Indexed OCR Text
Pages 101-120
((ولكن أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن القطّان!)) (١) والذي قال في وكيع: ((أما كان لك عقل حين حدّثت بهذا الحديث المنكر)) الذي رواه في وفاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والذي كادت أن تذهب نفسه بسببه(٢)، الشاهد من هذا أنّه رحمه الله مع شدّة لسانه، وجرأته على وقد بدت منه هفوة ثم تاب منها وهذا أبو عبدالله البخاري - وناهيك به - قد شحن = صحيحه بحديث علي بن المديني، وقال: ما استصغرتُ نفسي بين يدي أحدٍ إلّا بين يدي علي بن المديني، ولو تركت حديث علي، وصاحبه محمد، وشيخه عبدالرزّاق، وعثمان بن أبي شيبة، وإبراهيم بن سعد، وعفّان، وأبان العطار، وإسرائيل، وأزهر السمان، وبهز بن أسد، وثابت البناني، وجرير بن عبدالحميد، لغلقنا الباب، وانقطع الخطاب ولماتت السُّنن، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجّال، أفما لك عقل يا عقيلي أتدري فيمن تتكلّم، وإنّما تبعناك في ذكر هذا النمط، لنذبّ عنهم ولنزيف ما قيل فيهم كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يرتاب فيه محدِّث، وأنا أشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه، بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له وأكمل لرتبته، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر وضبطه دون أقرانه، لأشياء ما عرفوها، اللهم إلّا أن يتبين غلطه ووهمه في الشيء فيعرف ذلك فانظر أول الشيء إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الكبار والصغار، ما فيهم أحد إلّا وقد انفرد بسُنَّة، فيقال له: هذا الحديث لا يتابع عليه، وكذلك التابعون، كلُّ واحد عنده ما ليس عند الآخر من العلم، وما الغرض هذا؟! فإنَّ هذا مقرر على ما ينبغي في علم الحديث ... إلخ اهـ. (١) جاء في ((السير)) (٣٥/٦ - ٣٦)، و((الميزان)) (٨٥/٧ - ٨٦) ترجمة هشام بن عروة، وقد سبق ذكر نص كلامه - رحمه الله - من الموضعين كما في حاشية السؤال رقم (١٠). (٢) جاء في ((السير)) (١٥٩/٩ - ١٦٥) قال الذهبي: قال علي بن خشرم: ثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبدالله البهي: أنَّ أبا بكر الصدِّيق جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد وفاته فأكبّ عليه فقبّله، وقال: ((بأبي وأمي، ما أطيب حياتك وميتتك))، ثم قال البهي: ((وكان ترك يوماً وليلة حتى ربا بطنه، وانثنتْ خِنصراهُ))، قال الذهبي: فهذه زلة عالِم، فما لوكيع ولرواية هذا الخبر المنكر المنقطع الإسناد! كادت نفسه أن تذهب غلطاً ... قال ابن خشرم: فلمّا حدث وكيع بهذا بمكة اجتمعت قريش وأرادوا صلب وكيع، ونصبوا خشبةً لصلبه، فجاء سفيان بن عيينة، فقال لهم: الله الله! هذا فقيهُ أهل العراق، وابنُ فقيهه، وهذا حديث معروف قال سفيان: ولم أكن سمعته، = ١٠١ العلماء، رأيناه ضعيفاً مستضعفاً أمام ((الجامع الصحيح)). وكنت قد تكلّمت مع شيخنا الألباني - حفظه الله تعالى - في مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في موسم الحج سنة ١٤١٠هـ في هذه المسألة، وكان مناصراً لقول من يجيز النظر في أسانيد ((الصحيحين)) أو أحدهما، وإن لم يُسبق من العلماء السابقين، واستدل بأنَّ عدم عِلْمِنا بأن هذا الحديث منتقد هو جهل منّا بذلك، وأن عِلْمَنا بأن أبا حاتم - رحمه الله - مثلًا قد ضعف أحد رواة السند، هو علم منّا، فيقدم العِلْمُ على الجهل، ويضعف الحديث وإن كان في «الصحيحين»، أو أحدهما. والجواب على ذلك: وقد ذكرته لفضيلته آنذاك: أنَّ هناك فرقاً بين تضعيف الراوي، وتضعيف المتن، فلا يلزم من تضعيف إمام من الأئمة لأحد رواة السند، أن يضعف الحديث، وقد سبق ذكر بعض الأسباب التي بوجودها يخرج صاحب ((الصحيح)) لمن تُكُلِّم فيه، ولا شك أن تضعيف أبي حاتم - مثلاً - قد اطّلع عليه الحفّاظ؛ لأنّه لا يفوت الحفّاظ كلهم، نعم قد يفوت بعضهم أمّا كلَّهم؛ فلا، ومع ذلك لم يضعفوا هذا الحديث بعينه، فما وسعهم يسعنا . فإن قيل: ما هو الحد الزمني الذي يُقبل قبله قول الناقد وبعده لا يقبل؟ فالجواب: أنَّ ذلك ليس له حدٌّ محدود، إنّما هو راجع إلى زمن وقوع التلقي للكتابين بالقبول، فمنذ ذاك الزمن وبعد اشتهار الكتابين، ووسمهما بالصحة، وعدم اعتراض الحفّاظ على ذلك إلّا في أحرف يسيرة، ثم يأتي جيل وراء آخر مع توفر الدواعي للكلام وللنقل أيضاً، ولو وقع كلام لنقل لنا خلال مئات السنين الخالية بعد الحفّاظ المنتقدين على إلّا أنْي أردت تخليص وكيع ... ثم قال الذهبي في وكيع ... أفما لك عقل وورع، أما = سمعت قول الإمام عليٍّ: حدّثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله ... إلخ. ١٠٢ الكتابين، ولو طُلِب من المخالف أن يأتي بحافظ تكلّم في الكتابين أو أحدهما والمتكلّم من أهل الشأن في الكلام على العلل منذ سبعمائة سنة فيما أذكره الآن لما ظفر بذلك فيما أعلم والله أعلم، أفبعد هذه المئات من السنين، نرى من يأتي لما لم يسبق إليه وينفرد بالكلام على أحاديث في ((الصحيحين)) أو أحدهما؟! فتلقي الأمة بالقبول أقوى في النفس من متابعة سيء الحفظ أو نحوه. فأسأل الله - سبحانه وتعالى - أن ينفعنا بكتب السنة، وأن يجعلنا من الذين يدافعون عنها، ومن الذين يحافظون عليها. س ١٥ : بعض أهل العلم يقولون: إنَّ عنعنة المدلِس لا تضر إذا كان من الطبقة الأولى والثانية، أمّا إذا كان من الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة، فتضر نرجو توضيح ذلك. ج ١٥: المقصود بهذا التقسيم الذي في ((طبقات المدلْسين)) للحافظ ابن حجر - رحمه الله - وقوله: إنَّ أهل الطبقة الأولى ما دلّسوا إلّا قليلاً جداً(١). والثانية: لأنَّ تدليسهم ينغمر في سعة ما رووا(٢)، هذا اجتهاد من الحافظ ابن حجر. (١) قال الحافظ ابن حجر في ((تعريف أهل التقديس)) (ص: ٦٢): وهم على خمس مراتب : الأولى: من لا يوصف بذلك إلّا نادراً جداً، كيحيى بن سعيد الأنصاري، وبنحوه في ((النكت)) (٦٣٦/٢ - ٦٣٧) وزاد فقال وغالب رواياتهم مصرحة بالسماع والغالب إطلاق من أطلق ذلك عليهم فيه تجوز من الإرسال إلى التدليس ومنهم من يطلق ذلك بناء على الظن ويكون التحقيق بخلافه ... إلخ. اهـ. (٢) قال الحافظ ابن حجر: الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه، وأخرجوا له في ((الصحيح)) وذلك لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى كالثوري، أو كان لا يدلِّس إلّا عن ثقة كابن عيينة. اهـ، من ((تعريف أهل التقديس)) (ص: ٦٢) وبنحوه في ((النكت)) (٦٣٨/٢)، وكذا في ((جامع التحصيل)) للعلائي (ص: ١٣٣). ١٠٣ والثالثة، والرابعة لا يحتجّ بعنعنة أهلهما إلّا إذا صرّحوا بالسماع(١). والخامسة: أهل الضعف والتدليس، فإن صرّحوا بالسماع بقيت علّة الضعف، وذكر فيهم ابن لهيعة (٢). وهذا التقسيم هو اجتهاد من الحافظ ابن حجر رحمه الله، وأنا أعمل به، ولكن قد يكون هناك بعض الرواة أدخلهم في الثانية، ويستحقون الثالثة، وبالعكس(٣)، والأمر سهل، ولهذا الأمر مزيد تفصيل سيأتي - إن شاء الله (١) قال الحافظ ابن حجر: الثالثة: من أكثر من التدليس، فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلّا بما صرّحوا فيه بالسماع ومنهم من ردّ حديثهم مطلقاً ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي. اهـ، من «تعريف أهل التقديس)) (ص: ٦٣) وبنحوه في ((النكت)) (٦٤٠/٢). أمّا العلائي فقد قال في ((جامع التحصيل)) (ص: ١١٣): وثالثها: من توقف فيهم جماعة فلم يحتجّوا بهم إلّا بما صرّحوا فيه بالسماع، وقبلهم آخرون مطلقاً كالطبقة التي قبلها لأحد الأسباب المتقدمة كالحسن وقتادة ... إلخ. والرابعة: قال الحافظ في ((تعريف أهل التقديس)) (ص: ٦٣) من اتّفق على أنّه لا يحتج بشيء من حديثهم إلّا بما صرّحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل كبقية بن الوليد اهـ وبنحوه قال العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص: ١١٣). (٢) الخامسة: قال الحافظ: من ضعف بأمر آخر سوى التدليس، فحديثهم مردود، ولو صرّحوا بالسماع إلّا إن توبع من كان ضعفه منهم يسيراً، كابن لهيعة اهـ من ((تعريف أهل التقديس)) (ص: ٦٣) وفي ((جامع التحصيل)) للعلائي (ص: ١١٣) وخامسها من قد ضُعِف بأمر آخر غير التدليس، فرَدُّ حديثهم به (يعني: التدليس) لا وجه له، إذ لو صرّح بالتحديث لم يكن محتجّاً به كأبي جناب الكلبي وأبي سعد البقّال، ونحوهما فليُعلم ذلك. اهـ. (٣) ومن الأمثلة على ذلك: حبيب بن أبي ثابت الكوفي ذكره الحافظ في طبقات المدلسين في الطبقة الثانية، وفي ((النكت)) جعله من أهل الثالثة، وكذا حميد الطويل. بل قد يذكر الحافظ الرجل في الطبقات ويجعله في ((الطبقة)) الأولى ويكون في ((النّكْت)) من أهل الطبقة الرابعة كما في محمد بن يزيد بن خنيس العابد، وكذا في سلمة بن تمام الشقري، وشبال الضي، وقد تكرر منه ذلك - رحمه الله - في غالب الطبقات وقد يُستغرب هذا التصرف من الحافظ - رحمه الله - وذلك لأنّ القواعد التي وضعها لترتيب وتصنيف هؤلاء المدلسين واحدة ومتفقة بين الكتابين، وقد يعتذر عن الحافظ بما اعتذر به الشيخ العلامة ربيع بن هادي - حفظه الله تعالى - من أن الحافظ لما رتب المدلسين = ١٠٤ تعالى _ (١). (١) س ١٦: ما هو التعريف الصحيح الشامل للاضطراب؟ ج ١٦: الاضطراب: هو الاختلاف(٢) والحديث المضطرب: هو الحديث الذي يختلف فيه الرواة اختلافات متساوية، أو متقاربة، أو متعارضة، أو متقاومة، أو متكافئة، ويتعذّر الجمع بين هذه الوجوه، أو بين .(٣) هذين الوجهين . فالاضطراب الموجب للإطراح، هو اختلاف متكافئ، مع تعذر الجمع، وكلمة متكافئ هنا، معناها أن الاختلاف متقارب، ومتقاوم أن المختلفين في رتبة واحدة في الجملة، لا تستطيع أن ترجح أحدهما على الآخر، ويتعذر الجمع كأن يكون أحد شيخي المختلَف عليه ثقة، والآخر ضعيفاً، أمّا إذا كان المختلَف عليه مكثراً رحّالًا، فيحمل على الوجهين (٤). في كتابه ((النكت)) اعتمد على حفظه فوهم بوضع بعض الأشخاص في غير موضعهم، = والله أعلم، انظر حاشية ((النكت)) (٦٤٤/٢). (١) ارجع إليه في السؤال رقم (٨٤). (٢) المضطرِب: بكسر الراء اسم فاعل من الاضطراب، وهو اختلال الأمر وفساد نظامه وأصله اضطرب الموج لكثرة حركته وضرب بعضه بعضاً، انظر حاشية (توضيح الأفكار)) (٣٤/٢). (٣) المضطرب ((اصطلاحاً)) هو: الحديث الذي يروى على أوجه مختلفة متساوية ولا مرجِّح بينها ولا يمكن الجمع، انظر ((علوم الحديث)) (ص: ٩٣ - ٩٤) و((التبصرة والتذكرة)) (١١٣/١). (٤) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((النكت)) (٧٨٢/٢ - ٧٨٣). وأمّا النوع الرابع: وهو الاختلاف في السند فلا يخلو إمّا أن يكون الرجلان ثقتين أم لا، فإن كانا ثقتين، فلا يضر الاختلاف عند الأكثر لقيام الحجة بكل منهما، فكيفما دار الإسناد كان عن ثقة وربّما احتمل أن يكون الراوي سمعه منهما جميعاً، وقد وجد ذلك في كثير من الحديث، لكن ذلك يقوى حيث يكون الراوي ممن له اعتناء بالطلب وتكثير الطرق . ومن أمثلة ذلك: حديث أبي هريرة في المهجر إلى الجمعة (رواه يونس ومعمر، وابن أبي ذئب، عن الزهري عن الأغر). ورواه ابن عيينة عن الزهري عن سعيد. ١٠٥ = وبعض العلماء يسمي أي اختلاف اضطراباً، حتى قال بعضهم: حديث صحيح مضطرب، بمعنى: حديث صحيح فيه اختلاف لا يضر (١)، والاضطراب أغمض وأدق من الشذوذ. فيسهل على الطالب أن يحكم على الحديث بالشذوذ، ويصعب عليه أن يحكم على الحديث بالاضطراب؛ لأنَّ الحكم بالتكافؤ وتعذر الجمع فيه غموض، ولا يقدر عليه إلّا الحفاظ أهل العلم الراسخون في هذا الشأن، والله أعلم. س ١٧ : ما هو تعريف الحديث الصحيح؟ ج ١٧: التعريف الشائع في الحديث الصحيح، كما يقول ابن الصلاح: ((هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً ولا معلًا))(٢)، فكلمة: ((المسند)) تعتبر ورواه يزيد بن الهاد عن الزهري، عن الأغر، وأبي سلمة، وسعيد، كلّهم عن أبي هريرة = - رضي الله عنه -. فتبين صحة كل الأقوال فإن الزهري كان ينشط تارة، فيذكر جميع شيوخه وتارة يقتصر على بعضهم، ثم ذكر الحافظ - رحمه الله - مثالًا آخر. أقول: ومن الأمثلة - أيضاً - على ذلك ما سبق في التعليق على السؤال رقم (٢)، والله أعلم. (١) أقول: وقد عرف هذا عن الإمام الترمذي - رحمه الله تعالى - فقد يطلق الاضطراب، فيقول: ((هذا حديث مضطرب)) للحديث الذي اختلف رواته مع وجود المرجّح بين الراويات، أو إمكان الجمع فيحكم على الحديث بالاضطراب، ثم يبين رجحان بعض وجوهه، وانظر بعض الأمثلة على ذلك في كتاب الموازنة لنور الدين عتر (ص: ١٨٦ - ١٨٧)، وهذا النوع لا يأخذ حكم الاضطراب الموجب للاطراح فقد قال ابن الصلاح - رحمه الله - في ((مقدمته)) (ص: ٩٤): أمّا إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى بأن يكون راويها أحفظ وأكثر صحبة للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة ولا يطلق عليه - حينئذ - وصف المضطرب، ولا له حکمه)). اهـ. وسيأتي ذلك - أيضاً - في السؤال رقم (١٢٧) - إن شاء الله تعالى -. (٢) انظر ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص: ٨٢). ١٠٦ حشواً، ولا حاجة لها؛ لأنّه إذا كان يعني بالمسند أي المتّصل، فقد ذكر الاتّصال في قوله: هو الحديث المسند الذي يتّصل إسناده ... إلخ، وإذا كان يعني بالمسند المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فينقضه قوله: ((إلى منتهاه)) لأنَّ معناه: حيث ينتهي السند، سواء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو إلى من دونه، والتعريف الذي يُرتضى هو: الحديث الذي يتّصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط، أو عن مثله، إلى منتهاه، ولا يكون معلّلًا، أما زيادة ((الشذوذ))، فإن قيل: إنَّ الشذوذ من جملة العلل الخفية، فلا حاجة إلى إفراده بالتعريف بقيد مستقل، وإلّا لزمنا أن نقول ولا يكون مضطرباً ولا مدرجاً، ولا كذا، ولا كذا، فالاضطراب، والإدراج، والشذوذ من جملة العلل القادحة، فلماذا خصّوا نوع الشذوذ من جملة الأحاديث المعلة، وذكروه في تعريف الحديث الصحيح؟ فالجواب أن هذه مسألة تحتاج إلى بحث، ثم ظهر لي بتوفيق الله عزّ وجلّ صحّة ثبوت نفي الشذوذ في التعريف، خلافاً للفقهاء، والأصوليين، الذين لا يعدّون مخالفة المقبول لمن هو أوثق منه علّة قادحة، والقدح بذلك مذهب المحدّثين، وسيأتي تفصيل لذلك فيما بعد - إن شاء الله تعالى -، وقد حررت ذلك تفقهاً مني، ثم وقفت بعد على كلام الحافظ، فالحمد لله رب العالمين(١). فعلى هذا: فتعريف الحديث الصحيح هو: ((الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط، أو عن مثله إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً (١) قال الحافظ ابن حجر : - رحمه الله تعالى - في ((النكت)) (٦٥٤/٢): ويمكن أن يجاب عنه بأنَّ اشتراط نفي الشذوذ في شرط الصحة إنّما يقوله المحدّثون، وهم القائلون بترجيح رواية الأحفظ إذا تعارض الوصل والإرسال، والفقهاء وأهل الأصول لا يقولون بذلك ... إلخ وفي ((فتح المغيث)) (١٣/١) قال السخاوي - رحمه الله - ومن المسائل المختلف فيها بين المحدثين والفقهاء ما إذا أثبت الراوي عن شيخه شيئاً فنفاه من هو أحفظ أو أكثر عدداً، أو أكثر ملازمة منه فإنَّ الفقيه والأصولي يقولان: المثبت مقدم على النافي فيقبل، والمحدثون يسمونه شاذاً؛ لأنَّهم فسّروا الشذوذ المشترط نفيه هنا بمخالفة الراوي في روايته من هو أرجح منه عند تعسر الجمع بين الراويتين. اهـ. ١٠٧ ولا معلّلًا))(١). وبعضهم يقول: لماذا نقول: بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط، والعدل الضابط هو الثقة . لماذا لا نقول: هو الحديث الذي يتّصل إسناده بنقل الثقة عن الثقة، أو عن مثله؟ (٢) فأقول: إنَّ كلمة ((العدل الضابط)) لا بدّ منها؛ لأنَّ تعريف الثقة عند العلماء، يختلف فيه، فقد علمنا تعريف الثقة عند ابن حبّان - رحمه الله تعالى _ (٣) فلا بد أن يُنَصَّ على أنّه ضابط أيضاً، وكما ذكر الحافظ الذهبي أنَّ المتأخرين قد توسعوا في كلمة: ((ثقة)) وأصبحوا يطلقون كلمة ((ثقة)) على من صح سماعه من شيخه، وإن كان سيء الحفظ، أو كان مغفلًا، أو كان لا يفهم شيئاً من علم الحديث، فإذا صحّ سماعه من شيخه، وأنّه لا يكذب ولا يقول: حدّثني فلان، وهو لم يحدّثه، أصبحوا يطلقون عليه كلمة: ((ثقة)) فتراهم يقولون: ((فلان ثقة لا يدري ما الحديث)) أي: ثقة في دينه(٤) وفي (١) انظر اصطلاح الحافظ ابن حجر للصحيح في ((النزهة)) (ص: ٨٢). (٢) قال السيوطي في ((التدريب)) (٦١/١): قيل: كان الأفضل أن يقول بنقل الثقة؛ لأنَّه من جمع العدالة والضبط، والتعاريف تصان عن الإسهاب اهـ وعليه من الاعتراضات ما سيذكره المؤلف - حفظه الله تعالى -. (٣) انظر ((الثقات)) لابن حبان (١٣/١) و((لسان الميزان)) (١٤/١) وقد سبق تفصيل ذلك والله أعلم . (٤) في ((سير أعلام النبلاء)) ترجمة ابن خلّاد الشيخ الصدوق المحدّث أحمد بن يوسف بن خلّاد النصيبي: ((قال الخطيب: كان لا يعرف شيئاً من العلم غير أن سماعه صحيح، وقال أبو نعيم: كان ثقة وكذا وثّقه أبو الفتح بن أبي الفوارس وقال: لم يكن يعرف من الحديث شيئاً، قال الذهبي - رحمه الله - قلت: فمِن هذا الوقت بل وقبله صار الحفّاظ يطلقون هذه اللفظة على الشيخ الذي سماعه صحيح بقراءة متقن وإثبات عدل وترخصوا في تسميته بالثقة، وإنّما الثقة في عرف أئمة النقد كانت تقع على العدل في نفسه المتقن لما حمله، الضابط لما نقل، وله فهم ومعرفة بالفن فتوسع المتأخرون. اهـ (٧٠/١٦). هذا ومما يدل على قول الذهبي - رحمه الله - ما قاله العلّامة المعلمي اليماني في كتابه ((التنكيل)) (ص: ٢٥٩) قال: فأمَّا استعمال كلمة ((ثقة)) على ما هو دون معناها المشهور = ١٠٨ سماعه، ولَمّا كانت كلمة: ((الثقة)) تطلق على الثقة في الدين والعدالة، كان لا بد من التنصيص على العدالة والضبط في التعريف، والله أعلم. س ١٨ : ما الفرق بين الشذوذ وزيادة الثقة؟ ج ١٨: الشذوذ: ((مخالفة المقبول لمن هو أوثق منه))(١) وأمّا زيادة الثقة، فإذا كان الذي روى الزيادة مساوياً، أو مقارباً، أو أعلى من الذي لم يروها في الوصف من ناحية الحفظ والضبط، وفي العدد من ناحية الكثرة والقلّة، كانت الزيادة مقبولة، فإذا اختلف على الزهري: اثنان من تلامذته رويا الحديث عنه بزيادة، واثنان رويا الحديث بدون هذه الزيادة، وكلا الفريقين سواء في العدد والوصف، ففي هذه الحالة نقول: زيادة ثقة، وهي كالحديث المستقل، لأنَّك لا تستطيع أن توهّم أحدهما من أجل أنّ مثله روى بخلافه؟ أما إذا كان راوي الناقصة أعلى منه أو أكثر عدداً فتكون الزيادة شاذة (٢)، هذا من حيث التقعيد في الجملة. فيدل عليه مع ما تقدم أن جماعة يجمعون بينها وبين التضعيف، قال أبو زرعة في = عمر بن عطاء بن وراز ((ثقة لين)) وقال ابن سعد في جعفر بن سليمان الضبعي («ثقة وبه ضعف))، وقال يعقوب بن شيبة في الربيع بن صبيح: ((صالح صدوق ثقة ضعيف جداً) إلى آخر ما ذكره - رحمه الله - فليراجع. وانظر كذلك ما ذكره المؤلف - حفظه الله تعالى - في ((شفاء العليل)) (٣٣٨ - ٣٣٩) والله أعلم. (١) سبق ذلك في السؤال رقم (٢). (٢) قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٦٩٠/٢): وقال ابن خزيمة في ((صحيحه)): لسنا ندفع أن تكون الزيادة مقبولة من الحفّاظ، ولكنّا نقول: إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان فروى حافظ عالم بالأخبار زيادة في خبر قبلت زيادته فإذا تواردت الأخبار فزاد وليس مثلهم في الحفظ زيادة لم تكن تلك الزيادة مقبولة. وقال الترمذي في أواخر ((الجامع)): وإنّما تقبل الزيادة ممن يعتمد على حفظه. وفي سؤالات السهمي للدّار قطني: سئل عن الحديث إذا اختلف فيه الثقات؟ قال: ينظر ما اجتمع عليه ثقتان فيحكم بصحّته، أو ما جاء بلفظة زائدة، فتقبل تلك الزيادة من متقن، ويحكم لأكثرهم حفظاً وثبتاً على من دونه، وقال ابن عبدالبر في ((التمهيد)): ((وإنّما تقبل الزيادة من الحافظ إذا ثبت عنه وكان أحفظ وأتقن ممن قصر أو مثله في الحفظ؛ لأنّه كأنّه حديث آخر مستأنف، وأمّا إذا كانت الزيادة من غير حافظ، ولا متقن، فإنّها لا يلتفت إليها، فحاصل كلام هؤلاء الأئمة أن الزيادة، إنّما تقبل ممن = ١٠٩ وابن حزم - رحمه الله - لا يقول بالحديث الشاذ، ويقول: رواية العدل لا بدّ من قبولها، وقد قامت الأدلة بقبول خبر الواحد (١)، ولكن أهل العلم يستدلون على صحة قولهم بقصة ذي اليدين، وذلك لما سها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلاته فخرج من الصلاة، والنّاس قد سكتوا جميعاً، وقالوا: لعلّها قصرت الصلاة، والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يشرع لنا، وربَّما أنّه نزل عليه تشريع جديد بأن الصلاة تكون قصيرة، فقام رجل يقال له ذو اليدين، فقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: ((لَم تقصر، ولَم أنس))، قال: إنَّك ما صلّيت إلّا ركعتين، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأصحابه: ((أحق ما يقول ذو اليدين؟))، قالوا: نعم، فقام وصلّى بهم ركعتين، وسجد للسهو (٢). الشاهد من هذا أنَّ خبر ذي اليدين لم يقبله رسول الله صلى الله عليه يكون حافظاً متقناً حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر عدداً منه أو == كان فيهم من هو أحفظ منه أو كان غير حافظ ولو كان في الأصل صدوقاً فإن زيادته لا تقبل . وهذا مغاير لقول من قال: زيادة الثقة مقبولة وأطلق والله أعلم. اهـ. (١) قال أبو محمد بن حزم - رحمه الله - في ((الإحكام)) (١٠٨/١): والقسم الثاني من الأخبار ما نقله الواحد عن الواحد فهذا إن اتّصل برواية العدول إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجب العمل به ووجب العلم بصحته أيضاً. اهـ. فائدة : قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في (النكت)) (٦٩٠/٢ - ٦٩٣): واحتجّ من قبل الزيادة من الثقة مطلقاً بأن الراوي إذا كان ثقة وانفرد باحلديث من أصله كان قمبولا فكذلك انفراده بالزيادة، وهو احتجاج مردود؛ لأنّه ليس كل حديث تفرد به أي ثقة كان يكون مقبولًا ... ثم إن الفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة ظاهر لأنَّ تفرده بالحديث لا يلزم منه تطرق السهو والغفلة إلى غيره من الثقات إذ لا مخالفة في روايته لهم بخلاف تفرده بالزيادة إذا لم يروها من هو أتقن منه حفظاً وأكثر عدداً فالظن غالب بترجيح روايتهم على روايته ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن، هذا وقد أطال الحافظ في عرض أدلة من أطلق قبول الزيادة وأجاب على ذلك فليراجع، والله أعلم. (٢) أخرجه البخاري برقم: (٤٨٢) ومسلم برقم: (٥٧٣). المؤلف. ١١٠ وعلى آله وسلم لَمّا كان منفرداً به، والجماعة لم يذكروه، - فحين ذاك - سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((أحق ما يقول ذو اليدين؟)) فهذا الذي نقوله، فنأتي للجماعة ونقول: هل الذي قاله فلان حق؟ وتخطئة الراوي أولى من تخطئتهم(١). فإن قيل: إنَّ بعض طلبة العلم يقول: الزيادة تقبل إلّا أن تكون منافية الأصل الحديث، فإذا كانت منافية لأصل ما سيقت له، فحين ذاك لا تقبل، أمّا إذا أمكن الجمع بينهما على طريقة التخصيص مع العموم، أو التقييد مع المطلق فتقبل. قلت: وهذا قول للحافظ ابن حجر (٢)، وله قول آخر يردها لمجرد التفرد(٣). والذي ينظر في كتب العلل، والكتب التي اعتنت بهذا الشأن، يجد أنَّ العلماء يعلون اللفظة الزائدة في الحديث، وإن كان معناها لا ينافي الأصل (١) قال ابن رجب - رحمه الله - في ((فتح الباري)) (٤٢٤/٩) في الكلام على فوائد حديث ذي الیدین : ومنها: أنّ انفراد الواحد من بين الجماعة بشيء لا يمكن في مثله أن ينفردَ بعلمه عنهم يتوقف في قوله حتى يتابعه عليه غيره، وهذا أصل لقول جهابذة الحفّاظ: إنَّ القول قول الجماعة دون المنفرد عنهم بزيادة، ونحوها، لا سيّما إن كانوا يقولون إنَّ زيادة الثقة مقبولة مطلقاً وليس ذلك بشيء فإذا توبع على قوله اعتمد عليه ... إلخ اهـ. وانظر كلام الصنعاني - رحمه الله - في ((بغية الآمل)) (ص: ١٠٦). (٢) ذكر ذلك الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((النزهة)) (ص: ٩٥) فقال: وزيادة راويهما أي: الصحيح والحسن؛ مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة. لأنَّ الزيادة إمّا أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها فهذه تقبل مطلقاً؛ لأنَّها في حكم الحديث المُستقل الذي ينفردُ به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره. وإما أن تكون منافية بحيث يلزمُ من قبولها ردُّ الراوية الأخرى، فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها، فيقبل الراجح ويُردُ المرجوح ... إلخ. اهـ وانظر ((النكت)) (٦٨٧ - ٧٠٢) والله أعلم. (٣) انظر ((النكت)) (٦٨٨ - ٦٩٢). ١١١ الذي سيقت له، فمثلًا حديث: ((صدقة الفطر صاع من بُرِّ، وصاع من تمر ... )) إلى آخر الحديث، وفيه: ((على كل نفس حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين)) أخرجه البخاري (١٥٠٣)، ومسلم (٩٨٤). فزيادة: ((من المسلمين)) تفرد بها مالك - رحمه الله تعالى - والعلماء أنكروا على مالك هذه الزيادة، مع أنَّ هذه الزيادة لا تنافي الأصل الذي سيقت له. والعلماء الذين دافعوا عن مالك، ما قالوا: إنَّ هذه الزيادة لا تنافي الأصل، وإنَّما قالوا: إنَّ مالكاً توبع عليها، فأثبتوا بالمتابعة هذه الزيادة(١) . وأوضح من ذلك، الحديث الذي في ((صحيح مسلم)) في كيفيّة الصلاة، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول: ((إذا قرأ فأنصتوا))(٢)، أعلَّ الحفّاظ هذه الكلمة بالرغم أنّها تناسب وتلائم الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ اٌلْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾(٣)، ولا تنافي الأصل الذي سيقت فيه، وهناك من ينفي شذوذها أصلاً (٤)، وأيضاً زيادة أخرى في حديث أخرجه مسلم - رحمه الله - في ولوغ الكلب أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، (١) انظر كلام الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في ((فتح الباري)) (٣٦٩/٣ - ٣٧٠) رقم (١٥٠٤)، باب ((صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين))، وكذا ((النكت)) (٦٩٦/٢ - ٧٠٠). (٢) مسلم (٣٠٤/١) ترقيم عبدالباقي. (٣) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٤. (٤) قال النووي - رحمه الله - في ((شرحه على صحيح مسلم)) (١٢٢/٤): واعلم أنَّ هذه الزيادة وهي قوله: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) مما اختلف الحفاظ في صحّته فروى البيهقي في ((السنن الكبرى)) عن أبي داود السجستاني أنَّ هذه اللفظة ليست محفوظة، وكذلك عن يحيى بن معين وأبي حاتم الرازي والدّار قطني والحافظ أبي علي النيسابوري شيخ الحاكم أبي عبدالله . قال البيهقي: قال أبو علي الحافظ: هذه اللفظة غير محفوظة، قد خالف سليمان التيمي جميع أصحاب قتادة، واجتماع هؤلاء الحفاظ على تضعيفها مقدم على تصحيح مسلم لا سيّما ولم يروها مسندة في صحيحه والله أعلم. اهـ. وانظر تعليق شيخنا مقبل بن هادي الوادعي - حفظه الله - على ذلك في ((التتبع)) (ص: ١٧١). ١١٢ قال: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أُولاهن، أو إحداهن، أو الثامنة بالتراب))(١) . وفي بعض الراويات زيادة في مسلم: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليرقه))، والعلماء ضعّفوا كلمة ((فليرقه)) هذه مع أنَّه لا يغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب إلّا بإراقة ما فيه (٢). والذي يقرأ في كتب العلل، ويتتبّع هذه المسألة يجد أنَّ العلماء يضعِفون الزيادة لمجرد مخالفة راويها من هو أوثق منه، سواء في العدد، أو في الوصف، والمنزلة (٣)، وبهذا يكون قد ظهر الفرق بين الشذوذ وزيادة (١) أصل الحديث متّفق عليه، وقد تكلّمت على طرقه بتوسع في ((تحفة القاري بدراسة وتحقيق فتح الباري)) كتاب العلم برقم (٦٤) المؤلف. (٢) في ((فتح الباري)) للحافظ ابن حجر - رحمه الله - (٣٣٠/١ - ٣٣١): قال النسائي: لا أعلم أحداً تابع علي بن مسهر على زيادة فليرقه. وقال حمزة الكناني: أنّها غير محفوظة، وقال ابن عبدالبر لم يذكرها الحفّاظ من أصحاب الأعمش كأبي معاوية وشعبة، وقال ابن مندة: لا تعرف عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بوجه من الوجوه إلّا عن علي بن مسهر بهذا الإسناد ... إلخ اهـ. (٣) في ((تحفة الأحوذي)) للمباركفوري (٩٣/٢) نقل عن النيموي في ((آثار السنن)) بعد ذكره لحديث هلب الطائي رواه أحمد بإسناد حسن، قال لكن قوله: ((على صدره)) غير محفوظ، يعني: أنّه شاذ، وبيَّن وجه كونه شاذاً غير محفوظ أن يحيى بن سعيد القطان خالف في زيادة قوله: ((على صدره)) غير واحد من أصحاب سفيان وسماك فإنّهم لم يذكروا هذه الزيادات، وعرف الشاذ بأنه ما رواه الثقة مخالفاً في نوع من الصفات لما رواه جماعة من الثقات، أو من هو أوثق منه وأحفظ وأعم من أن تكون المخالفة منافية للرواية الأخرى أم لا ... ثم ذكر أنّه مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وابن معين والبخاري وغيرهم من المحدّثين المتقدّمين واستدل عليه بأنَّ هذا يفهم من صنيعهم في زيادة ((ثم لا يعود)) في حديث ابن مسعود، و((فصاعداً)) في حديث عبادة، و((إذا قرأ فأنصتوا)) في حديث أبي موسى وأبي هريرة، وكذلك في كثير من المواضع حيث جعلوا الزيادات شاذة مع أنَّ هذه الزيادات غير منافية لأصل الحديث اهـ بتصرف وقد نصر المباركفوري - رحمه الله - مذهب الفقهاء والأصوليين في اشتراط المنافة وقد أجاب عليه وعلى أصحاب هذا القول المؤلف - حفظه الله تعالى - في الجزء الثاني من هذا الكتاب فجزاه الله خيراً والحمد لله على إنعامه. ١١٣ الثقة، فزيادة الثقة مقبولة إذا كان رواتها ورواة الأصل سواء، أو قريباً من السواء، أو هم أوثق ممن لم يروها، وعكسه فهو الشاذ، فالمقبول محفوظ، والمردود شاذ. وأمّا إذا كان المخالف فيه ضعف، فيكون حديثه منكراً، والراوية الأخرى تكون معروفة(١) . بقي سؤال: هل الشاذ يستشهد به؟ الجواب: لا يستشهد بالشاذ، لأنَّك لا تحكم على الحديث بأنَّه شاذ إلّا إذا جمعت الطرق، وبان لك أنَّ الرجل هذا قد خالف من هو أوثق منه، فإذا جاء من طريق أخرى شاذة أيضاً، فهذا الشاذ لا يستشهد به؛ لأنّهما خالفا من هو أوثق منهما عدداً، أو وصفاً من باب أولى، والله أعلم(٢). (١) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((النزهة)) (ص: ٩٩): وإن وقعت المخالفة له مع الضعف فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله يقال له: المنكر مثاله ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حبيب بن حبيب وهو أخو حمزة بن حبيب الزيات المقري عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: ((من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحجّ البيت وصام وقرى الضيف دخل الجنّة)). قال أبو حاتم: ((هو منكر)) لأنَّ غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفاً وهو المعروف وعرف بهذا أنّ بين الشاذ والمنكر عموماً وخصوصاً من وجه لأنَّ بينهما اجتماعاً في اشتراط المخالفة، وفتراقاً في أنَّ الشاذ رواية ثقة أو صدوق والمنكر رواية ضعيف وقد غفل من سوى بينهما، والله أعلم. (٢) ومما يدل على ذلك ما قاله الترمذي - رحمه الله - في ((سننه)) (٧٥٨/٥) كتاب العلل: ((وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن فإنّما أردنا به حسن إسناده عندنا)) كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذاً ويروى من غير وجه نحو ذاك)) وفي ذلك دلالة على عدم الاستشهاد بالشاذ لاحتراز الترمذي - رحمه الله تعالى -، وممن ذهب إلى ذلك - أيضاً - ابن الصلاح حيث قال: (( ... وجواب ذلك أنّه ليس كل ضعفٍ في الحديث يزول بمجيئه من وجوه بل ذلك يتفاوت فمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ناشئاً من ضعف حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنّه مما قد حفظه ولم يختل فيه ضبطه له وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك كما في المرسل الذي يرسله = ١١٤ س ١٩: هل هناك فرق بين قولهم: ((هذا حديث منكر)) وبين قولهم في أحد الرواة: ((منكر الحديث))؟ ج ١٩: نعم، هناك فرق بين قولهم: ((هذا حديث منكر))، وبين قولهم: ((فلان منكر الحديث))، فإنَّ الحديث المنكر لا يستشهد به(١)، لكن الرجل الذي يقولون فيه: ((هو منكر الحديث)) ليس معنى هذه العبارة أن كل حديثه منكر، بل قد يقولون هذه العبارة، ويقصدون حديثاً واحداً من إمام حافظ إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو = ذلك لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهماً بالكذب أو كون الحديث شاذاً وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة، والبحث فاعلم ذلك فإنّه من النفائس العزيزة والله أعلم اهـ من ((التقييد والإيضاح)) (ص: ٥٠). هذا وقد نقل ابن الوزير - رحمه الله - عبارة ابن الصلاح في قوله: (أو كون الحديث شاذاً) وشرح ذلك الصنعاني كما في ((التوضيح)) (١٧٤/١ - ١٧٥) فقال: أي: أن الجابر يتقاعد عن زلل الضعف عن حديث نشأ ضعفه من اتهام رواته بالكذب أو من كونه حديثاً شاذاً ... إلخ اهـ. أقول: فإن قيل ما هو الشاذ عند ابن الصلاح فالجواب: ذكر ذلك الصنعاني - رحمه الله - فقال: ذكر ابن الصلاح كلام الأئمة في الشاذ وتعقبه ثم قال فنقول إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فإن كان ما انفرد به مخالفاً لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط - كان ما انفرد به شاذاً مردوداً وإن كان لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنّما هذا أمر رواه هو ولم يروه غيره ــ فينظر في هذا الراوي المنفرد: فإن كان عدلاً حافظاً موثوقاً بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد به. انتهى. قال الصنعاني - رحمه الله -: فمراده هنا بالشاذ الذي لا ينجبر هو القسم الأول. اهـ والله أعلم. (١) قال ابن رجب - رحمه الله - في ((شرح علل الترمذي)) (ص: ٨٥): في رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانىء وقد سأله - أي: سأل أحمد - ترى أن نكتب الحديث المنكر؟ قال: المنكر أبداً منكر، قيل له: فالضعفاء؟ قال: قد يحتاج إليهم في وقت كأنه لم يرَ بالكتابة عنهم بأساً. اهـ. فانظر إلى عبارة الإمام أحمد - رحمه الله -: المنكر أبداً منكر، مع إذنه بالكتابة عن الضعفاء مما يبيّن عدم الاعتبار بالمنكرات، وعدم دخولها في باب الشواهد والمتابعات بخلاف رواية الضعفاء الذين خفّ ضعفهم، والله أعلم. ١١٥ أحاديثه، وقد يطلقها بعضهم، ويقصد بذلك أنه ينفرد عن غيره من الثقات بأحاديث، وإن كان محتجّاً به في هذه الأحاديث، كما يطلقها أحياناً الإمام أحمد - رحمه الله(١) - ويحيى بن سعيد القطان والبرديجي، وغيرهم، وهذه مسألة قد بيَّنت الكلام عليها في ((شفاء العليل)) في باب المصطلحات الخاصة للأئمة(٢)، لكن الذي نحن بصدد الكلام عنه الآن، أن قولهم: ((فلان منكر الحديث)) ليس معناه أن كل ما يرويه منكر، أو أنّه متروك الحديث، بل يكون ذلك لوجود بعض المناكير في روايته، فيحكم على حديثه بالنكارة، وليس معناه أن كل الذي رواه ينطبق عليه هذا الحكم، بخلاف قولهم: (الحديث الفلاني منكر)) فهذا لا يستشهد به. والصواب أو الأصح من أقوال أهل العلم، أن قولهم في الراوي: ((منكر الحديث)) يصلح في الشواهد، والمتابعات، وقد أشار بل صرّح بذلك العراقي في منظومته(٣)، ونجد العلماء كثيراً ما يقولون: ((منكر الحديث لا يحتج به إذا انفرد))(٤) وأزيد المسألة إيضاحاً فأقول: معلوم أَنَّ الإمام البخاري - رحمه الله (١) ومن ذلك ما جاء في ((الميزان)) ترجمة محمد بن إبراهيم التيمي المدني (٣٢/٦) قال أحمد بن حنبل: في حديثه شيء يروى مناكير، أو قال: أحاديث مناكير، قال الذهبي وثّقه الناس، واحتجّ به الشيخان وقفز القنطرة. اهـ. (٢) انظر ((الشفاء)) (٣١٠ - ٣١١) وانظر كذلك ((شرح العلل)) لابن رجب - رحمه الله - (ص: ٢٥٢ - ٢٥٥) والله أعلم. (٣) قال العراقي - رحمه الله -: ليس بشيء لا يساوي شيئاً ثم ضعيف وكذا إن جيئا بمنكر الحديث أو مضطربه واهٍ وضعّفوه لا يحتج به وقال - رحمه الله - في شرحه للألفية المسمى بـ((التبصرة والتذكرة)) (١٠/٢ - ١٢): وكل من ذكر من بعد شيئاً أي: من بعد قولي: (لا يساوي شيئاً) فإنّه يخرج حديثه للاعتبار وهم المذكورون في المرتبة الرابعة والخامسة ... إلخ. (٤) ومن التراجم التي تدل على ذلك، ما جاء في ((تهذيب التهذيب)) (٢٨٩/٤) ترجمة سلامة بن روح الأموي. قال فيه أبو زرعة: ((ضعيف منكر الحديث يكتب حديثه على الاعتبار)). ١١٦ - لطيف العبارة في التجريح، ومعنى أنَّه لطيف العبارة في التجريح: أنّه يستخدم عبارات خفيفة الجرح، ويقصد بها الجرح الشديد(١)، ورأيناه يقول: كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الراوية عنه(٢)، وهذا مع ما فهمنا من أنَّه لطيف العبارة في التجريح، يدل على أن هذه الكلمة خفيفة الجرح، وأطلقها البخاري في الجرح الشديد. فنحن نجد بعض طلبة العلم، بل وبعض الأفاضل، يقول: إنَّ من قيل فيه: ((منكر الحديث)) فلا يستشهد به، فأقول: إنَّ هذا القول بعيد عن الصواب، والذي يقرأ في كتب التراجم وكتب أهل الجرح والتعديل يجدهم أيضاً يصرحون بأنَّ من قيل فيه: ((منكر الحديث)) يكتب حديثه، ولا يحتج به، ولذلك أدخلتها في ((شفاء العليل)) في المرتبة الثالثة من مراتب التجريح، تلك المرتبة التي يستشهد بأهلها، وهي آخر مراتب الشواهد، نعم هناك في بعض التراجم ما يخالف هذا لكنّه نادر، وقد فصلته في موضعه. بقي أن يقال: هناك من يطلق: ((فلان منكر الحديث)) على مجرد التفرد كما ذكرت آنفاً، وهناك من يطلق قولهم، ((حديث منكر)) على الحديث الموضوع الباطل الذي فيه نكارة في معناه وفي متنه(٣)، لكن هذه (١) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((هدي الساري)) (ص: ٤٨٠): وللبخاري في كلامه على الرجال توقٍ زائد وتحرّ بليغ يظهر لمن تأمل كلامه في الجرح والتعديل فإن أكثر ما يقول: سكتوا عنه، فيه نظر تركوه، ونحو هذا وقلّ أن يقول كذّاب أو وضّاع، وإنَّما يقول كذبه فلان رماه فلان، يعني: الكذب ... إلخ. وقال الحافظ ابن كثير كما في ((اختصار علوم الحديث)) (ص: ١٠٦) :... والبخاري إذا قال في الرجل ((سكتوا عنه)) أو ((فيه نظر)) فإنّه يكون من أدنى المنازل وأردئها عنده ولكنّه لطيف في التجريح اهـ والله أعلم. (٢) جاء في ((الميزان)) ترجمة أبان بن جبلة الكوفي، قال البخاري: ((منكر الحديث)) قال الذهبي: ونقل ابن القطان أن البخاري قال: كل من قلت فيه: ((منكر الحديث)) فلا تحل الراوية عنه (٦/١). (٣) قلت: ومن الأمثلة على إطلاق المنكر على الموضوع أو الباطل ما ذكره الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - في ((السلسلة الضعيفة)) (١ / رقم ١٧٠) (ص: ٢٠٦ - ٢٠٧) في حديث ((إنَّ آدم صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أهبطه الله - تعالى - إلى الأرض = ١١٧ مواضع يستطيع طالب العلم اليقظ أن يتنبه لها في موضعها، فيستطيع بفضل الله عزّ وجلّ أن يميز بينها والله أعلم. س ٢٠: ما الفرق بين الإدراج والوضع؟ ج ٢٠: الحديث المدرج: هو قول غير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث النبوي ويسوقه مساق الحديث المرفوع، ويكون هذا القول غالباً من رواة الحديث، الصحابي فمن دونه، إمّا أن يكون تفسيراً لكلمة، وهو الغالب، وإما أن يكون تكميلاً لكلام ذكره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم(١)، كما جاء في قول ابن مسعود، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كلمة، وأنا قلت أخرى(٢)، وقد قالت الملائكة: أي رب! ﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ... ) الآية ... إلخ. = قال الشيخ - حفظه الله تعالى -: ((باطل مرفوعاً)) وذكر ضمن بحثه فيه قول ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٦٩/١ - ٧٠) ((سألت أبي عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر)) وفي نفس المصدر (ص: ١٨١ - ١٨٢) حديث ثلاث لا يعاد صاحبهن ... الحديث برقم (١٥٠) قال الشيخ موضوع ... وذكره الحافظ في ((التهذيب)) من منكرات الخشني، وقال أبو حاتم: هذا باطل منكر، قال الشيخ عبدالفتاح أبو غدة: ولفظ: ((منكر)) كثيراً ما يطلقونه على (الموضوع) يشيرون بذلك إلى نكارة معناه مع ضعف إسناده وبطلان ثبوته كما تراه شائعاً منتشراً في كتب ((الموضوعات)) وكتب الرجال المجروحين، مثل كتاب ((ميزان الاعتدال)) للحافظ الذهبي وكتاب «تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة)) لابن عراق، وغير هذين الكتابين ... إلخ. (١) الإدراج: لف الشيء في الشيء وأدرجت المرأة صبيها في معاوزها، والدرج لف الشيء، يقال: دَرَجْتُه وأدرجتُه، ودَرْجته، والرباعي أفصحها، ودرج الشيء في الشيء يدرجُه وأذْرَجُه، طواه وأدخله ويقال لما طويته، أدرجته؛ لأنّه ينطوي على وجهه ((اللسان)) (٢٦٩/٢) قال الذهبي في اصطلاحه: هي ألفاظ تقع من بعض الرواة متّصلة بالمتن لا يبين للسامع إلّا أنّها من صلب الحديث ويدل دليل على أنّها من لفظ راوٍ بأن يأتي الحديث من بعض الطرق بعبارة تفصل هذا من هذا ((الموقظة)) (ص: ٥٣ - ٥٤)، وقال الحافظ في ((نزهته)) (ص: ٤٨): أن يدخل في حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيئاً من كلام بعض الرواة فيتوهم من سمع الحديث أن هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (٢) حديث عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : = ١١٨ جاءت عنه رواية مدرجة بالكلمتين دون تمييز. والفرق بين الموضوع، وبين المدرج: أن الذي ذكر المدرج ما قصد الفرية على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بخلاف الموضوع فإنَّ واضعه قد افترى واختلق على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما لم يقله(١)، وإن تأول بعضهم في ذلك أنَّه يخدم الدين، فالذي أدخل اللفظة المدرجة أدخلها وقد يبيّنها، كما جاء عن ابن مسعود في الأثر السابق، وإن لم يبيِّنها فقد يكون قصده خدمة الشريعة، وغالباً ما يكون مصيباً، والمدرج يعرف بجمع الطرق، فإذا جمعت الطرق تبين لك هذا القول هل هو من كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو من كلام أحد الرواة؟ (٢) وفرق آخر: أنَّ الذي يدخل اللفظة المدرجة هو في الغالب من الثقات، أو من الأئمة الذين يتصدون للتفسير والبيان. ((من مات يشرك بالله شيئاً دخل النّار)) وقلت: ((من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)) متّفق عليه. انظر: ((اللؤلؤ والمرجان)) (ص: ١٧ رقم ٥٨). (١) هكذا عرّفه ابن الصلاح - رحمه الله تعالى - في ((مقدمته)) والموضوع وهو المختلق المصنوع (ص: ٩٨) قال الحافظ في ((نكته)) هذا تفسير بحسب الاصطلاح أمّا من حيث اللغة فقد قال أبو الخطاب ابن دحية الموضوع الملصق وضع فلان على فلان كذا أي ألصقه به، وهو أيضاً الحط والإسقاط والأول أليق بهذه الحيثية، والله أعلم (٨٣٨/٢). (٢) قال الحافظ: والطريق إلى معرفة ذلك من وجوه: ١ - أن يستحيل إضافة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ٢ - أن يصرّح الصحابي بأنّه لم يسمع تلك الجملة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . ٣ - أن يصرح بعض الرواة بتفصيل المدرج فيه عن المتن المرفوع فيه بأن يضيف الكلام إلى قائله، المصدر السابق (٨١٢/٢). (تنبيه): ولا يصح الحكم على لفظة بالإدراج إلّا بعد توفر هذه الشروط أو أن يحكم عليها النقاد بذلك، وقد نبّه على ذلك الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في ((الفتح)) (٢٢٩/٢) ... قال: وأمّا رد الطّحاوي لها باحتمال أن تكون مدرجة فجوابه أن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل فمهما كان مضموماً إلى الحديث فهو منه ولا سيّما إذا روي من وجھین. اهـ. ١١٩ بخلاف الموضوع، فالذي يضعه رجل كذاب مفتر، على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والله المستعان. س ٢١: ما الفرق بين قولهم: ((فلان يسرق الحديث))، و((فلان كذَّاب))، و((فلان وضَّاع)»؟ ج ٢١: هذه الألفاظ الثلاثة بينها فروق، فلا بد من تبيينها: فالوضَّاع: هو كذّاب وزيادة؛ لأنّه افترى واختلق على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مما عملته يداه، ولم يكن ناقلاً عن غيره(١). وأمّا الكذّاب: فهو الذي يدعي سماع ما لم يسمع، ولقاء من لم يلق، مع أنَّ هذه الأحاديث التي يرويها الكذّاب قد تكون مشهورة عند أئمة الحديث، أو رواته من غير طريق هذا الكذاب(٢). وأمّا السَّارق: فهو كذَّاب لكن من نوع خاص من الكذب، وذلك أنَّه يسرق الأحاديث الغريبة، أعني الأحاديث التي تفرد بها أحد الرواة، سواء كان ثقة أو ضعيفاً، ورأى أنَّ المحدثين يرحلون فأخذته الغيرة المذمومة، فادعاه لنفسه، لأنَّ المحدثين يرحلون من أجل الحديث الغريب أو الحديث العالي، وإن كان في هذا الحديث ضعف، فإنَّهم يرحلون من أجله، (١) انظر ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص: ٩٨). (٢) انظر ((شفاء العليل)) الباب الخامس (ص: ٤٥٩ - ٤٦٠) ويتجه الاتهام بالكذب إلى الراوي في حالتين كما ذكر ذلك الحافظ - رحمه الله تعالى -: الأولى: أن ينفرد الراوي برواية ما يخالف أصول الدين وقواعده العامة إذا لم يكن في الإسناد من يتهم بذلك غيره. الثانية: أن يعرف عنه الكذب في كلامه وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي، وحديث من هذا حاله يسمّى متروك، انظر ((نزهة النظر)) (٤٤ - ٤٥). قلت: وقد يروي الراوي الأحاديث الكاذبة التي لم يسمعها ويكون بلاءه الغفلة لا الكذب، كما جاء في ترجمة عبّاد بن كثير البصري الثقفي، كان متعبداً. قال أحمد: ((روى أحاديث كاذبة لم يسمعها وكان من أهل مكة وكان صالحاً، قال أبو طالب: قلت: فكيف كان يروي ما لم يسمع؟ قال: البلاء الغفلة)) (٨٥/٦). ١٢٠