Indexed OCR Text

Pages 61-80

والإمام أحمد - رحمه الله - وُصِف بأنّه لا يروي إلّا عن ثقة، ومع
ذلك يقول فيه ابن معين: ((جْنَّ أحمد يروي عن عامر بن صالح))(١).
وشعبة وهو الذي اشترط أنّه لا يروي إلّا عن ثقة، وقد وجد في
روايته رواية عن ضعفاء.
ومِنَ العلماء من اشترط هذا الشرط، وصرّح بأنَّه لا يترك حديث
الرجل إلّا إذا أجمع الناس على تركه(٢).
والذي يقرأ في تراجم العلماء وفي كتب الحديث والتراجم يظهر له ما
قررته سابقاً؛ لأنّك لو تصوّرت نفسك الآن وأنت طالب علم في البداية،
هل تستطيع أن تميز بين الثقة والضعيف، كتمييزك بعد أن تكون إماماً من
الجهابذة؟
تمييزك في بداية الطلب ليس كتمييزك بعد أن تكون راسخاً في طلب
العلم، فكم من رجل تضعفه اليوم وتوثقه غداً، وكم من رجل توثقه اليوم
وتضعفه غداً، فالملاحظ من جهة الواقع العملي أن الطالب في بداية الطلب
يريد أن يروي كل الأحاديث، ويثبت للمحدثين أن له مشايخ كثيرين، وأنّه
صاحب رحلة لهؤلاء المشايخ جميعاً، وبعد أن يرسخ قدمه، ويعلو شأنه في
هذا الأمر ينتقي، ويكون انتقاؤه في الراوية تعديلًا لمن روى عنه، وتركه
الراوية تجريحاً لمن ترك الراوية عنه، وهو لا يكون معدِّلًا مجرِّحاً إلا بعد
(١) انظر ((تهذيب التهذيب)) (٦٥/٥) ترجمة عامر بن صالح بن عبدالله بن عروة بن الزبير بن
العوام الزبيري أبي الحارث المدني، سكن بغداد.
قال أبو داود: وقيل لابن معين: إن أحمد حدّث عن عامر، فقال: ما له جُن؟ قال
أبو داود: وحدَّث عنه أحمد بثلاثة أحاديث. اهـ.
(٢) النسائي - رحمه الله - ممن اشتهر بذلك، قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في
((النزهة)) (ص: ١٩١): ((ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يترك حديثُ الرجل حتى
يجتمع الجميع على تركه)). اهـ.
وانظر ((النكت)) له على ابن الصلاح (٤٨٢/١) وفي موضع آخر بين الحافظ أن هذا /
إجماع مقيد والله أعلم.
٦١

أن يرسخ قدمه، ويترجح لنا بذلك أن الذين وصفت تراجمهم أنّهم لا
يروون إلّا عن ثقة، أنّهم ما التزموا هذا إلّا مؤخراً.
غير أني أستثني من ذلك عبدالله بن الإمام أحمد بن حنبل
- رحمهما الله - كما استثناه بعض العلماء؛ لأنَّهم قالوا: إنّه كان لا يكتب
الحديث عن أحد المشايخ إلّا بإذنٍ من أبيه (١)، وأبوه في ذاك الوقت كان له
شأن بمعرفة الثقات والضعفاء، لكن قد يسأل سائل، ويقول: هل كل مشايخ
عبدالله بن أحمد جميعاً ثقات؟
نستطيع أن نقول: إنّهم على الأقل ثقات عنده بمعنى أنّهم غير ضعفاء،
ويدخل في ذلك الثقة والصدوق ومن فيه كلام يسير، وأنّهم عنده، وعند أبيه
أحمد - رحمهما الله - كذلك إلّا ما ظهر لنا خلاف ذلك فيعمل به والله أعلم(٢).
ثانياً: وربّما أن الإمام منهم ذهل عن شرطه، وقد كان شعبة
- رحمه الله تعالى - يحدث ببعض الأحاديث عن رواة ضعفاء، فقيل له: ما
(١) قال ابن عدي - رحمه الله تعالى - كما في ((التهذيب)) (١٤٣/٥): «نبل بأبيه له في نفسه
محل في العلم ولم يكتب عن أحد إلّا من أمره أبوه أن يكتب عنه)).
وفي ((تعجيل المنفعة)) للحافظ ابن حجر، قال: ((كان عبدالله بن أحمد لا يكتب إلّا عن
من أذن له أبوه في الكتابة عنه وكان لا يأذن له أن يكتب إلّا عن أهل السنة حتى كان
يمنعه أن يكتب عن من أجاب في المحنة ولذلك فاته علي بن الجعد ونظراؤه من
المسند ... إلخ)) انتهى من (ص: ١٥، ١٩).
(٢) قال العلامة المعلمي - رحمه الله - في ((التنكيل)) (ص: ٦٥٩)، وفي ((فتح المغيث))
(ص: ١٣٤): ((تتمة ممن كان لا يروي إلّا عن ثقة إلّا في النادر الإمام أحمد وبقي بن
مخلد ... )).
وقوله: ((إلّا في النادر)) لا يضرنا إنّما احترز بها؛ لأن بعض أولئك المحتاطين قد يخطىء
في التوثيق فيروي عمن يراه ثقة وهو غير ثقة، وقد يضطر إلى حكاية شيء عمن ليس
بثقة فيحكيه ويبين أنّه ليس بثقة والحكم فيمن روى عنه أحد أولئك المحتاطين أن يبحث
عنه فإن وجد أن الذي روى عنه قد جرحه تبين أن روايته عنه كانت على وجه الحكاية
فلا تكون توثيقاً، وإن وجد أن غيره قد جرحه جرحاً أقوى مما تقتضيه روايته عنه ترجح
الجرح، وإلّا فظاهر روايته عنه التوثيق. اهـ. أقول: والأخير ليس صريحاً في التوثيق
كذلك والله أعلم.
٦٢

لك تحدث عن هؤلاء الضعفاء، وأنت لا تروي إلّا عن ثقة، فتحدث عن
جابر الجعفي؟ قال: ((روى أشياء لا نقدر عليها أو لا نصبر عليها))(١).
فلما تردد الأمر بين أن يكون شيخ من ينتقى متروكاً؛ لأنّه ما روى
عنه إلّا واحد قبل الاشتراط بالانتقاء أو ذهل عن شرطه، وبين كونه ثقة،
فالأمر متردد بين هذا وهذا.
فمن قال: ترتفع جهالة العين، ولكن لا يثبت التعديل، قول قريب من
الصواب .
ومن تتبع صنيع الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((التقريب)) علم
أنّ كثيراً من التراجم التي ينفرد بالراوية فيها عن المترجم واحد ممن ينتقي
وليس هناك جرح أو تعديل، فإنّه يترجم له بقوله: مقبول(٢)، وأحياناً يقول:
صدوق(٣)، وأحياناً يقول: مجهول(٤).
(١) قال ابن حبان - رحمه الله -: ثنا أحمد بن منصور: ثنا نعيم بن حماد قال: سمعت
وكيعاً يقول: قلت لشعبة: ما لك تركت فلاناً وفلاناً رويت عن جابر الجعفي، قال:
روى أشياء لم نصبر عليها. اهـ ((المجروحين)) (٢٠٩/١) و((الكامل)) لابن عدي (٥٤٢/٢)
وإسنادها يدور على نعيم بن حماد الخزاعي، ((وهو ممن لا يحتج به)) والله أعلم.
(٢) ومثال ذلك ما جاء في ترجمة حمّاد بن حميد الخراساني؛ فقد انفرد بالراوية عنه
البخاري وروى عنه في الصحيح وترجم له الحافظ بقوله: ((مقبول)) وقد يكون ذلك
لوجود قرينة إخراج البخاري له في ((الصحيح)).
ثم أفادنا شيخنا أبو الحسن - حفظه الله تعالى - بفائدة صريحة في ذلك فقال، وقد
صرّح الحافظ بنحو ذلك في ترجمة أحمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحرّاني أحد
شيوخ النسائي وقد وثقه، فنقل الحافظ قول الذهبي في ((الطبقات)) أحمد بن يحيى بن
محمد ((لا يعرف)) قال الحافظ معقباً عليه.
قلت: بل يكفي في رفع جهالة عينه رواية النسائي عنه وفي التعريف بحالة توثق له. اهـ
(تهذيب التهذيب)) (٨٩/١).
(٣) جاء ذلك في ترجمة إسماعيل بن مسعدة التنوخي الحلبي، روى عنه أبو داود وقال
الذهبي: لا يدرى من هو وترجم الحافظ له بقوله: ((صدوق))، ((التقريب)) (ص: ١٠٨)،
وكذا إسحاق بن عمر القرشي المؤدب لم يوثقه أحد، لكن روى عنه أبو زرعة واثنان
آخران وترجم له الحافظ بقوله: ((صدوق)).
(٤) جاء ذلك في ترجمة بكار بن يحيى روى عنه ابن معين ومع ذلك ترجم له الحافظ =
٦٣

ومما يرفع جهالة العين معرفة الراوي بأي شيء غير الراوية، فقد
يروي عنه واحد ولكنه يقول: مات في حروب الروم - مثلاً -، ونحوه أو
كصنيع الإمام الطبراني - رحمه الله - حيث يقول: حدّثني فلان بالمكان
الفلاني، وفي سنة كذا ويسمي البلد التي حدّثه فيها، وهذا يقوي رفع جهالة
العين؛ لأنّه من المؤكد أنّه لقي هذا الشيخ، ومما يُستدل به على رفع جهالة
العين كثرة رواية الراوي الواحد عن شيخه، كما صرّح بذلك شيخنا الألباني
- حفظه الله -.
وكأن يقول الراوي مثلًا: حدّثنا فلان وكان قاضياً، أو كان غزّاء، أو
كان قارئاً، مع أنّه ما روى عنه غيره، فأي معلومات مع رواية هذا الرجل
ترفع أيضاً جهالة عينه، ويبقى مجهول الحال(١).
وأمّا مجهول الحال: فهو الرجل الذي نعرف عينه، لكن لا نعرف
حاله الظاهرة ولا الباطنة (٢).
وما هو المقصود بالحالة الظاهرة؟ المقصود بذلك مثل وجوده في
الصلاة يصلي مع المسلمين، وعند الحج يحج مع المسلمين، فلو كنّا نعلم
شخصاً مجهول الحال، لكن ما رأيناه يصلي معنا، ولا رأيناه يحج معنا،
بقوله: ((مجهول)) انظر ((التقريب)) (ص: ١٢٦) قلت: والعجيب أنّ الحافظ - رحمه الله
=
تعالى -، قد يترجم لمثل هؤلاء بقوله: ((ثقة)) كما في ترجمة حبان بن زيد الشرعبي
انفرد بالراوية عنه حريز بن عثمان وهو ممن ينتقي نص على ذلك أبو داود، قال شيوخ
حريز كلهم ثقات، ثم ترجم له الحافظ بقوله: ((ثقة)) وهو منازع في هذا لأنّه لا يلزم من
قول أبي داود أن يكون بمنزلة ثقة، والله أعلم.
(١) قلت: وقد يعرف الرجل بشيء من هذه الأشياء التي ذكرها الشيح - حفظه الله تعالى
- ويترجم له الحافظ بقوله: ((مجهول)) كما في ترجمة ثابت بن سعيد روى عنه أبو سعيد
المؤدب، وقال: لقيته بالري وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وترجم له الحافظ بقوله:
((مجهول)) ولكن الصواب في ذلك أن كل ما يفيد معرفة عين الرجل فهو رافع لجهالة
العين وهو صنيع الحافظ نفسه في تراجم كثيرة - والله أعلم -.
(٢) قال الزركشي في ((البحر المحيط)) (٢٨٠/٤): مجهول الحال هو مجهول العدالة ظاهراً
أو باطناً مع كونه معروف العين برواية عدلين عنه. اهـ.
٦٤

فحاله الظاهر مجهول، والحالة الباطنة ما عرفناها، وهل الحالة الباطنة هي
ادعاء علم الغيب، كما استنكر ذلك الإمام الصنعاني - رحمه الله تعالى
- في كتابه ((توضيح الأفكار))؟!(١)
وقال: إنّ الحالة الباطنة علم غيبي لا يعلمه إلّا الله؟ الجواب: لا،
فالحالة الباطنة المقصود بها التعامل مع الرجل، كما ثبت عن عمر
- رضي الله عنه - وهذا الأثر قد صححه شيخنا الألباني - حفظه الله - في
((إرواء الغليل))، فيما معناه أنَّ رجلًا شهد عند عمر بشهادة، فقال: من يزكي
هذا الرجل؟ فقام رجل فقال: أنا، قال: هل أنت جاره تعرف ليله ونهاره،
ومدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: هل تعاملت معه في الدنيا أي: رأيته
يماطل في الديون أم لا؟ قال: لا، قال: هل سافرت معه لتعرف أخلاقه؟
أم لا؟ قال: لا، قال: اجلس فلا أراك تعرفه)) الأثر ذكره شيخنا الألباني
- حفظه الله - في ((الإرواء))(٢).
فالشاهد من هذا أنّ هذه عدالته الباطنة، فالعدالة عدالة ظاهرة، وعدالة
باطنة، وكل هذا في باب العدالة لا يدخل الضبط في ذلك، وعلى هذا فما
هو الفرق بين مجهول الحال والمستور؟
الجواب: أنَّ المستور من عُلِمَتْ عدالته الظاهرة، أي: رأيناه يصلي،
أو رأيناه يحج، لكن العدالة الباطنة لم تظهر لنا؛ لأننا ما تعاملنا معه(٣).
(١) ((توضيح الأفكار)) (١٩٢/٢).
·(٢) انظر (٢٦٠/٨) قال: شهد رجل عند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال له عمر:
إنّي لست أعرفك ولا يضرك أني لا أعرفك فائتني بمن يعرفك، فقال رجل: أنا أعرفه يا
أمير المؤمنين، قال: بأي شيء تعرفه؟ فقال: بالعدالة، قال: هو جارك الأدنى تعرف
ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: فعاملك بالدرهم والدينار الذي يستدل
بهما على الورع؟ قال: لا، قال: فصاحبك في السفر الذي يستدل به على مكارم
الأخلاق؟ قال: لا، قال: فلست تعرفه، ثم قال للرجل: ائتني بمن يعرفك. اهـ.
(٣) قال الزركشي :
((المستور)) هو: المجهول باطناً وهو عدل في الظاهر، ونقل ذلك عن البغوي والرافعي
وإمام الحرمين في ((النهاية)) وذكر عن إمام الحرمين أنَّ العدالة الباطنة هي التي يرجع فيها =
٦٥

.وأمّا مجهول الحال: ما علمنا عدالته لا ظاهراً، ولا باطناً، هذا هو
الفرق بينهما، والكلام كله في حيز العدالة والأمانة، أمّا باب الضبط فأمر
مجهول عند المستور وعند مجهول الحال، ومجهول الحال والمستور
يستشهد بهما، وقد حدث خطأ، أو سبق قلم من الشيخ أحمد شاكر
- رحمه الله تعالى - حين ذكر أنّ المجهول والمستور، والضعيف لا
يستشهد بهم كما في ((الباعث الحثيث)) (ص: ١٠١) وهذا خطأ؛ لأنّ
الواضح من صنيع الشيخ - رحمه الله - أنّه يستشهد بهؤلاء، بل وبأقل من
هؤلاء .
فالمقصود أنَّ مجهول الحال يصلح في الشواهد والمتابعات، وكذا
المستور، أمّا مجهول العين فلا يصلح في الشواهد والمتابعات، إلّا إذا
كثرت الطرق كثرة ترجح لدى الباحث صحة الحديث وثبوته، فمجهول
ومجهول لا يستشهد بهما، وإن كان شيخنا الألباني - حفظه الله تعالى - في
بعض المواضع يستشهد بهما(١)، مع أنني قد سألته - حفظه الله - في
المدينة - مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - على نفس هذه
المسألة، فقال: إنَّ المنقطع لا يتقوى بالمنقطع، ومجهول العين لا يتقوى
بمجهول العين، إلّا إذا كثرت الطرق كثرة تطمئن النفس على ثبوت الحديث
القضاة إلى قول المزكين .. وكلام الأصوليين ومنهم القاضي في ((التقريب)) صريح في أن
=
المراد بالعدالة الباطنة الاستقامة بلزوم أداء أوامر الله وتجنب مناهيه وما يعلم مروءته أي:
سواء ثبت عند الحاكم أم لا ... إلخ. اهـ (٢٨٠/٤ - ٢٨٢) ((البحر المحيط)).
(١) مثاله ما جاء في ((الصحيحة)) له - حفظه الله تعالى - (٣ / رقم ١١٦٨) حديث: ((نهى
عن نقرة الغراب ... إلخ)) قال: وتميم بن محمد أورده الذهبي نفسه في ((الميزان))
وقال: ((قال البخاري فيه نظر)) وذكره العقيلي والدولابي، وابن الجارود، في ((الضعفاء))
وأمّا ابن حبان فوثّقه على قاعدته، في توثيق غير المشهورين بالراوية، فإنّ تميماً هذا لم
يذكروا راوياً عنه غير جعفر هذا، ... قال الشيخ الألباني - حفظه الله - وأقول، لكن
يتقوى بأنّ له شاهداً ... ورجاله ثقات غير عبدالحميد بن سلمة فهو مجهول كما في
((التقريب))، فالحديث عندي حسن بمجموع الطريقين ... والله أعلم. اهـ فانظر كيف
استشهد الشيخ بمجهول مع آخر أحسن أحواله أنّه مجهول إن لم نأخذ بقول البخاري،
والله أعلم.
٦٦

بها(١) قلت: ويدل على ما قلته: أن بعض العلماء يقول في الأسانيد التي
فيها: حدّثني جماعة، أو حدّثني جماعة من الحيّ، أو حدّثني قوم بكذا،
فيقول: هؤلاء جمع وتنجبر جهالتهم، وفي ((صحيح البخاري)) حديث من
هذا القبيل في قصة وقعت لعروة البارقي(٢).
(استدراك): قد بيَّنْت في غير هذا الموضع - كما سيأتي إن شاء الله
تعالى - أن مجهول العين يستشهد به كمجهول الحال، ما لم تظهر نكارة في
السند أم المتن، والله أعلم.
بقي أن يقال: ما الفرق بين المجهول والمبهم والمهمل.
المبهم: كأن يقول الراوي: حدّثني شيخ أو حدّثني رجل فهذا
(٣)
مبهم (١).
وأمّا المجهول: فكأن يقول المحدّث: حدَّثني فلان بن فلان؛ ويرجع
إلى تفاصيل جهالته! جهالة عين أو حال، وهو من لم يتكلّم فيه بمدح أو
قدح.
(١) وقد صرّح الدارقطني - رحمه الله تعالى - في ((سننه)) (١٧٤/٣) بالاستشهاد بمجهول
العين، قال أهل العلم بالحديث لا يحتجّون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف، وإنّما
يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راوية عدلًا مشهوراً أو رجلًا قد ارتفع اسم الجهالة
عنه، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعداً، فإذا كان هذه صفته ارتفع
عنه اسم الجهالة وصار حينئذ معروفاً، فأما من لم يرو عنه إلّا رجل واحد، انفرد بخبر
وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره، قلت: والشاهد في كلامه الأخير ((فأمّا
من لم يرو عنه إلّا رجل واحد ... إلخ)) وفيه والذي قبله شيء من التسامح والذي قرره
الشيخ - حفظه الله تعالى - تميل إليه النفس والله أعلم، وإلى هذا ذهب شيخنا مقبل
- حفظه الله تعالى - كما في ((المقترح)) (سؤال رقم (٢٧) (ص: ٣٥)).
(٢) انظر (فتح الباري)) (٧٣١/٦) رقم (٣٦٤٢).
وانظر ((إرواء الغليل)) (١٢٨/٥) وسيأتي بحث ذلك - إن شاء الله تعالى - في السؤال
رقم (١١٧).
(٣) المبهم: هو أن لا يسمي الراوي شيخه، كقوله: أخبرني فلان، أو شيخ، أو رجل، أو
بعضهم، أو ابن فلان، انظر ((النزهة)) (١٣٤).
٦٧

١
وأمّا المهمل: فكأن يقول المحدّث: حدّثني محمد، والمحمدون
كثير، لا ندري من يعني من المحمدين؟ وقد يقول: حدّثني محمد بن
عبدالله، ومن يقال له: محمد بن عبدالله كثيرون، لا يتأتّى لنا أن نعرف هذا
من هذا، فحينئذ يكون مهملاً، فيجب أن نميز بين الأنواع كي لا تتداخل،
وهذا كلّه قد بيّه أهل العلم فجزاهم الله عنّا خيراً.
س ٨: نريد مثالاً لبعض المتساهلين في الجرح والتعديل، إذا انفردوا
لا يعتد بتوثيقهم، وكذلك لبعض المتشددين إذا انفردوا لا يؤخذ بتضعيفهم؟
ج ٨: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أمّا بعد :
فكلام أئمة الجرح والتعديل (١) في الرواة يقبل بشروط منها:
أن يكون المتكلّم معتدلًا، ليس متشدداً، ولا متساهلًا، فالمتشدد
مُتَوَّقف في نقده، لا سيّما إذا عارضه معتدل، والمتساهل متوقّف أيضاً في
نقده، لا سيّما إذا عارضه معتدل، والأئمة في هذا الباب على مراتب
متفاوتة، فمنهم المتشدد، ومنهم المتساهل، ومنهم المعتدل، ولا شك أن
الذي يقبل كلامه من هؤلاء جميعاً هو المعتدل كما سبق بيانه.
وكل طبقة من طبقات الأئمة فيها المتشدد، وفيها المعتدل، وقد يكون
أيضاً فيها المتساهل(٢)، فمثلًا من المتشددين ابن حبان - رحمه الله - أعني
(١) الجرح في اللغة: بالفتح التأثير في الجسم بالسلاح.
والتعديل في اللغة: التسوية وتقويم الشيء وموازنته بغيره، انظر ((لسان العرب)) (٤٢٢/٢)
مادّة جرح (٤٣٢/١١) مادة عدل وفي الاصطلاح قال ابن الأثير في ((جامعه)): الجرح
وصف متى التحق بالراوي، والشاهد سقط الاعتبار بقوله وبطل العمل به .
قلت: وكلام ابن الأثير محمول على من اشتد جرحهم.
قال: والتعديل وصف متى التحق بهما اعتبر قولهما وأخذ به. اهـ.
وهذا أيضاً عنه محمول على رجحان جانب التعديل. انظر ((جامع الأصول)) (١٢٦/١).
(٢) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((النكت)) (٤٨٢/١): وذلك أن كل طبقة من
نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط :
٦٨

أنّه من المتشددين في الجرح، والعجب أنّه أيضاً من المتساهلين في التوثيق،
فجمع بين الأمرين، جمع بين التشدد في الجرح، وبين التساهل في التوثيق،
أعني: توثيق المجاهيل، وإلّا فإنّ توثيقه على مراتب قد بيّنها الشيخ
عبدالرحمن بن يحيى المعلمي اليماني - رحمه الله تعالى - في كتابه
((التنكيل)) (١)، وسأتكلّم عليها في موضعها - بإذن الله عزّ وجلّ -(٢).
المهم أنَّ ابن حبان - رحمه الله - يسرف في الجرح، فقد يكون
الرجل قد وهم في بعض الراويات، فيتكلّم عليه بعبارات شديدة الجرح،
فيقول: يأتي عن الثقات بالمعضلات، ولا يشبه حديثه حديث الأثبات،
فيستحق الترك، ولذا يقول الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى -: ((إنّ ابن
فمن الأولى: شعبة وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه.
=
ومن الثانية: يحيى القطان وعبدالرحمن بن مهدي، ويحيى أشد من عبدالرحمن.
ومن الثالثة: يحيى بن معين، وأحمد، ويحيى أشد من أحمد.
ومن الرابعة: أبو حاتم والبخاري، وأبو حاتم أشد من البخاري. اهـ.
(١) قال العلامة المعلمي - رحمه الله تعالى - في أثناء ردّه على أباطيل الكوثري: ((هذا وقد
أكثر الأستاذ من رد توثيق ابن حبّان والتحقيق أن توثيقه على درجات :
الأولى: أن يصرح به كأن يقول: ((كان متقناً)) أو ((مستقيماً)) أو نحو ذلك.
الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم.
الثالثة: أن يكون من المعروفين بكثرة الحديث بحيث يعلم أنَّ ابن حبان وقف على
أحاديث كثيرة.
الرابعة: أن يظهر من سياق كلامه أنّه قد عرف ذلك الرجل معرفة جيدة.
الخامسة: ما دون ذلك.
فالأولى: لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة، بل لعلّها أثبت من توثيق كثير منهم، والثانية
قريب منها، والثالثة مقبولة، والرابعة صالحة، والخامسة لا يؤمن فيها الخلل، والله
أعلم.
قلت: ثم تكلّم الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - في الحاشية وأثنى على صنيع
المؤلف، ثم قال: غير أنّه قد ثبت لدينا بالممارسة أنَّ من كان منهم من الدرجة الخامسة
فهو على الغالب مجهول لا يعرف، يشهد بذلك صنيع الحفّاظ كالذهبنيّ، والعسقلاني،
وغيرهما من المحققين. اهـ.
(٢) انظر السؤال رقم (٢٠١).
٦٩

حبان صاحب تهاويل))(١).
أيضاً: من المتشددين أبو حاتم الرازي - رحمه الله تعالى - فإنّه يتعنت
ويحكم على بعض الناس الذين أخطئوا خطأً محتملًا بالضعف(٢)، ولك أن
تعرف مدى تشدده حيث حكم على مسلم بن الحجّاج النيسابوري - رحمه الله
تعالى - بأنّه صدوق ومسلم إمام من الأئمة، أعلى من هذه الكلمة بكثير (٣).
وذكر الحافظ ابن حجر - رحمه الله - أنَّ الجوزجاني - أبا إسحاق
السعدي - متشدد أيضاً، لا سيّما على الشيعة - شيعة الكوفة (٤)؛ لأنّه كان
متّهماً برأي النواصب وهم يتكلمون في شيعة علي - رضي الله عنه - فكان
(١) ذكر نحو ذلك الحافظ الذهبي في ((ميزانه)) (٨/٤) ترجمة محمد بن الفضل السدوسي
عارم، قال الدّارقطني: تغيّر بآخره، وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر وهو ثقة،
فهذا قول حافظ العصر الذي لم يأت بعد النسائي مثله، فأين هذا القول من قول ابن
حبان: الخساف المشهور في عارم، فقال: اختلط في آخر عمره وتغيّر، حتى كان لا
يدري ما يحدث به ومثله في ترجمة أفلح بن سعيد المدني: ((فلهذه الشدة توقف العلماء
عن قبول جرح ابن حبان، إذا عارضه توثيق غيره من الأئمة، وقال - رحمه الله تعالى
- في ترجمة العلاء بن زهير الأزدي: ((وثّقه يحيى بن معين)) وقال ابن حبان: كان ممن
يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الثقات،
قلت: العبرة بتوثيق يحيى ((الميزان)) (١٠١/٣).
(٢) قلت: وممن وصفه بالتعنت الحافظ ابن حجر في مواضع من كتابه ((هدي الساري))
وكذلك الذهبي قال في ((السير)): ((إذا وثّق أبو حاتم رجلًا فتمسك بقوله فإنّه لا يوثّق إلّا
رجلًا صحيح الحديث، وإذا ليّن رجلًا، أو قال فيه: لا يحتج به فتوقف حتى ترى ما
قال غيره فيه، فإن وثّقه أحد فلا تبني على تجريح أبي حاتم فإنّه متعنّت في الرجال، قد
قال في طائفة من رجال الصحاح: ليس بحجة، ليس بقوي، أو نحو ذلك، ((السير))
(٢٦٠/١٣) وقال المعلمي في ((تنكيله)) (ص: ٥٤٧) أبو حاتم معروف بالتشدد قلّما
وجدته يقول في رجل: صدوق، إلّا وقد وثّقه غيره. اهـ.
(٣) قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٨٢/٨ - ٨٣): مسلم بن الحجاج ... وكان
ثقة من الحفّاظ له معرفة بالحديث سئل عنه أبي فقال: ((صدوق)).
(٤) قال الحافظ في ((هدي الساري)): الجوزجاني كان ناصبياً منحرفاً عن علي فهو ضد
الشيعي المنحرف عن عثمان، والصواب موالاتهما جميعاً ولا ينبغي أن يُسمع قول مبتدع
في مبتدع (٣٩٠) وفي (٤٤٦) الجوزجاني قلنا غير مرة: أنّ جرحه لا يقبل في أهل
الكوفة لشدة انحرافه ونصبه. اهـ.
٧٠

كلامه شديد اللهجة على المتشيعة، فتراه إذا ترجم لرجل شيعي قال: ((زائغ،
أو مائل عن الحق، أو جائر)) إلى غير ذلك من العبارات. لكن لَمّا نظرتُ
في كتابه ((أحوال الرجال)) لم أجد أنّه متشدد، بمعنى أنّه يرد رواية الثقة
لتشيعه، فالشيعة الثقات وثّقهم من جهة الراوية، وضعّفهم من جهة العدالة،
وهذا أمر لا يُطعن عليه فيه، لأنّه يتكلّم في الرجل من جهة العدالة أنّه
صاحب بدعة، وبدعته كذا، لكن من جهة الضبط والإتقان، فإنّه ضابط
لحديثه، متقن له، فالجوزجاني صاحب ((أحوال الرجال)) قد شاع عند كثير
من العلماء، وكثير من طلبة العلم أنّه متشدد، فأنا أقول: ((إن كان تشدده
بمعنى أنّه شديد النفس على المتشيِّعة من جهة العدالة، لا من جهة الراوية
فنعم، أمّا إن كان بمعنى أنّه يرد رواية الثقة، فأين هذا في كتابه ((أحوال
الرجال)) وترجمة واحدة أو نحوها لا تدل على هذا، لأنّه ما من إمام إلّا
وقد خولف، فأحمد بن حنبل - رحمه الله - وهو من المعتدلين قد يضعّف
رجلًا ويوثقه غيره، وأبو زرعة - رحمه الله - وهو من المعتدلين قد يضعف
رجلًا ويوثقه غيره، وابن عديّ - رحمه الله - وهو يُعَدُّ من المعتدلين أيضاً
- وإن كان فيه تساهل في بعض المواضع - قد يضعف رجلًا ويوثقه غيره.
ففي الحقيقة لم يظهر لي تشدد الجوزجاني، بمعنى أنّه يرد رواية الثقة
الضابط لأنّه شيعي، نعم يتكلّم على الشيعة بكلام شديد، لبدعتهم: والمقام
يحتاج إلى مزيد بحث وتحرير والله أعلم(١).
(١) قلت: ويؤيد هذا المعلمي - رحمه الله تعالى - في (تنكيله)) حيث قال:
وقد تتبعت كثيراً من كلام الجوزجاني في المتشيعين فلم أجده متجاوز الحد وإنّما الرجل
لما فيه من النصب يرى التشيع مذهباً سيئاً وبدعة ضلالة وزيغاً عن الحق وخذلاناً ...
وقال في موضع آخر، وأمّا حط الجوزجاني على الشيعة واتضح أنّه لا يجاوز الحد
وليس فيه ما يسوغ اتهامه بتعمد الحكم بالباطل ... إلخ ((التنكيل)) (ص: ٢٤٥، ٢٤٦،
٢٩٦) وانظر كذلك كلام المؤلف - حفظه الله - في السؤال رقم (٦٨).
وقال الذهبي - رحمه الله - في ((ميزان الاعتدال)) (٧٦/١) ترجمة أبي إسحاق الجوزجاني
قال: وقال ابن عدي في ترجمة إسماعيل بن أبان الورّاق، كما قال فيه الجوزجاني:
((كان مائلاً عن الحق ولم يكن يكذب ... )) قال الذهبي فقوله في إسماعيل: مائلاً عن
الحق يريد به ما عليه الكوفيون من التشيع. اهـ.
٧١

أيضاً فقد ذكروا من المتشددين ابن الجوزي - رحمه الله - فابن
الجوزي يذكر في كتابه ((الموضوعات)) أحاديث بعضها في (صحيح مسلم))،
وبعضها في ((مسند الإمام أحمد))، وبعضها صحيح، وكثيراً ما يحكم على
الحديث الضعيف بأنّه موضوع(١).
ومنهم من عدّ شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - متشدداً في بعض
تصانيفه، فيذكر بعض الرواة، ويتكلّم عليهم بشدة، وهم في الحقيقة ليسوا
كما يقول، فلعله كتب هذا من حفظه، وما استحضر كل الكلام في
الرواة(٢)، ومنهم النسائي - رحمه الله - فقد يكون له بعض المواضع يتعنت
(١) قلت: وممن نص على ذلك أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله تعالى - قال في
((مقدمته)): ((لقد أكثر الذي جمع في هذا العصر الموضوعات في نحو مجلّدين فأودع
فيهما كثيراً مما لا يدل دليل على وضعه، وإنّما حقه أن يذكر في مطلق الأحاديث
(الضعيفة)). اهـ (١٠٩) وممن أشار إلى شدته في الرجال الحافظ الذهبي - رحمه الله
تعالى - في ((ميزان الاعتدال)) في ترجمة أبان بن يزيد العطّار، قال: قد أورده العلّامة
أبو الفرج ابن الجوزي في ((الضعفاء) ولم يذكر فيه أقوال من وثّقه وهذا من عيوب كتابه
يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق وقال العلامة المعلمي - رحمه الله تعالى -: إننا عرفنا
من ابن الجوزي تسرعه في الحكم بالوضع والبطلان وترى إنكار أهل العلم عليه في
كتب المصطلح في بحث الموضوع.
قال: ومن جملة ما أورده في الموضوعات وحدها أكثر من ثلاثين حديثاً رواها الإمام
أحمد في ((مسنده)) ولعله أورد في ((الواهيات)) أضعاف ذلك ... إلخ ((التنكيل)) (ص:
٣٤٣) وكذا في (ص: ٤٣٠) ففيها عدّ الشيخ - رحمه الله تعالى - جملة من أوهامه
فلتراجع وانظر ((السير)) (٢٦/١١) و(تدريب الراوي)) للسيوطي (٢٧٨/١ - ٢٧٩).
(٢) قال الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان)): طالعت الرد المذكور أي: ((منهاج السنة))
فوجدته كما قال السبكي في الاستيفاء لكن وجدته كثير التحامل إلى الغاية في رد
الأحاديث التي يوردها ابن المطهر وإن كان معظم ذلك من الموضوعات والواهيات لكنّه
ردّ في ردِّه كثيراً من الأحاديث الجياد التي لم يستحضر حاله التصنيف مظانها لأنّه كان
لاتساعه في الحفظ يتكل على ما في صدره والإنسان عامد للنسيان. اهـ (٣١٩/٦).
وهناك من ينفي تشدد شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - كما تراه في كتاب
((شيخ الإسلام ابن تيمية وجهوده في الحديث وعلومه)) لمؤلفه عبدالرحمن بن عبدالجبار
الفريوائي وقد ذهب إلى القول بتوسطه - رحمه الله - ونفى عنه التشدد، فليراجع (٦٢/١
- ٧٠) وانظر ((الدرر الكامنة)) (٧١/٢) والله أعلم.
٧٢

فيها (١)، وليس في كل المواضع بل ذكره الشيخ المعلمي - رحمه الله - في
((التنكيل))، وضمّ إليه ابن معين - رحمه الله -، وجعلهما ممن يوثق
المجاهيل، وذكر بعض الأمثلة في كتاب ((التنكيل)) فلتراجع (٢).
ومن المتشددين أيضاً شعبة(٣)، وابن معين - رحمهما الله - فابن معين
له كلام شديد في الرواة (٤) وكذا يحيى بن سعيد القطان(٥) فهذه أمثلة
(١) صرّح بذلك الحافظ - رحمه الله تعالى - في ((لسان الميزان)) ترجمة أحمد بن عيسى
التستري قال: ((قد احتج به النسائي مع تعنته)) (٣٨٧/١) وكذا في كتاب ((موافقة الخبر
الخبر)) (ص: ٥٢٢) مجلس (١٢٨).
(٢) قال المعلمي في ((التنكيل)) (ص: ٢٥٥ - ٢٥٦): (( ... فابن حبان قد يذكر في
((الثقات)) من يجد البخاري سماه في ((تاريخه)) من القدماء، وإن لم يعرف ما روى وعمّن
روى ومن روى عنه، ولكن ابن حبان يشدد وربّما تعنّت فيمن وجد في روايته ما
استنكره وإن كان الرجل معروفاً مكثراً؟ والعجلي قريب منه في توثيق المجاهيل من
القدماء وكذلك ابن سعد وابن معين والنسائي، وآخرون غيرهما يوثقون من كان من
التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة بأن يكون له فيما يروي متابع أو
شاهد، وإن لم يرو عنه إلّا واحد ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد ... إلخ. اهـ.
هذا وقد قرن الذهبي - رحمه الله تعالى - في ((موقظته)) (ص: ٧٩) بين النسائي وابن
حبان في الاحتجاج برواية المجهول، فقال: ((مجهول لا يلزم منه جهالة عينه فإن جهل
عينه وحاله فأولى أن لا يحتجّ به وإن كان منفرداً عنه من كبار الأثبات فأقوى حاله
ويحتج لمثله جماعة كالنسائي وابن حبان. اهـ.
(٣) صرح بذلك السّخاوي - رحمه الله - في ((فتح المغيث)) (٢٩٣/١): ومن الأمثلة على
تشدده ما ذكره الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ١٨٢ - ١٨٥)، وانظر ((الميزان)) (١٩٢/٤)
ترجمة المنهال بن عمرو الأسدي.
(٤) قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في ((مجموع الفتاوى)) (٣٤٩/٢٤): وابن
معين وأبو حاتم من أصعب الناس تزكية. اهـ.
(٥) قال الذهبي - رحمه الله - في ((السير)) (١٨٣/٩): ((كان يحيى بن سعيد متعنتاً في نقد
الرجال فإذا رأيته قد وثق شيخاً فاعتمد عليه، أمّا إذا لين أحداً فتأنى في أمره حتى ترى
قول غيره فيه ... إلخ.
وقال الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)) (ص: ٤٢٤) ترجمة عثمان بن فارس، ونقل
البخاري عن علي بن المديني أنّ يحيى بن سعيد احتج به، ويحيى بن سعيد شديد
التعنت في الرجال لا سيّما من كان من أقرانه. اهـ.
٧٣

للمتشددين أو للذين عندهم تعنت في بعض المواضع، وأمّا المتساهلون
فمنهم ابن حبان - رحمه الله -، وهنا يبرز سؤال: كيف يكون الراوي
متشدداً، متساهلًا؟
والحقيقة أنّ التشدد والتساهل ليسا في محل واحد، حتى نقول: إنّه
قد جمع بين النقيضين؛ فالتشدد جاء في جهة، والتساهل جاء في جهة
أخرى، فتساهل ابن حبان - رحمه الله - ناتج عن كونه التزم قاعدة الفقهاء
والأصوليين في توثيق الرواة، فعنده أن الراوي إذا لم يُجَرَّح فهو عدل،
وأيضاً سلك هذا السبيل الحاكم - رحمه الله _(١) فعندهما أن الراوي إذا لم
يجرح فهو عدلٌ؛ لأنّ عندهما أنّه إذا انتفى النقص ثبت الكمال، وفي هذا
(١) أقول: والدليل على ذلك ما قاله - رحمه الله - في ((مستدركه)) (٢١٦/١، ٢٧٤) تعليقاً
على حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((من أدرك الركوع أدرك الصلاة)) صحيح الإسناد،
ويحيى بن أبي سليمان من ثقات المصريين، وهو شيخ من أهل المدينة سكن مصر،
ولم يذكر بجرح.
قال الشيخ الألباني - حفظه الله - في ((الإدواء)) (٢٦٠/٤) معلقاً على ذلك: لو سلم له
ذلك فهل يلزم منه أنّه ثقة في حديثه؟ كلا، لكن مثل هذا القول من الحاكم يشعر اللبيب
أنّ مذهبه في التوثيق کمذهب ابن حبان.
وقال الشيخ في ((الضعيفة)) (٣٢/١ - ٣٣): ((أن ابن حبان متساهل في التوثيق فإنّه كثيراً
ما يوثق المجهولين حتى الذين يصرح هو نفسه أنّه لا يدري من هو ولا من أبوه؟ كما
نقل ذلك ابن عبدالهادي في ((الصارم المنكي)) ومثله في التساهل الحاكم كما لا يخفى
على المتضلِّع بعلم التراجم والرجال فقولهما عند التعارض لا يقام له وزن ... إلخ.
أقول: وانظر من الأمثلة كذلك على تساهله - رحمه الله - ما وقع في ((مستدركه))
(١١٩/١) قال في هذا حديث صحيح فإن كثيراً كوفي سكن البصرة، روى عنه يحيى بن
سعيد وعيسى بن يونس، ولم يذكر بجرح، وكذا في (ص: ٢٢٠، ٢٢٢).
(تنبيه) :
ذكر الشيخ المعلمي - رحمه الله - في ((تنكيله)) (ص: ٦٩٣): أن ذكرهم للحاكم
بالتساهل إنما يخصونه بـ((المستدرك)) دون كتبه في ((الجرح والتعديل)) اهـ.
قلت: وصنيع بعض العلماء يدل على إطلاق تساهل الحاكم - رحمه الله - كما مر معنا
من كلام الشيخ الألباني - حفظه الله - إلّا أنّ المعلمي - رحمه الله - قد عرف
بالاستقراء والنقد التّام فالأمر يحتاج إلى مزيد بحث وتوسع، والله أعلم.
٧٤

نظر، والعلماء لم يروا أن الراوي يكون ثقة بذلك، ولكن قالوا: يشترط أن
يكون عدلًا ضابطاً، وتكلّموا في العدالة، ومنها أن يكون سالماً من أسباب
الفسق وخوارم المروءة، ومنهم من قال: أن لا يكون مصرّاً على صغيرة،
ولا مجاهراً بكبيرة.
ففي الحقيقة أنّ العلماء لم يكتفوا بمجرد سلامة الرجل من الجرح،
ويكون بذلك ثقة عندهم، ولكن اشترطوا أن يكون ضابطاً، وأن تكون
عدالته قد عُلِمت عند الأئمة أو بعضهم حتى يثبت التوثيق له.
فابن حبان مذهبه أن الراوي إذا روى عنه ثقة، وروى هو عن ثقة ولم
يُجَرَّح، وكذا أيضاً، أن لا يكون روى منكراً، فيحصل بمجموع هذا توثيق
الراوي عند ابن حبان - رحمه الله - وهذه القاعدة كنت قد أمليت على
بعض إخواني وجهة النظر والخلل فيها، فقلت: وفي هذه الأمور .. تأمُّل.
فالشرط الأول: كون شيخه ثقة، لا يؤخذ منه مدح للراوي؛ لأنّ
المشايخ الثقات لا يعترضون غالباً على التلاميذ وإن كانوا متروكين، لكن
ينفعه حقاً رواية الكبار عنه، أمّا كون أنّه يروي عن ثقة فماذا نستفيد من
ذلك؟
والشرط الثاني: كون تلميذه ثقة، أو أنّه روى عنه الثقة، ينظر هل
الثقة هنا بتعريف ابن حبان - رحمه الله - وعلى نظرته هو، أم أنّه بتعريف
الأئمة الآخرين؟ وأيضاً ما يكفي رواية ثقة واحد بل ينفعه إن كثر
عددهم(١).
(١) قال الخطيب - رحمه الله - في ((الكفاية)) (١٥٠): احتج من زعم أنّ رواية العدل عن
غيره تعديل له بأن العدل لو كان يعلم فيه جرحاً لذكره، وهذا باطل؛ لأنّه يجوز أن
يكون العدل لا يعرف عدالته، فلا تكون روايته عنه تعديلًا ولا خبراً عن صدقه، بل
يروى عنه لأغراض يقصدها، كيف وقد وجد جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم
أحاديث أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم مع علمهم بأنّها غير مرضية، وفي بعضها
شهدوا عليهم بالكذب في الراوية، وبفساد الآراء والمذاهب فمن ذلك ... ثم ذكر
- رحمه الله - أمثلة على ذلك، والله أعلم.
٧٥

والشرط الثالث: كون الراوي لم يرو منكراً، لم ينفعه هذا إذا كان
مقلًا، وقد سبق بيانه في الكلام على الجهالة، بل لا بد أن يكون مكثراً،
وهو لم يشترط الكثرة، فكونه يروي حديثاً واحداً ليس منكراً لا يعتبر هذا
في توثيقه؛ لأنّه كما سبق بيانه في بداية الكلام على أن الراوي المقل لا
يتأتى للأئمة الحكم عليه بالثقة أو الضعف، أمّا كونه يقول: إن الراوي لا
يكون مجرحاً، فلا يلزم منه التوثيق إلّا على قاعدة الفقهاء، أمّا المحدثون
فيشترطون ثبوت العدالة في الدين، وذلك بالتزكية، أو بالشهرة.
فعلى هذا تكون الشروط التي ذكرها في اعتبار الراوي الثقة أو
الصدوق ليست بكافية، فالمقصود أن ابن حبان - رحمه الله - متساهل(١)،
والحاكم أيضاً متساهل، وكذا الإمام الترمذي - رحمه الله - يتساهل كثيراً،
(١) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في مقدمة ((لسان الميزان)) (١٠٧/١):
قال ابن حبان: من كان منكر الحديث على قلّته لا يجوز تعديله إلّا بعد السبر، ولو كان
ممن يروي المناكير، ووافق الثقات في الأخبار لكان عدلًا مقبول الراوية؛ إذ الناس في
أقوالهم على الصلاح والعدالة، حتى يتبين منهم ما يوجب القدح، هذا حكم المشاهير
من الرواة، فأمّا المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلّا الضعفاء، فهم متروكون على الأحوال
کلها .
قلت - الحافظ -: وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه
كان على العدالة، إلى أن يتبين جرحه، مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا
هو مسلك ابن حبان في كتاب ((الثقات)) الذي ألفه فإنّه يذكر خلقاً ممن ينص عليهم أبو
حاتم وغيره على أنّهم مجهولون، وكأن عند ابن حبان جهالة العين ترتفع برواية واحد
مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره، وقد أفصح
ابن حبان بقاعدته فقال :
العدل من لم يعرف فيه الجرح، إذ التجريح ضد التعديل، فمن لم يجرح فهو عدل حتى
يتبين جرحه، إذ لم يكلف الناس ما غاب عنهم.
وقال في ضابط الحديث الذي يحتج به: إذا تعَرَّى راويه من أن يكون مجروحاً أو فوقه
مجروح أو دونه مجروح، أو كان سنده مرسلًا أو منقطعاً، أو كان المتن منكراً هكذا
نقله الحافظ شمس الدين عبدالهادي في ((الصارم المنكي)) من تصنيفه، وقد تصرف في
عبارة ابن حبان لكنه أتى بمقصده. اهـ وسيأتي الكلام حول ابن حبان ومنزلته في الجرح
والتعديل والتصحيح والتعليل في الجزء الثاني السؤال الأول، والله أعلم.
٧٦

وقد نصَّ الذهبيّ - رحمه الله - على هذا بأنَّ الأئمة ردوا تحسينه لما حسن
حديث: ((الصلح جائز بين المسلمين))(١)، بل ذكر حديثاً، وبيّن أنّه منقطع
ثم قال: حسن غريب(٢)، ومن المتساهلين - أيضاً - ابن سعد؛ فإنّه يوثق
كثيراً ممن لم يوثقه غيره من الأئمة(٣).
(١) روى الترمذي في ((جامعه)): قال: ((ثنا الحسن بن علي الخلال، ثنا أبو عامر العقدي،
ثنا كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده: أنَّ رسول الله صلى
الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((الصلح جائز بين المسلمين إلّا صلحاً حرم حلالا أو
أحلّ حراماً ... )) الحديث قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. أهـ ((جامع
الترمذي)) (ص: ٢٥٣) باب ما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في
الصلح بين الناس، قال الذهبي في ((الميزان)) وكثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف بن
زيد المزني المدني، عن أبيه، عن جده، وعن محمد بن كعب ونافع ... قال ابن
معين: ليس بشيء، قال الشافعي، وأبو داود: ركن من أركان الكذب وضرب أحمد
على حديثه، وقال الدّارقطني وغيره متروك، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، وقال
النسائي: ليس بثقة، وقال مطرف بن عبدالله المدني: رأيته وكان كثير الخصومة، لم
يكن أحد من أصحابنا يأخذ عنه، وقال ابن عمران القاضي: يا كثير! أنت رجل بطّال،
تخاصم فيما لا تعرف، وتدّعي ما ليس لك، وما لك بيِّنة فلا تقربني إلّا أن تراني
تفرغت لأهل البطالة، وقال ابن حبان: له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة، وأمّا
الترمذي فروى من حديثه: ((الصلح جائز بين المسلمين)) وصححه فلهذا لا يعتمد العلماء
على تصحيح الترمذي. اهـ (٣٥٤/٢ _ ٣٥٥) قلت: وقد ذكره كذلك في جملة
المتساهلين في رسالته ((ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل)) لأبي غدة (ص:
١٧٢).
(٢) مثال ذلك ما جاء في باب (ما جاء في الوقت الأول من الفضل) حدّثنا قتيبة، ثنا الليث
عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال، عن إسحاق بن عمر، عن عائشة قالت: ما
صلّى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاة لوقتها آخر مرتين حتى قبضه الله،
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب وليس إسناده بمتّصل. اهـ (٣٢٨/١) رقم
(١٧٤) لكن سيأتي - إن شاء الله - تفصيل ذلك في السؤال (٢٢٤) والله أعلم.
(٣) قال المعلمي في ((تنكيله)) (ص: ٢٥٥): والعجلي قريب من ابن حبان في توثيق
المجاهيل من القدماء وكذلك ابن سعد وابن معين والنسائي وآخرون وغيرهما يوثقون من
كان من التابعين، أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة بأن يكون له فيما يروي
متابعة أو شاهد، وإن لم يرو عنه إلّا واحد ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد ... اهـ.
قلت: ويستدل على تساهله أيضاً بما جاء في ترجمة إبراهيم بن سالم بن أبي أمية، وثّقه =
٧٧

وكذا العجلي صاحب كتاب ((الثقات))(١).
وكذا ابن شاهين أيضاً فيه تساهل(٢).
هذا ما أستحضره الآن، وقد يسأل سائل فيقول: فلان هل هو متشدد
أو متساهل؟ وأنا أجيب عليه، فابن معين: متشدد، والدّار قطني: أظن أنه
معتدل لكنّه يصحح ويحسن في ((السنن)) ما لا يثبت، وكتابه ((السنن)) فيه
غرائب كثيرة (٣)، ويحيى بن سعيد القطان: متشدد، وعبدالرحمن بن مهدي:
ابن سعد وابن حبان، وقال الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق)) وصنيعه هذا يدل على
=
تساهلهما، ومع ذلك فتضعيف ابن سعد فيه نظر لاعتماده على الواقدي.
قال المعلمي - رحمه الله تعالى - في ((تنكيله)) (ص: ٢٩٠): فليس ابن سعد في معرفة
الحديث ونقده ومعرفة درجات رجاله في حد أن يقبل منه تليين من ثبته غيره على أنّه
في أكثر كلامه إنّما يتابع شيخه الواقدي والواقدي تالف، وفي ((مقدمة الفتح)) في ترجمة
عبدالرحمن بن شريح: ((شذ ابن سعد، فقال منكر الحديث، ولم يلتفت أحد إلى ابن
سعد في هذا فإن مادته من الواقدي في الغالب، والواقدي ليس بمعتمد، وفي ترجمة
محارب بن دثار قال ابن سعد: لا يحتجون به، قلت: بل احتج به الأئمة كلهم ...
ولكن ابن سعد يقلد الواقدي، وكذا في ترجمة نافع بن عمر الجمحي، والله أعلم.
(١) قال المعلمي - رحمه الله تعالى - في ((الأنوار الكاشفة)): وتوثيق العجلي وجدته
بالاستقراء كتوثيق ابن حبان أو أوسع. اهـ (ص: ٨٢) وللمؤلف تفصيل في ذلك وسيأتي
- إن شاء الله - في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
(٢) قلت: ومما يستدل على ذلك توثيقه لمحمد بن قاسم الأسدي، والرجل لا يسلم من
((الضعف الشديد)) وترجم له الحافظ بقوله: ((كذّبوه)) كما في ((تقريبه)) وكذا فقد وثق
محمد بن أبي حميد، وقال: ثقة لا شك فيه، حسن الحديث روى عنه أهل المدينة،
قلت: ((والرجل أيضاً شديد الضعف لا يحتج به)) وهناك غير ذلك من التراجم التي تدل
على وجود شيء من التساهل فيه - رحمه الله تعالى - ولكن فيما ذكرته كفاية إن
شاء الله تعالى، والله أعلم.
(٣) قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٥٦/١): ((سنن الدارقطني مجمع الأحاديث المعلولة،
ومنبع الأحاديث الغريبة، وقال في موضع آخر: والدارقطني في موضع آخر ملأ كتابه من
الأحاديث الغريبة والشاذّة والمعلة وكم من حديث لا يوجد في غيره (٣٦٠/١).
قلت: ومما يعتبر نوع تساهل من الدارقطني مذهبه في قبول مجهول الحال مطلقاً وقد
صرح بذلك - رحمه الله تعالى - في ((سننه)) (١٧٤/٣) قال: وأهل العلم بالحديث لا
يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف وإنّما يثبت عندهم العلم بالخبر إذا كان =
٧٨

معتدل(١)، وشعبة: متشدد، والثوري: معتدل(٢)، وأبو حاتم: متشدد، وأبو
زرعة: معتدل(٣)، وابن عيينة: ليس له كلام كثير في الرواة، وعلي بن
المديني: الظاهر أنّه معتدل أيضاً (٤)، والذهبي: ما له كثير نقد مستقل بل هو
ناقد مجتهد في كلام الأئمة، وله مواضع يكون لسانه شديداً على بعض
العلماء ككلامه في وكيع في ((النبلاء)) وكلامه في العقيلي، وابن القطان،
ومع ذلك فهو قد يتساهل في الحكم على الرواة وتلخيصه لكلام الأئمة في
الراوي(٥)، وأما الخطيب فهو إلى التساهل أقرب، ومنهم من يعتمد كلامه
راويه مشهوراً أو رجل قد ارتفع اسم الجهالة عنه، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي
عنه رجلان فصاعداً فإذا كان هذه صفته ارتفع اسم الجهالة عنه وصار حينئذ معروفاً،
وقلت: ولذلك عده الذهبي في ((الموقظة)) من المتساهلين وقد قيد ذلك فقال: ولكن في
بعض الأوقات (ص: ٨٣).
(١) ذكره الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في ((المتوسطين)) انظر ((النكت)) (٤٨٢/١).
(٢) انظر المصدر السابق.
(٣) انظر ((الموقظة)) للذهبي (ص: ١٣).
(٤) أقول: وكنت أميل من قبل إلى القول بتشدده وذلك لقول ابن أبي حاتم في ((الجرح
والتعديل)) في ترجمة فضيل بن سليمان النمري سئل أبو زرعة عن فضيل بن سليمان
فقال: ((لين الحديث)) روى عنه علي بن المديني، وكان من المتشددين (٧٢/٧) ثم
أفادني الشيخ - حفظه الله تعالى - أن المراد من التشدد في هذه الترجمة ليس في باب
الجرح والتعديل وإنّما يعني بذلك عدم الراوية عن الضعفاء وقد يشهد لكلام الشيخ ما
جاء في ترجمة محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي أبو عبدالله، ويقال أبو
الحسن المدني، قال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد محمد بن عمرو كيف هو؟
قال: تريد العفو أو التشدد؟ قلت: لا بل أشد، قال: ليس هو ممن تريد. اهـ. فهذا
يشهد لما ذكره من أن التشدد المذكور هنا هو عدم الراوية عن الضعفاء والله أعلم.
(٥) ومثاله ما ذكره الذهبي في ((الميزان)) ترجمة سليمان بن عبيدالله أبي أيوب الرقي وذكر
قول ابن معين: سليمان بن عبدالله الرقي ليس بشيء، وذكر قبله بتراجم سليمان بن
عبدالله أبو الوليد الرقي قال ابن معين: ليس بشيء تعقبه ابن حجر في ((اللسان)) في هذا
فقال: ما أعلم أنَّ هذا غير أبي أيوب أم لا؟ بل لعله هو فقد ذكر المؤلف في ترجمته
قول ابن معين هذا، قال المعلمي - رحمه الله تعالى -: في ((تنكيله)) وابن حجر واسع
الاطلاع وقد استدرك على الذهبي عدة أوهام. اهـ ثم اعتذر له بقوله: ويظهر أن الذهبي
كان إذا ظفر باسم في مطالعاته قيّده في مذكراته ليلحقه في موضعه في ((الميزان)) فقد يقع
التصحيف والوهم إما من المأخذ الذي نقل عنه الذهبي وإمّا من سرعة كتابة الذهبي في =
٧٩

ولا يعترض عليه، أمّا أنا فأجد كثيراً من المواضع التي يوثق الخطيب فيها
الرجل، فيترجم له الحافظ بقوله: ((صدوق))(١)، وابن حجر - رحمه الله -:
مجتهد أيضاً في نصوص الأئمة، ومن جهة تصحيح الأحاديث والكلام
عليها، فهو إلى التساهل أقرب، وقد بان هذا لي جليّاً عند تحقيقي ((للفتح))
فكم من حديث يضعف صاحبه في ((التقريب))، ومع ذلك يحكم على سند
الحديث وهو من طريقه بأنّه حسن، أو صحيح، أذكر الآن حديث: ((من
استجمر فليوتر)) متّفق عليه، وقد تكلّمت على طرقه بتوسع في ((تحفة القاري
بدراسة وتحقيق فتح الباري)) الوضوء برقم: (٣٠، ٣١) المؤلف. ذكر أنَّ
أبا داود زاد زيادة: ((ومن لا فلا حرج)) قال: وإسنادها حسن، مع أنّه ترجم
في ((التقريب)) لرجلين من إسناد هذه الزيادة بأن كلّ منهما مجهول جهالة
العين، ويكون أيضاً الحديث شديد الضعف، فيأتي له بعبارة خفيفة
الضعف، كقوله في حديث: ((أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من فضل
طينة أبيكم آدم)) قال: ((وهو لم يثبت))، مع أنَّ الحديث شديد الضعف ...
وكلمة: ((لم يثبت)) إنّما تقال في حديث الرجل الضعيف، ما تقال في
حديث الرجل الواهي، الساقط، والحافظ ابن حجر - رحمه الله - على سعة
اطلاعه، وكثرة استفادة طلبه العلم منه ومن كتبه، يتساهل، وقد يحكم على
الرجل في ((التقريب)) - مثلاً - بأنّه صدوق، ويحكم عليه في ((التلخيص
الحبير)) بأنّه ضعيف جداً، أو ضعيف، أو غير ذلك، فلو جمعنا بين كلامه
في ((التلخيص)) وفي ((الدراية))، وفي ((الفتح))، وجدناه يخالف كلامه في
((التقريب)) في مواضع كثيرة، وعند الاختلاف في الكلام على الرواة، فيقدم
من كلام الحافظ ما في ((التقريب)) لأنه حكم عام، بخلاف كتبه الأخرى،
فإن الحكم قد يكون مقيداً بحال الراوي في الحديث، وهناك مواضع لا
مذكراته وسيأتي تفصيل ذلك في السؤال رقم (١٠٢) - إن شاء الله تعالى - فليراجع.
=
وانظر ((التكيل)) (٤٧٩ - ٤٨٠).
(١) مثال ذلك ما جاء في ترجمة جعفر بن محمد الواسطي قال فيه الخطيب: ثقة، ولم
يعتمد الحافظ على قوله، وقال: ((صدوق)) وكذا في أحمد بن حسين بن خراش وكذا
في حمدان بن عمارة البغدادي وغيرهم كثير - والله أعلم -.
٨٠