Indexed OCR Text
Pages 201-220
علي بن أبي طالب يوماً فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ◌َّ ثم قال: يا عباد الله ! لا تغرنكم الحياةُ الدنيا فانها دارٌ بالبلاء محفوفةٌ، وبالفناء معروفة ، وبالقدر موصوفة ، وكل ما فيها إلى زوال ، وهي ما بين أهلها دولٌ وسجال ، لن يسلم من شرّها نزالها ، بينا أهلها في رخاء وسرورٍ ، إذا هم منها في بلاء وغرورٍ ، العيشُ فيها مذمومٌ ، والرغاء فيها لا يدوم، وإنما أهلها فيها أغراضٌ مستهدفةٌ، ترميهم بسهاميها ، ونقصمهم بحمامها ، عباد الله! إنكم وما أنتم من هذه الدنيا عن سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعماراً ، وأشدُ منكم بطشاً، وأعمر دياراً، وأبعد آثاراً، فأصبحت أصواتهم هامدةً خامدة من بعد طول نقلبها، وأجسادُم باليةٌ، وديارهم خاليةٌ، وآثارم عافيةٌ، واستبدلوا بالقصور المشيدة والسرر والمارق الممهدة الصخور، والأحجار المسندة في القبور ، الملاطية الملحدة التي قد بين الخراب فناؤها ، وشيد بالتراب بناؤها، فمحلها مقتربٌ، وساكنها مغتربٌ ، بين أهل عمارة موحشين ، وأهل محلة متشاغلين، لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصل الجيران ، على ما بينهم من قربٍ الجوار ودو الدار، وكيف يكون بينهم تواصلٌ وقد طحنهم بكلكلة البلى وأكلتهم الجنادلُ والترى ، فأصبحوا بعد الحياة أمواتاً، وبعد ٢٠١ غضارة العيش رفاقً ، فجع بهم الأحباب ، وسكنوا التراب ، فطعنوا فليس لهم إيابٌ ، هيهات هيهات! ﴿ كلا أنها كلمةٌ هو قائلها ومن ورائهم برزخٌ إلى يوم يبعثون﴾ فكأنْ قد صرتم إِلى ما صاروا إليه من الوحدة والبلى في دارٍ الموتى ، وارتهنتم في ذلك المضجع ، وضمكم ذلك المستودعُ، فكيف بكم لو قد تناهت الأمور ، ومثرت القبورُ، وحصل ما في الصدور ، وأوقفتم للتحصيل بين بدني ملك جليلٍ ، فطارت القلوبُ لإِشفافها من سالف الذنوب ، وهتكت عنكم الحجب والأستارُ، فظهرت منكم العيوب والأسرار ، هنالك تجزي كل نفس بما كسبت ﴿ ليجزيَ الذين اساؤًا بما عملوا ويجزي الذن أحْسنوا بالحسنى ﴾ ﴿وُوُضع الكتاب فترى المجرمين مُشفقين مما فيهِ ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةَ إِلا أحصاها ووجدُوا ما عملوا حاضراً ولا يَظْلِمُ رَبُكَ أحدا ) جعلنا الله وإياكم عاملين بكتابه " متبعين لأوليائه، حتى يحلنا وإياكم دار المقامة من فضله، إنه حميد مجيدٌ ( الدينوريكر). ٤٤٢٢٥ - عن علي أنه خطبَ الناس " فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ! فان الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداعٍ وإن الآخرة ٢٠٢ قد أقبلت وأشرفت باطلاعٍ ، وإن المضمار (١) اليوم وغداً السباقُ، ألا! وإِنكم في أيام أملٍ ، من ورائه أجلٌ، فمن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خُيب عمله ، ألا ! فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة، ألا! وإني لم أر كالجنة نائم طالبها، ولم أر كالنار نائمٌ هاربها، ألا! وإِنه من لم ينفعه الحق ضره الباطل، ومن لم يستقم به الهدي جار به الضَّلالُ، ألا! وإنكم قد أمرتم بالظعن ، ودللتم على الزاد، ألا أيها الناس! إِنما الدنيا عرضٌ حاضرٌ، يأكل منها البر والفاجرُ، وإِن الآخرة وعدٌ صادقٌ بحكم فيها ملكٌ قادرٌ، ألا! إن ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرةً منه وفضلاً واللهواسع عليم﴾ أيها الناس ! أحسنوا في عمركم تحفظوا في عقبكم " فان الله تبارك وتعالى وعد جنته من أطاعه، ووعد ناره من عصاءُ، إنها نارٌ لا يهدأ زفيرها، ولا فكُ أسيرُها، ولا يجبرُ كسيرها، حرُّها شديدٌ، وقعرها بعيدٌ، وماؤها صديدٌ ، وإن أخوفَ ما أخافُ عليكم اباعُ الهوى وطول الأمل (١) المضمار : أي اليوم العمل في الدنيا للاستباق في الجنة . والمضمار : الموضع الذي تُضَمَّر فيه الخيل ، ويكون وقتاً للأيام الـ تي تُضَمَّر فيها. اهـ ٩٩/٣ النهاية. ب ٢٠٣ (الدينوري ، كر ) . ٤٤٢٢٦ - عن علي قال: ليس حسن الجوار كف الأذى ولكن الصبرُ على الأذى، وقال خيرُ المال ما وقى العرض وقال : لكل شيءٍ آفةٌ وَآفةُ العلم النسيانُ، وآفة العبادة الرياء، وآفةُ اللب العجبُ، وآفة النجابة الكبر، وآفة الظرفِ الصلفُ، وآفة الجود السرفُ، وآفة الحياءِ الضعفُ، وآفةُ الحلم الذل، وآفةُ الجلد الفحشُ ( وكيع في الغرر ) . ٤٤٢٢٧ - عن يحيى بن الجزار عن علي قال لمثمان : إِن سركَ أن تلحق بصاحبيك فاقصر الأمل ، وكل دون الشبع ، وانكش الإِزارَ، وارفعِ القميص، واخصفِ النعل، تلحق بها (كر وقال: محفوظ، إِن علياً قال لعمر - يعني بصاحيه النبي عَدٍ وأبا بكر ). ٤٤٢٢٨ - عن أبي بكر بن عياش قال: لما خرج علي بن أبي طالب إلى أرض صفين مر بخراب المدانِ فتمثلَ رجلٌ من أصحابه فقال : فكأنما كانوا على ميعاد جرتِ الرياحُ على محلّ ديارِ يوماً يصيرُ إِلى بلى ونفاد وأرى النعيم وكلّ ما يُلْهى به فقال علي: لا تقل هكذا، ولكن قل" كما قال الله تعالى ﴿كم تركوا ٢٠٤ من جنات وعيونٍ ، وزروعٍ ومقام كريم * ونعمةٍ كلوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما آخرين ﴾﴾ إن هؤلاء القوم كلوا وارثين فأصبحوا مُوَرِّتين وإن هؤلاء القوم استحلوا الحرم فحلَّت فيها النقمُ، فلا تَستحلوا الحرم فتحلّ بكم النقم ( ابن أبي الدنيا ، خط ) . ٤٤٢٢٩ - ﴿ مسند على﴾ عن عبد الملك بن قريب قال سمعت العلاء بن زياد الأعرابي يقول سمعت أبي يقول : صعد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب منبر الكوفة بعد الفتنة وفراغه من النهروان . فحمد الله وخنقته العبرة ، فبكى حتى اخضلت لحيته بدموعه وجرت ، ثم نفض لحيته فوقع رشاشُها على ناسٍ من أناس ؛ فكنا نقول : إِن من أساه من دموعه فقد حرمه الله على النار ، ثم قال : يا أيها الناس! لا تكونوا ممن يرجو الآخرة بغير عملٍ، ويؤخرُ التوبة بطول الأمل ، يقول في الدنيا قول الزاهدين ، ويعمل فيها عمل الراغبين ، إِن أعطيَ منها لم يشبعْ ، وإِن منع منها لم يقنع ، يعجزُ عن شكر ما أوتيَ ، ويبتغي الزيادة فيما بقسي ، ويأمرُ ولا يأتي ، وينهى ولا تنهي ، يحبُ الصالحين ولا يعمل بأعمالهم ، ويبغض الظالمين وهو منهم ، تغلبه نفسه على ما يظنُ، ولا يغلبها على ما يستيقنُ، إن ٢٠٠ استغنى فُتن ، وإن مرض حزن ، وإن افتقر قَنِط ووهن ، فهو بين الذنب والنعمة يرتعُ ، يُعافى فلا يشكر ، ويبتلى فلا يصبر ، كأن المحذَّرَ من الموت سواه، وكأن من وعدَ وزُجر غيره ، يا أغراض المنايا! يا رهانَ الموت! يا وعاء الأسقامِ! يا نهبةَ الأيامِ! ويا ثقلَ الدهر ! ويا فاكهة الزمان ! ويا نور الحدثان! ويا خرس عند الحجج ويا من غمرته الفتن وحيل بينه وبين معرفة العبر بحق ! أقول ما بجا من نجا إلا بمعرفة نفسه ، وما هلك من هلك إلا من تحت يده ، قال الله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ جعلنا الله وإياكم ممن سمعَ الوعظَ فقبلَ، ودُعيَ إلى العملِ فَعَمِلَ ( ان النجار ) . ٤٤٢٣٠ - عن قال قال: كونوا ينابيع العلم، مصابيح الليل ، خلق الثياب ، جدد القلوب ، تعرفوا ، في السماء وتذكروا به في الأرض ( حل ، وان النجار ). ٤٤٢٣١ - ﴿ مسند علي﴾ عن يحيى بن يعمر أن علي بن أبي طالب خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس! إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههمُ الربانيون والأحبار أنزل الله بهم العقوبات ، ألا ! فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل ٢٠٦ أن ينزل بكم الذي نزل بهم ، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطعُ رزقاً ، ولا يُقْربُ أجلاً ، إن الأمر ينزلُ من السماء إلى الأرض كقطر المطر إلى كل نفس بما قدر الله لها من زيادة أو نقصانٍ في أهلٍ أو مالٍ أو نفسٍ فاذا أصاب أحدكم النقصان في أهلِ أو مال أو نفسٍ ورأى لغيره وغيره فلا يكونَّ ذلك له فتنة فان المرء المسلم مالم يغش دناءةً يظهر تخشماً لها إذا ذُكرت، وتغري به لثامَ الناس كالياسر الفالجِ (١) الذي ينتظرُ أول فوزه من قداحِهِ توجبُ له المغنم وتدفع عنه المغرمَ، فكذلك المرء المسلم البريء من الخيانة إِنما ينتظرُ أحدى الحسنيين إِذا ما دعا الله، فما عند الله هو خيرٌ له، وإما أن يرزقه الله مالاً فإذا هو ذو أهل ومال ؛ الحرث حرثان : المال والبنون حرث الدنيا ، والعملُ الصالحُ حرث الآخرة وقد تجمعُهما الله لأقوام . قال سفيان بن عيينة : ومن يحسنُ يتكام بهذا الكلام إلا علي بن أبي طالب ( ابن أبي الدنيا، كر ). ٤٤٢٣٢ - ﴿ مسند علي﴾ عن ابن عباس قال قال عمر املى : (١) الفالح: وفي حديث علي ((إن المسلم ما لم يَغْشَ دناءة يخشعُ لها إذا ذكرت وتُغرى به لئام الناس كالياسر الفالج)، الياسر: القاصر، والفالج : الغالب في قماره . النهاية ٤٦٨/٣ ٠ ب ٢٠٧ عِظْني يا أبا الحسنِ ! قال: لا تجعل يقينك شكّاً ، ولا علمك جهلاً ولا ظنك حقاً ، وأعلم أنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت وقسمتَ فَسوَّيْتَ، ولبستَ فأبليتَ ؛ قال : صدقت يا أبا الحسن ( كر ) . ٤٤٢٣٣ - عن على قال: ليس الخيرُ أن يكثرَ مالك وولدك ، ولكن الخيرُ أن يكثر علمك ، ويعظم حلمك ، وتناهى في عبادة ربك ، إن أحسنت حمدت الله ، وإن أسأت استغفرت الله . لا خير في الدنيا إلا لرجلين: رجل أذنب ذنباً فهو يتداركُ ذلك بتوبة ، أو رجلٍ سارع في دار الآخرة ( حل ، كر في أماليه ) . ٤٤٢٣٤ - قال أبو الفتوح يوسف بن المبارك بن كامل الخفاف في مشيخته : أنبأنا الشيخ أبو الفتح عبد الوهاب بن محمد بن الحسين الصابونى قراءة عليه وأنا أسمع في جمادي الآخرة من سنة خمس وثلاثين وخمسمائة أنا أبو المعالي ثابت بن بندار بن إبراهيم البقال قراءة عليه أنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال قال قرأت على أبي الحسن أحمد بن محمد ابن عمران بن موسى بن عروة بن الجراح في يوم الخميس لثمان بقين من ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة قلت له حدتكم أبو علي الغماري قال حدثني أبو عوسجة سجلة بن عرفجة من اليمن قال حدثني أبي ٢٠٨ عرفجة بن عرفطة قال حدثني أبو الهراش جرى بن كليب قال حدثني هشام بن محمد عن أبيه محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح قال : جلس جماعةٌ من أصحاب رسول الله عَّه يتذاكرون فتذاكروا: أيّ الحروفِ أُدْخِلَ في الكلام، فأجمعوا على أن الألفَ أكثرُ دخولاً في الكلام من سائرها فقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فخطب هذه الخطبة على البديهةِ وأسقطَ منها الألف ، المؤنقة ، وقال : حمدتُ وعظمتُ من عظُمت منُنه، وسبغت نعمته وسبقت رحمته غضبه ، وتمت كلمته ، ونفذت مشيئته ، وبلغت قضيته محمدُّهُ حمدَ عبدٍ مُقرّ بربوبيته، متخضع لعبوديته، متفصلٍ لخطيئته معترفٍ بتوحيده ، مؤملٍ من ربَّه مغفرةً تنجيه يوم يشغلُ عن فصيلته وبنيه ، ويستعينه ويسترشده ويستهديه ويؤمنُ به ويتوكل عليه وشهدتُ له تَشَهُدَ مخلصٍ موقنٍ وبعزّه مؤمنٌ ، وفردتُه تفريد مؤمنٍ متقنٍ ، ووجدتُ له توحيدَ عبد مذعن ، ليس له شريك في ملكه، ولم يكن له وليٌّ في صنعه، جلّ عن مشيرٍ ووزير ، وعن عونٍ معين ونظير ، علم فستر ، وبطن فخبر وملك فقهر ، وعصى فتفر، وحكم فعدل ، لم یزل وان يزول ، ليس كمثله شيء ، وهو قبل كلٍّ شيءٍ وبسدَ كل شيء، ربٌ منفرد بعزته، متمكن بقوته، ٢٠٩ ج/١٦ ٢/ ١٤ متقدس بعلوه ، متكبر بسموه ، ليس يدركه بصر، وليس يُحيطُ ه نظرٌ ، قوي معين منيع، عليم ، سميع ، بصير، رؤوف، رحيم عطوف ، عجز عن وصفه من يصفه، وصلَّ عن نعته من يعرفه ، قَرُبَ فِبعُد، وبَعُدَّ فقرُبَ ، يجيب دعوة من يدعوه ، ويرزقه ويَحبوه ، ذو لطفٍ خفي ، وبطش قوي ، ورحمة موسعةٍ ، وعقوبة موجعة ، رحمته جنة عريضة مؤلقة ، وعقوبته جحيم ممدودة موبقة ، وشهدتُ ببعث محمد عبده ورسوله وصفيه ونبيه وحبيبه وخليله صلى عليه صلاة تُحظيه، وتزلفه وتُعليه، وتقربه وتدنيه ، بمئه في خير عصر ، وحينٍ فترةٍ وكُفُرٍ، رحمة منه لعبيده، ومنةً لمزيده ، ختم + نبوته، ووضح به حجته، فوعظ ونصح ، وبلغ وكدح ، رؤوف بكل مؤمنٍ رحيم ، سخي رضي ولي زكي عليه رحمة وتسليم ، وبركة ونكريم ، من رب غفورٍ رحيم ، قريب مجيب ؛ وصيتكم معشر من حفرني بوصية ربكم، وذكرتُكم سنة نبيكم، فعليكم برهبةٍ تُسْكنُ قلوبكم، وخشيةٍ تذري دموعكم، وتقيةٍ تنجيكم قبل يوم يذهلكم ويلدكم ، يوم يفوز فيه من نقل وزن حسنتِهِ ، وخف وزن سيئته ، ولتكن مسألتُكم وغلقكم مسألة ذل وخضوع ، وشكر وخضوع ، وتوبةً ونزوعٍ ، وندمٍ ورجوع، ولينتم كل منتم منكم ٢١٠ صحته قبل سقمه ، وشيبته قبل هرمه وكبره ، وسعته قبل فقره ، وفرغته قبل شغله ، وحضره قبل سفره ، قبل أن يكبر فيهرم ويمرض ويسقم ، ومله طبيبه ، ويعرض عنه حبيبه ، وينقطع عمره ، ويتغير عقله ، ثم قيل هو موعوكُ، وجسمه منهوك، ثم أخذ في تزع شديد وحضره كل حبيبٍ قريب وبعيد ، فشخص ببصره ، وطمح بنظرٍ ورشح جبينه ، وخطف عربيته ، وسكن حنينه ، وجذبت نفسه وبكته عرسه، وحفر رمْسه، ويتم منه ولده ، وتفرق عنه صديقه وعدوه ، وقسم جمعه ، وذهب بصره وسمعه ، وكُفن ومُدد ، ووجه وجرد، وغُسل وعُري، وتُشف وسُجي، وبُسط وهيىء ، ونشر عليه كفنه، وشُدَّ منه ذقنه، وقُمِّص منه وعمم ، وودع وعليه سلم وُحمل فوق سريره وصلي عليه بتكبيرة ، ونقل من دورٍ مزخرفةٍ ، وقصورٍ مشيدة ، وحُجرٍ منجدة ، فجعل في ضريح ملحود ، ضيق موصودٍ، بلبنِ منضودٍ ، مُقَّفٍ بجدود ، وهيل عليه عفره ، وحتي عليه مدره ، فتحقق حذره ، ونسي خبره ، ورجع عنه وليه ونديمه ونسيبه ، وتبدل به قربنه وحبيبه، فهو حشوُ قبر ، ورهين ففرٍ ، يسمى في جسمه دودُ قبره ، ويسيلُ صديده على صدره ونحره ويسحقُ تربته لحمه ، وتنشف دمه ، وبرم عظمه حتى يوم حشره ، ٢١١ فَينشر من قبره وينفخ في صوره، ويدعى لحشره ونشوره ، فثم H بُمثرت قبورٌ، وحصّلت سريرةُ صدورٍ، وجىءَ بكلِّ نِيّ وصدّبِقٍ وشهيد ، وقصد للفصل بعبده خبير بصير ، فكم زفرة تغنيه وحسرة نفضيه! في موقفٍ مهيلٍ، ومشهدٍ جليلٍ، بين يدي ملكٍ عظيمٍ، بكل صغيرةٍ وكبيرةٍ عليمٌ ؛ حينئذٍ يلجمه عرفه ويحفزه قلقه؛ عبرته غيرُ مرحومةٍ ، وضرعته غير مسموعةٍ ، وحجته غير مقبولةٍ ؛ تنشر صحيفته ، وتين جريرته ؛ حين نظر في سوء عمله ، وشهدت عينه بنظره، ودُه ببطشه، ورجله بخطوه، وفرجه بلمسه، وجلده بمسته؛ وبهدده منكرٌ ونكيرٌ، فكشف له عن حيث يصير؛ فَسُلْسل جيدُهُ، وغلغل يدهُ؛ وسيق يسحب وحده ، فورد جهنم بكربٍ وشدةٍ ؛ فظلَّ يعذب في جحيمٍ. ويُسقى شربةً من حميمٍ ؛ يشوى وجهه ، ويسلخ جلده ، يضربه ملكٌ بمقمعٍ من حديدٍ، يعودُ جلده بعد نضجه كجاد جدد ؛ فيستغيثُ فيعرض عنه خزنة جهنم ، ويستصرخُ فلم يجب ، ندم حيث لم ينفعه ندمه، فيلبث حقبةً؛ نموذ بربٍ قديرٍ ، من شرّ كل مصير، ونسأله عفو من رضى عنهُ، ومغفرة من قبلَ منه؛ فهو ولىُ مسألتي ، ومنجح طلبتي ، فمن زحزح عن تعذيب ربه ، جعل في جنته بقربه، وخلدَ في قصورٍ ٢١٢ مشيدةٍ ، وملك حورٍ عينٍ وحقدةٍ ، وطيف عليه بكؤوسٍ ، وسكن حظيرة قدسٍ في فردوسٍ ؛ وتقلبَ في نعيمٍ، وسُقى من تسليمٍ ؛ وشرب من عين سلسبيلٍ، قد مُنِ جَ بزنجِيلٍ؛ ختمَ بمسكٍ، وعنبرٍ مستديمٍ للملك ، مستشعرٍ للشعور ، يشرب من خمورٍ ، في روضٍ مغدقٍ ليس ينزف في شربه؛ هذه منزلةُ من خشى ربه، وحذر نفسه ؛ وتلك عقوبة من عصى مُنشئه، وسؤَّلتْ له نفسه معصيته؛ لهو قولٌ فصلٌ، وحكمٌ عدلٌ ، خير قصص قص، ووعظٍ نصّ؛ تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ ، نزل به روحُ قدسٍ مبينٌ من عندِ ربٍ- كريمٍ على قلب في مهندٍ رشيدٍ ؛ صلت عليهِ سفرةٌ، مكرمون بررةٌ؛ وعُذتْ بربٍ عليم حكيمٍ قديرٍ رحيم، من شرّ عدوٍ لعينٍ رجيمٍ ؛ تضرع متفرعكم ويتهل مبتهلكم ، ونستغفر رب كل مريوبٍ لي ولكم؛ ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ تلك الدارُ الآخرةُ نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرضِ ولا فسادًا والعاقبةُ للمتقين). ثم نزل رضي الله عنه (اسناده واه ). ١٣٠) فصل في مواعظ متفرقة لأشخاص متفرقين ٤٤٢٣٥ - عن جندب البجلي قال : اتقوا الله، واقرؤا القرآن، فانه نورُ الليل المظلم، وبهاء النهار على ما كان من جهدٍ وفاقةٍ ، فاذا نزل البلاء فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم، فاذا أنزل البلاء فاجعلوا أنفسكم دون دينكم ، واعلموا أن الخائب من غاب دينُه، والهالكُ من هلك دينه ، ألا ! لا فقرَ بعد الجنة ، ولا غنى بعد النار ، لأن النار لا يفكُ أسيرها، ولا يبرأُ حديرها، ولا يطفأ حريقها، وإنه ليحالُ بين الجنة وبين المسلم ، بملٍ. كف دم أصابه من أخيه المسلم، كلما ذهب ليدخل من بابٍ من أبوابها وجدها تردُ عنها؛ واعلموا أن الآدمي إذا مات ودفن لأنتن أول من بطنه ، فلا تجعلوا مع النتن خبثاً، واتقوا الله في أموالكم ، والدماء فاجتنبوها ( هب ) . ٤٤٢٣٦ - عن الحسن بن علي قال: من طلب الدنيا قعدتْ ه، ومن زهد فيها لم يبال من أكلها ، الراغبُ فيها عبدٌ لمن يملكها، أدنى ما فيها يكفي ، وكلها لا تُغني، من اعتدل يومه فيها فهو مغرور، ومن كان يومه خيراً من غده فهو مغبون ، ومن لم يتفقد النقصان عن نفسه فانه في نقصانٍ ، ومن كان في نقصانٍ فالموتُ خيرٌ له ( ابن النجار ) . ٢١٤ ٤٤٢٣٧ - ﴿ أيضاً﴾ عن الحارث الأعور أن علياً سأل انه الحسن عن أشياءَ من المروءة ، قال: يا بني ! ما السدادُ ؟ قال : يا أبت! دفعُ المنكر بالمعروف، قال: فما الشرفُ؟ قال: اصطناعُ العشيرة وحمل الجريرة ، قال : فما المروءة : قال: العفافُ وإصلاحُ المرء ماله ، قال : فما الدقة ؟ قال : النظرُ في اليسير ومنع الحقيرِ، قال: فما اللؤمُ؟ قال: إِحراز المرء نفسه وبذله عرسه ، قال : فما السماحة ؟ قال: البذلُ في العسر واليسر ، قال: فما الشحُ ؟ قال: أن ترى في يديك شرفاً، وما أنفقته تلفاً، قال: فما الإخاء ؟ قال: الوفاء في الشدة والرخاء ، قال : فما الجبن ؟ قال : الجرأة على الصديق ، والنكول على العدو" ، وقال : فما الغنيمة ؟ قال: الرغبة في التقوى ، والزهادة في الدنيا هي الغنيمة الباردة ، قال: فما الحلم؟ قال: كظمُ الغيظ وملك النفس ، قال : فما الغنى ؟ قال : رضى النفس بما قسم الله لها وإِن قلَّ ، فانما الغنى غنى النفس ، قال : فما الفقرُ ؟ قال : شرهُ النفس في كل شيءٍ، قال : فما المنعة؟ قال : شدةُ البأس ومقارعة أشدّ الناس ، قال : فما الذل ، قال : الفزع عند المصدومة ، قال : فما الجرأة ؟ قال: مواقعة الأقران ، قال : فما الكلفة ؟ قال : كلامك فيما لا يعنيك ، قال : فما المجد ؟ قال : أن تعطي في الغرم ، ٢١٥ وأن تعفوَ عن الجرم ، قال: فما العقل؟ قال : حفظ القلب كلّ ما أستوعيته ، قال : فما الخرقُ؟ قال: معاداتك لإمامك ورفعك عليه كلامك، قال: فما السناء؟ قال: إنيان الجميل، وترك القبيح ، قال: فما الحزم ؟ قال : طولُ الأناة والرفقُ بالولاة والاحتراسُ من الناس بسوء الظن هو الحزمُ ، قال : فما الشرفُ ؟ قال : موافقة الإِخوان وحفظُ الجيران ، قال: فما السفهُ؟ قال : اتباع الدناءة ومضاحبة الغواة ، قال : فما الغفلة ؟ قال: تركك المسجد وطاعتك المفسد، قال : فما الحرمان؟ قال: تركك حظك وقد عرض عليك، قال: فما السيدُ؟ قال : السيدُ الأحمقُ في المال المتهاونُ في عرضه يشتم فلا يجيب المتحزن بأمور عشيرته هو السيد . قال: ثم قال على: يا بني! سمعتُ رسول الله صَّ الله يقول: لا فقر أشدُ من الجهل، ولا مال أعود من العقل ، ولا وحدة أوحشُ من العجب ، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة ، ولا عقل كالتدبير ، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ورع كالكف، ولا عبادة كالتفكر، ولا إِمان كالحياء والصبر. وسمعت رسول الله عَّ ليل تقول: آفة الحديث الكدب، آفة العلم النسيانُ، وآفة الحلم السفه ، وآفة العبادة الفترة ، وآفة الظرف الصلَفُ ، وآفة الشجاعة البنيُ، وآفة السماحة المنْ، وآفةُ الجمال الخيلاء، وآفة ٢١٦ الحسب الفخر. وسمعت رسول الله عَّ الله يقولُ: ينبني للعاقل إذا كان عافلا أن يكون له من النهار أربعُ ساعات: ساعةٌ يناجي فيها ربه جل جلاله، وساعةُ يحاسب فيها نفسه ، وساعةٌ يأتي فيها أهل العلم الذين يبصرونه أمر دينه وينصحونه ، وساعة يخلي فيها بين نفسه ولذتها من أمر الدنيا فيما يحلُ وبجمل ، وينبغي أن لا يكون شاخصاً إلا في ثلاثٍ : مرمة لمعاشٍ ، أو خلوة لمعادٍ . أو لذة في غير محرم، ويدني للعاقل أن يكون في شأنه ، فيحفظ فرجه ولسانه ويعرف أهل زمانه ، والعلمُ خليل الرجل . والعقلُ دليله، والحلم وزيره، والعملُ قرينه ، والصبر أمير جنوده، والرفق والده ، واليسر أخوه ، يا بني ! لا نستخفنَّ برجلٍ تراه أبداً، إن كان أكبر منك فعدَّ أنه أبوك، وإن كان منك فهو أخوك ، وإن كان أصغر منك فاحسب أنه ابنك ( الصابوني في المائتين ، طب ، كر ) . ٤٤٢٣٨ - عن سليمان بن حبيب قال: دخلتُ في نفرٍ على أبي أمامة فاذا شيخٌ قد رقَّ وكبر" وإذا عقله ومنطقه أفضل مما يرى من منظره، فقال في أولِ ما حدثنا إن مجلسكم هذا من بلاغ الله إياكم، وحجته عليكم، فإن رسول الله مَّيٍ قد بلغ ما أرسل به، وأن أصحابه قد بلَّغوا ما سمعوا" فبلغوا ما تسمعون، ثلاثةُ كلهم ٢١٧ ضامنٌ على الله حتى يدخل الجنة أو مرجعه بما نال من أجرٍ وغنيمةٍ: فاصلٌ فُصِلَ في سبيل الله فهو ضامن على الله حتى بدخله الجنة أو يرجعه بما نال من أجرٍ وغنيمةٍ ، ورجلٌ توضأ ثم غدا إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يدخله الجنة أو يرجعه بما نال من أجرٍ وغنيمةٍ، ورجلٌ دخل بيته بسلامٍ، ثم قال: إِن في جهنم جسراً له سبعُ قناطر، على أوسطهن القضاء فيجاء بالعبد حتى إذا انتهى إلى القنطرة الوسطى قيل : ماذا عليك من الدَّين ؟ فيحسبه ثم تلا هذه الآية: ﴿ ولا تكتمون الله حديثاً﴾ فيقول: يا رب! علىَّ كذا وكذا، فيقولُ: افض دينك، فيقول : مالي شيءٍ، ما أدري ما أُفضي به ! فيقال: خذوا من حسناته، فما زال يؤخذ من حسناته حتى ما يبقى له من حسنة ، فإذا فنيت حسناته فيقال : خذوا من سيئات من يطلبه ، فركبوا عليه ، قال : فلقد بلغنى أن رجالاً يجيئون بأمثال الجبال من الحسنات ، فلا يزالُ يؤخذ لمن يطلبهم حتى ما يبقى لهم حسنةٌ، ثم يركب عليهم سيئات من يطلبهم حتى يرد عليهم أمثال الجبال ، ثم قال: إياكم والكذبَ ! فان الكذب يهدي إلى الفجور والفجورُ يهدي إلى النار، وعليكم بالصدق ! فان الصدق يهدي إلى البرّ والبرْ يهدي إلى الجنة، ثم قال: أيها الناسُ! لأنتم ٠ عه ٢١٨ أضلُ من أهل الجاهلية " إن الله تعالى قد جعل لأحدكم الدينار بنفقهُ في سبيل الله بسبعمائة دينارٍ، والدرم بسبعمائة درهم، ثم إنكم صارُون (١) تمسكون، أما والله ! لقد فتحت الفتوح بسيوفٍ ، ما حليتُها الذهبُ والفضةُ ولكن حليتُهَا العَلابِيّ (٢) والآنُكُ (٣) والحديد (كر ). ٤٤٢٣٩ - ﴿ مسند زيد بن ثابت ﴾ عن عبد الله بن دينار المهراني قال : كتب زيد بن ثابت إلى أبي بن كعب : أما بعدُ ! فإن الله قد جعل اللسان ترجماناً للقلب " وجعلَ القلب وعاءَ وراعياً، نقادُ له اللسان لما أهداه له القلب ، فإذا كان القلب على طوق اللسان جاء الكلام والتلف القول واعتدل، ولم تكن للسان عترةٌ ولازلةٌ، ولا حلم لمن لم يكن قلبه من بين يدي لسانه . فاذا تركَ الرجلُ كلامه بلسانه، وخالفه على ذلك قلبُه جدع بذلك أنفه ، وإذا وزن (١) صاردون: الصُّرة للدرام وصرَّ الصُّرّة: شدها. اه صفحة ١٨٥ المختار . ب (٢) العلابى: جمع عاباء، وهو عصب في العنق يأخذ إلى الكاهل ، وهما عيلبا وان يمينا وشمالاً، وما بينهما منبت عرف الفرس. اهـ ٢٨٥/٣ النهاية . ب (٣) الآثُكُ: الأُسْرُب أو أبيضه أو أسود. اهـ ٢٩٣/٣ القاموس. ب ٢١٩ الرجلُ كلامه بفعله صدق ذلك مواقع حديثه ، يذكر هل وجدتَ بخيلاً إلا هو يجودُ بالقول ويمن بالفعل، وذلك لأن لسانه بين يدي قلبه ، يذكرُ هل تجدُ عند أحدٍ شرفاً أو مروءة إذا لم يحفظ ما قال ، ثم يتبعه ويقول ما قال وهو يعلمُ أنه حقٌ عليه واجبٌ حين يتكلم ، لا يكون بصيراً بعيوب الناس ، فان الذي يُبصرُ عيوب الناس ويهونُ عليه عيبه كمن تكلفُ ما لا يؤمر به - والسلام ( ڪر ) . ٤٤٢٤٠ - عن أبي الدرداء قال: لن تزالوا بخير ما أحبيتم خياركم وما قيل فيك الحق فعرفتموه ، فان عارف الحقِ كعامله ( هب، كر ). ٤٤٢٤١ - عن محمد بن واسع قال: كتب أبو الدرداء إلى سلمان أما بعد ! يا أخى ! اغتنم صحتك وفراغك من قبل أن ينزل بك من البلاء مالا يستطيعُ أحدٌ من الناسِ ردّه ، يا أخي! اغثم دعوة المؤمن المبتلي ، ويا أخي ! ليكن المسجدُ بيتك ، فاني سمعت رسول الله عَّ يقول: المسجدُ بيت كل نقي، وقد ضمن الله عز وجل لمن كانت المساجد بيوتهم بالروحِ والراحة والجواز على الصراط إلى رضوان الربِ، ويا أخي ! أدنِ اليقيم منك، وامسح رأسه، والطف به ، ٢٢٠