Indexed OCR Text

Pages 181-200

والهوى شريك العمى ، ومن التوفيق سمةُ الرزق ، نعم طارد الهمومِ
اليقينُ، وفي الصدق النجاة ، عاقبة الكذب شرٌ عاقبةٍ ، ربَّ بعيدٍ
أقربُ من قريبٍ وربَّ قريبٍ أبعدُ من بعيدٍ ، والغريبُ من لم
يكن له حبيبٌ، من تعدى الحقَّ ضاق مذهبه، من أقتصر على قدره
كان أبقى له ، ونعم الخلق ..... وأوثق العرى التقوى ، من أعتبك
قد هوى، وقد يكون اليأسُ إِدراكاً إذا كان الطمعُ هلاكاً ، كم
من مريبٍ قد شَقِىَ به غيره ونجا هو من البلاء ، جانيك من يجني
عليك ، وقد تعدى الصحاحَ مباركُ الجرب ، وليس كلُ عورةٍ
تظهر، ربما أخطأ البصير قصده، وأصاب الأعمى رشده، ليس كل*
من طلب وجد ولا كل من توقّى نجا، أَخِرِ الشيءَ فانك إذا
شئت عجلته ، أحسن إن أحببت أن يحسن إليك ، احتمل أخاك على
كلّ ما فيه ، ولا تكثر العتاب فإنه يورث الضغينة ويجر إلى المغضبة،
وكثرته من سوء الأدب، استعتب من رجوت صلاحَه، قطيعةُ
الجاهل تعدل صلة العاقل ، من كابد الحرية عطبَ ، ومن لم يعرف
زمانه حرب ، ما أقرب النقمة من أهل البني ، وأخلقَ من عدر أن
لا يُولى له ، زلةُ العالم أقبحُ زلةٍ ، وعلةُ الكذاب أقبح علةٍ ،
الفسادُ يبيد الكثير، والاقتصاد يثمر القليل، والقلة ذلةٌ، وبرّ
١٨١

الوالدين أكرمُ الطبائعِ والخوف شر' لحافٍ، والزلة مع العجلةِ، لا
خير في لذةٍ تعقب ندامةً ، والعاقلُ من وعظته التجربةُ، ورسولك
ترجمانُ عقلك، وكتابك أحسن ناطق عنك ، فتدير أمرك، وتقصر
شرَّك، الهدى يجلو العمى، وليس مع اختلافِ اْتلافٌ، ومن
حسنِ العملِ افتقاد حال الجار ، لن يهلك من افتصد ولن يفتقرَ ،
يبين عن سرّ المرء دخيلة، ورب باحث عن حتفه ، وليى كل من
يُنْظرُ بصيرّ ، رب هزلٍ صار جداً، من أنتمن الزمان خانه ، ومن
تعظم عليه أهانه ، ومن لجأ إليه أسلمه أى أخذله ، ليس كلُّ من
رمى أصاب، وإذا تغير السلطانُ تغير الزمان، وخير أهلك من كفاك،
المزاحُ يورث العداوة والحقد ، أعذر من اجتهد وربما أكدى الحق ،
رأسُ الدين صحة اليقين، وتمامُ الإِخلاصِ تجنبُ المعاصي، وخيرُ
القول الصدقُ، والسلامة مع الاستقامة، سَلْ عن الرفيق قبلَ
الطريق ؛ وعن الجار قبل الدار، كُن من الدنيا على بلغة، احملْ
لمن دلَّ عليك، واقبل عُذرَ من اعتذر إليك ، وارحم أخاك وإن
عصاك، وصله وإن جفاك ، وعود نفسك السماح ، وتخير لها من كل
أحسنه ، لا تتكلمْ بما يُرديك، ولا ما كثيرُه يزريك ، أنصف من
نفسك قبل أن ينتصف منك ، أي بي ! إياكَ ومشاورة النساء! إلا
١٨٢

جربتَ بُكمالٍ، فان رأيهن يجرُ إلى أقْن (١) وعزمهن إلى وَهنٍ،
ا كفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن ، فان شدة الحجاب خيرٌ
لهن من الارتياب ، وليس خروجهن بأشدّ عليك من دخول من لا
تثق به عليهن، فإن استطعت أن لا يعرفهن غيرك فافعل، أقلِلْ
الغضب ولا تكثر العتاب في غير ذنب ، فإن المرأة ريحانةٌ ، وليست
بقهر مانةٍ ، وأحسنْ لماليكك الأدب، وإن أجرم أحدٌ منهم جرماً
فأحسن العفو فان العفوَ مع العزّ أشد من الضرب لمن كان له قلبٌ ،
وخف القصاص، واجعل لكل امرىء منهم عملاً تأخذه به ، فانه .
أحرى أن لا يتوكلوا، وأكرم عشيرتك فانهم جناحك الذي به تطير،
وأصلك الذي إليه قصيرٌ، فانك بهم تصول، وبهم تطول، وم العمدة
عند الشدة ، وأكرم كريمهم ، وعد سقيمهم، وأشركهم في أمورم،
ويسر عن معسرم واستعن بالله على أمرك كله ، فانه أكرم معينٍ ،
أستودعُ اللهَ دينَك ودياك - والسلام ( وكيع ، والعسكري في
المواعظ ) .
٤٤٢١٦ - عن يحيى بن عبد الله بن الحسن عن أبيه قال : كان
علىٌ يخطب فقام إليه رجلٌ فقال يا أمير المؤمنين! أخبرني مَنْ أهل
(١) أقْن: الأفن: قلة العقل. اهـ صفحة ١٤ المختار . ب
١٨٣

أهل الجماعة ؟ ومن أهلُ الفرقة! ومن أهل السنة: ومن أهل البدعة ؟
فقال: ويحك ! أما إذا سألتني فافهم عني ، ولا عليك أن لا تسألَ
عنها أحداً بعدي، فأما أهلُ الجماعة فأنا ومَنِ ابعني وإِن قَلُّوا ،
وذلك الحقُ عن أمرِ الله وأمر رسوله ، فأما أهل الفرقة فالمخالفون
لي ومن اتبعنى وإن كثروا، وأما أهل السنة المتمسكون ما سنه الله لهم
ورسوله وإِن قلوا وإِن قلوا ، وأما أهل البدعة فالمخالفون لأمر الله
ولكتابه ورسوله ، العاملون برأيهم وأهوائهم وإِن كثروا ، وقد مضى
منهمُ الفوجُ الأولُ وبقيت أفواجٌ، وعلى الله قَصها واستئصالها عن
جدية الأرض، فقام إليه عمارٌ فقال: يا أمير المؤمنين ! إِن الناس
يذكرون الفيءَ ويزعمون أن من قاتلنا فهو وماله وأهله في لنا وولده،
فقام رجلٌ من بكر بن وائل يُدعى عباد بن قيس وكان ذا عارضة
ولسان شديد فقال: يا أمير المؤمنين ! والله ! ما قسمتَ بالسوية ،
ولا عدلت في الرعية ، فقال علي: ولم - ويحك ؟ قال : لأنك
قسمتَ ما في العسكر، وتركتَ الأموال والنساءَ والذرة، فق ل
علي: يا أيها الناسُ! من كان به جراحةٌ فليداوها بالسمن، فقال
عبادٌ : جئنا نطلبُ غنائنا، فجاءنا بالترهات ! فقال له عليٌّ: إن
كنت كاذبا فلا أمانك الله حتى تدرك غلامَ ثقيفٍ ، فقال رجلٌ من
١٨٤

القوم: ومن غلامُ ثقيفٍ يا أمير المؤمنين؟ فقال: رجلٌ لا يدع الله
حرمةَ إِلا انتهكها ، قال : فيموتُ أو يقتل؟ قال: بلي يقصمه قاصم
الجبارين، قتله بموت فاحشٍ يحترق منه دبره لكثرة ما يجري من
بطنه، يا أخا بكر ! أنت امرؤٌ ضعيفُ الرأي ، أما علمت أنا
لا نأخذُ الصغير بذنب الكبير ! وأن الأموال كانت لهم قبل الفرقة
وتزوجوا على رشدةٍ وولدوا على الفطرةِ، وإِنما لكم ما حوى عسكرهم
وما كان في دورم فهو ميراثٌ لذريّهم، فان عدا علينا أحد منهم
أخذناه بذنبه، وإِن كفَّ عنا لم تحمل عليه ذنب غيره، يا أخا بكر !
لقد حكمتُ فيهم بحكم رسول الله تعَّيٍ في أهل مكةّ ، قسمَ ما حوى
العسكر ولم يعرض لما سوى ذك، وإِنما اتبعتُ أثره حذو النعل
بالفعل ، يا أخا بكر ! أما علمت أن دار الحرب يحلُ ما فيها ، وأن
دار الهجرة يحرم ما فيها إلا بحقٍ، فهلاً مهلاً رحمكم الله ! فار.
أنتم لم تصدقوني وأكثرتم علىَّ - وذلك أنه تكلم في هذا غير واحدٍ-
فأيكم يأخذ أمه عائشة بسهمه ؟ قالوا أيُّنا يا أمير المؤمنين ! بل أصبت
وأخطأنا، وعلمت وجهلنا، ونحن نستغفر الله! وتنادى الناسُ من
كل جانبٍ ، أصبتَ يا أمير المؤمنين! أصاب الله بك الرشاد والسداد !
فقام عمارٌ فقال: يا أيها الناس ! إنكم والله إن اتبعتموه وأطعتموه لم
١٨٥

يضلّ بكم عن منهاج نبيكم قيسَ شعرةٍ ، وكيف يكونُ ذلك وقد
استودعه رسولُ اللهِ مَّيِ المنايا والوصايا وفصلَ الخطاب على منهاجٍ
هارون بن عمران إِذ قال له رسول اللّه صَّ ي : أنت مني بمنزلة هارون
من موسى إلا أنه لا في بعدي ، فضلاً خصه الله به إكراماً منه
لنبيه صَّ و حيث أعطاه الله ما لم يُعطه أحداً من خلقه، ثم قال على :
انظروا رحمكم الله ما تؤمرون به فامْضُوا له ، فان العالم أعلم بما يأتي
من الجاهل الخسيس الأخسِ ، فاني حاملكم - إن شاءَ الله تعالى إن
أطعتموني - على سبيل الجنة وإن كان ذا مشقةٍ شديدةٍ ومرارةٍ
عتيدةٍ، وإِن الدنيا حلوةٌ، الحلاوة لمن اغتر بها ..... من الشقوة
والندامة عما قليلٌ ، ثم إني مخبر كم أن خيلاً من بني إسرائيل أمرم
نبيهم أن لا يشربوا من النهر ، فَلجوا في ترك أمره فشربوا منه إلا
قليلاً منهم فكونوا رحمكم الله من أولئك الذين أطاعوا بهم ولم يعصوا
ربهم، وأما عائشة فأدركها رأيُ النساء وشيء كان في نفسها على
يغلي في جوفها كالمرجل ، ولو دعيتْ لتنال من غير ما أنتْ إِلى لم
تفعل، ولها بعد ذلك حرمتها الأولى، والحساب على الله ، يعفو عمن
يشاء ويعذبُ عمن يشاء ؛ فرضى بذلك أصحابه وسلموا لأمره إحدَ
اختلاطِ شديدٍ فقالوا: يا أمير المؤمنين! حكمت والله فينا بحكم الله،
١٨٦

أنا جَهلنا ومع جلهلنا لم نأتِ ما يكره أميرُ المؤمنين: وقال انُ
يساف الأنصاري :
لخطأ الإيراد والإصدار
إِن رأياً رأيتموه سفاحاً
ذلك زيغُ القلوبِ والأبصارِ
ليسَ زوجُالنبي تُقْسَمُ فينا
لا تناجوا بالإِمِ في الإِسرار
فاقبلوا اليومَ ما يقولُ علىٌّ
إِنما الفيء ما تضمُ الأوارُ (١)
ليسَ ماضمتِ البيوتُ بفىء
ومتاع يبيع أيدي التجار
من كراع في عسكر وسلاح
ليسَ في الحق قسمُ ذاتٍ نطاقٍ
لا ولا أخذُكم لذات خمار
قد رضينا لاخيرَ في الأكثارِ
ذاك هو فيئُكم خذوه وقُولوا
ـب وجاءت نزلةٍ وعثار
إنها أمْكم وإن عظُم الخط
ق علينا من سترِهِا ووقارُ
فلها حرمةُ النبي وحقا
فقام عباد بن قيس وقال: يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن الإِيمان، فقال:
نعم ، إن الله ابتدأ الأمور فاصطفى لنفسه ما شاء، واستخلص ما أحبْ
فكان مما أحبَّ أنه ارتضى الإِسلام ، واشتقه من اسمه " فنحله من
أحبّ من خلقه، ثم شقه فسهل شرائعه لمن وردَه وعنَّزَ أركانه على
(١) الأوار : كغراب: حَر النار والشمس والعطش، والدخان، واللهب .
اهـ صفحة ٢٣ المختار . ب
١٨٧

من حاربه، هيهات مُن أن يصطامه مصطلٌ ! جعله سلماً لمن دخله ،
ونوراً لمن استضاء به ، وبرهاناً لمن تمسك به، وديناً لمن انتحله ،
وشرفا لمن عرفة ، وحجة لمن خاصم به وعلماً لمن رواه ، وحكمة لمن
نطق به ، وحبلا وثيقاً لمن تعلق به، ونجاة لمن آمن به، فالإيمان
أصل الحق ، والحق سبيل الهدى ، وسيفه جامع الحلبة ، قديم المدة
الدنيا مضماره ، والغنيمة حليته، فهو أبلج منهاج ، وأنور سراج وأرفع
غابة ، وأفضل دعية ، بشير لمن سلك قصد الصادقين ، واضح البيان
عظم الشأن ، الآمن منهاجه ، والصالحات مناره ، والفقه مصابيحه ،
والمحسنون فرسانه، فعُصمَ السعداء بالإِيمان ، وخذل الأشقياء بالعصيان
من بعد اتجاه الحجة عليهم بالبيان ، إذ وضح لهم منار الحق وسبيل
الهدى ، فالايمان يستدل به على الصالحات ، وبالصالحات يعمرُ الفقه ،
وبالفقه برهب الموت ، وبالموت يختم الدنيا ، وبالدنيا تخرجُ الآخرة
وفي القيامة حسرة أهل النار، وفي ذكر أهل النار موعظة أهل التقوى
والتقوى غاية لا يهلكُ من أنبعها ، ولا يندم من عمل بها، لأن
بالتقوى فاز الفائزون ، وبالمعصية خسر الخاسرون ، فلزدجر أهل النهى
وليتذكر أهل التقوى ، فإن الحلق لا مُقصر لهم في القيامة دون
الوقوف بين يدي الله، مرفلين في مضمارها نحو القصبة العليا إلى الغاية
١٨٨

القصوى ، مُهُطعين بأعناقهم نحو داعيها ، قد شخصوا من مستقر
الأجداث والمقار إلى الضرورة أبداً ، لكل دار أهلُها، قد انقطعت
بالأشقياء الأسبابُ وأفضوا إِلى عدل الجبار ، فلا كرَّة لهم إلى دارِ
الدنيا ، فتبرؤا من الذين آثروا طاعتهم على طاعة الله ، وفاز السعداء
بولاية الإِيمان، فالإِيمان يا انَ قيسٍ على أربع دعائم : الصبر ،
واليقين ، والعدل ، والجهاد ؛ فالصبرُ من ذلك على أربع دعائم :
الشوق ، والشفق ، والزهد ، والترقب ؛ فمن اشتاق إلى الجنة سلا
عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ، ومن زهد
في الدنيا هانت عليه المصيبات ، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات
واليقينُ من ذلك على أربع دعائم : تبصرة الفتنة تأول الحكمة، ومن
تأولَ الحكمة عرف العبرة ، ومن عرف العبرة عرف السنة ، ومن
عرف السنة فكأنما كان في الأولين ، فاهتدى إلى التي هي أقوم ؛
والعدلُ من ذلك على أربع دعائم: غائصِ الفهم ، وغمرةِ العلم، وزهرة
الحكم ، وروضة الحلم ، فمن فهم فسَّرَ جميع العلم ، ومن علم عرف
شرائعَ الحكم، ومن عرف شرائع الحكم لم يضل، ومن حلم لم
يُفرط أمره وعاش في الناس حميداً، والجهادُ من ذلك على أربع
دعائم : الأمرِ بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والصدق في المواطن
١٨٩

٠٠٦
وشنآن الفاسقين؛ فمن أمر بالمعروف شدَّ ظهر المؤمن ، ومن نهى
عن المنكر أرغم أنف المنافق، ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه
ومن شنأ المنافقين وغضِبَ الله غضِبَ الله له . فقام إليه عمار فقال:
يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن الكفر على ما بُنيَ كما أخبرتنا عن الإِيمان
قال: نعم يا أبا اليقظان! بُني الكفرُ على أربعِ دعائمَ : على الجفاء
والعمى، والغفلة، والشك. فمن جفا فقد احتقر الحق ، وجهر بالباطل
ومقت العلماء وأصر على الحنثِ العظيم ؛ ومن عمِيَ نسيَ الذكر
واتبع الظنّ ، وطلب المغفرة بلا توبةٍ ولا استكانةٍ ؛ ومن غفل حاد
عن الرشد وغرته الأماني، وأخذته الحسرة والندامة ، وبدا له من
الله مالم يكن يحتسب ، ومن عنا في أمرِ الله شكَّ ، ومن شئً تعالى
عليه فأذله بسلطأنه وصفَّره بجلاله كما فرط في أمره فاغتر بربه الكريم
والله أوسعُ بما لديه من العفو والتيسير ، فمن عمل بطاعة الله اجتلب
بذلك ثواب الله، ومن تمادى في معصية الله ذاق وبال نقمة الله ،
فهنيئاً لك يا أبا اليقظان عقبى لا عقبى غيرها وجنات لا جنات بعدها!
فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ! حدثنا من ميتِ الأحياء ،
قال : نعم ، إِن الله بعث النبيين مبشرين ومنذرين فصدقهم مصدقون
وكذبهم مكذبون ، فيقاتلون من كذبهم من صدقهم، فيُظهرم الله
١٩٠

ثم يموت الرسل، فتخلف خلوفٌ، فهم منكِرٌ للمنكر بيده ولا*
وقلبه ، فذلك استكمل خصال الخير ، ومنهم منكرٌ للمذكر بلسانه
وقلبه تاركٌ له بيده فذلك خصلتان من خصال الخير تمسك بها وضيع
خصلة واحدة وهي أشرفها ، ومنهم منكر للمنكر بقلبه تارك له يده
ولسانه فذلك ضيع شرف الحصلتين من الثلاث وتمسك بواحدة
ومنهم تارك له بلسانه وقلبه ويده فذلك ميتُ الأحياء ؛ فقام إليه رجل
فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا على ما قاتلتَ طلحة والزبير ؟ قال :
قاتلتهم على نقضهم بيعتي ، وقتلِهم شيعتي من المؤمنين حكيم بن جبلة
العبدي من عبد القيس والسائحة والاساورة بلا حقٍ استوجبوه منهما
ولا كان ذلك لهما دون الإِمام ، ولو أنها فعلا ذلك بأبي بكر وعمر
لقائلاهما، ولقد علم من ههنا من أصحاب محمد عَّ أن أبا بكر
لم يرضيا ممن امتنع من بيعة أبي بكر حتى بايع وهو كاره ولم يكونوا
بايعوه بعد الأنصار ، فما بالي وقد بايعاني طائمين غير مكرهيز، ولكنها
طمِعا مني في ولاية البصرة واليمن ، فلما لم أوّهما وجاءهما الذي غلب
من حبهما للدنيا وحرصهما علها خفتُ أن يتخذا عباد الله خولا ، ومال
المسلمين لأنفسهما ، فلما زويت ذلك عنهما وذلك بعد أن جربتهما
واحتججتُ عليهما . فقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن
١٩١

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجبٌ هو؟ قال سمعتُ رسول
الله تعهَّ يقول: إنما أهلك الله الأمم السالفة قبلكم بتركهم الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ، يقول الله عز وجل ﴿ كانوا لا يتناهون
عن منكرٍ فعلوهُ لبئسَ ما كانوا يفعلون﴾ وإن الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر الخُلقان من خُلق الله عز وجل، فمن نصرهما نصره
الله ومن خذلهما خذله الله، وما أعمالُ البرّ والجهاد في سبيله عند
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كبقعة في بحرٍ لجي ، فروا
بالمعروف وانهوا عن المنكر ، فان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لا يُقربان من أجلٍ ولا ينقصان من رزقٍ، وأفضلُ الجهاد كلمة
عدل عند إمام جائر ، وإِن الأمر لينزل من السماء إلى الأرض كما
ينزلُ قطرُ المطر إلى كل نفسٍ ما قدر الله لها من زيادة أو نقصان
في نفسٍ أو أهلٍ أو مالٍ، فاذا أصاب أحدكم نقصاناً في شيء من
ذلك ورأى الآخرُ ذا بمارٍ لا يكونَ له فتنة، فإن المرء المسلم
البريءَ من الخيانة لينتظرُ من الله إحدى الحسنيين: إِما من عند الله
فهو خير واقع وإِما رزق من الله يأتيه عاجلٌ ، فاذا هو ذو أهل ومال
ومعه حسبه ودينه ، المالُ والبنون زينة الحياة الدنيا ، والباقيات
الصالحات حرثُ الدنيا ، والعملُ الصالحُ حرث الآخرة ، وقد يجمعها
١٩٢

الله لأقوامٍ. فقام إليه رجلٌ فقال : يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن
أحاديث البدع، قال: نعم، سمعتُ رسول الله عَّ يقول: إِن
أحاديثَ ستظهرُ من بعدي حتى يقول قائلهم: قال رسول الله عَليه
وسمعت رسول الله مجم، كلَّ ذلك افتراء عليَّ، والذي بعثني بالحق!
لتفترقن أمتي على أصلِ دينها وجماعتها على نتين وسبعين فرقة ، كلها
صنالة مضلة تدعوا إلى النار ، فاذا كان ذلك فعليكم بكتاب الله عن
وجل ، فان فيه نبأ ما كان قبلكم ونبأ ما يأتي بعدكم، والحكم فيه
بَيْنٌ ، من خالفه من الجبابرة قصمه الله ، ومن ابتغى العلم في غيره
أصله الله، فهو حبل الله المتين ، وبوره المبين ، وشفاؤه النافع ، عصمة
لمن تمسك به ، ونجاة لمن تبعه، لا يموج فيقام ، ولا يزيغُ فيتشعب
ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلقُه كثرة الرد ، هو الذي سمعته الجن فلم
تناه أو ولوا إِلى قومهم منذرين قالوا: يا قومنا! ﴿ إنا سمعنا قرآناً
صـ
عجباً يهدي إلى الرشد ﴾ من قال به صدق، ومن عمل له أجر،
ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم . فقام إليه رجلٌ فقال :
يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن الفتنة هل سألت عنها رسول الله عَّايه؟
قال: نعم ، إنه لما نزلت هذه الآية من قول الله عز وجل: ﴿الاسم
أحَسِبَ الناسُ أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾ علمت
١٩٣
ج/:١٦ ١٣/٢

أن الفتنة لا تنزلُ بنا ورسول الله مَِّ حِيءٌ بين أظهرنا فقلت:
يا رسول الله ! ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها ؟ فقال : يا علي !
إِن أمتي سيفتنون من بعدي ، قلت : يا رسول الله ! أوليس قد قلت
لي يوم أحدٍ حيثُ استُشهدَ من استُشهد من المسلمين وحزنت على
الشهادة فشق ذلك علىَّ فقلت لي : أبشر يا صديق ! فإن الشهادة
من ورائك ، فقال لي : فان ذلك لكذلك، فكيفَ صبرُك إِذا
خضبتْ هذه منْ هذا! وأهوى بيده إلى لحيتي ورأسي ، فقلتُ :
بأبي وأمي يا رسول الله ! ليس ذلك من مواطن الصبر ولكن من
مواطن البشرى والشكر ! فقال لي: أجل ، ثم قال لي: يا علي!إِنك
باقٍ بعدي ، ومبتلي بأمتي، ومخاصم يوم القيامة بين يدي الله تعالى
فأعدد جواباً ، فقلتُ: بأبي أنت وأمي ! بَيِّنْ لي ما هذه الفتنة
التي يبتلون بها وعلى ما أجاهده بعدك ؟ فقال: إنك ستقائلُ بعدي
الناكئة والقاسطة والمارفة - وحلام وسماهم رجلاً رجلاً ، ثم قاللي:
وتجاهد أمتي على كلٍ من خالف القرآن ممن يعمل في الدين بالرأي ،
ولا رأى في الدين، إنما هو أمرٌ من الربّ ونهيهُ ، فقلت: يارسول
الله ! فأرشدني إلى الفاج عند الخصومة يوم القيامة ، فقال: نعم ، إذا
كان ذلك فاعتصر على الهدى ، إذا قومك عطفوا الهدى على العمى ،
١٩٤

وعطفوا القرآن على الرأي فتأولوه برأيهم ، تُتْبعُ الحجج من القرآن
بمشتهات الأشياء الكاذبة عند الطمأنينة إلى الدنيا والتهالك والتكاثر
فاعطف أنتَ الرأى على القرآن إِذا قومُك حرَّفوا الكلم عن مواضعه
عند الأهواء الساهية، والأمرِ الصالح، والحرج الآثم ، والقادة
الناكئة ، والفرقة القاسطة، والأخرى المارقة أهل الإفكِ المُردي
والهوى المطغى ، والشبهة الحالقة ، فلا تتكلنَّ عن فضل العاقبة فان
العاقبة للمتقين، وإياك ياعلىّ أن يكون خصمُك أولى بالعدل والإحسان
والتواضعِ لله والاقتداء بسنتي والعمل بالقرآن منك! فان من فلج
الربّ على العبد يوم القيامة أن يخالف فرضَ الله أو سنة سنها ني ،
أو يعدل عن الحق ويعمل بالباطل ، فعند ذلك يُعلي لهم فيزدادوا إنما
يقول الله ﴿ إِنما نُمْلي لهم لِيزدادوا إِنما ﴾ فلا يكون الشاهدون
بالحق والقوامون بالقسطِ عندك كغيرهم ، يا علي! إن القوم سيفتنون
ويفتخرون بأحسابهم وأموالهم ويُزَكون أنفسهم ويَمُنُّون دينهم على
ربهم ، ويتمنون رحمته ويأمنون عقابه ، ويستحلون حرامه بالمشتبهات
الكابة ، فيستحلون الخمر بالنبيذ والسحتَ بالهدية والربا بالبيع ،
ويمنعون الزكاة ويطلبون البرَّ ، ويتخذون فما بين ذلك أشياء من
الفسق لا توصف صِفَتُها، وبي أمرهم السفهاء، ويكثر تنبعهم
١٩٥

على الجورِ والخطاء ، فيصيرُ الحق عندهم باطلاً والباطلُ حقا،
ويتعاونون عليه ويرمونه بألسنتهم ، ويعيون العلماء ويتخذونهم سخرياً.
يا رسول الله! فبأية المنازل هم إذا فعلوا ذلك بمنزلة فتنة أو بمنزلة
ردة ؟ قال : بمنزلة فتنةٍ ، ينقذم الله بنا أهل البيت عند ظهورنا
السعداء من أولي الألباب إلا أن يدعوا الصلاة ويستحلُوا الحرام في
حرم الله ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافرٌ ؛ يا على! بنا فتح الله
الإِسلام وبنا يختمه ، بنا أهلكَ الأونان ومن يعبدُها؛ وبنا يقصم كل
جبازٍ وكل منافقٍ ، حتى إنا لنقتل في الحق مثل من قتل في الباطل ،
يا على ! إنما مثل هذه الأمة مثل حديقةٍ أطعم منها فوجاً عاماً ثم
فوجاً عاماً ، فلعل آخرُها فوجاً أن يكون أثبتها أصلاً وأحسنها فرعاً،
وأحلاها جنىَ وأكثرها خيراً، وأوسعها عدلاً، وأطولها ملكاً ؛
يا على ! كيف يهلك الله أمةً أنا أولها ومهدينا أوسطها، والمسيح
ابن مريم آخرها؛ يا على ! إِنما مثلُ هذه الأمة كمثل الغيث لا يدري
أوله خيرٌ أم آخره، وبين ذلك نهجٌ أعوجُ لست منه وليس منى ؟.
يا على ! وفي تلك الأمة يكونُ الغلول والخيلاء وأنواع المثلات ، ثم
نعود هذه الأمة إلى ما كان خيار أوائلها ، فذلك من بعد حاجة الرجل
إلى قوت امرأته - يعني غَزْلها، حتى أن أهل البيت ليذبحون الشاة
١٩٦

فيقنعون منها برأسها ويولون بقيتها من الرأفة والرحمة بينهم (وكيع) ..
٤٤٢١٧ - عن أبي وائل قال: خطبَ على النلس بالكوفة
فسمعته يقول في خطبته: أيها الناس ! إنه من يتفقرُ افتقرَ ، ومن
يُعَمّرِ يُبْتلى، ومن لا يستعدُّ للبلاء إذا ابتلي لا يصيرُ ، ومن ملك
استأثر ، ومن لا يستشيرُ يندمُ ! وكان يقول من وراء هذا الكلام:
وشك أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه،
وكان يقول : ألا ! لا يستحيى الرجل أن يتعلم ، ومن يسأل عما لا
يعلم أن يقول: لا أعلم ، مساجدكم يومئذٍ عامرةٌ، وقلوبكم وأبدانكم
خربةٌ من الهدى، شرٌّ من تحت ظلِّ السماء فقهاؤكم، منهم تبدو
الفتنة وفيهم تعودُ؛ فقام رجلٌ فقال: ففيم يا أمير المؤمنين ! قال :
إذا كان الفقه في رذالكم ، والفاحشة في خياركم ، والملك في صغاركم ،
فعند ذلك تقوم الساعة ( هب ) .
٤٤٢١٨ - عن على قال: لا تنظرْ إِلى من قال، وانظر إلى ما
قال ( ان السمعاني في الدلائل ) .
٤٤٢١٩ - عن على: لكل إخاء مُنْقطعٌ إلا إناء كان على
غير الطمع ( ان السمعاني ) .
٤٤٢٢٠ - عن على قال: زمتي رهينةٌ وأنا به زعيمٌ، لمن
١٩٧

صرَّحْتُ له العبر ، أن لا يهيج على التقوى زرعُ قومٍ ، ولا يظمأ
على الهدى سنْخُ (١) أصلٍ ، ألا وإن أبغض خلق الله إلى الله رجلٌ
قش علماً غاراً في أغباشِ (٢) الفتنة عمياً بما في غيبِ الهُدْنَةِ (٣)،
سماه أشباهه من الناس عالماً، ولم يُغْن في العلم يوماً سالماً ، بكر
فاستكبر فما قلُ منه فهو خيرٌ مما كثر حتى إذا ما ارتوى من ((ماء
آجن)) وأكثر من غير طائلٍ قعد للناس مفتياً لتخليص ما التبس
على غيره ، إن نزلتْ به إحدى المبهات هيأَ حشواً من رأيه ، فهو
من قطع المشتبهات في مثل غزل العنكبوت ، لا يعلم إذا أخطأ لأنه
(١) سنخ: السّنْخ والأصل واحد، فلما اختلف اللفظان أضاف أحدهما
إلى الآخر . اهـ ٤٠٨/٢ النهاية . ب
(٢) أغباش: يقال: غَبِشَ الليل وأغبش إذا أظلم ظلمة يخالطها بياض،
ومنه حديث علي ((قتمتشَ علماً غاراً بأغباش الفتنة)) أي يظلَمِها.
١هـ ٣٣٩/٣ النهاية. ب
(٣) الهدنة : السكون . والهُدْنة: الصلح والموادعة بين المسلمين والكفار ،
وبين كل متحاربين . ومنه حديث علي: ((عمياناً في غيب الهدنة))
أي لا يعرفون ما في الفتنة ص الشر ، ولا ما في السكون من الخير .
١هـ ٢٥٢/٥ النهاية . ب
١٩٨

لا يعلم أخطأ أم أصاب خباطَ عشوات ركاب جهالات ، لا يعتذر مما
لا يعلمُ فيسلمُ، لا يعضْ في العلم بضرسٍ قاطعٍ ، ذراء الرواية ذرو
الريح الهشيم ، تَبْكي منه الدماء، وتضرخ منه المواريث، ويستحل
بقضائه الحرام ، لا ملىء والله باصدار ما ورد عليه ، ولا أهل لما فرط
به ( المعافى بن زكريا ، ووكيع ، كر ).
٤٤٢٢١ - عن على أنه بلغه موتُ رجلٍ من أصحابه ثم جاءه
الخبر أنه لم يمت ، فكتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعدُ !
إنه قد كان أنانا خبرٌ ارتاع له أصحابك ، ثم جاء تكذيبُ الخبرِ
الأول ، فأنعم ذلك أن سرنا ، وإن السرور بسبيل الانقطاع يستتبعه
عما قليلٍ تصديقُ الخبر الأول ، فهل أنت كان كرجلٍ قد رأى
الموت وعان ما بعده فسأل الرجعة ، فأسعف بطلبته فهو متأهّبٌ
(آتبٌ ، ينقل ما يسره من ماله إلى دار قراره، ولا يرى أن له مالا
غيره، واعلم أن الليل والنهار لم يزالا دائبين في نقض الأعمار وإنفاد
الأموال وطيّ الآجال، هيهات هيهات! قد صحبا ماداً ونمود وقروناً
بين ذلك كثيراً ، فأصبحوا قد وردوا على ربهم ، وقدموا على أعمالهم
والليلُ والنهارُ غضّان جديدان، لم يبلهما ما ص به ، مستعدين لما بقي
مثل ما أصابا به من مضي، واعلم أنك إنما أنت نظيرُ أخواتك
١٩٩

وأشباهك ، مثلك كمثل الجسد قد فرغت قوته ، فلم يبق إلا حشاشة
نفسه، ينتظر الداعي، فتعوَّذ بالله مما تعظ به ثم تُقَصِّرِ عنه
( العسكري في المواعظ ) .
٤٤٢٢٢ - عن أبي أراكة قال: صليتُ مع علي بن أبي طالبٍ
الفجر، فلما انقلب عن يمينه مكث كأن عليه كآبةً ، ثم قَلَّب
مده، وقال: والله لقد رأيتُ أصحاب محمد عٍَّ فما أرى اليوم شيئاً
يشبههم ! لقد كانوا يصبحون شيئاً غيراً، بين أعينهم كأمثال ركب
المعز ، قد باتوا لله سجداً وقياماً، يتلون كتاب الله مراوحون بين
جباههم وأقدامهم ، فاذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميدُ الشجر في
يوم الريح، ومحملتْ أعينهم حتى تبلَّ ثيابهم، فاذا أصبحوا والله لكان
القوم بانوا غافلين . ثم نهض ، فما رُتي مفتراً ضاحكاً حتى ضربهُ ان
ملجم ( الدينوري ، والعسكري في المواعظ ، كر ، حل ) .
٤٤٢٢٣ - عن يحيى بن عقيل عن علي بن أبي طالب أنه قال
لعمرَ: يا أمير المؤمنين ! إِن سرك تلحق بصاحبيك فاقصر الأمل ،
وكل دون الشبع ، واقصر الإِزار ، وارقع القميص ، واخصف النعل ؛
تلحق بها ( هب ).
٤٤٢٢٤ - عن عبد الله بن صالح العجلي عن أبيه قال : خطب
٢٠٠