Indexed OCR Text

Pages 161-180

والسلامُ عليك ، فكتبَ إليهما : من عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة
ومعاذ بن جبل ، سلامٌ عليكما ، أما بعدُ ! فانكما كتبتما إلىَّ تذكر
أن أنكما عهد تماني وأمرُ نفسي لي مثلهم، فاني قد أصبحت وقد وليت
أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها يجلس بين يديَّ الشريف والوضيع ،
والعدو والصديق، ولكل حصته من ذلك؛ وكتبتما فانظر كيف
أنت عند ذلك يا عمر! وإنه لا حول ولا قوة عند ذلك لعمر
إلا بالله، وكتبما تحذاني ما حذرت به الأمم قبلنا، وقد ما كان
اختلافُ الليل والنهار بآجال الناس يقربان كلَّ بعيدٍ ويبليان كلَّ
جديدٍ ، يأياد بكلَ موعودٍ حتى يصيران الناس إلى منازلهم من
الجنة والنار ؛ كتبتما تذكران أنكما تحدثان أن أمر هذه الأمة سيرجع
في آخر زمانها أن تكون إخوان العلاية أعداء السريرةِ، ولستم
بأولئك، هذا ليس نزمان ذلك، وإِن ذلك زمانٌ تظهر فيه الرغبةُ
والرهبة ، تكون رغبة بعض الناس إلى بعضٍ لصلاح دياء ، ورهبة
بعض الناس من بعضٍ ؛ كتبتما به نصيحة تعظائي بالله أن أنزلَ
كتابكما سوى المنزل الذي نزل من قلوبكما ، فانكما كتبها ، وقد
صدقها فلا تدما الكتاب إلى، فاني لا غنى بي عنكما والسلامُ عليكما
( ش ، وهناد ) .
١٦١
ج/١٦ م/١١

٤٤٢٠٩ - عن ان الزبير قال: قال عمرُ بن الخطاب: إِن الله
عبادً يميتون الباطل بهجره ، ويحيون الحدَّ بذكره، رَغبوا فرعَّبوا،
ورهبوا فرهَّبوا ، إِن خافوا فلا يأمنون، أبصروا من اليقين ما لم
يُعاينوا ، فخلطوه بما لم يزالوا ، أخلقهم الخوف ، فكانوا يجرون ما
ينقطعُ عنهم لما يبقى لهم ، الحياة عليهم نسمةٌ والموتُ لهم كرامةٌ .
فزوجوا الحور العينَ وأخدموا الولدان المخلدين ( حل ) .
١١٢١٠ - عن زباد من حدر أن عمر بن الخطاب قال : يا زباد
ان حدر! هل تدري ما يهدمُ الإِسلام؟ إمامُ ضلالةٍ، وجدالُ
منافق بالقرآن ودن بقطع أعنافكم، وأخشى عليكم زلة عالم ، فأما
زلة العالم فان اهتدى فلا تقلدوه دفكم، وإِن زل فلا تقطعوا منه
إِاسكم ، فان العالم يزلُ ثم يتوبُ ، ومن جعل الله غناه في قلبه فقد
أفلح ( العسكري في المواعظ ) .
٤٤٢١١ - عن الحسن أن عمر كان يقولُ: يا أيها الناس ! إنه
من يشَّقٍ الشرّ بوقه، ومن يتبع الخير يؤنه (السكري في
المواعظ ) .
٤٤٢١٢ - عن أبي فراس قال: خطب عمر بن الخطاب فقال :
أيها الناسُ! ألا إنما كنا نعرفكم إِذ بين ظهرانينا الذي مهدّ وإذ
١٦٢

ينزل الوحيُ وإِذ ينبئنا الله من أخباركم، ألا! وإن النبيَّ ◌ٍَّ قَد
انطلق وانقطع الوحْيُ، وإِنما نعرفكم بما نقول لكم ، من أظهر
منكم خيراً ظننا به خيراً وأحببناه عليه ، ومن أظهر لنا شراً ظننا به
شرا وأبغضناء عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم، ألا إنه قد أتى علىّ
حينٌ ونا أحسبُ أن من قرأ القرآن يريد الله وما عنده ، فقد خيّل
إلىَّ بآخره أن رجالاً قد قرؤه بريدون به ما عند الناس ، فأريدوا
الله قراءته. وأربدوه بأعمالكم ، ألا! وإني والله ما أدجل عمالى
إليكم ليضربوا أبشاركم ولا يأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم
ليعلموكم دينكم وسنتكم ، فمن فعل به سوى ذلك فليرفعه إلىّ،
فوالذي نفسي بيده! إذا لأقصنَّه منه ، ألا ! لا تضربوا المسلمين
فتذلوم ، ولا تجمروم فتقتنوم، ولا تمنعوم حقوقهم فتكفروم ، ولا
تنزلوه الغياض فتضيعوهم ( حم ، وابن سعد ، وابن عبد الحكم في
فتوح مصر ، وإن راهره في خلق أفعال العباد، وهناد ومسدد وان
خزيمة ، والعسكري في المواعظ ، وأو ذر الهروي في الجامع ، ك ،
ق ، كر ص ) .
٤٤٢١٣ - حدْنا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري حدثنا موسى
ان عقبة قال : هذه خطبةُ عمر بن الخطاب يوم الجانية : أما بعدُ !
١٦٣

فاني أوصيكم بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه ، الذي بطاعته
يكرم أواياؤُه، ومعصيته يضل أعداؤه، فليس لهلك «لك معذرةٌ
في فعل ضلالة حسبها هدى، ولا في ترك حقٍ حسبه صلالة، وإِن
أحقَّ ما نعاهد الراعي من رعيته أن يتامده بما لله عليه من وظائف
دينهم الذي هداه الله له ، وإنما علينا أن نأمركم بما أمركم الله به من
طاعته ونتهاكم عما نهاكم الله عنه من معصيته، وأن نُقيم فيكم أمر
الله عز وجل في قريب الناس وبعيدهم ، ولا نبالي على من مال الحق،
وقد علمتُ أن أقواماً يتمنون في دينهم فيقولون: نحن نصليّ مع
المصلين ، وتجاهد مع المجاهدين ، ونتحل الهجرة ، وكل ذلك يفعله
أقوامٌ لا يحملونه بحقه ، وإن الإِيمان ليس بالتحلي ، وإن للصلاة وقتاً
اشترطه الله فلا تصلح إلا به ، فوقتُ صلاة الفجر حين نزايل المرء
ليله ويحرم على الصائم طعامه وشرابه، وآنوما حظّها من القرآن ،
ووقتُ صلاة الظهر إذا كان القيظ فيحين نزيغُ عن الفلك حتى يكون
ظلَّكَ مثلك ، وذلك حين هجر المهجر ، فاذا كان الشتاء فحين تزيغُ
عن الفلك حتى تكون على حاجبك الأيمن مع شروط الله في الوضوء
والركوع والسجودِ ، وذلك لئلا نام عن الصلاة، ووقتُ صلاة
العصر والشمس بيضاء نقية" قبل أن تصفارً قدر ما يسيرُ الراكبُ
١٦٤

على الجمل الثقال فرسخين قبل غروب الشمس ، وصلاة المغرب حين
تغربُ الشمس ويفطر الصائم ، وصلاةُ العشاء حين يَمسمس الليلُ
ونذهب حمرة الأفق إلى ثلث الليل ، فمن رقد قبل ذلك فلا أرقد الله
عينيه ، هذه مواقيت الصلاة ، إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً
موقوناً ، ويقول الرجئي : قد هاجرت ، ولم يهاجر ، وإن المهاجرين
الذى هجروا السيئات ، ويقولُ أقوامٌ: باعدنا ، وإن الجهاد في سبيل
الله مجاهدةُ العدو واجتناب الحرام، وقد يقاتل أقوامٌ يحسنون القتال،
لا يريدون بذلك الأجر ولا الذكر، وإنما القتل حتفٌ من الحتوف،
وكل امريء على ما قاتل عليه ، وإن الرجل ليقاتل بطبيعته من الشجاعة
فينجي من يعرف ومن لا يعرف ، وإن الرجل لبجبن بطبيعته فيسلم
أباه وأمَّه وإِن الكلب لَمَهِرَّ (١) من وراءَ أهله، واعلموا أن
الصوم حرامٌ يجتذب فيه أذى المسلمين ، كما يمنع الرجل من لذته من
الطعام والشراب والنساء، فذلك الصيام التام، وإيتاء الزكاة التي فرض
رسول الله صَلِيمٍ طيبةً بها انفسهم ، فلا يرون عليها براً، فافهموا ما
ما وعظون به ، فان الحرب من حرب دينه ، وإن السعيد من وعظ
(١) لتيتهرة: هرير الكلب: صوته دون نباحه من قلة صبره على البرد.
وقد هترًّ قتهر" - بالكسر - حريراً. اهـ صفحة ٥,٠ المختار. ب
١٦٥

بغيره، وإِن الشقىَّ من شَقِىَ في بطن أمه ، وإن شر الأُمور
مبتدعاتها، وإن الاقتصاد في سُنَّةٍ خيرٌ من الاجتهاد في بدعةٍ ،
وإِن الناس نفرةً عن سلطانهم ، فعائذٌ بالله أن يدركني! وإياكم
صنفان مجبولةً وأهواءَ مشبعةً ودنيا مؤثرة! وقد خشيت أن تركنوا
إلى الذين ظلموا فلا تطمئنوا إِلى من أُولى مالاً ، وعليكم بهذا القرآن!
فان فيه نوراً وشفاءَ، وغيره الشقاء ، وقد قضيتُ الذي علىَّ فيما
ولافي الله عز وجل من أموركم، ووعظتكم نصحاً لكم ، وقد
أمرنا لكم بأرزاقكم، وقد جندنا لكم جنودكم وحيانا لكم
مغازيكم ، وأثبتنا لكم منازلكم ووسَّنا لكم ما بلغ فيكم وما
قاتلّم عليه بأسيافكم ، فلا حجةَ لكم على الله بل لله الحجة عليكم
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ( ..... ).
٤٤٢١٤ - عن الشعبي قال: لما ولى عمر بن الخطاب صعد المنبر
فقال : ما كان اللهُ ليراني أن أرى نفسي أهلاً لمجلسٍ أبو بكرٍ ،
فنزل مرقاةً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : اقرؤا القرآن تعرفوا به ،
واعملوا به تكونوا من أهله، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ،
ونزيَّنوا للعرض الأكبر يوم تعرضون على الله لا تخفى منكم خافيةٌ ،
إنه لم يبلغ حقُ ذي حقٍ أن يطاع في معصية الله، ألا ! وإني
١٦٦ .

أنزلتُ نفسي من مال الله منزلة ولىّ اليتيم، إِن استغنيت عففتُ:
وإِن افتقرت أكلت بالمعروف ( الدينوري ) .
خطب على ومواعظ، رضى اللّ ه.
٤٤٢١٥ - عن علي أنه كتب إلى ابنه الحسن كتابا : من الوالد
الفان، المقرّ للزمان، المدْبر للعمر ، المستسلم فيه الدهر، الذامٍ
للدنيا ، الساكن مساكن المونى، الظاعن إليهم عنها غداً - إلى المولود
المؤمّل ما لا يدرك ، السالك سبيل من قد هلك ، عرض الأسقام ،
ورهينة الأيام ، ورمية المصائب ، وعبد الدنيا ، وتاجر الغرور، وغريم
المنايا، وأسير الموت ، وحليفٍ (١) الهموم، وقرينِ الأحزانِ،
ونصب الآفات ، وصريع الشهوات ، وخليفة الأموات ؛ أما بعدُ !
فان فيما قد بينت من إِدبار الدنيا عني وجنوح الدهر علىّ وإقبال
الآخرة على ما يَزَعُني (٢) عن ذكر ما سواي، والاهتمام بما
(١) حليف: الحليف: المتعاهد والمتناصر جمع أحلاف وحلفاء والملازم.
يقال : فلان حليف الجود وحليف الفصاحة . والمعنى : حليف الهموم
أي لا تفارقه الهموم . اهـ ١٩٢/١ المعجم الوسيط. ب
(٢) يتزعني: وَزِعَه يَزْعهُ وَزْعاً، مثل وضعه يضعه وضما، أي:
كتفَّه؛ فاتَّزع هو ، أي: كتفةً. وقال الحسن : لا يد للناس من
وازع ، أي من سلطان يتكُفهم . اهـ صفحة ٥٧٠ المختار . ب
١٦٧

ورايَّ ، غير أني حين تفردُ بي دون هموم الناس مُ نفسي فصدقني
رأيي ، وتصرف بي هواي ، وصرحَ إِلى محض أمري ، فأفضي بي
جدّ لا يزرق به لعبٌ، وصدقٍ لا يشوبه كذبٌ ، وجدتك أيْ
◌ُنيَّ من بعضي ، بل وجدتك من كلي حتى كأن شيئاً لو أصابك
أصابني ، وكأن الموت لو أناك أتاني ، فعناني من أمرك ما عناني من
نفسي ، فكتبت إِليك كتابي هذا إن أنا بقيتُ أو فنيت، وإني
أوصيك يا بني بتقوى الله ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره،
والاعتصام بحبه، فهو أونق السبب بينك وبينه، يا بني! أَحْي
قلبك بالموعظة ، وموته بالزهد، وقوة باليقين، وَذَلِلْهُ بذكر
الموت، وأكثره بالفاء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر
وفحش تقلب الأيام، وعرض عليه أخبار الماضين وذكره ما أصاب
من كان قبلك، وسر في ديارهم، واعتبر بآ نارم، وانظر ما فعلوا ،
وعمن انتقلوا، وأن حلوا، فانك بجدم انتقلوا عن الأحبة، وحلوا
دار الغربة، وكأنك عن قليل قد صرت كأحدم ، فأصلح مثواك
واحرز آخرتك ، ودع القول فيما لا تعرف، ولدخول فما لا تكلف،
وأمسك عن السير إذا خفت ضلالة، فان الكفّ عند حيرة الضلالة
خيرٌ من ركوب الأهوال، وأمُرْ بالمعروف تكن من أهله "
١٦٨

وأذكر المنكر بيدك ولسانك وبان من فعله بجهدك ، وخض الغمرات
إلى الحقّ، ونفقه في الدين، وعود نفسكَ الصبرَ على المكروه،
وألجىء نفسك في الأمور كلها إلى الله، فانك تاجئها إلى كهف
حريزٍ ومانعٍ عزيز ، وأخلص في المسألة لربك ، فان بيده العطاء
والحرمان وأكثر الاستخارة، ونفهم وصيتي، لا يذهبن عنك صفحاً ،
أي بي! إِن لما رأى قد بلغت سناً ورأيتني ازددت وهذا بادرتُ
بوصيتي إنك خصالاً منهن ن تعجل لي أجل قبل أن أفْضِىَ إليكَ
ما في نفسي وأنقص في رأيي كا نقصت في جسمي ، أو يسبقني إليك
بعض غلبة الهوى وفتن الدنيا فتكون كالصعب النفور ، وإنما قلب
الحدث كالأرضِ الحالية، ما أُقىَ فيها من شيء قبلته، فباكرنك
بالأدب قبل أن يقسو قلبك وبشتغل لُبُّكَ، لتستقبلَ بجدّ رأيك ما
قد كفاك تجربته، فتكون قد كفيت مؤنة الطلب ، وعوفيت من
علاج التجربة ، فأماك من ذلك ما قد كنا نأنيه ، واستبانَ لك ما
ربما أظلم علينا فيه " أي بي! إني لم أكن عمرت عمر من كان قبلي،
فقد نظرتُ في أعماريمٍ وفكرت في أخبارم ، وسرت إفي آثارم،
حتى عدت كأحدهم، بل كأني لما قد انتهى إلىّ من أمورم قد
عمرتُ مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره
١٦٩

ونفعَه من ضرره، فاستخلصت من كل شيءٍ نحيلته، وتوخيتُ لك
جميلته، وصرفتُ عنك مجهوله ، ورأيت عنايتِي بك واجبةً على،
فجمعت لك ما إن فهمته أدبك ، فاغتنم ذلك وانت مقتبلٌ من النية
واليقين ، فعليك بتعليم كتاب الله وتأويله ! وشرائع الإسلام وأحكامه،
وحلاله وحرامه ، لا تجاوز ذلك قبله إلى غيره ، فان أشفقتَ أن
شبهةٌ لما اختلف فيه الناس من أهوائهم ورأيهم مثل الذي تَبسهم ،
فتقصدْ في تعليم ذلك بلطفٍ ، يا بني! وقدمْ عناتك في الأمر
ليكون ذلك نظراً لديك، لا مماراً ولا مفاخراً ولا طلباً لعرضٍ
عاجلتك ، فإن الله يوفقك لرشدك ، ويهديك لقصدك ، فأقبل عهدي
إليك ، ووصيتي لك، واعلم يا بني! إِن أحبَّ ما أنت آخذٌ ه من
وصيتي تقوى الله، والاقتصارُ على ما افترض الله عليك، والأخذ ما
الضى عليك أولوكَ من آبائك والصالحون من أهل بيتك ، فإنهم لم
يدعوا أن ينظروا لأنفسهم كما أنت ناظرٌ وفكروا كما أنت مفكر،
ثم ردهم ذلك إلى الأخذ بما عرفوا والإمساك عما لم يُكافوا، فان
أبت نفسك أن نقبل ذلك دون أن تعلم ما علموا، فيكونَ طلبُك
ذلك بتعليمِ وتفهمٍ وتدبرٍ ، لا بتوارد الشبهات وعلم الخصومات ،
وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بالّبكَ عليك والرغبة إليه ،
١٧٠

واحذر كل شائبةٍ أدخلت عليك شبهةً، وأسلمتك إلى ضلالةٍ ، فاذا
أيقنت أن قد صفا قلبك فخشعَ ، وتم رأيك فاجتمع ، كان حمُك في
ذلك حمّا واحداً، فانظر فيما فسرت لك ، وإن أنت لم يجتمع لك ما
تحبُ من فراغ نظر ك فاعلم أنك إنما نخبط خبط عشواء ، وليس
من طالب لدن من خبط ولا خلط ، والإمساك عند ذلك أمثلَ ،
وإن أول ما أَبدأك به في ذلك وآخره أبي أحمدُ الله إِلَّىي وإِهَك
إِلَّه الأولين والآخرين، ربْ من في السماوات ومن في الأرضين،
بما هو أهله، وكما هو أهله، وكما يحبُ وينبغي له ، وأسأله أن يصلي
على بدنا محمدٍ ◌ٍّ، وأن يتم علينا نعمه لما وفقنا من مسألته والإجابة
لنا ، فان بنعمته تتم الصالحات ؛ اعلمْ أي بني ! إن أحداً لم ينيء عن
الله عز وصل كما بأبه محمدٌ عَسي، فارضَ به رائد (١)، فأني لم
آلُكَ نصيحةً ولم تلغ في ذلك ، وإني اجتهدت مباني في ذلك لمنايتي
وطول تجر بتي ، وإن نظري لك كنظري لنفسي؛ اعلم أن الله واحدٌ ،
أحدٌ صمدٌ ، لا يضادّه في ملكه أحدٌ ، ولا يزول ولم يزل ، أول
من قبلِ الأشياء بلا أوليةٍ ، وآخرُ بلا نهايةٍ، حكيمٌ ، عليمٌ ،
(١) رائد: الرائد: الذي يرسل في طلب الكلاً. اهـ صفحة ٢٠٩.
المختار . ب
١٧١

قديمٌ، لم يزل كذلك، فإذا عرفتَ ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك في
صغر خطره، وقلة مقدرته، وكثرة عجزه، وعظم حاجتك إِلى.
ربّك ، فاستعن بادبك في طلب حاجتك ، وتقرب إليه بطاعته ،
وأرغب إليه بقدرته، وارهب منه برويته ، فانه حكيمُ لم يأمرك إلا
بحسنٍ، ولم ينهك إلا عن قبيحٍ ، اجعل نفسك ميزاناً بينك وبين
غيرك؛ وأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها،
ولا تظلم كما لا تحبْ د نظم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك،
ولا تقل ما لا تعلم ، بل أقل مما تعلم ، ولا نقل ما لا تحب أن يقال
لك ؛ اعلم يا بني أن الإِعجابَ ضدُّ الصواب، وآفة الألباب ، فاسع
في كدحك ؛ ولا تكن خازناً لغيرك ، فاذا هديت لقصدك فكن
أخسع ما تكونُ لربك ؛ واعلم أن أمامك طريقاً ذا مشقة بعيدة .
وأهوالٍ شديدةٍ ، وأنك لا غنى بك عن حسن الارتياد ، وقدر
بلاغك من الزاد مع خفة الظهر ، فلا تحملن على ظهرك فوق طاقتك ،
فيكون ثقله وبالاً عليك ، وإذا وجدت من أهل الحاجة من يحملُ
لك زادك وبوافيك به حيث تحتاجُ إليه فاغتنمه، واغتنم ما أقرضتَ
من استقرضك في حال غناك، واعلم أن أمامك عقبة كؤوداء مهبطها
على جنةٍ أو على نارٍ ، فارتد لنفسك قبل نزولك ، فليس بعد الموت
١٧٢
٠

مستعتبُ ، ولا إلى الدنيا منصرفُ ؛ واعلم أن الذي بيده خزانٌ
السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء وضمن الإجابة ، وأمرك أن
تسأله فيعطيك، وتطلب إليه فيرضيك، وهو رحيم لم يجمل بينك
وبينه حجاباً، ولم يُلجأك إلى من تشفع ٠ إليه، ولم عنمك إن أسأت
التوبة، ولم يماجلك بالقمة ، ولم يؤسك من رحمته ، ولم يسدُ عليك
باب التوبة ، وجعل توبتك النزوع عن الذف، وجعل سيئتك واحدة
وجعل حسنتكَ عشراً، إِذا ناديتهُ أجابك ، وإذا ناجيته علم نجواك ،
فأفضيت إليه بحاجتك، وأثبتهُ ذات نفسك، وشكوت إليه همومك،
واستعنته على أمورك، وسألته من خزان رحمته التى لا يقدرُ على
على إعطائها غيره من زيادة الأعمار وصحة الأدان وسعة الرزق وتمام
النعمة، فألح في المسألة ، فبالدعاء تفتح أبواب الرحمة، ولا يقتطُكَ
إبطاء إِجاته ، فان العطية على قدر النية، فر ما خرت الإجابةُ لتطول
مسألة السائل ، فيعظمُ أجره، ويُعطي سؤلُه، وربما ذخر ذلك له
في الآخرة، فيعطى أجرُ تعبده ، ولا نفعل بعبده إلا ما هو خيرُ له
في العاجلة والآجلة ، ولكن لا يجد لطفه أحدٌ، ولا يعرفُ دقائق
تدبيره إلا المصطفون، ولتكن مسألتك لما يبقى ويدوم في صلاح
دنياك وتسهيل أمرك وشمول عافيتك، فانه قريبٌ مجيبٌ ؛ اعلم أي هي
١٧٠

أنك خلقت للآخرة لا للدنيا ، وللغناء لا للبقاء ، وأنك في منزل
قلعة ودار بلغة وطريق الآخرة ، وأنك طريدةُ الموت الذي لا ينجو
منهُ هاربه، ولا يفوته طالبه ، فاحذر أن يدركك وأنت على عالٍ
سيئةٍ ، وأعمالٍ مرديةٍ فتقع في ندامة الأبد وحسرةٍ لا نقدُ ، فتفقد
دينك لنفسك ، فدينك لحمك ودمك ، ولا ينقدك غيره ، اي ني !
أكثر ذكر الموت وذكر ما نهجمُ عليه. وتقضى بعد الموت. إِليه،
واجعله نصب عينيك حتى يأتيكَ وقد أخذتَ له حذرك ، ولا يأسيك
بغتة فيهرك، وأكثر ذكر الآخرة وكثرة نعيمها وحبورها وسرورها
ودوامها وكثرة صنوف لذاتها وقلة آفاتها إذا سلمت، وفكّرْ في
ألوان عذابها وشدة غمومها وأصناف نكالها ، إِن أنت يقنت فان ذلك
نزعدك في الدنيا ويرغُبك في الآخرة، ويصفر عندك زينة الذيا
وغرورها وزهرتها فقد نباك الله عنها وبين أمرها ، وكشف عن
مساوبها، فاياك أن تغترَّ ما ترى من إخلاد أهلها إليها وتكالبهم عليها
ككلاب عاوية ، وسباعٍ ضاربةٍ ، بهر بعضهم إلى بعضٍ ؛ وتقهر
عزيزُها ذليلها ، وكثيرها قليلها ، قد أضلت أهلها عن قصد السبيل،
وسلكت بهم طريقَ السمى ، وأخذت بأبصارم عن منهج الصواب ،
فتاهوا في حيرتها ، وغرقوا في فتنتها ، وتخذوها رياً فعبت بهم
١٧٤

ولعبوا بها ، ونسوا ما وراءها ؛ فاياك يا بني أن تكون مثل من قد
شاته بكثرة عيوبها ! أي بني! إِنك إِن تزهد فما قد زهدتك فيه من
أمر الدنيا وُتُعرض نفسك عنها فهي أهل ذلك، فان كنت غير قابل
تُصحي إِنك منها فاعلم يقيناً أنك لن تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك،
فانك في سبيل من قد كان قبلك ، فأجملْ في الطلب ، واعرف سبيل
المكتسب ، فانه ربَّ طلب قد جرّ إلى حربٍ ، وليس كلُ طالبٍ
يصيبُ، ولا كلِّ غائبٍ يؤوب، وأكرم نفسك عن كل ذية
وإن سامتك ؛ إياك أن تعتاض بما نبذل من نفسك عوضاً وقد جمك
الله به حرًاً! وما منفعةُ خيرٍ لا يدرك باليسير ، ويسير لا ينال إلا
بالعسير ؛ وإنك أن توجف بك مطابا الطمع فتوردك منال الملكة !
وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نسمة فافعل ، فانك
مُدرِك قسمك، وآخذٌ سهمك، وإن اليسير من الله أعظمُ وأكرمُ
وإِن كان كلٌ من الله - ولله المثلُ الأعلى، واعلم أن لك في يسيرٍ
مما تطلبُ فتنال من الملوك افتخاراً ، ويع عرضك ودسك عليك
عارٌ ، فاقتصدْ في أمرك تحمد معقبة عقلك ، إِنك لست بائماً شيئاً
من عرضك ودينك إلا بثمنٍ ، والمغبون من حرم نصيبه من الله ،
فخذ من الدنيا ما أراك، وقول عما تولى عنك، فان أنتَ لم تفعل
١٧٥

فأجمل في الطلب ؛ وإياك ومقاربة من يشيك! وتباعد من السلطان ،
ولا تأمن خدع الشيطان ، ومتى ما رأيت منكراً من مركَ فأصلحه
بحسن نظرك، فان لكل وصفٍ صفةً، ولكل قولٍ حقيقةً،
ولكلٍ أمرٍ وجهاً ينالُ الأريبُ - أي العامل - فيه رشده، وبهالك
الأحمق بتصفه فيه نفسه؛ يا ني ! كم قد رأيتُ من قيل له: تحبُ
أن تُعطي الدنيا بما فيها مائة سنةٍ بلا آفةٍ ولا أذى ، لا ترى فيها
سوءاً ويكون آخر أمرك عذابُ الأبد، فلا يتسع بها ولا يريدها ،
ورأيتُه قد أهلك دينه ونفسه باليسير من زينة الدنيا ، وهذا من كيد
الشيطان وحبائله ، فاحذر مكيدته وغروره ، يا بني ! أمْدكْ عليك
لسانك ، ولا تنطقٍ فيما تخافُ الضرر فيه، فان الصمت خيرٌ من
الكلام في غير منفعةٍ ، وتلافيك ما فرط من همتك أيسرُ من
إدراكك ما فات من منطقك ، واحفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء ،
واعلم أن حفظ ما في يديك خيرٌ من طلبٍ ما في يد غيرك ،
وحسن التدبير مع الكفاف أكْفى لك من الكثير في الإسراف ،
وحسنَ اليأس خيرٌ لك من الطلب إلى الناس ، يا بني! لا تحدثْ
من غير ثقة فتكون كذاباً، والكذبُ دء فَجانبْهُ وأهله، يا بني !
العفةُ مع الشدة خيرٌ من الغنى مع الفجور ، من فكر أبصر ،
١٧٦

ومن كثر خطاؤه هُجرَ ، وربَّ مضيعٍ ما يسره ، وساعٍ فيما
يضره، من خير حظِ المرِء قرينٌ صالحٌ، فقارن أهل الخير تكن
منهم ، وبان أهل الشر تين منهم ، ولا يغلبن عليك سوء الظنّ ، فانه
لن بدع بينك وبين خليلك ملجأٌ، قد يقالُ: من الحزم سوء الظن،
وبئس الطعامُ الحرامُ ، وظلم الضعيف أنشُ الظلم، الفاحشة نقصمُ
القلب ، إِذا كان الرفقُ خرقاً كان الخرقُ رفقاً ، وربما كان الداء
دواءَ والدواء داء، وربما نصحَ غير الناصحِ وغشَّ المنتصحُ، إياك
والاتكال على المنى! فانها بضائعُ الذُّوكى (١)، ذَكْ فليك بالأدب
كما تذكتي النارُ الخطب ، ولا تكن كخاطب الليل وغثاء السيل ،
كفر النعمة لؤمّ، وصحبة الجاهل شؤْمٌ، والعقلُ حفظُ التجارب ،
وخير ما جربت ما وعظك ، ومن الكرم لين الشيم ، بادر الفرصة
قبل أن تكون غصةٌ ، ومن الحزم العزمُ ، ومن سبب الحرمان
التواني، ومن الفساد إِضاعةُ الزاد ومفسدة المعاد، لكل أمرٍ عاقبةٌ،
فربّ مشيرٍ بما يضر، لا خير في معينٍ مهينٌ ، ولا في صديقٍ
ظنينٌ ، ولا تدع الطلب فيما يحلْ ويطيب فلا بدّ من بلغةٍ، وسيأتيك
(١) النشوكي: النشتوك بالضم والفتح: الحُمْق، وما أثوكه : ما أحمقه.
اهـ ٣٢٢/٣ القاموس. ب
١٧٧
ج/١٦ ٢/ ١٢

ما قُدّرَ لك ، التاجرُ مخاطرٌ ، من حلم ساد ، ومن تفهم ازدادَ ،
ولقاء أهل الخير عمارة القلوب ، ساهل ما ذلَّ لك بقوة ، وإياك أن
تطمح بك مطيةُ اللجاج ! وإن قارفتَ سيئةً فعجل محوها بالتوبة ،
ولا نخن من أنتمنك وإن غانك ، ولا تذع سره وإن أذاع سرّك،
خذ بالفضل ، وأحسن البذل ، وأحبب للناس الخير ، فان هذه من
الأخلاق الرفيعة ، وإِنك قلّ ما تسلم ممن تسرعتَ إليه ، وكثيراً ما
يحمد من تفضلت عليه؛ اعلم أي بيَّ أن من الكرم الوفاء بالذمم .
والدفعَ عن الحرم، والصدود آية المقت، وكثرة العلل آيةُ البخل،
وبعض الإمساكِ عن أخيك مع الإلف خيرٌ من البذل مع الحنَفِ (١)،
ومن الكرم صلة الرحم ، والتجرمَ وجه القطيعة ، احملْ نفسك من
أخيك عند جموحه على البذل، وعند تباعده على الدنو، وعندَ شدته
على اللين، وعند تجرمه على الاعتذار، حتى كأنك له عبدٌ وكأنه
ذو نعمةٍ عليك ، ولا تضعْ ذلك في غير موضعهِ، ولا تفعله بغير
أهله ، ولا تتخذ من عدو صديقك صديقاً فتعادي صديقك، ولا تعمل
بالخديعة فانها أخلاقُ اللئام ، وامحض أخاك النصيحة حسنةً كانت أم
(١) الجنف: الجنفُ محركة والجنوف بالضم: الميل والجور. اهـ ١٢٤/٣
القاموس . ب
١٧٨

قبيحةً، وساعدْه على كل حالٍ ، وزُلْ معه حيث زال ، ولا تطلبن
منه المجازاة ، فانها من شيم الدناءة ، وخذ على عدوك بالفضلِ ، فانه
أَحْرى للظفر، لا تصرمْ أخاك على ارتيابٍ ، ولا تقطعه دونَ
استعتابٍ ، ولِنْ لمن غلظك فنه يوشك أن يلين لك، ما أقبح القطيعة
بعدُ الصلة ، والجفاء بعد اللطف ، والعداوة بعد المودة ، والخيانة لمن
أْتمنك، وخلف الظنّ لمن ارتجاكَ، والغرر بمن وثق بك! وإن
أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقيةً ، ومن ظن بك خيراً
فصدق ظنه ، ولا تضيمنَّ بر أخيك اتكالاً على ما بينك وبينه ، فانه
ليس بأخٍ من أضعت حقه ، لا يكون أهلك أشقى الناس بك، ولا
ترغبن فيمن زهد فيك، ولا تزهدْن فيمن رغب إليك، إِذا كان
للخلط موضعاً ، لا يكون أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته
لا يكون على الإساءة أقوى منك على الإحسان إليه ، ولا على البخل
أقوى منك على البذل ، ولا على التقصير أقوى منك على الفضل، لا
يكثرن عليك ظلمُ من ظلمك ، فانه يسمى في مضرته ونفعِك، وليس
جزاء من سرك أن تسوءه؛ واعلم أي بني ! أن الرزق رزقان : رزقٌ
تطلبه، ورزقٌ يطلبك، فإن لم تأنه أناك، واعلم أن الدهر ذو صروفٍ،
فلا تكون ممن يَسُبُّكَ لاعنةً للدهر ، ومحفلاً عند الناس عذره ،
١٧٩

ما أقبح الخضوعَ عند الحاجة ، والجفاء عند الغنى، إِنما لك من
من دنياك ما أصلحت به مثواك ، فأنفقْ يُسرك ، ولا تكن غازناً
لغيرك ، فان كنت جازعاً مما تفلت من يديك فاجزع على ما يصلُ
إليك ، استدلَّ. على ما لم يكن بما قد كان ، فان الأمور أشباهٌ يشبه
بعضها بعضاً، ولا تكفرنً ذا نعمة، فان كفر النعم من قلة الشكر
ولؤْم الخلق، وأفل العذر ، ولا تكونَّ ممن لا تنفعه العظة إلا إِذا
بلغت في الملامة ، فان العاقل يتعظ بالقليل، والبهائمُ لا تنفعُ إِلا
بالضرب ، واتعظْ بغيرك ولا يكونَّ غيرُك متعظاً بك، واحتد بحذه
الصالحين ، واقتد بآدابهم وسر بسيرتهم، واعرف الحقَّ لمن عرفه لك
رفيعاً كان أو وضيعاً ، واطرحْ عنك واردات الهموم بعزائم الصبر
وحُسنِ اليقينِ ، من ترك القصد جار ، نعم حظُ المرءِ القناعة!
شرٌّ ما أشعر قلب المرء الحسد، وفي القنوط التفريط ، وفي الخوف
من المواقبِ البنيُ ، الحسد لا يجلب مضرةً وغيظاً يوهنُ قلبك
ويمرض جسمك ، فاصرف عنك الحسد تغنم ، وأَنْقٍ صدركَ من
الغلِ تسلم، وارجُ الذي بيده خزائن الأرض والأقوات والسماوات ،
وسَلْهُ طيب المكاسبِ تجده منك قريباً ولك مجيباً، الشحْ يجلبُ
الملامة، والصاحب الصالحُ مناسبٌ ، والصديقُ من صدق غيبهُ،
١٨٠