجوا إلى قولهم: (يتصل إسناده)) لأنّه ما أخذه إلّا عن مسلم ولا بد، وإن كان معضلًا، وما أخذه عن يهودي أو عن نصراني، وهذا أيضاً مذهب ابن خزيمة ومذهب الحاكم(١)، ومن هنا دخل التساهل عليهم حين عرفوا الثقة: ((بأنّه من لم يُجرح)) وانتفاء التجريح لا يلزم منه ثبوت التعديل، ولكن أهل الحديث قالوا: لا بد أن نتأكد من أنّه عُدِّل، ولا نكتفي بأنه لم يجرح، على تفاصيل أهل العلم في ذلك - وفي الجهة الأخرى عُرف بالاستقراء، ومن صنيع ابن حبان؛ أنّ الراوي إذا أخطأ خطأً يسيراً محتملًا، تكلّم هو فيه بشدة، فيكون الخطأ قليلًا، وعبارة التجريح شديدة، فمن هنا قيل عنه: إنَّه متشدد في التجريح، فجمعه الآن بين التساهل في التوثيق، والتشدّد في التجريح، لم يتواردا على محل واحد، حتى نقول: إنَّ هذا جمع بين المتناقضين، ولكنَّ المحلَّيْن مختلفان، فبينما نراه يعرف الثقة تعريفاً فيه تساهل، نراه يخدش في الثقة لوجود الخطأ في حديثه، فهناك كان يحمل حديثه على الصحة؛ لأنّه ما رأى فيه منكراً، لكن لما رأى الخطأ هنا جرَّحه بعبارة شديدة، والله أعلم. (١) نص على تساهل ابن خزيمة الحافظ ابن حجر - رحمه الله - كما في مقدمة ((اللسان)) (ص: ١٤) وأمّا عن الحاكم فقد سبق النص على تساهله في السؤال رقم (٨) فليراجع. ١٨٦ س ٦١: علمنا أنَّ الراوي يمكن معرفة ضبطه وإتقانه بطريقة سبر رواياته ومقارنتها برواية الثقات، فكيف بطريقة السبر أيضاً يُعلم أنّه عدل في دينه؛ لأَنَّ الراوية لا تقبل إلاّ من عدل ضابط؟ ج ٦١: يمكن أن يعرفوا ضبطه عند جمع حديثه مع حديث غيره، فيوافق أو يخالف، وممكن معرفة هل قد اختلط أم لا؟ بأن يجمعوا حديثه، فيجدوا الأولين القدماء والمشايخ الكبار يروون عنه أحاديث مستقيمة، والذين هم من الطبقة النازلة أي: الأحداث الصغار يروون عنه أحاديث مضطربة، فيعرفون بذلك أنَّه قد اختلط، فيصنفون تلامذته إلى أقسام وطبقات، فأصحاب الطبقة العالية يروون عنه أحاديث مستقيمة، والطبقات النازلة يروون عنه أحاديث فيها اضطراب(١)، فهذا يدل على أن الرجل قد اختلط أو تغيَّر، ويعرفون أيضاً الراوي هل هو مدلس أو غير مدلس من خلال النظر في حديثه، فإذا روى عن الثقات وصرح بالسماع، روى أحاديث مستقيمة، وإذا عنعن روى أحاديث فيها نكارة، فيعرفون بذلك أنّه مدلس (٢)، ويعرفون أيضاً (١) جاء في ترجمة سعيد بن أبي عروبة قول العجلي - رحمه الله - روى عن ابن أبي عروبة في الاختلاط يزيد بن هارون وابن المبارك وابن عدي كلما روى عنه مثل هؤلاء الصغار فهو مختلط، إنَّما الصحيح حديث حماد بن سلمة وابن علية، وعبدالأعلى عنه والثوري وشعبة صحيح ((شرح العلل)) لابن رجب (٧٤٥/٢). (٢) ومثال ذلك: ما قاله ابن حبان - رحمه الله تعالى - في شأن بقية بن الوليد، قال - رحمه الله -: لقد دخلت حمص وأكثر همي شأن بقية فتتبعت حديثه وكتبت: النسخ على الوجه، وتتبعت ما لم أجد بعلو من رواية القدماء عنه، فرأيته ثقة مأموناً ولكنّه كان مدلساً سمع من عبيدالله بن عمر، وشعبة، ومالك أحاديث يسيرة مستقيمة ثم سمع عن أقوام كذابين ضعفاء متروكين عن عبيدالله بن عمر وشعبة ومالك مثل المجاشع بن عمرو، والسري بن عبدالحميد، وعمر بن موسى المثيمي، وأشباههم، وأقوام لا يعرفون إلّا بالكنى فروي عن أولئك الثقات الذين رآهم بالتدليس ما سمع من هؤلاء الضعفاء وكان يقول: قال عبيدالله بن عمر، عن نافع، وقال مالك، عن نافع ... ((المجروحين)) (٢٠٠/١ - ٢٠١). قلت: ويعرف بالتدليس أيضاً أنّه في حالة تحديثه عن المعروفين يحدث بأحاديث مستقيمة، وإذا حدث عن المجهولين أو كنى الرجل ولم يسميه باسمه، كان حديثه لا يساوي شيئاً، ومثال ذلك ما قاله أبو بكر بن أبي خيثمة، قال - رحمه الله -: سئل = ١٨٧ من خلال النظر في حديثه: هل الضعف منه أو من تلامذته؟، فإذا روى عنه الثقات كانت أحاديثه مستقيمة، وإذا روى عنه الضعفاء كانت أحاديثه مضطربة علموا أن ذلك ممن دونه لا منه، هذا كله في باب الضبط، أما باب العدالة: فالعلماء ينظرون في حديث الراوي، مثال ذلك: محمد بن إسحاق صاحب ((السيرة والمغازي)) فقد ذكر ابن المديني وابن حبان أنَّ روايته عن رجل، وعن رجل عنه، وعن رجل عنه وعن رجل عن رجل عنه، كل هذا يدل على صدقه وعدالته، انظر ((الثقات)) لابن حبان (٣٨٤/٧)(١)، فاستُدل على عدالة ابن إسحاق دينه وورعه؛ بأنّه كان يروي عن شيخه بواسطة، ويروي عن شيخه بغير واسطة، فقالوا: لو كان هذا الرجل غير عدل، وهو معروف بالرواية عن شيخه، فما الدافع له على أن ينزل في إسناد بعض الراويات عنه، ويروي عن شيخه بواسطة؟ وذكروا نحو هذا أيضاً عن ابن أبي شيبة في روايته عن أبيه، مما يدل على أنّه ورع يخاف الله، وإلّا فلو كان مجازفاً، لحمل كل الراويات عن أبيه بالسماع، ولا وجه للإنكار عليه في ذلك، فإنّه أبوه(٢)، ومن ذلك أيضاً تحري الراوي في كتابه، فإذا نظر يحيى بن معين عن بقية، فقال: إذا حدث عن الثقات مثل صفوان بن عمرو، وغيره = (فاقبلوه)، وأمّا إذا حدث عن أولئك المجهولين فلا، وإذا كنى الرجل ولم يسمِّ الرجل فليس يساوي شيئاً. ((تهذيب الكمال)) (١٩٧/٤). (١) قال ابن حبان - رحمه الله -: سمعت محمد بن أحمد المسندي يقول: سمعت محمد بن نصر الفراء يقول: قلت لعلي بن المديني ما تقول في محمد بن إسحاق؟ فقال: ثقة قد أدرك نافعاً وروى عنه وروى عن رجل، عنه وعن رجل، عن رجل عنه، هل يدل هذا إلّا على الصدق، قال أبو حاتم - رضي الله عنه -: كان محمد بن إسحاق يكتب عمن فوقه ومثله ودونه لرغبته في العلم وحرصه عليه، وربّما يروي عن رجل عن رجل قد رآه، ويروي عن آخر عنه في موضع آخر، ويروي عن رجل عن رجل عنه، فلو كان ممن يستحل الكذب لم يحتج إلى النزول، بل كان يحدث عمن رآه ويقتصر عليه، فهذا مما يدل على صدقه وشهرة عدالته في الراويات ... اهـ ((الثقات)) (٣٨٤/٧). (٢) قال محمد بن عمر بن العلاء الجرجاني: سألت ابن معين عن سماع أبي بكر من شريك؟ فقال: أبو بكر عندنا صدوق ولو ادّعى السماع من أجل من شريك لكان مصدقاً فيه وما يحمله على أنّه يقول وجدت في كتاب أبي بخطه ... إلخ ((تهذيب التهذيب)) (٣/٦). ١٨٨ إمام في كتابه يراه يقول: كذا أو كذا، ويقول: أحسب كذا، ويضرب على بعض الأحاديث إذا شك فيها، كل هذا يدل على أمانته وورعه وعكسه عكسه، والله أعلم(١). س ٦٢: رجل تُرجم له، ولم يذكر فيه جرح ولا تعديل، فهل من الممكن أن أنظر في رواياته وأحكم عليه بجرح أو تعديل؟ ج ٦٢: ذكر الشيخ المعلمي - رحمه الله تعالى - أنَّ هذا ليس بوسعنا؛ لأنَّ الحفّاظ الأولين كانوا يعرفون الراوي وما روى، أي: كانوا يعرفون حديث شيوخه وزملائه وتلامذته، فيسهل عليهم أن يقارنوا حديثه بحديث زملائه، فإن توبع أفلت من العهدة، وارتفعت العهدة إلى شيخه أو من فوقه، أو إلى أحد تلامذته أو من دونه، وذكر - رحمه الله تعالى - أن الذي بوسعنا أن نرد على أحد الحفّاظ، إذا حكم على الحديث بالنكارة لتفرد أحد رواته به، وقد وقفنا نحن على متابعات له كثرت أو قلّت، فنقول: ليس منكراً؛ لأنَّ فلاناً تابعه كما في كتاب كذا، وهذا كلام قوي (٢)، ثم كيف تنقرض العصور السابقة على كون هذا الرجل مجهولًا، (١) مثال ذلك: قول شعبة في ترجمة عمر بن قيس المكي: ((لأن أكتب عن ابن عون ((أحسب)) ((أحسب)) أحب إلي من أن أكتب من سندل وهو لقب عمر: ((أشهد(، ((أشهد)) وكان سندل يقول: أشهد على عطاء أشهد على ابن عباس - تذكرة الحفاظ (١٥٦/١) ونحوه ما جاء عن أحمد أنّه حدث بحديث عن سفيان فقال حسين بن منصور ((خالفك يحيى بن يحيى)) فقال: كيف قال يحيى؟ قال: فأخبرته فضرب على حديثه، وقال: لا خير فيما خالف فيه يحيى بن يحيى (٥١٥/١٠) (النبلاء)). وهذا يدل على مزيد احتياط وتحفظ أمّا غير العدل فإنه مجازف ومتساهل، والله أعلم، وانظر كلاماً حول هذا البحث في ((شفاء العليل)) للمؤلف - حفظه الله تعالى - (٣٨٠/١)، وسيأتي كذلك - إن شاء الله - الكلام على جماعة من أهل العلم ممن عرفوا بوقف المرفوع وإرسال المتصل عند الشك، وأن ذلك من باب الاحتياط والورع، كما قيل في ابن سيرين، ومالك، وحماد بن زيد، انظر تفاصيل ذلك في السؤال رقم (١١٨) والله أعلم. (٢) نص كلام العلامة عبدالرحمن بن يحيى المعلمي - رحمه الله تعالى - قال في (تنكيله)) = ١٨٩ ثم في زماننا يكون ثقة أو ضعيفاً؟ !! نعم، لنا أن نجتهد في نصوص الأئمة، ونجمع بينها حسب قواعد هذا العلم الشريف، لا أن نأتي بنصوص من عند أنفسنا، فمن وثقوه فهو ثقة، ومن جهّلوه ولم يعرفوا عينه أو حاله فهو كذلك، ومن جرَّحوه فهو مجروح، والله المستعان. س ٦٣: ما الفرق بين قولهم: ((فلان ثقة)) و((فلان كان ثقة))؟ ج ٦٣: كلمة: ((كان)) في كثير من المواضع، ليس معناها أنّه كان ثقة والآن قد أصبح غير ثقة، كثيراً ما تأتي بمعنى أنّه ثقة، ولا فرق بين هذه وتلك، إلّا إذا ظهرت قرينة تدل على أنَّ الرجل قد انتقل من التوثيق إلى التضعيف، والله أعلم. س ٦٤: إذا قال بعض أئمة الجرح والتعديل في راوٍ: ((غير مشهور بالطلب)) فهل يكون مجهولاً؟ ج ٦٤: يُرجَع في ذلك إلى عدد الرواة عنه، فإذا كان الرواة عنه جمعاً، فينتقل من جهالة العين إلى جهالة الحال، وإذا كان الراوي عنه (ص: ٢٢٢ - ٢٢٣): إن المجتهد في أحوال الرواة قد يثبت عنده بدليل يصح الاستناد = إليه أن الخبر لا أصل له وأن الحمل فيه على هذا الراوي، فما يحتاج بعد ذلك إلى النظر في الراوي أتعمد الكذب أم غلط؟ فإذا تدبر وأمعن النظر فقد يتجه له الحكم بأحد الأمرين جزماً، وقد يميل ظنه إلى أحدهما إلّا أنّه لا يبلغ أن يجزم به، فعلى هذا الثاني إذا مال ظنه إلى أن الراوي تعمد الكذب قال فيه متهم بالكذب أو نحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى . ودرجة الاجتهاد المشار إليه لا يبلغها أحد من أهل العصر فيما يتعلق بالرواة المتقدمين اللهم إلّا أن يتهم بعض المتقدمين رجلًا في حديث يزعم أنّه تفرد به فيجد له بعض أهل العصر متابعات صحيحة، وإلّا حيث يختلف المتقدمون فيسعى في الترجيح، فأما من وثقه إمام من المتقدمين أو أكثر ولم يتهمه أحد من الأئمة فيحاول بعض أهل العصر أن يكذبه أو يتهمه فهذا مردود لأنّه إن تهيأ له إثبات بطلان الخبر وأنّه ثابت عن ذلك الراوي ثبوتاً لا ريب فيه فلا يتهيأ له الجزم بأنّه تفرد به ولا أنّ شيخه لم يروه قط ولا النظر الفني الذي يحق لصاحبه أن يجزم بتعمد الراوي للكذب أو يتهمه به ... إلخ. ١٩٠ واحداً، فهو في هذه الحالة يكون مجهول عين (١)، - على تفاصيل في ذلك سبق شرحها - إلّا أنني ألفت النظر إلى أنّهم قد يقولون في الراوي: ((ليس مشهوراً بالطلب)) أي: كشهرة غيره من المشاهير، وليس اهتمامه بالعلم، كاهتمام يحيى بن معين، وأحمد وابن المديني، والثوري، وفلان وفلان(٢)، ومعلوم أنَّ هناك طبقة من الثقات، كثيرٌ عددهم، لم يصلوا إلى منزلة هؤلاء الأفذاذ والكبار المشهورين، مع كونهم ثقات، فالكلمة في ذاتها إذا لم تكن هناك قرينة تدل على نفي الكمال، أو أن الراوي ثقة - وإن كان مقلًّا في باب الراوية - فهي تدل على أنَّه في حيز الجهالة، جهالة عين أو حال، على حسب عدد الرواة، ولكن مسألة عدد الرواة هذه، ليست قاعدة مطردة، إنّما هي تقريبية، فقد يروي واحد عن الرجل، ويرفع جهالة عينه(٣)، وقد يروي جماعة عن الرجل، ولا يرفعون جهالة عينه، فالعبرة مع العدد بحال (١) قلت: ومثال ذلك ما جاء في ((الكامل)) لابن عدي ترجمة بشير بن زياد الخراساني قال ابن عدي - رحمه الله - ((غير مشهور)) ليس بالمعروف لم أرَ أحداً روى عنه غير إسماعيل بن عبدالله بن زرارة (٤٥٥/٢) وفي ((تهذيب التهذيب)) ترجمة الضحاك بن عثمان العرزبي لم يذكر الحافظ عنه راوياً إلا محمد بن حماد وقال المزي: ((غير مشهور)) وترجم له الحافظ في ((التقريب)) بقوله: ((غير مشهور)). (٢) قال المؤلف - حفظه الله تعالى - في كتابه ((شفاء العليل)): يطلق ذلك ويراد أنّه ليس بمشهور كالمشاهير الكبار مثل يحيى بن سعيد القطان وابن مهدي وأحمد ويحيى بن معين وغيرهم، وكثيراً ما يقف الباحث على هذا اللفظ في ((الكامل)) وفي ((تاريخ بغداد)) وكتب الذهبي، وقد يكون بمعنى ليس بالمشهور كأقرانه كما في ((تعجيل المنفعة)) ترجمة محمد بن أيوب بن ميسرة. قال أبو حاتم: ((صالح لا بأس به ليس بمشهور)) قال الحافظ: ((قلت وأورده النباتي في ((الضعفاء)) في ذيل ((الكامل))، قال الذهبي في ((الميزان)): وما فيه مغمز)) انتهى. قال الحافظ: ((ولعل مستند النباتي قول أبي حاتم: ليس بمشهور ففهم من ذلك أنّه عند أبي حاتم مجهول وليس كذلك بل مراد أبي حاتم أنّه لم يشتهر في العلم اشتهار غيره من أقرانه مثل سعيد بن عبدالعزيز وأنظاره)). اهـ (ص: ٣٥٩). قال المؤلف: ويؤيد كلام الحافظ أنَّ أبا حاتم قرن قوله هذا بقوله صالح لا بأس به، والله أعلم. ((شفاء العليل)) (ص: ٤٢٧). (٣) قال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفاً؟ إذا روى عنه = ١٩١ الرواة، فقد يروي عنه جماعة متروكون وكذّابون، وقد يروي عنه إمام ينتقي كالإمام أحمد، وشعبة، وابن مهدي، وابن المديني، وهم ينتقون غالباً، وإلّا فقد ثبت أنّهم رووا عن ضعفاء، بل وعن قوم هلكى(١)، الشاهد من هذا كله أنّه لا بد من الرجوع إلى عدد الرواة وحالهم، إلّا أن يكون في الترجمة مع هذا القول أن أحد الأئمة يقول: هو ثقة، لا سيّما إن كان قائل هذه الكلمة المسؤول عنها هنا، هو الذي يقول: إنّه ثقة، فإذا كان ذلك كذلك، فلا بد أن تحمل هذه الكلمة على أنّه ليس مشهوراً كشهرة غيره من المشاهير، وإن كان ثقة في نفسه، والله أعلم. س ٦٥: اختلف في جواز الراوية بالمعنى فما الصواب في ذلك؟ ج ٦٥: من العلماء من أجاز ذلك، ومنهم الإمام البخاري(٢)، ومنهم كم؟ إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي وهؤلاء أهل العلم فهو غير مجهول. = قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب وأبي إسحاق، قال: هؤلاء يروون عن مجهولين. اهـ. قال ابن رجب - رحمه الله تعالى - في ((شرحه لعلل الترمذي)): وهذا تفصيل حسن وهو يخالف إطلاق محمد بن يحيى الذهلي، الذي تبعه عليه المتأخرون أنَّه لا يخرج الرجل من الجهالة إلّا برواية رجلين فصاعداً عنه ((شرح العلل لابن رجب)) (٣٧٨/١). (١) سبق تفصيل ذلك في السؤال السابع، والتعليق عليه كما تراه في رقم (٦٤ - ٦٧)، والله أعلم. (٢) انظر ((النكت)) للحافظ ابن حجر (٢٨٢/١) في رواية البخاري بالمعنى. وقال الحافظ السخاوي - رحمه الله تعالى - في ((فتح المغيث)) وممن كان يروي بالمعنى من التابعين: الحسن، والشعبي، والنخعي، بل قال ابن الصلاح: إنَّه الذي شهد به أحوال الصحابة، والسلف الأولين فكثيراً ما كانوا ينقلون معنى واحداً في أمرٍ واحد بألفاظ مختلفة، وما ذاك إلّا لأنَّ معولهم كان على المعنى دون اللفظ. اهـ. ولانتشاره أجاب مالك من سأله لمّ لم تكتب عن الناس، وقد أدركتهم متوافرين؟ بقوله: لا أكتب إلّا عن رجل يعرف ما يخرج من رأسه وكذا تخصيصه ترك الأخذ عمن له فضل وصلاح، إذا كان لا يعرف ما يحدث به بكونه كان قبل أن تدون الكتب والحديث في الصدور؛ لأنّه يخشى أن يخلط فيما يحدث به، فيه إشارة كما - قال شيخنا - إلى أنَّهم كانوا يحدثون على المعاني، وإلّا فلو حفظه لفظاً لما أنكره، ومن ثم اشترط الشافعي، ومن تبعه فيمن لم يتقيد بلفظ المحدث كونه عاقلًا لما يحيل معناه ... إلخ (٢٤٢/٢ - ٢٤٣). ١٩٢ من منع ذلك(١)، واستدلوا بأدلة على قولهم، منها حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((من قال أو تقول عليَّ ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار)) (٢)، وحديث ((نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، وأدّاها كما سمعها))(٣) وعندما قال البراء في الدعاء الذي عند النوم: ((ورسولك الذي أرسلت)) قال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((لا، ونبيِّك الذي أرسلت))(٤) وأجاب الأوّلون عن ذلك، بأنَّ من أدى الحديث بمعناه دون زيادة ولا نقص، فلم يقل على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ما لم يقله، والحديث الثاني نفسه ورد بألفاظ مختلفة ومعناها واحد(٥)، والحديث الثالث في الأذكار التي لها حكم التوقيف، ويُتَعَبَّدُ الله بألفاظها ومعانيها(٦)، لكن إذا كان الراوي يعرف ما يحيل المعاني عن وجهها (١) قاله طائفة من المحدثين والفقهاء والأصوليين من الشافعية وغيرهم: قال القرطبي: وهو الصحيح من مذهب مالك حتى إن بعض من ذهب لهذا شدد فيه أكثر التشديد فلم يجز تقديم كلمة على كلمة، ولا حرف على آخر ولا إبدال حرف بآخر، ولا زيادة حرف ولا حذفه، فضلًا عن أكثر ولا تخفيف ثقيل ولا تثقيل خفيف، ولا رفع منصوب ولا نصب مجرور أو مرفوع، ولو لم يتغير المعنى في ذلك كله بل اقتصر بعضهم على اللفظ، ولو خالف اللغة الفصيحة. اهـ من المصدر السابق (٢٤٣/٢). (٢) متّفق عليه وقد تكلمت على طرقه بتوسع في ((تحفة القاري بدراسة وتحقيق فتح الباري)) كتاب العلم برقم: (٦٣) المؤلف. (٣) صحيح، وقد تكلّمت على طرقه بتوسع في ((تحفة القاري بدراسة وتحقيق فتح الباري)) كتاب العلم برقم: (٤٧) المؤلف. (٤) أخرجه البخاري (٢٤٧) ومسلم (٢٧١٠) المؤلف. (٥) قال السخاوي - رحمه الله -: وحديث: ((نضر الله ... )) ربّما يتمسك به للجواز لكونه مع ما قيل إنّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يحدث به سوى مرة واحدة، وروى بألفاظ مختلفة: كرحم الله، ومن سمع، ومقالتي، وبلغه، وافقه، ولا فقه له، مكان نضر الله، وأمروا ومنا حديثاً، وأداه وادعى وليس بفقيه. (٦) أما حديث: ((ونبيك)) ففي الاستدلال به نظر؛ لأنَّه وإن تحقق بالقطع أن المعنى في اللفظين متحد لأنّ الذات المحدث عنها واحدة، فالمراد يفهم بأي صفة وصف بها الموصوف فيحتمل أنَّ المنع لكون ((ألفاظ الأذكار))، كما سيأتي في الفصل الثاني عشر توقيفية، ولها خصائص، وأسرار لا يدخلها القياس، فيجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به وبالجملة فيستحب له أن يورد الأحاديث بألفاظها كما قاله الحسن وغيره، لأنَّ = ١٩٣ الصحيح، فلا مانع من روايته بالمعنى، فالأمة تلقت ((صحيح البخاري)) بالقبول، إلَّا أحرفاً يسيرة، مع الراوية فيه بالمعنى، وفي الحقيقة أن بحث هذه المسألة اليوم ليس له كبير فائدة؛ لأنّ الراويات قد دُوِّنت، وقضي الأمر، ولا سبيل إلى رد بعضها لروايتها بالمعنى بعد قبول العلماء لها، نعم الراوية باللفظ أولى وأحوط، لكن لا يلزم من ذلك رد الراوية بالمعنى، إذا كانت مستوفاة للشروط التي ذكرها أهل العلم، والله أعلم (١). ((تنبيه)) : بعض أهل العلم يرجح الحديث الذي ورد بلفظه على الآخر الذي = ذلك أسلم وأفضل كما قاله ابن سيرين اهـ من ((فتح المغيث)) (٢٤٧/٢ - ٢٤٨). (١) شروط جواز نقل الحديث بالمعنى: أحدها: أن يكون الراوي عارفاً بدلالات الألفاظ واختلاف مواقعها، فإن كان جاهلاً بمواقع الكلام امتنع بالإجماع: قاله القاضي في ((التقريب)). ثانيها: أن يبدل اللفظ بما يرادفه كالجلوس بالقعود والاستطاعة بالقدرة، والعلم بالمعرفة، وجعل الأبياري هذا محل وفاق في الجواز. ثالثها: أن تكون الترجمة مساوية للأصل في الجلاء والخفاء، فيبدل اللفظ بمثله في الاحتمال وعدمه، ولا يبدل الأجلى بالجلي وعكسه، ولا العام بالخاص: ولا المطلق بالمقيد، ولا الأمر بالخبر، ولا العكس، لأنَّ الخطاب تارة يقع بالمحكم وتارة يقع بالمتشابه، لحكم وأسرار لا يعلمها إلا الله ورسوله، فلا يجوز تغييرها عن موضوعها. رابعها: أن لا يكون مما تعبد بلفظه، فأما ما تعبدنا به، فلا بد من نقله باللفظ قطعاً، كألفاظ التشهد ولا يجوز نقله بالمعنى بالاتفاق. خامسها: أن لا يكون من جوامع الكلم فإن كان كقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((الخراج بالضمان)) و((البينة على المدعي)) و((العجماء جبار)) و((لا ضرر ولا ضرار))، ونحوه لم يجز؛ لأنّه لا يمكن درك جميع معاني جوامع الكلم، حكاه بعض الحنفية. سادسها: أن لا يكون من باب المتشابه، وكذلك المشترك لا ينقله أحد بالمعنى لتعذر نقله بلفظ آخر وكذلك المجمل راجع ((البحر المحيط)) للزركشي - رحمه الله تعالى - (٣٥٦/٤ - ٣٥٧) وانظر كذلك ((المحدث الفاصل)) للرامهرمزي (ص: ٥٢٩ - ٥٤٠) و ((الكفاية)) للخطيب (ص: ٣٠٠ - ٣٠٦) كذلك ((شرح العلل)) لابن رجب - رحمه الله - (١ / ص: ٤٢٥ - ٤٣٠) و(تدريب الراوي)) (٣١١/٢)، ((إرشاد الفحول)) (ص: ٥٧)، ((مذكرة الشنقيطي)) - رحمه الله - (ص: ١٣٧). والذي يظهر أنَّ في بعض هذه الشروط تداخل، والله أعلم. ١٩٤ ورد بمعناه عند التعارض(١)، وهذا صحيح، لكن كيف نعرف أنَّ هذا الحديث ورد بلفظه دون الاكتفاء بالمعنى؟ فإن قيل: لأنَّ في سنده فلاناً، وهو لا يستجيز الرواية بالمعنى، قلنا: وهل من فوقه أو من دونه يرون رأيه في ذلك، أم أنّهم يروون بالمعنى؟ فلعله التزم باللفظ الذي ورد إليه، مع أنَّ الحديث ما وصل إليه إلّا بالمعنى، أو لعل من دونه رواه عنه بالمعنى، والله أعلم . س ٦٦: هل كلام الأقران في بعضهم البعض يُرد مطلقاً؟ ج ٦٦: لا يُرد مطلقاً ولا يُقْبَل مطلقاً، ولكن فيه تفصيل: فإذا علم أنَّ الذي تكلّم في أخيه بنفَس وغضب وانتصار لنفسه، ففي هذه الحالة لا يقبل قوله، ولكن كيف نعرف هذا؟ إذا رأينا الأئمة المعتدلين قد وثّقوه، وظهرت قرائن تدل على شيء من ذلك، علمنا أن ذلك مما للنفس فيه نصيب، مثال ذلك كلام ابن إسحاق، لما قال: هاتوا لي علم مالك فأنا بيطاره، فقال الإمام مالك: دجال من الدجاجلة(٢)، هذه كلمة ما تقال إلّا في الكذابين أهل الافتراء والاختلاق والوضع، فقالها في رجل صدوق عالم مشهور، وإن لم يكن في الحديث بتلك المنزلة التي هي كمنزلة غيره من (١) انظر (تدريب الراوي)) (٢٠٠/٢) باب التعارض وكلام السيوطي عليه. (٢) انظر ((الثقات)) لابن حبان (٣٨٠/٧ - ٣٨١) و((ميزان الاعتدال)) (٤٦٩/٣) و((سير أعلام النبلاء)» (٤٠/٧ - ٤١) ونص ابن حبان قال - رحمه الله -: (( ... لم يكن بالحجاز أحد أعلم بأنساب الناس وأيامهم من محمد بن إسحاق وكان يزعم أنَّ مالكاً موالي ذي أصبح وكان مالك يزعم أنّه من أنفسهم، فوقع بينهما لهذا مفاوضة فلما صنف مالك الموطأ قال ابن إسحاق: ائتوني به فإني بيطاره فنقل ذلك إلى مالك فقال: هذا دجال من الدجاجلة يروي عن اليهود وكان بينهم ما يكون بين الناس حتى عزم محمد بن إسحاق على الخروج إلى العراق فتصالحا حينئذ فأعطاه مالك عند الوداع خمسين ديناراً، نصف ثمرته تلك السنة ... إلخ. اهـ. قلت: وكلام مالك - رحمه الله - في ابن إسحاق لا يقصد به الحكم إنَّما خرج منه فلتة لسان عند سورة غضب كما نبه على ذلك الشيخ المعلمي - رحمه الله - في ((تنكيله)) (ص: ٢٥٤) والله أعلم. ١٩٥ الكبار، ففي هذه الحالة لم يأخذ النقاد بكلام مالك، كذلك مُطَيَّن وهو محمد بن عبدالله الحضرمي، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، كل منهما قد تكلّم في الآخر، حتى قال فيه مطين: عصا موسى تلقف ما يأفكون، وتكلّم فيه بشدة(١)، فالعلماء في هذه الحالة لا يقبلون كلام الأقران في بعضهم إذا لاحت لوائح الغضب والانتصار للنفس، التي قد لا يسلم منها أحد، لكن إذا لم يكن هناك قرينة لهذا، قُبل كلام القرين في قرينه، فإن من أقوى وجوه الكلام في الرواة، كلام المعاصر في المعاصر له، وكلام البلديّ في بلديِّه فنحن نقدم كلام أبي حاتم الرازي وكلام أبي زرعة الرازي وكلام محمد بن مسلم بن وارة الرازي، في محمد بن حميد الرازي على كلام غيرهم، لأنهم ثلاثة علماء رازيون من كبار علماء تلك الجهات يحكمون عليه بأنّه كذاب، فقدمنا كلام هؤلاء على كلام فلان وفلان، الذين حسَّنوا من حاله، والذين مشَّوْه؛ لأنَّ بلديَّ الرجل أعرف بصاحبه (٢)، ولو أطلقنا قاعدة كلام الأقران وكلام المتعاصرين وكلام المتقاربين لا يقبل كلامهم في بعضهم، أسقطنا كثيراً من هذه المواضع، والعلم عند الله - تعالى -. (١) قال الذهبي - رحمه الله - في ((ميزان الاعتدال)) (٦٠٧/٣) ترجمة محمد بن عبدالله بن سليمان الحضرمي: الحافظ مطين محدث الكوفة حط عليه محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وحط هو على ابن أبي شيبة، وآل أمرهما إلى القطيعة ولا يعتد بحمد الله بكثير من كلام الأقران بعضهم في بعض، وفي ترجمة محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال الذهبي، وقال مطين: هو عصا موسى تلقف ما يأفكون. اهـ. قال الذهبي: وذكر أبو نعيم الجرجاني فصلًا طويلًا إلى أن قال: فظهر إليّ أن الصواب الإمساك عن القبول من كل واحد منهما في صاحبه، قال: مطين وثّقه الناس وما أصغوا إلى ابن أبي شيبة. اهـ وانظر ((تذكرة الحفاظ)) (٦٦٢/٢) وللمؤلف - حفظه الله تعالى - تفصيل طيب في قولهم: فلان عصا موسى تلقف ما يأفكون، فانظره في ((شفاء العليل)) (ص: ٢٥٦). (٢) أقول: والراوي الذي يطعن فيه أهل بلده قد لا يزيده ثناء الغرباء عليه إلّا وهناً لأنَّ ذلك يشعر بأنّه كان يتعمد التخليط فتزين لبعض الغرباء واستقبله بأحاديث مستقيمة فظن أن ذلك شأنه مطلقاً فأثنى عليه، وعرف أهل بلده حقيقة حاله وجرحوه لذلك، وقد نبه على ذلك العلامة المعلمي - رحمه الله - في ((تنكيله)) (ص: ٧٦٣). ١٩٦ س ٦٧: إذا جرح مبتدع مبتدعاً آخر، فهل يقبل منه أم لا؟ ج ٦٧: إذا كانت البدعتان متنافرتين، كالنصب والرفض - مثلاً -، فلا يُقبل إلّا بشروط(١)، منها رسوخ المتكلّم في هذا العلم، ولا يكون كلامه في مخالفه من أجل بدعته، وعلى كل حال فالحمد لله أنّ أكثر المتكلمين في الرواة هم أهل السنة، وهم أهل علم وفضل، وأهل عبادة وفهم، فلا نحتاج كثيراً ولله الحمد إلى أقوال أهل البدع. س ٦٨: الجوزجاني صاحب ((أحوال الرجال))(٢) هل صحّ الكلام فيه بأنَّه يتحامل في الكلام على الشيعة؟ ج ٦٨: قد تتبعت هذا في ((أحوال الرجال)) وما رأيته ضعف شيعياً في الحديث، قد وثقه الأئمة بسبب تشيعه، نعم هو يصفه من جهة البدعة أنّه (١) قلت: يتوقف في قبول الجرح إذا خشي أن يكون باعثه الاختلاف في الاعتقاد، وقد نصّ على ذلك الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان)) (١٦/١) وذكر فيه عدداً من الأئمة جرحوا أناساً بسبب الاختلاف العقائدي ومنهم على سبيل المثال: عبدالرحمن بن خراش المحدث الحافظ، فإنّه من غلاة الشيعة بل نسب إلى الرفض فيتأنّى في جرحه لأهل الشام للعداوة البينة في الاعتقاد، والله أعلم. (٢) هو الإمام الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السَّعديُّ الجوزجاني أحدُ الأئمة في الجرح والتعديل نسبته إلى جوزجان (بضم الجيم الأول وزاي وجيم). قال السمعاني: هذه النسبة إلى مدينة بخرسان مما يلي بلخ، يقال لها: الجوزجانان، والنسبة إليها جوزجاني. قال أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال: إبراهيم بن يعقوب جليل جداً كان أحمد بن حنبل يكاتبه ويكرمه إكراماً شديداً و .. إلخ. وقال ابن حبان: كان صلباً في السنة، حافظاً للحديث، إلّا أنّه من صلابته ربّما كان يتعدى طوره، وقال ابن عدي في ترجمة إسماعيل بن أبان الوراق: سكن دمشق، فكان يحدث على المنبر ويكاتبه أحمد بن حنبل، فيتقوى بذلك، ويقرأ كتابه على المنبر وقال ابن عدي: وأما الصدق فهو صدوق في الراوية. اهـ. وتراجع ترجمته في (تهذيب الكمال)) (٢٤٤/٢ - ٢٤٩) وانظر كذلك مقدمة ((أحوال الرجال)) للشيخ صبحي البدري السامرائي. ١٩٧ ((زائغ)) و((مائل)) و((جائر))، ويصفُه بهذه الأوصاف الشديدة، إلّا أنّه يوثقه في الراوية (١) فيُحمل كلام العلماء على الجوزجاني في كلامه في أهل الكوفة والمتشيعة على أنّه يتكلّم فيهم بشدة من جهة البدعة، وقد يكون محقاً في بعض المواضع، وقد لا نسلّم له بكلامه الشديد على العلماء المشاهير، فإنَّه يتكلّم في الأعمش وفي أبي إسحاق السبيعي لمجرد وجود شيء من التشيع، لكن كلامه في بعض المتشيعة المتعصبة المقلدة الذين يقولون مقالات شنيعة، كلامه فيهم وطحنه لهم من جهة البدعة، ما أرى عليه غباراً، ثم إنّه ينصفهم في الراوية والحديث، فلا يقال: ((إنّه متشدد، ولا يقبل كلامه في الشيعة)) بإطلاق والله أعلم(٢). س ٦٩: الإمام أحمد والبرديجي وغيرهما يطلقون كلمة: ((منكر الحديث)) على الحديث الفرد، فلو أطلق الإمام أحمد أو البرديجي على راوٍ بأنَّه ((منكر الحديث)) فهل يُعدّ جرحاً؟ ج ٦٩: الإمام أحمد وأبو بكر البرديجي ويحيى بن سعيد القطان وأبو داود والنسائي ودحيم كما سبق أن ذكرت في ((شفاء العليل)) قد يذكرون النكارة بمعنى التفرد(٣)، وليسوا دائماً يذكرونها بمعنى التفرد، خلافاً للتهانوي - رحمه الله - الذي أطلق، وقال: إن المتقدمين كثيراً ما يقولون: (١) قد تقدم معنا في السؤال رقم (٨) لتنظر في حط الجوزجاني على الشيعة واتضح أنَّه لا يجاوز الحد وليس فيه ما يسوغ اتهامه بتعمد الحكم بالباطل، وقد نقلت للقارىء الكريم كلام علامة اليمن الشيخ عبدالرحمن بن يحيى المعلمي - رحمه الله - فليراجع، والله أعلم. (٢) أقول: وممن ذكر ذلك عن الجوزجان - رحمه الله -: الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((لسان الميزان)) قال: إنَّ الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب وذلك لشدة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيع فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذلقة وعبارة طلقة حتى أنّه أخذ يلين مثل الأعمش وأبي نعيم وعبيدالله بن موسى وأساطين الحديث وأركان الراوية ... إلخ (١٦/١). (٣) انظر في ((الشفاء)) باب ذكر المصطلحات الخاصة (ج٣١٠/١ - ٣١١). ١٩٨ (منكر))، ويعنون به: أن الراوي تفرد بالراوية(١). هذا كلام غير صحيح، ولك أن تنظر في كتاب ((العلل ومعرفة الرجال)» للإمام أحمد - رحمه الله - فإنّك تجد كثيراً من إطلاقه النكارة على الضعف في الرواة (٢)، والإمام البخاري يطلقها على الجرح الشديد(٣)، وأبو حاتم يقولها على سبيل الجرح(٤)، بل منهم من يطلقها على الحديث الموضوع(٥)، فعلى كل حال إذا ظهر أنَّ المقصود بالنكارة التفرد عُمِل به، وإلّا فالأصل في إطلاق النكارة الجرح، والله أعلم. س ٧٠: هل تقبل مراسيل الصحابة الذين مات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهم قبل التمييز؟ (١) عبارة التهانوي في ((قواعد في علوم الحديث)) (ص: ٢٥٩) قال: فرق بين قول المتأخرين: هذا حديث منكر وبين قول المتقدمين ذلك فإنَّ المتأخرين يطلقونه على رواية راوٍ ضعيف خالف الثقات، والقدماء كثيراً ما يطلقونه على مجرد ما تفرد راويه، وإن كان من الثقات فيكون حديثه صحيحاً غريباً ... إلخ اهـ. (٢) جاء في ((العلل)) و((معرفة الرجال)) (١ / رقم ٨١٥) سمعت أبي يقول: مغيرة بن زياد مضطرب الأحاديث منكرة وكذا في ((الكامل)) ترجمة أبان بن أبي عياش، قال أبو طالب: سمعت أحمد يقول: لا يكتب عن أبان، قلت: أبان كان له هوى؟ قال: ((منكر الحديث)) (٣٧٣/١). (٣) جاء في ((ميزان الاعتدال)) ترجمة أبان بن جبلة الكوفي: قال البخاري: منكر الحديث، قال الذهبي: ونقل ابن القطان أنَّ البخاري قال: كل من قلت فيه: منكر الحديث، فلا تحل الراوية عنه (٦/١). (٤) من أمثلة ذلك ما جاء في ((الجرح والتعديل)) ترجمة مروان بن سالم الغفار قال فيه: ((منكر الحديث جداً ضعيف الحديث ليس له حديث قائم، فقال عبدالرحمن قلت: يترك حديثه؟ قال: لا بل يكتب حديثه)) (٢٣/٥) وانظر أيضاً في (٢٢٨/٧) (٢٣/٨، ٢٦، ٣٩٥) من المصدر نفسه، والله أعلم. (٥) قلت: وقد ذكر ذلك الشيخ عبدالفتاح أبو غدة في حاشية ((الرفع والتكميل)) (٢١١) قال: ويطلقون: (حديث منكر) على الحديث الموضوع الكذب المفترى يشيرون بذلك إلى نكارة معناه مع ضعف إسناده وبطلان ثبوته، وقد ذكرت بعض أمثلته وشواهده، وأشرت إلى أكثر من ثلاثين نصاً جاء فيها ذلك في (ص: ٢٠) من مقدمتي لكتاب ((المصنوع في معرفة الحديث الموضوع)) للعلامة علي القاري في طبعته الثانية فارجع إليها ... إلخ اهـ. ١٩٩ ج ٧٠: من المعلوم أنَّ من شروط صحة الراوية، أن يثبت أنَّ التلميذ قد أخذ عن شيخه، وأدركه إدراكاً بيِّناً، وتحمّل عنه، وأمَّا الذين ولدوا في عهده صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد تكلّم عنهم الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في أوائل كتاب ((الإصابة)) في (ص: ٥ - ٦) في القسم الثاني، فيمن ذُكِرَ من الصحابة: الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لبعض الصحابة من الرجال والنساء، ممن مات صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهم دون سن التمييز، - وبيَّن رحمه الله - أَنَّ ذِكْرَهُم في الصحابة، إنما هو على سبيل الإلحاق؛ لغلبة الظن على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رآهم، لتوفر دواعي أصحابه على إحضار أولادهم عنده عند ولادتهم، إلى غير ذلك، وفي النهاية قال الحافظ: لكن أحاديث هؤلاء عنه من قبيل المراسيل عند المحققين من أهل العلم بالحديث، قال: ولذلك أفردتهم عن أهل القسم الأول، فالذين أدركوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو رآهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سن لا يستطيعون التحمل فيه، فأحاديثهم من قبيل المرسل، وإن ذُكِروا في الصحابة؛ فمن باب شرف الرؤية؛ لا أن روايتهم متصلة، والله أعلم(١). (١) كمحمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه له رؤية، وقد حكم العلماء على روايته بالإرسال، لأن أكثر رواية هذا وشبهه عن التابعي بخلاف الصحابي الذي أدرك وسمع. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ((فتح الباري)) (٦/٧) كتاب فضائل الصحابة حديث رقم (٣٦٥١) ... فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصديق وإنما ولد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بثلاثة أشهر وأيام، كما ثبت في الصحيح أن أمه أسماء بنت عميس ولدته في حجة الوداع قبل أن يدخلوا مكة وذلك في أواخر ذي القعدة سنة عشر من الهجرة ومع ذلك فأحاديث هذا الضرب مراسيل والخلاف الجاري بين الجمهور وبين أبي إسحاق الإسفرايني ومن وافقه في رد المراسيل حتى مراسيل الصحابة لا يجري في أحاديث هؤلاء لأن أحاديثهم لا من قبيل مراسيل كبار التابعين ولا من قبيل مراسيل الصحابة الذين سمعوا من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهذا مما يلغز به فيقال: صحابي حديثه مرسل لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة. اهـ. ٢٠٠