Indexed OCR Text
Pages 781-788
توفيقكم ومن خذلان من فضحه الامتحان علمت بالتجربة أنهما ضركان لا يجتمعان، وقد حصل ما جئت لأجله ، فلزمني صرف الوقت في التوجه إلى بيت الله وإمضاء العمر في جواره : بطيب جار بها ودار في مكة الوقت قد. صفا لي فذاك خفض على الجوار وخفض عیش جوار رب قال : وهنا من ينوب عني في الحضور وهو الموفق للرشد عبد الصمد وفيه أهلية للدماء فالتمسوه منه ، وقد أذنت له والأزن تأثير في القبول ، وأوصيكم بالإنابة إلى الله في سائر الأحوال، وإمضاء حكم الشرع وإعزاز أهله وصحبة الصالحين ، وتعظيم شعار الفقر ، واتخاذ اليد عند الفقراء ؛ ثم استودعه الله تعالى وتوجه إلى بندر كهوكه ، ومنها إلى مكة المشرفة - انتهى . وقال الحضرمي في ((النور السافر)) إنه كان على جانب عظيم من الورع والتقوى والاجتهاد في العبادة ورفض السوى ، وله مصنفات عديدة ، وذكروا عنه أخباراً حميدة ، ومن مناقبه العظيمة أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام وكانت ليلة جمعة وسبعة وعشرون من شهر رمضان ، فسأله عن أفضل الناس في زمانه ، قال : أنت ، قال: ثم من ؟ فقال : محمد بن طاهر بالهند ، ورأى تلميذه الشيخ ٧٨١ عبد الوهاب في تلك الليلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسألة مثل ذلك ، فقال : شيخك ثم محمد بن طاهر بالهند ، فجاء إلى الشيخ علي المثقى ليخبره بالرؤيا ، فقال له قبل أن يتكلم : قد رأيت مثل الذي رأيت ؛ وكان يبالغ في الرياضة حتى نقل عنه أنه كان يقول في آخر عمره : وددت إن لم أفعل ذلك ، لما وجده من الضعف في جسده عند الكبر ، قال الفاكهي : وكان لا يتناول من الطعام إلا شيئاً يسيراً جداً على غاية من التقلل فيه بحيث يستبعد من البشر الاقتصار على ذلك القدر ، وما ذاك إلا بملكة حصلت له فيه وطول رياضة وصل بها إليه ، حتى كان إذا زيد في غذاء المعتاد ولو قدر فوفلة لم يقدر على هضمه ، قال : وكذا كان قليل الكلام جداً ؛ قال غيره: وكان قليل المنام مؤثراً للعزلة من الأنام - إلى أن قال: وكانت ولاد ببرهانبور سنة ثمان وثمانين ونماعائة - وقيل خمس وثمانين ومامائة ، ومؤلفاته كثيرة نحو مائة مؤلف ما بين صغير وكبير ، ومحاسنه جمة ، ومناقبه ضخمة ؛ وقد أفردما العلامة عبد القادر بن أحمد الفاكهي في تأليف لطيف سماه (( القول التي في مناقب المنتي)) ذكر فيه من سيرته الحميدة و ياضته العظيمة ومجاهداته الشاقة ما يبهر العقول: ولعمري ما أحسن قوله فيه حيث يقول ! طابق اسم شيخنا علي ولقبه المثقى موضع علياه ومسماه . ٧٨٢ وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور: ما أجتمع به أحد من العارفين أو العلماء العاملين واجتمع هو بهم إلا أنوا عليه ثناءً بليغاً ، كشيخنا تاج العارفين أبي الحسن البكري وشيخنا الفقيه العارف الزاهد الوجيه العمودي وشيخنا إمام الحرمين الشهاب ابن حجر الشافعي وصاحبنا فقيه مصر شمس الدين الرملي الأنصاري وشيخنا فصيح علماء عصره شمس البكري ، ونقل من هؤلاء الجلة عندي ما دل على كمال مدحه شيخنا المتقى بحسن استقامته ، والاستقامة أجل كرامة، وقول كل من هؤلاء معتمدي في شهادته : إذا قلت حذامٍ فصدّقوها فان القول ما قالت حَذامٍ قال : ومن ثم اشتهر باقليم مكة المشرفة أشهر من قطا ، وصار يقصده وفود بيت الله كما يقصد المشعر الحرام والصفا. حتى بلغ صيته السلطان المرحوم المقدس سلمان ، بعد أن كان يفرغ على يديه بل قدميه ماء الطهارة محمود عظم سلاطين الهند اعتقاداً ، فياله من شأن! قال وشهرته في الهند وجهاتها أضعاف شهرته بمكة ، كما لا يحتاج في ذلك إلى إقامة برهان ؛ قال : ومن مناقبه أن بعض أصحابه رأى النبي عَُّ في المنام في حياة الشيخ علي وكانت الرؤيا بمكة المشرفة قائلا: يا رسول الله ! بماذا تأمر ني حتى أفعله ؟ قال: تابع الشيخ علي المنقي ٢٨٣ فما فعله افعله - انتهى . وفي هذا أول دليل على أن الشيخ عليّاً المتقى - نفعنا الله بركاته - كان له النصيب الأوفر من متابعته وتخلي ، ولذا خصه ٣ بالذكر دون غيره من أهل زمانه، وأمر الرائي بملاحظة أفعاله ومتابعته فيها - إلى غير ذلك من الإشارة كتسميته شيخاً ؛ وكان الشيخ أبو إسحاق الشيرازي - نقمنا الله به - يفخر بمام نبوي فيه تسمية النبي شيخا ، قلت : ورأيت في بعض التعليق رسالة من إملاء الشيخ - نفعنا الله ببركاته - تشتمل على نبذة من أحواله التي لا تلقى إلا عنه كالمشيرة إلى كمال مبدئه ومآله ، فرأيت أن أذكر منها هنا ما دعت إليه الحاجة . قال: بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ، أما بعد فيقول الفقير إلى الله تعالى عليّ بن حسام الدين الشهير بالمتقى. إنه خطر في خلدي أن أبين للأصحاب من أول أمري إلى آخره ، فاعلموا رحمكم الله أن الفقير لما وصل عمري إلى ثمان سنين جاء في خاطر والدي رحمه الله أن يجعلني مريداً لحضرة الشيخ باجن - قدس الله - مره ! فجعلني مريداً ، وكان طريقه طريق السماع وأهل الذوق والصفاء ، فبايعني ٧٨٤ على طريق المشايخ الصوفية ، وأخذت عنه وأنا ان ثمان سنين، ولقنني الذكر الشيخ عبد الحكيم بن الشيخ باجن - قدس سره ! وكنت في بداية أمري أكتسب بصنعة الكتابة لقوبي وقوت عيالي وسافرت إلى البل ان، ولما وصلت إلى الملتان صحبت الشيخ حسام الذين وكان طريقه طريق المتقين فصحبته ما شاء الله ، ثم وصلت إلى مكة المشرفة صحبت الشيخ أبا الحسن البكري الصديقي - قدس الله سره ! وكان له طريق التعلم والتعليم، وكان شيخاً عارفاً كاملاً في الفقه والتصوف فصحبته ما شاء الله ولقنني الذكر ، وحصل لي من هذن الشيخين الجليلين - عليهما الرحمة والغفران - من الفوائد العلمية والذوقية التي تتعلق بعلوم الصوفية ، فصنفت بعد ذلك كتباً ورسائل ، فأول رسالة صنفتها في مؤلماته: الطريق سميتها ((تبيين الطريق إلى الله تعالى)) وآخر رسالة صنفتها سميتها (( غاية الكمال في بيان أفضل الأعمال)) فمن من الطلبة حصل منهما رسالة ينبغي له أن يحصل الأخرى ليلازم بينهما في القصد - انتهى . قال الحضرمي : وبالجملة فما كان هذا الرجل إلا من حسنات الدهر ، وخاتمة أهل الورع، ومفاخر الهند، وشهرته تغني عن مرجمته، وتعظيمه في القلوب يغني عن مدحته - انتهى . ٧٨٥ ج/١٦ ٢ / ٥٠ وقال الشعراني في الطبقات الكبرى : اجتمعت به في مكة سنة سبع وأربعين وتسعمائة ومردّدت إليه ومردّد إِليَّ، وكان عالماً ورعاً زاهداً نحيف البدن لا تكاد تجد عليه أوقية لحم من كثرة الجوع ، وكان كثير الصمت كثير العزلة لا يخرج من بيته إلا اصلاة الجمعة في الحرم فيصلي في أطراف الصفوف ثم يرجع بسرعة ، وأدخاني داره فرأيت عنده جماعة من الفقراء الصادقين في جوانب حوش داره ، كل فقير له خص يتوجه فيه إلى الله تعالى ، منهم التالي ومنهم الذاكر ومنهم المراقب ومنهم المطالع في العلم ، ما أعجبني في مكة مثله ! وله عدة مؤلفات ، منها ترتيب الجامع الصغير للحافظ السيوطي ، ومنها مختصر النهاية في اللغة ، وأطلعني على مصحف بخطه كل سطر ربع حزب في ورقة واحدة ، وأعطاني فضة وقال : لك المعذرة في هذا البلد - فوسع الله عليَّ في الحج ببركته حتى أنفقت مالاً عظيماً من حيث لا أحتسب ، رضي الله عنه - انتهى . وقال الجلبي في ڪكشف الظنون في ذكر جمع الجوامع للسيوطي: (( إن الشيخ العلامة علاء الدين عليّ بن حسام الدين الهندي الشهير بالمتقي)) رتب هذا الكتاب الكبير كما رتب الجامع الصغير وسماه ((كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال)) ذكر فيه أنه ٧٨٦ وقف على كثير مما دونه الأمة من كتب الحديث، فلم ير فيها أكثر جماً منه حيث جمع فيه بين أصول السنة وأجاد مع كثرة الجدوى وحسن الإفادة ، وجعله قسمين لكن مارياً عن فوائد جليلة، منها أنه لا يمكن كشف الحديث إلا بحفظ رأس الحديث إن كان قولياً ، أو اسم راويه إن كان فعلياً، ومن لا يكون كذلك يعسر عليه ذلك، فبوب أولاً كتاب الجامع الصغير وزوائده وسماه ((منهج العمال في سنن الأقوال)) ثم بوب بقية قسم الأقوال وسماه ((غاية العمال في سنن الأقوال))، ثم بوب قسم الأفعال من جمع الجوامع وسماه الجميع في ترتيب كترتيب جامع ((مستدرك الأقوال » ثم جمع الأصول وسماه ((كنز العمال)) ثم انتخبه وتخصه فصار كتاباً حافلاً في أربع مجلدات . وقال الجلبي في ذكر الجامع الصغير : وللشيخ العلامة عليّ بن حسام الدين الهندي الشهير بالمتقى المتوفى سنة سبع وسبعين وتسعمائة تقريباً مرتب الأصل والذيل معاً على أبواب وفصول ، ثم رتب الكتب على الحروف كجامع الأصوال سماه ((منهج العمال في سنن الأقوال) أوله : الحمد لله الذي ميّز الإنسان بقريحة مستقيمة - الخ ، وله ترتيب الجامع الكبير يعني جمع الجوامع - انتهى . ٧٨٧ وقال عبد الحق بن سيف الدن الدهلوي في أخبار الأخيار)) : إن الشيخ أبا الحسن البكري الشافعي يقول إن للسيوطي منة على العالمين والمتقي منة عليه - انتهى . ومن مصنفاته غير ما ذكر البرهان في علامات المهدي آخر الزمان - بالعربية، لخصه من العرف الوردي في أخبار المهدي للسيوطي ورتبه على التراجم والأبواب وزاد عليه بعض أحاديث جمع الجوامع للسيوطي وبعض أحاديث عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر ، أوله : اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه - الخ، ومنها النهج الأتم في ترتيب الحكم، وله الوسيلة الفاخرة في سلطة الدنيا والآخرة ، وله تلقين الطريق في السلوك لما ألهمه الله سبحانه، وله البرهان الجنيّ في معرفة الولي - بالفارسي ، وله رسالة في إبطال دعوى السيد محمد بن يوسف الجوبوري . توفي ليلة الثلاثاء وقت السحر ثاني جمادي الأولى سنة خمس وسبعين وتسعمائة بمكة المباركة ، ودفن في صبح تلك الليلة ، ومدفنه بالمملاة بسفح جبل محاذي تربة الفضيل بن عياض ، بين قبريها طريق مسلوك عند محل يقال له ناظر الخيش ، وعمره سبع وثمانون سنة ، وقيل : تسعون سنة . ٧٨٨